أحمد الكاتب يرد على السيد سامي البدري بمناسبة صدور كتابه  - شبهات وردود

  دعوة لمواصلة البحث العلمي ، والاجتهاد في الأصول قبل الفروع الجزئية!

لماذا أهملت موضوع الإمامة والمهدي وتعلقت بموضوع (الاثني عشرية)؟

الواقع السياسي المرير للأمة

يدفعنا الى مراجعة التراث والبحث عن الفكر الإسلامي الأصيل

منهجنا هو التمسك بالكتاب والسنة والسير على هدى أهل البيت (ع)

الشبهة تتمثل

في منهج التأويل الباطني المخالف لسيرة أهل البيت والاستيراد من الإسرائيليات.

السيد سامي البدري حفظه الله قم ايران

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أود أولا ان اقدم لك شكري الجزيل على قيامك بالتجاوب مع دعوني لمناقشة الدراسة التي قمت بها حول نظرية الامامة الإلهية ووجود الامام الثاني عشر (محمد بن الحسن العسكري) حيث كنت من السباقين الذين بادروا الى طلب الدراسة لمناقشتها قبل خمسة أعوام ، وقد أرسلتها اليك فأوليتها اهتمامك البالغ حتى أصدرت كتابا ونشرة خاصة للرد عليها ، في الوقت الذي اكتفى آخرون بالصمت والإهمال او التظاهر بعدم المبالاة.

  وكما تعرف فقد كنتُ قد وجهت دعوات مفتوحة وشخصية الى عملاء الحوزة العلمية في قم لعقد ندوة حول وجود (الامام المهدي) ولكني لم أتلق أية إجابة حتى الآن مع الأسف الشديد. ولو كانت الدعوة موجهة الى جامعات أخرى لهبت لدراسة أي موضوع يهمها ويهم المجتمع.

   وقد كان منطلقي لتلك الدعوة هي دراسة الفكر السياسي الشيعي وتصفيته مما دخل فيه من أفكار وفرضيات ونظريات منحرفة ووهمية والعودة به الى فكر أهل البيت (ع) الصافي السليم. وذلك كجزء من مشروع أكبر لدراسة الفكر السياسي الإسلامي العام وتصفيته مما لحق به من تحريفات أموية وعباسية وغيرها، الذي ابتعد عن منهج الشورى ومال الى نظرية القوة والغلبة العسكرية وقام على مبدأ الوراثة العائلية ،ألغى حق الأمة في الترشيح والانتخاب والنقد والمحاسبة والمشاركة السياسية.

   لقد وجدت في دراستي عن تطور الفكر السياسي الشيعي : ان فكر أهل البيت الأصيل كان يقوم على الشورى وحق الأمة في انتخاب أئمتها ، ورفض المنهج الأموي والعباسي في الاستيلاء على السلطة بالقوة واحتكارها وتوريثها للأبناء وأبناء الأبناء ،وان بعض المتكلمين قد قاموا بمؤامرة كبرى لطمس فكر أهل البيت العظيم وتشويهه وتحريفه وتقديمه بصورة (ملكية وراثية) مشابهة للفكر الأموي والعباسي.

واعتقد انك توافقني على ذلك فقد قلت في محاضراتك في لندن عام 1415:" ان الحاكم في النظرية الإسلامية وكيل عن الأمة يتعاقد معها ، وان سلطان الأمة أعلى من سلطان الحاكم ، وهذا مبدأ أساسي في الدين ، وان الإسلام لم يقل ان الحاكم خليفة الله في الأرض ، ولكن الخلفاء الذين ادعوا ذلك وزعموا ان سلطانهم أعلى من سلطان الأمة وانه مقدس قد افتروا على الإسلام من أجل ان يحكموا سيطرتهم على الناس" وقلت:" ان نظرية الحكم في الإسلام تقوم على أساس البيعة ، وهي حق من حق الأمة ، والأمة تستطيع ان تسحب الحق من الحاكم… ويمكننا ان نستنبط هذه النظرية الإسلامية القائمة على الشورى والانتخاب من خلال الكتاب والسنة ومن سيرة الرسول الأعظم (ص) والإمام علي بن ابي طالب والإمام الحسن والإمام الحسين حيث نجد ظاهرة البيعة والعقد واضحة في حياتهم وأقوالهم" "وقدم الامام علي (ع) تجربة قامت على أساس ان الحاكم يستمد سلطانه من الأمة ولا يفرض آراءه بالقوة" وقلت:" ان الولاية لعلي في الغدير لا تعني الحكم والخلافة السياسية، صحيح ان الامام علي بعد يوم الغدير أصبح له حقا في الحكم وانه صار أولى من كل أحد ، ولكن بشرط ان تبايعه الأمة ليصبح حاكما ، ولا يصبح حاكما الا بعد البيعة".

  وقد كان ذلك منك تطورا جديدا في الفكر السياسي يخالف الفكر (الإمامي) الموروث - كما قلت في محاضراتك – ولم تتوصل اليه الا لأنك رفضت التقليد الأعمى للآباء واجتهدت في الفكر ، خلافا للكثير من العلماء الذين يجتهدون في الفروع ويقلدون في الأصول.

وقد وجدت في دراستي ان الفكر الإسلامي السياسي  وفكر الطوائف الإسلامية المختلفة قد تطور مع الزمن وتبدل من اليمين الى الشمال ومن الشمال الى اليمين ، وان أيا من النظريات المختلفة والعديدة في المجال الفكري السياسي الإسلامي هي نظريات اجتهادية ظنية ولا تمس اسس الدين كالتوحيد والنبوة والمعاد او تعارض شيئا واضحا وصريحا في القرآن الكريم او السنة النبوية المطهرة ، وبكلمة أخرى قد تكون النظريات المختلفة صائبة او خاطئة ولكنها لا تخرج عن إطار الدين. ولذا لا بد من احترام جميع وجهات النظر الاجتهادية داخل الإطار الإسلامي واحترام أصحابها وعدم تكفيرهم او تفسيقهم وإخراجهم من الدين ، وذلك من أجل المحافظة على الوحدة الإسلامية والحريات والحقوق الأساسية العامة. ولا يجوز لأي أحد ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة واتهام المخالفين له بالباطل المطلق. وان السبيل للوصول الى الحق هو الحوار الهادئ الموضوعي والاستماع الجيد لوجهات نظر الآخرين.

   ومن هنا فاني أود توجيه عتاب اخوي الى السيد سامي البدري لقيامه بطرحه لردوده على كتابي في إطار (الرد على الشبهات التي أثارها أحمد الكاتب ضد العقيدة الاثني عشرية والإسلام والتشيع) كما يقول في مقدمة كتابه (شبهات و ردود).

   أقول له: إذا كنت تختلف معي فيما ذهبت اليه من التزام أهل البيت بنظرية الشورى في الحكم ، فان من الطبيعي – إذا أردت الحوار – ان تقدم أدلتك العلمية القاطعة على وجهة نظرك ، الا انه لا يجوز لك ان تبادر الى ادعاء الحق المطلق وكأن جبرائيل قد هبط عليك بالوحي ، ثم تتهم الآخرين بمهاجمة الإسلام والتشيع ،  وأنت تعلم علم اليقين ان بحثنا يدور في إطار الفكر السياسي وقيام نظرية الامامة على الشورى او النص والتعيين ، وهو ليس الا خدمة للإسلام والتشيع.

  واذا كنت تسمح لنفسك بممارسة هذا الأسلوب الدعائي المتعالي ، فأرجو ان تتذكر انك كنت ضحية الإرهاب الفكري عندما اتهمك البعض (السيد حسين الصدر) بالتسنن والانحراف عن مذهب أهل البيت ، وذلك في أعقاب محاضرتك في دار الإسلام في لندن قبل عامين ، بسبب من بعض آرائك الجديدة حول الشورى وقيام الخلافة الإسلامية على أساس البيعة والانتخاب ، والتي نشرناها في العدد الأول من (الشورى).

  كما أرجو ان تتذكر الاتهامات القديمة التي كان يوجهها الاخباريون المتحجرون للمجتهدين الأصوليين بالانحراف عن مذهب أهل البيت والتسنن وذلك لأخذهم بمبدأ الاجتهاد وولاية الفقيه ، وهما  منصبان يعتقد الاخباريون حتى اليوم انهما من اختصاصات الامام المعصوم (المهدي المنتظر) ولا يجوز لأي أحد ان يقوم بهما في (عصر الغيبة) لا بالأصالة ولا بالنيابة العامة . فهل كانت اتهامات الإخباريين للأصوليين في محلها؟ وهل توافقهم عليها؟

   وأرجو ان تتذكر أيضا ان السيد محسن الأمين والشيخ الخالصي والدكتور علي شريعتي والإمام الخميني والسيد محمد حسين فضل الله وغيرهم وغيرهم تعرضوا من قبل المتحجرين والمنغلقين للاتهام بالوهابية والتسنن والشيوعية والعداء لأهل البيت ، ولا تزال المعركة قائمة ضدهم ، فهل تقبل بهذه السياسة التهريجية الغوغائية القائمة على اتهام الخصوم واستثارة العواطف العامة؟ وهل تعتقد اننا بهذه الحدة والعنف والإرهاب الفكري نستطيع بناء مجتمع إسلامي حر وموحد؟ او نستطيع حل اية مشكلة من مشاكلنا المزمنة؟

   لقد كانت نظرياتك الجديدة حول التزام أهل البيت بالشورى ، وانها أساس الحكم والخلافة ، خطوة على الطريق الصحيح لمعرفة مذهب أهل البيت المطمور تحت ركام الأحاديث المختلقة والنظريات الفلسفية الضعيفة والفرضيات الوهمية والروايات الأسطورية ، وهي في نظر الإخباريين و(الحجتية) شبهات ضد مذهب أهل البيت ، ولكنها في نظري محاولة اجتهادية لاستكشاف مذهبهم الصحيح ، فكيف تتجرأ بوصف ما قمنا به بالشبهة ؟ وهو ليس الا محاولة اجتهادية للتعرف على مذهب أهل البيت . ولو بذلت مزيدا من الجهد والبحث العلمي والموضوعية والهدوء لتوصلت الى ما توصلت اليه.

ان منهجنا في البحث والتفكير هو التمسك بالقرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وأحاديث وسيرة أهل البيت (ع) الظاهرية ، ورفض التأويلات الباطنية والروايات السرية والأحاديث الضعيفة والمختلقة ، وقد توصلنا من خلال هذا المنهج الى ما نعتقده فكر أهل البيت الأصيل والسليم القائم على الشورى والحرية والعدالة وحق الأمة في انتخاب الرؤساء ومحاسبتهم وعزلهم ، وهو ما نحتاج اليه في واقعتا السياسي المر الذي يسيطر فيه على السلطة حكام طغاة بالقوة والجبروت ويتوارثون السلطة  والثروة الوطنية العامة في عوائلهم وابنائهم.

  وان الشبهات تأتي من منهج التأويل السري الباطني لأقوال أهل البيت وسيرتهم ،وهو منهج وقعت فيه الفرق الضالة الغالية والمنحرفة عن أهل البيت التي كانت تؤلّه الأئمة او تقول بنزول الوحي عليهم او تقول بتحريف القرآن الكريم او تنكر وفاة الأئمة او تختلق أولادا وهميين لم يخلقوا لهم. واسمح لي ان أقول لك: بأنك وقعت في الشبهة عندما التزمت بهذا المنهج الباطني عندما رفضت في كتابك (شبهات وردود) الروايات الصحيحة التي تتحدث عن البداء والتي لم يشك فيها أحد حتى الذين نقلوها كالشيخ الكليني والمفيد والطوسي ، واقترحت طرحها لأنها لا تنسجم مع النظريات الوهمية التي كونتها حول وجود القائمة المسبقة بأسماء الأئمة الاثني عشر من قبل ، وكان من الأجدر بك ان تذعن للحقيقة وتنطلق منها ومن موضوع البداء لتؤسس أفكارك على ما يقول وما يفعل اهل البيت.

أخي العزيز السيد سامي البدري… انك لا تدافع عن مذهب أهل البيت وانما عن نظريات المتكلمين الوهمية التي أكل الدهر عليها وشرب ، والتي تسببت في إخراج الشيعة من مسرح التاريخ قرونا طويلة من الزمن ، والتي تخلوا عنها في القرون الأخيرة عندما قالوا بمبدأ الاجتهاد وولاية الفقيه او الشورى ، فهل تريد ان تعيدنا الى ما ذهب اليه المتكلمون السابقون الاخباريون من حرمة الثورة على الظالم وحرمة الجهاد في سبيل الله واقامة الدولة في (عصر الغيبة) وتعطيل الخمس والزكاة وإباحة الأنفال وتحريم صلاة الجمعة الا بشرط حضور (الامام المعصوم المعين من قبل الله تعالى) وضرورة التقية والانتظار الى ظهور المهدي؟

   واذا كنت لا تريد ذلك لأنك تؤمن بحرية الاجتهاد ونظرية ولاية الفقيه والنيابة العامة فلماذا تمتعض بشدة من مناقشة وتحليل النظريات المنقرضة أملا بالوصول الى فكر سياسي أفضل وأسلم؟ وهل هناك حدود للاجتهاد تقتصر على ممارسته في الأمور الجزئية الفرعية فقط؟

واذا كنت تتفق معي في مواكبة الثورة الشيعية الراهنة المتحررة من أغلال المتكلمين والإخباريين الذين يشترطون العصمة والنص في الامام (أي الحاكم والرئيس) ونظرياتهم الوهمية المثبطة واللاواقعية واللامعقولة ، فأرجو منك ان تمتلك الشجاعة لتعبر عن رأيك بصراحة ، وفي كل مكان ، لا ان تقول كلاما في لندن ثم تتراجع عنه في قم.

   واذا كنت تصر على التمسك بنظريات المتكلمين والإخباريين البائدة او تأويلها وتطويرها وتأييدها بالروايات الإسرائيلية.. وكنت تحب التصدي لمناقشة الدراسة التي قمت بها حول نظرية الامامة الإلهية ووجود الامام الثاني عشر ، فأرجو منك ان تفعل ذلك بصورة منهجية واضحة موضوعية ومتكاملة ، وان تستعرض في البداية موجزا للأفكار التي طرحتها وقدمتها ، بأمانة ودقة ، ثم تقوم بالرد عليها بما تشاء ، لا ان تهمل الأمور الرئيسية وتلتقط بعض القضايا الجانبية البسيطة والجزئية وتقتطع من الفقرات مقاطع خاصة ومبتورة كما تشتهي لترد عليها بنا تشاء وكأنك فتحت باب خيبر!

لقد كانت دراستي تتألف من ألف صفحة (قبل الاختصار) ومن ثلاثة أجزاء ، وقد استعرضت في الجزء الأول بشكل مفصل نظرية الامامة الإلهية وذكرت جميع أدلتها ، ثم بينت موقف أهل البيت منها ومن موضوع العصمة والنص والوراثة والعلم وخلصت الى إيمانهم بنظرية الشورى كمنهج سياسي ، كما بحثت في الجزء الثاني نظرية وجود وولادة الامام الثاني عشر 0محمد بن الحسن العسكري) وذكرت جميع الأدلة الفلسفية والتاريخية والروائية والإعجازية التي يذكرها المؤمنون بها وناقشتها بعد ذلك دليلا دليلا ، وكان  من بينها موضوع أحاديث (الاثني عشرية) ضمن الدليل الروائي ، فلماذا أهملت البحث في نظرية الامامة الإلهية وموضوع وجود (الامام الثاني عشر) لتناقش مسألة الاثني عشرية فقط؟ او قولي: ان هذه النظرية مستوردة من السنة وحادثة في القرن الرابع الهجري؟ هل لأنك توافقني في موضوع الامامة والمهدي وتخالفني فقط في موضوع (الاثني عشرية)؟ أم ماذا؟

   ان إثبات موضوع (الاثني عشرية) لا يتم عبر إثبات صحة كتاب سليم بن قيس الهلالي او هذه الرواية او تلك ، وانما يتم عبر إثبات وجود ولد للامام الحسن العسكري (ع) الذي كان ينفي حدوث ذلك في حياته ، فلماذا لا تناقش الفكرة من أساسها وتعمد الى انتهاج وسائل ملتوية وأحاديث جانبية؟

   واذا كنت حرا فيما تريد ان تترك او تختار من مواضيع للرد ، فلماذا تمارس ما اتهمتني به من سياسة استغفال القراء وعدم احترامهم وتجنب أصول البحث العلمي ، وذلك في معرض مناقشتك لصحة (كتاب سليم بن قيس الهلالي) الذي يعتبر معتمد وأساس النظرية الاثني عشرية ، حيث ذهبت انا الى وضعه واختلاقه ، وذهبت أنت الى صحته ، ولكنك لم تشر في حديثك أبدا الى ما استشهدت به انا من قول للشيخ المفيد بضعف هذا الكتاب وحدوث الوضع والتدليس فيه. وكان من المفترض بك – على الأقل – ان تشير الى موقف الشيخ المفيد وهو شيخ الطائفة فترفضه او تأوله بعد ذلك ، ولكنك فضلت الصمت والهروب من مواجهة الحقيقة كأنك تريد ان تختم معركتك بليل على صفحات كتابك بسرعة.

   لقد كان منهجي في دراستي وفي نشرة (الشورى) التي أصدرتها ، أن أفسح المجال لعرض الرأي الآخر أولا ن بدقة وأمانة وتفصيل ، ثم أقوم بعد ذلك بالرد والمناقشة.. ولو كنت تستجيب للحوار على صفحات (الشورى) لرأيت رأيك منشورا بصورة كاملة ، وهذا ما يثبت بعدي عن سياسة الاستغفال والتعتيم ، والتزامي بعرض الحقائق الكاملة على القراء ، وأرجو منك ان تثبت التزامك بهذه السياسة وابتعادك عن سياسة الاستغفال والتعتيم بنشر رسالتي هذه في النشرة الخاصة التي تصدرها للرد على (الشورى) وهي (شبهات و ردود).

لا أريد ان أخوض معك في جدال مفصل حول ما نشرت ضدي من ردود قبل ان انشر كتابي الذي سوف يطلع القراء الكرام عليه في المستقبل القريب ان شاء الله ، وانا غير مسئول عن الأشرطة الكمبيوترية المسربة والمعرضة للزيادة والنقصان ، والتي كانت تشكل المسودة الاولى البدائية للكتاب ، ولكني أريد ان أتوقف عند بعض الردود العجيبة التي حاولت ان ترد بها علي ، حيث وصفت بعض الروايات كدعاء القائم الذي يرويه الكفعمي بالضعف ، جزافا ، وطرحت روايات البداء تعسفا ، وأوَلت روايات الثلاثة عشر اماما بخطأ النساخ ، رغم مرور أكثر من الف سنة عليها ، وسمحت لنفسك بالاقتباس من الإسرائيليات المتعارضة مع تراث أهل البيت ورواياتهم ، ورفضت الأحاديث الصحيحة بالتأويلات الباطنية السرية ، وادعيت فهم سر بعض الروايات في حين لمتني على الأخذ بظاهرها.. وإضافة الى ذلك فقد ادعيت امتلاكك للحقيقة ومعرفتك الواقعية بمذهب أهل البيت واتهمتني بإثارة الشبهات ، فمن الذي وقع في الشبهة ؟ ومن خرج منها؟

وحتى تجيب على هذا السؤال أدعوك بإخلاص الى دراسة تاريخ أهل البيت (عليهم السلام9 بشمولية ودقة وموضوعية ، والفرز بين تراثهم وتراث الفرق الغالية والمنحرفة التي كانت تلصق بهم ما تشاء وترفض ما تشاء تحت دعوى (التقية) الباطلة ، وذلك من أجل الوصول الى حقيقة فكر أهل البيت السياسي السليم ، الذي يعيننا ويعين الأمة الإسلامية على الخروج من المأزق السياسي الراهن وتحقيق الحرية والعدالة والشورى والوحدة.

   لقد شهد تاريخ الشيعة الطويل تطورات ومنحيات ومفارق عديدة أدت الى حدوث الفرق الشيعية التي تجاوز عددها السبعين ، وكان بعض التحولات سلميا وعلميا وهادئا ، بينما كان بعضها الآخر يتسم بالعنف والدم والتهريج والعداوة والبغضاء كالمعركة بين الإخباريين والأصوليين والمشروطة والمستبدة في القرن الماضي.. ونحن اليوم على أعتاب مرحلة نهضوية جديدة وأمام تحديات حضارية كبيرة مسئولون فيها أمام الله ومطالبون بتقديم صورة أفضل عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم وأسلوب التعامل السلمي والحوار الداخلي الديموقراطي ، والاجتناب عن سياسة القمع والإرهاب والتكفير والانغلاق والتحجر.

   واعتقد ان بعض الدوائر المتخلفة المضادة للثورة الإسلامية في داخل الحوزة ، والتي كانت تتهم الامام الخميني بالشيوعية والدكتور علي شريعتي بالوهابية والتسنن والكفر ، هي التي تحاول اليوم ان تمارس الإرهاب والقمع والإرهاب الفكري ومصادرة حرية الأمة وحقها في مناقشة القضايا الثقافية والسياسية ، وقد تعجبت من قيام صحيفة (الشهادة) التي يصدرها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بكيل الاتهامات الباطلة لي ووصف كتابي بأنه محاولة لشق صفوف المسلمين ،وانه إرجاف وغواية وضلالة ، وذلك ضمن عرضها لكتابك الجديد 0شبهات وردود) دون ان تعطيني بالطبع حق الرد عليها عملا بقواعد النشر وحرية التفكير. وهذا ما يذكرني بمحاكم التفتيش سيئة الصيت في القرون الوسطى.

  وفي الختام اكرر توجيه الدعوة لك وللسادة العلماء الأفاضل المهتمين بمناقشة القضايا الإسلامية ، لاقامة ندوة او ندوات لدراسة الفكر السياسي الإسلامي عموما والفكر السياسي الشيعي خصوصا.. يتم فيها الاستماع الى وجهات النظر الأخرى والمخالفة بروح علمية وأدب واحترام ، وأتمنى ان تتاح لك الفرصة والحرية الكاملة للتعبير عن آرائك بصراحة ودون خوف من اتهامك بالردة الى مذهبك القديم او إثارة الشبهات.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

أخوك المخلص احمد الكاتب

لندن23 رمضان المبارك 1417هـ

 

العرش ثم.. النقش

 السيد سامي البدري  المحترم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

طلبت مني في رسالتك الأخيرة عبر الانترنت المؤرخة 6 شعبان 1420 بحث موضوع وجود الشهداء بعد النبي (ص) الذين تعتبر شهادتهم كشهادة الرسول ويعتبر قولهم وفعلهم وتقريرهم كقول وفعل وتقرير الرسول ، وان نبدأ ببحث الآيات والأحاديث الواردة حول الموضوع ، وطلبت مني كذلك التفريق بين معنيي الامامة: الخاص الذي يعني – في نظرك – الحجية في القول والفعل ، واشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية ، المنحصر في الأئمة الاثني عشر ، والمعنى العام الذي تقول انه يشمل الحكومة واقامة الحدود ، وعدم الخلط بينهما.

   وقلت: ان الدليل على حصر الامامة الخاصة بعد النبي في أهل البيت وبقاء الثاني عشر منهم الى آخر الدنيا ، هو: حديث المنزلة وحديث الثقلين وآية التطهير وحديث الكساء وحديث الأئمة اثنا عشر ، ونص السابق من الأئمة على اللاحق.

   ورغم ذلك فقد أكدت ان المعنيين في مصطلح (الامام) اندمجا لدى الشيعة في معنى واحد ثالث ، وصار يراد به كلا المعنيين ، وحصر مصداقه بعد النبي بالمعصومين الاثني عشر ، وهذا ما يدل على انك تحاول التفريق بين معنى الامامة بصورة تعسفية خلافا لما تعارف عليه الشيعة الامامية ، واني لم اخلط بينهما ، وانما أنت الذي تفرق بينهما بدون ضرورة.

   وعلى أي حال فان نظرية الامامة الالهية ذات الشعبتين: التشريعية والتنفيذية المنحصرة في الأئمة الاثني عشر ، حسب رأي الفرقة الاثني عشرية - والا فان الشيعة الإسماعيلية الامامية او الواقفية لا يؤمنون بحصر الأئمة باثني عشر وقد يضيقون العدد او يفتحونه بلا حدود -  وسواء قلنا بحصر الامامة في اثني عشر او لم نقل فان نظرية الامامة هذه تعتمد في قيامها واستمرارها على ثبوت ولادة ووجود ابن للامام الحسن العسكري ، بغض النظر عن المناقشة في الأحاديث التي ذكرتها (حديث المنزلة والثقلين والكساء والاثني عشرية وآية التطهير) ومدى دلالتها وصحة سندها. فاذا استطعت ان تثبت ولادة ووجود الامام الثاني عشر بصورة علمية تاريخية ، فان نظرية الامامة او الاثني عشرية قد تصح ، اما اذا لم تستطع ان تثبت ذلك فان من العبث الحديث عن شيء لا وجود له في