الشورى نظرية أهل البيت والمهدي وليد نظرية الامامة

الامام علي والشورى
ان ما يؤكد كون نظام الشورى دستورا كان يلتزم به الامام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب وعدم معرفته بنظام الوراثة الملكية العمودية في اهل البيت ، هو دخول الامام في عملية الشورى التي أعقبت وفاة الخليفة عمر بن الخطاب ، ومحاججته لأهل الشورى بفضائله ودوره في خدمة الاسلام ، وعدم إشارته الى موضوع النص عليه او تعيينه خليفة من بعد الرسول ، ولو كان حديث الغدير يحمل هذا المعنى لأشار الامام الى ذلك ، وحاججهم بما هو أقوى من ذكر الفضائل
لقد كان الامام علي يؤمن بنظام الشورى « وان حق الشورى بالدرجة الاولى هو من اختصاص المهاجرين والأنصار ، ولذلك فقد رفض بعد مقتل عثمان الاستجابة للثوار الذين دعوه الى تولي السلطة وقال لهم­ ليس هذا إليكم هذا للمهاجرين والأنصار من أمره أولئك كان أميرا .
وعندما جاءه المهاجرون والأنصار فقالوا ­ امدد يدك نبايعك ، دفعهم ، فعاودوه ، ودفعهم ثم عاودوه فقال­ · دعوني والتمسوا غيري واعلموا اني ان أجبتكم ركبت بكم ما اعلم ,وان تركتموني فأنا كأحدكم ، ولعلي أسمعكم أطوعكم لمن وليتموه أمركم وانا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا . ومشى الى طلحة والزبير فعرضها عليهما فقال ­ من شاء منكما بايعته ، فقالا ­ لا الناس بك أرضى ، واخيرا قال لهم­· فان أبيتم فان بيعتي لا تكون سرا ، ولا تكون الا عن رضا المسلمين ولكن اخرج الى المسجد فمن شاء ان يبايعني فليبايعني
ولو كانت نظرية النص والتعيين ثابتة ومعروفة لدى المسلمين ، لم يكن يجوز للامام ان يدفع الثوار وينتظر كلمة المهاجرين والأنصار ، كما لم يكن يجوز له ان يقول­· انا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا ، ولم يكن يجوز له ان يعرض الخلافة على طلحة والزبير ، ولم يكن بحاجة لينتظر بيعة المسلمين
وهناك رواية في كتاب (سليم بن قيس الهلالي) تكشف عن إيمان الامام علي بنظرية الشورى وحق الامة في اختيار الامام ، حيث يقول في رسالة له :­· الواجب في حكم الله وحكم الاسلام على المسلمين بعدما يموت إمامهم او يقتل .. ان لا يعملوا عملا ولا يحدثوا حدثا ولا يقدموا يدا ولا رجلا ولا يبدءوا بشيء قبل ان يختاروا لأنفسهم اماما عفيفا عالما ورعا عارفا بالقضاء والسنة ¨ ‍¦
وعندما خرج عليه طلحة والزبير احتج عليهما بالبيعة وقال لهما ـ بايعتماني ثم نكثتما بيعتي ¨ ولم يشر إلى موضوع النص عليه من رسول الله ، وكلما قاله للزبير فتراجع عن قتاله هو ان ذكره بقول رسول الله له­· لتقاتلنه وأنت له ظالم وقال الامام علي لمعاوية الذي تمرد عليه ­· اما بعد .. فان بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ، فلم يكن للشاهد ان يختار ولا للغائب ان يرد. وانما الشورى للمهاجرين والأنصار اذا اجتمعوا على رجل فسموه اماما كان ذلك لله رضا
إذن فقد كانت الشورى هي اساس الحكم في نظر الامام علي ، وذلك في غياب نظرية (النص والتعيين) التي لم يشر اليها الامام في أي موقف.
وقد كان الامام علي (ع) ينظر الى نفسه كانسان عادي غير معصوم ، ويطالب الشيعة و المسلمين ان ينظروا اليه كذلك ، ويحتفظ لنا التاريخ برائعة من روائعه التي ينقلها الكليني في (الكافي) والتي يقول فيها اني لست في نفسي بفوق ان أخطي ولا آمن ذلك من فعلي ، الا ان يكفي الله من نفسي ماهو املك به مني . ويتجلى إيمان الامام علي بالشورى دستورا للمسلمين بصورة واضحة ، في عملية خلافة الامام الحسن ، حيث دخل عليه المسلمون ، بعدما ضربه عبد الرحمن بن ملجم ، وطلبوا منه ان يستخلف ابنه الحسن ، فقال­ · لا ، انا دخلنا على رسول الله فقلنا­ استخلف ، فقال­ لا ­ أخاف ان تفرقوا عنه كما تفرقت بنو اسرائيل عن هارون ، ولكن ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يختر لكم . وسألوا عليا ان يشير عليهم بأحد ، فما فعل ، فقالوا له­ ان فقدناك فلا نفقد ان نبايع الحسن ، فقال­ لا آمركم ولا أنهاكم . انتم ابصر
وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن ابي الدنيا في كتاب ­(مقتل الامام أمير المؤمنين) عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه قال قلت: يا أمير المؤمنين، ان فقدناك ـ ولا نفقدك ـ نبايع للحسن ؟..فقال: ـ ما آمركم ولا أنهاكم. فعدت فقلت مثلها فرد¹ علي مثلها
وذكر الشيخ حسن بن سليمان في (مختصر بصائر الدرجات) عن سليم بن قيس الهلالي ، قال : سمعت عليا يقول وهو بين ابنيه وبين عبد الله بن جعفر وخاصة شيعته : · دعوا الناس وما رضوا لانفسهم ألزموا أنفسكم السكوت
وقد قام الامام أمير المؤمنين بالوصية الى الامام الحسن وسائر أبنائه ولكنه لم يتحدث عن الامامة والخلافة ، وقد كانت وصيته روحية أخلاقية وشخصية ، او كما يقول الشيخ المفيد في (الإرشاد) ­ ان الوصية كانت للحسن على أهله وولده واصحابه ، و وقوفه وصدقاته .‌
وتلك الوصية هي كالتالي ­· هذا ما أوصى به علي بن ابي طالب: أوصى انه يشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ، وان محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ثم ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، بذلك أمرت وانا من المسلمين . ثم اني أوصيك ياحسن وجميع ولدي أهلي ومن بلغه كتابي : ان تتقوا الله ربكم ولا تموتن الا وانتم مسلمون) ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فاني سمعت رسول الله (ص) يقول: صلاح ذات البين افضل من عامة الصيام والصلاة ، وان المعرة حالقة الدين فساد ذات البين ، ولا قوة الا بالله . انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يهون عليكم الحساب. والله الله في الأيتام فلا تغبون أفواههم ، ولا يضيعون بحضرتكم . والله الله في جيرانكم ، فانهم وصية رسول الله مازال يوصينا بهم حتى ظننا انه يورثهم . والله الله في القرآن أن يسبقكم في العمل به غيركم . والله الله في بيت ربكم ، لا يخلون¹ ما بقيتم ، فانه ان خلا لم تناظروا . والله الله في رمضان فان صيامه جنة من النار لكم . والله الله في الجهاد في سبيل الله بأيديكم واموالكم وألسنتكم . والله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب . والله الله في ذمة نبيكم ، فلا يُظلمن بين أظهركم . والله الله فيما ملكت أيمانكم . انظروا فلا تخافوا في الله لومة لائم ، يكفكم من أرادكم وبغى عليكم ، وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله . ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم . عليكم يابني بالتواصل والتباذل ، واياكم والتقاطع والتكاثر والتفرق وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ، واتقوا الله ان الله شديد العقاب حفظكم الله من اهل بيت ، وحفظ نبيكم فيكم ، استودعكم الله ، اقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ولذلك لم تلعب هذه الوصية القيمة الروحية والأخلاقية أي دور في ترشيح الامام الحسن للخلافة ، لأنها كانت تخلو من الإشارة اليها ، ولم تكن تشكل بديلا عن نظام الشورى الذي كان اهل البيت يلتزمون به كدستور للمسلمين
الامام الحسن والشورى
وقد ذكر ابن ابي الحديد في (شرح نهج البلاغة)­· انه لما توفي علي (ع) خرج عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الى الناس فقال: ان أمير المؤمنين توفي ، وقد ترك خلفا ، فان أحببتم خرج إليكم ، وان كرهتم فلا أحد على أحد فبكى الناس وقالوا: بل يخرج إلينا.
وكما هو ملاحظ فان الامام الحسن لم يعتمد في دعوة الناس لبيعته على ذكر أي نص حوله من الرسول او من أبيه الامام علي ، و قد أشار ابن عباس إلى منزلة الامام الحسن عندما ذكر المسلمين بأنه ابن بنت النبي ، و ذكر : انه وصي الامام أمير المؤمنين ، ولكنه لم يبين : ان مستند الدعوة للبيعة هو النص او الوصية بالإمامة
وهذا ما يكشف عن إيمان الامام الحسن (ع) بنظام الشورى وحق الامة في انتخاب إمامها ، وقد تجلى هذا الايمان مرة اخرى عند تنازله عن الخلافة الى معاوية واشتر اطه عليه العودة بعد وفاته الى نظام الشورى حيث قال في شروط الصلح­ · على انه ليس لمعاوية ان يعهد لأحد من بعده وان يكون الأمر شورى بين المسلمين
ولو كانت الخلافة بالنص من الله والتعيين من الرسول ، كما تقول النظرية الامامية ، لم يكن يجوز للامام الحسن ان يتنازل عنها لأي أحد تحت أي ظرف من الظروف . ولم يكن يجوز له بعد ذلك ان يبايع معاوية او ان يدعو أصحابه وشيعته لبيعته . ولم يكن يجوز له ان يهمل الامام الحسين ولأشار الى ضرورة تعيينه من بعده .. ولكن الامام الحسن لم يفعل أي شيء من ذلك وسلك مسلكا يوحي بالتزامه بحق المسلمين في انتخاب خليفتهم عبر نظام الشورى
الامام الحسين والشورى
وقد ظل الامام الحسين ملتزما ببيعة معاوية الى آخر يوم من حياة الأخير ، ورفض عرضا من شيعة الكوفة بعد وفاة الامام الحسن بالثورة على معاوية، وذكر ان بينه وبين معاوية عهدا وعقدا لا يجوز له نقضه ، ولم يدع الى نفسه الا بعد وفاة معاوية الذي خالف اتفاقية الصلح وعهد الى ابنه يزيد بالخلافة بعده ، حيث رفض الامام الحسين البيعة له ، وأصر على الخروج الى العراق حيث استشهد في كربلاء عام61 للهجرة.
و يصرح الشيخ المفيد بان الامام الحسين لم يدع أحدا الى إمامته في ظل عهد معاوية، ويفسر ذلك بالتقية والهدنة الحاصلة بينه وبين معاوية والتزام الامام الوفاء بها حتى وفاة معاوية (الارشاد ص 200)
ولا توجد اية آثار لنظرية النص في قصة كربلاء ، سواء في رسائل شيعة الكوفة الى الامام الحسين ودعوته للقدوم عليهم ، او في رسائل الامام الحسين لهم ، حيث يقول الشيخ المفيد: ان الشيعة اجتمعت بالكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فذكروا هلاك معاوية .فحمدوا الله واثنوا عليه ، فقال سليمان بن صرد : ان معاوية قد هلك وان حسينا قد تقبض على القوم ببيعة ، وقد خرج الى مكة وانتم شيعته وشيعة أبيه ، فان كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدو عدوه وتقتل أنفسنا دونه فاكتبوا اليه واعلموه ، وان خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل في نفسه ، قالوا : لا بل نقاتل عدوه ونقتل أنفسنا دونه قال فاكتبوا اليه ، فكتبوا اليه : ـ
للحسين بن علي ، من سليمان بن صرد والمسيب بن نجية ورفاعة بن شداد البجلي وحبيب بن مظاهر وشيعته المؤمنين والمسلمين من اهل الكوفة : سلام عليك فانا نحمد اليك الله الذي لا اله الا هو .. اما بعد : فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الامة فابتزها أمرها وغصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها واستبقى اشرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها فبعدا له كما بعدت ثمود . انه ليس علينا إمام ، فاقبل لعل الله ان يجمعنا بك على الحق . والنعمان بن بشير في قصر الإمارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه الى عيد ، ولو قد بلغنا انك قد أقبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام ان شاء الله .
فكتب إليهم : ـ من الحسين بن علي الى الملأ من المؤمنين والمسلمين
اما بعد فان هانيا وسعيدا قدما علي بكتبكم ، وكان آخر من قدم علي من رسلكم وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم ­ ·أنه ليس علينا إمام فاقبل لعل الله ان يجمعنا بك على الحق والهدى ¨ واني باعث إليكم آخي وابن عمي وثقتي من اهل بيتي مسلم بن عقيل ، فان كتب الي انه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم ، وقرأت في كتبكم فاني اقدم إليكم وشيكا ان شاء الله . فلعمري ما الامام الا الحاكم بالكتاب ، القائم بالقسط ، الداين بدين الحق ، الحابس نفسه على ذات الله ، والسلام .
إذن فان مفهوم (الإمام) عند الامام الحسين لم يكن الا (الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الداين بدين الحق الحابس نفسه على ذات الله) ولم يكن يقدم اية نظرية حول (الامام المعصوم المعين من قبل الله) ولم يكن يطالب بالخلافة كحق شخصي له لأنه ابن الامام علي او انه معين من قبل الله . ولذلك فانه لم يفكر بنقل (الإمامة) الى أحد من ولده ، ولم يوصِ الى ابنه الوحيد الذي ظل على قيد الحياة علي زين العابدين ، وانما أوصى الى أخته زينب او ابنته فاطمة ، وكانت وصيته عادية جدا تتعلق بأموره الخاصة ، ولا تتحدث أبدا عن
موضوع الامامة والخلافة
ومما يؤكد عدم وجود نظرية (الامامة الإلهية) في ذلك الوقت ، عدم إشارة الامام علي بن الحسين اليها ، في خطبته الشهيرة التي ألقاها بشجاعة أمام يزيد بن معاوية في المسجد الأموي عندما أُخذ أسيرا الى الشام ، وقد قال في خطبته تلك: · أيها الناس أُعطينا ستا وفضلنا بسبع : أعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين ، وفُضلنا بأن منا النبي والصديق والطيار أسد الله أسد رسوله وسبطا هذه الامة. ثم ذكر الامام أمير المؤمنين فقال: انا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين ويعسوب المسلمين ونور المجاهدين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ومفرق الأحزاب ، اربطهم جأشا وامضاهم عزيمة ذاك أبو السبطين علي بن ابي طالب .
ولم يشر الامام زين العابدين في خطبته الجريئة تلك الى موضوع الوصية او الامامة الالهية ، او الى قانون وراثة الامامة بالنص ، ولم يقل للناس انه الامام الشرعي المفترض الطاعة بعد أبيه الامام الحسين ، وانما اكتفى بالحديث عن فضل اهل البيت وفضائل الامام أمير المؤمنين وإنجازاته التاريخية
اعتزال الامام زين العابدين
وقد بايع الامام علي بن الحسين يزيد بن معاوية بعد واقعة الحرة ورفض قيادة الشيعة الذين كانوا يطالبون بالثأر لمقتل أبيه الامام الحسين ، ويعدون للثورة ، ولم يدعِ الامامة ، ولم يتصدَ لها ، ولم ينازع عمه فيها ، وكما يقول الشيخ الصدوق : فانه انقبض عن الناس فلم يلق أحدا ولا كان يلقاه الا خواص أصحابه ، وكان في نهاية العبادة ولم يخرج عنه من العلم الا يسيرا
ويتطرف الصدوق جدا وبشكل غير معقول فينقل عن الامام السجاد : انه كان يوصي الشيعة بالخضوع للحاكم والطاعة له وعدم التعرض لسخطه، ويتهم الثائرين بالمسؤولية عن الظلم الذي يلحق بهم من قبل السلطان (الأمالي ص 396 المجلس رقم 59)
انتخاب سليمان بن صرد الخزاعي زعيما للشيعة
ومن هنا ونتيجة للفراغ القيادي فقد انتخب الشيعة في الكوفة بعد مقتل الامام الحسين سليمان بن صرد الخزاعي زعيما عليهم ، وذلك عندما اجتمعوا الى خمسة من رؤوسهم ، وقام المسيب بن نجيبة خطيبا فقال: ـ أيها القوم ولوا عليكم رجلا منكم فانه لا بد لكم من أمير تفزعون إليه وراية تحفون بها ، وقام رفاعة بن شداد فعقب على كلامه قائلا قلت: ولوا أمركم رجلا منكم تفزعون إليه وتحفون برايته ، وذلك رأي قد رأينا مثل الذي رأيت ، فان تكن أنت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيا وفينا منتصحا وفي جماعتنا محبا ، وان رأيت ورأى أصحابنا ذلك ولينا هذا الأمر شيخ الشيعة صاحب رسول الله وذا السابقة سليمان بن صرد ، المحمود في بأسه والموثوق بحزمه¨« ثم تكلم عبد الله بن وال ، وعبد الله بن سعد فحمدا ربهما واثنيا عليه ... فقال المسيب بن نجيبة : · أصبتم ووفقتم وانا أرى مثل الذي رأيتم فولوا أمركم سليمان بن صرد¨ وقد قام سليمان بن صرد الخزاعي بقيادة حركة قامت للثأر من قتلة الحسين ، وعرفت بحركة التوابين
إمامة محمد بن الحنفية
وعندما قام المختار بن عبيد الثقفي ، بعد ذلك ، بحركته في الكوفة ، كتب الى علي بن الحسين يريده على ان يبايع له ويقول بإمامته ويظهر دعوته ، وانفذ اليه مالا كثيرا ، فأبى ان يقبل ذلك منه ، او يجيبه عن كتابه ، فلما يئس المختار منه كتب الى عمه محمد بن الحنفية يريده على مثل ذلك ، واخذ يدعو الى إمامته وقد استلم محمد بن الحنفية قيادة الشيعة فعلا ، ورعى قيام دولة المختار بن عبيدة الثقفي في الكوفة
لقد كان أئمة اهل البيت يعتقدون بحق الامة الاسلامية في اختيار أوليائها وبضرورة ممارسة الشورى ، وإدانة الاستيلاء على السلطة بالقوة ولعلنا نجد في الحديث الذي يرويه الصدوق في (عيون أخبار الرضا) عن الامام الرضا عن أبيه الكاظم عن أبيه جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن علي بن الحسين عن الحسين بن علي عن أبيه عن جده رسول الله (ص) والذي يقول فيه من جاءكم يريد ان يفرق الجماعة ويغصب الامة أمرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه ، فان الله عز وجل قد أذن ذلك .. لعلنا نجد في هذا الحديث افضل تعبير عن إيمان اهل البيت بالشورى والتزامهم بها ، واذا كانوا يدعون الناس الى اتباعهم والانقياد إليهم فإنما كانوا يفعلون ذلك إيمانا بأفضليتهم وأولويتهم بالخلافة في مقابل ·الخلفاء¨ الذين كانوا لا يحكمون بالكتاب ولا يقيمون القسط ولا يدينون بالحق من هنا وتبعا لمفهوم (الأولوية) قالت أجيال من الشيعة الأوائل ، وخاصة في القرن الأول الهجري ان عليا كان أولى الناس بعد رسول الله لفضله وسابقته وعلمه ، وهو افضل الناس كلهم بعده أشجعهم وأسخاهم وأورعهم وأزهدهم . وأجازوا مع ذلك إمامة ابي بكر وعمر وعدوهما أهلا لذلك المكان والمقام ، وذكروا ان عليا سلم لهما الأمر ورضي بذلك وبايعهما طائعا غير مكره وترك حقه لهما ، فنحن راضون كما رضي المسلمون له ، ولمن بايع ، لا يحل لنا غير ذلك ولا يسع منا أحدا الا ذلك ، وان ولاية ابي بكر صارت رشدا وهدى لتسليم علي ورضاه
بينما قالت فرقة اخرى من الشيعة : · ان عليا افضل الناس لقرابته من رسول الله ولسابقته وعلمه ولكن كان جائزا للناس ان يولوا عليهم غيره اذا كان الوالي الذي يولونه مجزئا ، أحب¹ ذلك او كرهه ، فولاية الوالي الذي ولوا على أنفسهم برضى منهم رشد وهدى وطاعة لله عز وجل ، وطاعته واجبة من الله عز وجل
وقال قسم آخر منهم : · ان إمامة علي بن ابي طالب ثابتة في الوقت الذي دعا الناس واظهر أمره و قد قيل للحسن بن الحسن بن علي الذي كان كبير الطالبيين في عهده وكان وصي أبيه وولي صدقة جده ­ ألم يقل رسول الله ­ من كنت مولاه فعلي مولاه؟فقال: بلى ولكن والله لم يعنِ رسول الله بذلك الامامة والسلطان ، ولو أراد ذلك لأفصح لهم به
وكان ابنه عبد الله يقول: · ليس لنا في هذا الأمر ما ليس لغيرنا ، و ليس في أحد من اهل البيت إمام مفترض الطاعة من الله¨ وكان ينفي إمامة أمير المؤمنين انها من الله
مما يعني ان نظرية النص وتوارث السلطة في اهل البيت فقط ، لم يكن لها رصيد لدى الجيل الأول من الشيعة ، ومن هنا فقد كانت نظرتهم الى الشيخين ابي بكر وعمر نظرة إيجابية ، إذ لم يكونوا يعتبرونهما ·غاصبين¨ للخلافة التي تركها رسول الله شورى بين المسلمين ولم ينص على أحد بالخصوص

أحمد الكاتب

بسم الله الرحمن الرحيم

نقد الخطأ المنهجي لأحمد الكاتب حول نظرية الشورى


لسنا في صدد استيعاب بحث الامامة فانه يحتاج الى جهد كبير بقدر ما نحن في ملاحقة مغالطات "أحمد الكاتب " حول حكومة اهل البيت عليهم السلام التي جعلها الله لهم بالنص والتعيين لا بالشورى المأخوذة لملمةً من أصول فكرة العامة.

قد يصوّر قائلا أنّه حامي ومدافع عن مذهب أهل البيت (عليهم السلام) ـ الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ـ لدى عامة الشباب المؤمن بأدلة من مصادر العامة ، وهو في الحقيقة يتوخّى إثبات نظرية أهل العامة والسقيفة، من كون الخلافة انتخابية على موازين اختيارية ناشئة من نوازع الهوى والمصالح الشخصية، وأنّ أهل البيت (عليهم السلام) ما هم إلاّ رواة حديث شأنهم ذلك ليس إلاّ، وهذا عين نظرية مدرسة السقيفة.

مقامات أهل البيت (ع):
وأمّا مدرسة الدين الحنيف وأهل البيت (عليهم السلام) فنظريتها أنّ الخلافة إلهية بالتعيين والاصطفاء من الله تعالى إنّي جاعل في الأرض خليفة ـ إلى قوله ـ فعلّم آدم الأسماء كلّها فدلّل على أن الخلافة مدارها وشرطها العلم اللدنيّ الإلهي والعصمة، وأنّ أهل البيت (عليهم السلام) لهم مقامات عديدة ومناصب ربانية شتى.
منها: الحكومة والولاية، قال تعالى: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واُولي الأمر منكم فالولاية هاهنا ولاية الطاعة للأمر، وغيرها من الآيات التي تبيّن هذا المقام كقوله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من كنت مولاه فعلي مولاه)) فالولاية بالتعيين الإلهي لم يفسح المجال للإختيار فيها طبق المشتهيات البشرية الأرضية.
ومنها: القضاء، قال تعالى: إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله، وقال تعالى: يا داود إنّا جعلناك خليفة فاحكم بين الناس بالحق فبالإذن الإلهي يتحقق جواز القضاء ببين الناس وبجل المقام الأول يتفرع جعل المقام الثاني، ومنه يعرف أن ((أقضاكم علياً)) دال على المقام الاول له عليه السلام أيضاً.
ومنها: حجية الأخبار عن الأحكام الشرعية وما ينطق عن الهوى إنْ هو إلاّ وحيّ يوحى وولكم في رسول الله اُسوة حسنة وولو ردوه إلى اُولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم.
وهذه المقامام الثلاثة يصطلح عليها في العصر الحاضر السلطة التنفيذية القضائية التشريعية.
ومنها: السلطة والولاية المعنوية والتكوينية، وهذه لها شعب لا مجال لبسطها في المقام.
ومنها: وجوب المودّة بنص القرآن قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى.
ومنها: الإقرار والإعتقاد