الرد على من زعم أن الصحابة تركوا إنفاذ جيش أسامة 

قال الرافضي ص100 تحت عنوان: (الصحابة في سرية أسامة)، «مجمل هذه القصة أنه r جهز جيشاً لغزو الروم قبل وفاته بيومين، وأمّر على هذه السرية: أسامة بن زيد بن حارثة، وعمره ثمانية عشر عاماً، وقد عبأ r في هذه السرية وجوه المهاجرين والأنصار، كأبي بكر وعمر، وأبي عبيده، وغيرهم من كبار الصحابة المشهورين، فطعن قوم منهم في تأمير أسامة، وقالوا: كيف يؤمر علينا شاب لا نبات بعارضيه، وقد طعنوا من قبل في تأمير أبيه، وقد قالوا في ذلك وأكثروا النقد، حتى غضب r غضباً شديداً مما سمع من طعنهم وانتقادهم، فخرج معصّب الرأس محموماً، يتهادى بين رجلين ورجلاه تخطان في الأرض، بأبي هو وأمّي، من شدة ما به من لغوب، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأمير أسامة، ولئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في تأميري أبيه من قبله، وأيم الله إنه كان خليقاً بالإمارة، وإن ابنه من بعده لخليق بها».

        ثم أخذ يطعن في أصحاب النبي r زاعماً معارضتهم له
معارضة صريحــة، حيـــث تباطأوا عن جيش أسامة،ولم ينفذوه حتــى

مات رسول الله r.

        إلى أن قال ص103: «وإذا أردنا أن نتمعن في هذه القضية، فإننا سنجد الخليفة الثاني من أبرز عناصرها، إذ أنه هو الذي جاء بعد وفاة رسول الله r إلى الخليفة أبي بكر وطلب منه أن يعزل أسامة ويبد له بغيره. فقال أبو بكر: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب، أتأمرني أن أعزله وقد ولاه رسول الله r».

        والجواب على هذا:

        أن ما ادعاه من معارضة الصحابة للرسول r في تأمير أسامة معارضة صريحة: فمن أظهر الكذب، الذي ترده الأخبار الصحيحة.

        والثابت في هذه الحادثة أن الرسول r في مرضه الذي توفي فيه أمر أصحابه بالمسير إلى تخوم البلقاء من الشام، والإغارة على أهل مؤته، حيث قتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبدالله بن رواحه الذين كانوا أمراء الرسول r على غزوة مؤته المعروفة، فلما تجهز الصحابة لما أمرهم به رسول الله r جعل الرسول r أسامة بن زيد أميراً عليهم، وقال له: سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل وأغر صباحاً على أُبْنى(1) وحرّق عليهم، وأسرع المسير تسبق الخبر، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     أُبْنَى: بوزن حُبْلى موضع بالشام من جهة البلقاء، معجم البلدان لياقوت         الحموي 1/79.

فإن ظفرك الله بهم، فأقل اللبث فيهم، فتكلم في تأمير أسامة قوم  منهم عياش بن أبي ربيعة المخزومي، فرد عليه عمر وأخبر النبي r(1) فخطب وقال: (إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، وايم الله إن كان لخليقاً للإمارة وإن كان من أحب الناس إليّ وإن هذا لمن أحب الناس إليّ بعده).‎(2)

        فظاهر أن من تكلم في إمارة أسامة كانوا أفراداً من الصحابة وليس كل الصحابة، وكانوا بذلك مجتهدين في ما قالوا لأنهم خشوا أن يضعف عن الإمارة لصغر سنه، ومع هذا فقد أنكر عليهم عمر وأخبر بذلك رسول الله r فأخبرهم إنه جدير بالإمارة فما يعرف أن أحداً منهم تكلم فيه بعد ذلك.

        فأي لوم على الصحابة -y- بقول أفراد منهم أنكره عليهم بعضهم، ثم نهاهم رسول الله r فانتهوا.

        وأما ادعاء هذا الرافضي. أنهم تباطؤوا في الخروج مع أسامة حتى مات رسول الله r فلم يحصل شيء من ذلك بل إن الصحابة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     انظر: تاريخ الطبري 3/184، وفتح الباري لابن حجر 8/152.

(2)     من قوله: إن تطعنوا... رواه البخاري في (كتاب المغاري، باب بعث النبي    r أسامة) فتح الباري 2/152، ح4469، ومسلم: (كتاب فضائل         الصحابة،باب فضائل زيد بن حارثة وأسامة بن زيد)4/1884، ح2426.

بادروا بالاستعداد للقتال، وأعدوا العدة لذلك، فقد نقل ابن هشام والطبري بسنده عن ابن إسحاق قال: «بعث رسول الله r أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشام وأمره أن يوطئ تخوم البلقاء والداروم من أرض فلسطين،فتجهزالناس وأوعب مع أسامة المهاجرون الأولون».‏(1)

        وفي الطبقات لابن سعد: «وعسكر بالجرف فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار، إلا انتدب في تلك الغزوة».‏(2)

        فكان الصحابة قد تهيؤوا للخروج مع أسامة، وخرج بهم وعسكر بالجرف استعداداً للانطلاق، لكن الذي حصل بعد ذلك أن النبيr اشتدعليه المرض فجاءه أسامة وقال:(يارسول الله قد أصبحت ضعيفاً وأرجوا أن يكون الله قد عافاك فأذن لي فأمكث حتى يشفيك الله، فإني إن خرجت وأنت علىهذه الحالة خرجت وفي نفسي منك قرحة وأكره أن أسأل عنك الناس، فسكت عنه رسول الله r).‏(3)

        فكان أسامة هو الذي طلب من النبي r التأخر في الخروج حتى يطمئن على رسول r فأذن له الرسول r ولو أراد أسامة الخروج ما تأخر عنه أحد ممن كان تحت إمرته.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     سيرة ابن هشام 4/1499، تاريخ الطبري 3/184.

(2)     الطبقات الكبرى لابن سعد 2/190.

(3)     نقلة شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة 5/488.

        قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا امتنع أحد من أصحاب أسامة من الخروج معه لو خرج، بل كان أسامة هو الذي توقف في الخروج لما خاف أن يموت النبي r فقال: كيف أذهب وأنت هكذا، أسأل عنك الركبان؟ فأذن له النبي r في المقام، ولو عزم على أسامة في الذهاب لأطاعه، ولو ذهب أسامة لم يتخلف عنه أحد ممن كان معه وقد ذهب جميعهم معه بعد موت النبي r ولم يتخلف عنه أحد بغير إذنـــه».(1)

        ثم إن أسامة بقي معسكراً في الجرف ينتظر شفاء رسول الله r حتى إذا كان يوم الإثنين أصبح رسول الله r مفيقاً فدخل عليه أسامة، فقال له الرسول r: (أغد على بركة الله، فودعه أسامة وخرج إلى معسكره، فأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب إذ رسول أمه أم أيمن قد جاءه يقول: إن رسول الله r يموت فأقبل وأقبل معه عمر وأبو عبيدة، فانتهوا إلى رسول الله r وهو يموت فتوفي عليه الصلاة والسلام).‎(2)

        فهذا هو حقيقة ما حصل، ولم يكن تأخر خروج أسامة إلا بطلب منه أذن له فيه النبي r، على أنه لم يكن بين أمر النبي r
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     منهاج السنة 6/318-319.

(2)     الطقبات الكبرى لابن سعد 2/191.

أصحابه بالتهيؤ للغزو، ووفاته إلا ستة عشر يوماً، فقد كان ندبه أصحابه لذلك يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة، وعين أسامة أميراً على الجيش في اليوم الثاني.

        فلما كان يوم الأربعاء بدئ برسول الله r المرض فما زال مريضاً حتى توفاه الله يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول(1)، ومعلوم أن هذه المدة ليست طويلة في تجهيز جيش في مثل ذلك الوقت على أن الصحابة كانوا قد استعدوا وتهيؤوا للخروج قبل هذه المدة بكثير لولا استئذان أسامة رسول الله r في تأخير الخروج، فقد ثبت أن أسامة قد خرج بالجيش وعسكر في الجرف يوم الخميس أي بعد ثلاثة أيام من أمر النبي r بالتهيؤ للقتال.(2)

        وبهذا تبطل دعوى الرافضي في تثاقل الصحابة عن الخروج بل إن هذا يدل على سرعة امتثالهم -y- لأمر رسول الله r وذلك بتجهيزهم جيشاً كهذا قيل: إن قوامه ثلاثة آلاف مقاتل(3) بكل ما يحتاج إليه من مؤونة وعتاد في خلال ثلاثة أيام على ماهم فيه من فاقـة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     انظر: المصدر السابق 2/189-191.

(2)     انظر: المصدر السابق.

(3)     انظر: كتاب المغازي للواقدي 3/1122، وفتح الباري لابن حجر     8/152.

وفقر وحاجة فرضي الله عنهم جميعاً، وجزاهم على جهادهم، وحسن بلائهم في الإسلام، خير ما جازى به المحسنين.

        وأما زعمه: أنه كان في جيش أسامه أبو بكر وعمر، بتعيين رسول الله r لهما ثم تثاقلا عن الخروج معه.

        فجوابه: أنه لم يثبت أن الرسول r  أمر أبا بكر وعمر أن يلتحقا بجيش أسامة، بل ولا أمر غيرهما بذلك، إذ لم يكن من عادته إذا أراد أن يجهز سرية أو غزوة أن يعين من يخرج فيها باسمائهم، وإنما كان يندب أصحابه لذلك ندباً عاماً، ثم إذا اجتمع عنده من يقوم بهم الغرض عين لهم أميراً منهم.

        يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «إن النبي r لم تكن من عادته في سراياه، بل ولا في مغازيه، أن يعين كل من يخرج معه في الغزو بأسمائهم ولكن يندب الناس ندباً عاماً مطلقاً، فتارة يعلمون منه أنه لم يأمر كل أحد بالخروج معه ولكن ندبهم إلى ذلك، كما في غزوة الغابة، وتارة يأمر الناس بصفة كما أمر في غزوة بدر أن يخرج من حضر ظهره فلم يخرج معه كثير من المسلمين، وكما أمر في غزوة السويق بعد (أحد) أن لا يخرج معه إلا من شهد أحداً، وتارة يستنفرهم نفيراً عاماً،ولايأذن لأحد في التخلف كما في غزوة تبوك...

        ولما أمّر أسامة بن زيد بعد مقتل أبيه، فأرسله إلى ناحية العدو الذين قتلوا أباه لما رآه في ذلك من المصلحة، ندب الناس معه فانتــدب

معه من رغب في الغزو، وروي أن عمر كان ممن انتدب معه لا أن النبي r عين عمر ولا غير عمر».‎(1)

        فالنبي r لم يعين أحداً باسمه، للالتحاق بجيش أسامة، وإنما دعا أصحابه إلى ذلك فالتحق بالجيش كبار المهاجرين والأنصار.‎(2)

        وكان من بين هؤلاء عمر بن الخطاب -t- كما نص على ذلك المؤرخون،(3) وثبت أنه فيمن خرج في معسكر أسامة بالجرف، ثم عاد للمدينة مع أسامة، لما بلغه احتضار رسول الله r، كما تقدم بذلك النقل عن ابن سعد.‎(4)

        ثم إن عمر -t- بقي مكتتباً في جيش أسامة فلما استخلف أبو بكر وأمر بمسير الجيش استأذن أبو بكر أسامة أن يأذن لعمر بالبقاء معه لحاجته إليه.

        قال الواقدي: «ومشى أبو بكر-t- إلى أسامة في بيته، وكلمه أن يترك عمر، ففعل أسامة وجعل يقول له: أذنت ونفسك طيبة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     منهاج السنة 4/277-279.

(2)     تقدم نقل الروايات في ذلك ص 299.

(3)     انظر: المغازي للواقدي 3/1118، والطبقات الكبرى لابن سعد 2/190،    وتاريخ الطبري 3/226، والبداية والنهاية 6/308، وسير أعلام النبلاء           للذهبي 2/497.

(4)     انظر: ص 300 من هذا الكتاب.

فقال أسامة: نعم».‎‎(1)

        ويذكر الطبري أن أبابكر قال لأسامة لما شيعه في خروجه بالجيش: (إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل فأذن له).‎(2)

        كما نص على هذا غير واحد من المؤرخين والمحققين.‎(3)

        فثبت بهذا أن التحاق عمر بجيش أسامة كان برغبته واختياره، وأن خروجه منه كان بطلب الخليفة، وإذن الأمير فأي لوم على عمــر -t- في ذلك.

        وأما أبو بكر فالذي عليه أكثر المؤرخين: أنه لم يكن في جيش أسامة أصلاً، فإنهم سموا من التحق بجيش أسامة من كبار الصحابة، ولم يذكروا فيهم أبا بكر.

        قال الواقدي ضمن حديثه عن غزوة أسامة: «فلم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة: عمر بن الخطاب، وأبــــو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     المغازي للواقدي 3/1121-1122.

(2)     تاريخ الطبري 3/226.

(3)     انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 2/191، والبداية والنهاية لابن كثير         6/309، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية 5/448، 6/319.

وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل...».‎‎(1)

        وقال الطبري: «ضرب رسول الله r قبل وفاته بعثاً على أهل المدينة ومن حولهم، وفيهم عمر بن الخطاب، وأمر عليهم أسامة بن زيـــد».‎(2)

        وقال الذهبي ضمن ترجمة أسامة: «استعمله النبي r على جيش لغزو الشام، وفي الجيش عمر والكبار».‎(3)

        فلم يذكر هؤلاء المؤرخون أبا بكر في جيش أسامة، وذكروا بعض كبار الصحابة كعمر، وأبي عبيدة، وسعد وغيرهم، ولو كان أبو بكر في الجيش لكان ذكره أولى وأشهر.

        وإنما عدّ أبا بكر في جيش أسامة: ابن سعد قال: «فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة فيهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة...».‎(4)

        وإلى هذا ذهب ابن حجر في الفتح.‎(5)

        وقال ابن كثير في سياق الموضوع: «وكان بينهم:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     المغازي 3/1118.

(2)     تاريخ الطبري  3/226.

(3)     سير اعلام النبلاء 2/497.

(4)     الطبقات الكبرى لابن سعد 2/190.

(5)     انظر: فتح الباري 8/152.

عمر بن الخطاب، ويقال: أبوبكر فاستثناه رسول الله r للصلاة».‎(1)

        وقد جزم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بأن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة ونقل اتفاق أهل العلم عليه.

        قال:«وأبوبكر-t- لم يكن في جيش أسامة باتفاق أهل العلم، لكن روي أن عمر كان فيهم، وكان عمر خارجاً مع أسامة، لكن طلب منه أبو بكر أن يأذن له في المقام عنده لحاجته إليه، فأذن له».‎(2)

        وقال في موضع آخر في الرد على الرافضي: «وأما قوله إنه أمّر أسامة على الجيش الذي فيهم: أبو بكر، وعمر، فمن الكذب الذي يعرفه من له أدنى معرفة بالحديث، فإن أبا بكر لم يكن في ذلك الجيش، بل كان r يستخلفه في الصلاة من حين مرضه إلى أن مات. وأسامة قد روى أنه عقد له الراية قبل مرضه، ثم لما مرض أمر أبا بكر أن يصلي بالناس فصلى بهم إلى أن مات النبي r، فلو قُدر أنه أُمر بالخروج مع أسامة قبل المرض، لكان أمره بالصلاة تلك المدة، مع إذنه لأسامة أن يسافر في مرضه، موجباً لنسخ إمرة أسامة عنه، فكيف إذا لم يُؤمر عليه أسامة بحال».‎(3)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     البداية والنهاية لابن كثير 6/308.

(2)     منهاج السنة 6/319.

(3)     المصدر نفسه 4/276-277.

        وبهذا يظهر أن أبا بكر لم يكن في جيش أسامة. وهو قول عامة المؤرخين إلا من شذ منهم، بل نقل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- اتفاق أهل العلم والحديث على هذا، لاشتغال أبي بكر -t- بالصلاة بالناس في مرض النبي r.

        على أن من قال بالقول الآخر، لم يقل: إن أبا بكر بقي في جيش أسامة بعد أمر الرسول r له بالصلاة، فهذا لم يقل به أحد من أهل العلم، لما هو معلوم عندهم بالتواتر من اشتغال أبي بكر بإمامة الناس في مرض النبي r حتى مات، في حين أن الجيش كان معسكراً بالجرف، استعداداً للخروج. ولهذا ذكر ابن كثير أن من قال بدخول أبي بكر في جيش أسامة، ذكر أنه مستثني بأمر النبي r له بالصلاة.

        فثبت بهذا بطلان ما ادعاه الرافضي: من كون الشيخين في جيش أسامة وأنهما تثاقلا عن الخروج معه.

        وأما قوله: إن عمر كان من أبرز عناصر المعارضة، وهو الذي جاء بعد وفاة رسول الله r إلى أبي بكر، وطلب منه أن يعزل أسامة ويبدله بغيره.

        فجوابه: أنه لم تكن هناك معارضة أصلاً حتى يكون لها عناصر بارزة أو غير بارزة، وإنما هذا من أوهام الرافضة، وأكاذيبهم التي يحاولون عن طريقها التلبيس على ضعاف العقول بقصد الطعن في أصحاب النبي r والنيل منهم. والعبرة في هذا بصحة النقل فأين النقل

الصحيح على صحة ما ادعى!!

        على أنه قد تقدم بيان مواقف الصحابة المشرفة في سرية أسامة بالنقل الصحيح وبراءتهم من كل ما يرميهم به هذا الرافضي الحاقد، مما يغني عن إعادته هنا.

        وأما قوله: إن عمر طلب من أبي بكر عزل أسامة فليس هذا رأي عمر وحده، بل رأى بعض الصحابة، وسبب هذا أنه لما مات النبي r ارتدت كثير من قبائل العرب، ونجم النفاق، وتربص الأعداء بالمسلمين من كل ناحية، وقد كان في جيش أسامة جل الصحابة وخيارهم، فخشى كبار الصحابة على المدينة بعد خروج الجيش منها أن يحيط بها الأعداء، وفيها خليفة رسول الله r، وأمهات المؤمنين، والنساء، والذراري، فأشاروا على أبي بكر أن يؤجل بعث أسامة حتى يستقر الحال، ويفرغ من قتال المرتدين، فلما أبى عليهم ذلك أشار عليه بعضهم أن يولي الجيش من هو أسن من أسامة، وأعرف بالحرب منه حرصاً منهم على سلامة الجيش في ذلك الوقت العصيب الذي يمرون به.

        وبهذا جاءت الروايات:

        فقد روى الطبري من حديث عروة عن أبيه قال: (لما بويع أبو بكر -t- وجمع الأنصار في الأمر الذي افترقوا فيه، قال: ليتم بعث أسامة، وقد ارتدت العرب، إما عامة، وإما خاصة في كل قبيلة، ونجـم

النفاق وأشر أبت اليهود والنصارى، والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية، لفقدهم نبيهم r وقلتهم وكثرة عدوهم، فقال له الناس: إن هؤلاء جل المسلمين، والعرب -على ماترى- قد انتقضت بك، فليس ينبغي لك أن تفرق عنك جماعة المسلمين، فقال أبو بكر: والذي نفس أبي بكر بيده، لو ظننت أن السباع تخطفني لأنفذت بعث أسامة كما أمر به رسول الله r ولو لم يبق في القرى غيري لأنفذنه).‎(1)

        وفي روايه للواقدي: «فلما بلغ العرب وفاة رسول الله r وارتد من ارتد عن الإسلام، قال أبو بكر -t- لأسامة -رحمة الله عليه- أنفذ على وجهك الذي وجهك فيه رسول الله r. وأخذ الناس بالخروج وعسكروا في موضعهم الأول، وخرج بريده باللواء حتى انتهى إلى معسكرهم الأول فشق على كبار المهاجرين الأولين، ودخل على أبي بكر، عمر، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة بن الجرا&#