رَزِيةُ الخَمِيس
من الشبهات التي يثيرها ويرددها كثيراً الطاعنون في الصحابة رضي الله عنهم حديث رزية الخميس. فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: (لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي البيت رجال فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قوموا. قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم ).
وفي رواية مسلم أن القائل إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد غلبه الوجع... الخ هو عمر رضي الله عنه.) [1].
وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي نزاع، فقالوا: ما شأنه؟ أَهَجَر، اسْتَفْهِمُوه، فذهبوا يردون عليه، فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصاهم بثلاث، قال: أخرجوا
المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة، أو قال: فنسيتها).[2]
فقالوا:
· أن اختلاف الصحابة هذا هو الذي منع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من كتابة الكتاب، وبالتالي حرم الأمة من العصمة من الضلالة، واستدل على ذلك بقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: (إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب).
· أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن ينص على خلافة علي.
· أن عمر هو الذي عارض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (إنه يهجر)، ثم قال: (عندكم القرآن)، (حسبنا كتاب الله). وأن تعليل أهل السنة بأن عمر قال ذلك شفقة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لايقبله بسطاء العقول فضلاً عن العلماء.
· أن الأكثرية الساحقة من الصحابة كانت على قول عمر ذلك، ولذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدم جدوى كتابة الكتاب، لأنه علم بأنهم لن يمتثلوه بعد موته.
· أن الصحابة في هذه الحادثة تعدوا حدود رفع الأصوات إلى رميه صلى الله عليه وآله وسلم بالهجر والهذيان.
ردود العلماء على هذه الشبهة
القول أن إن الصحابة اختلفوا ومنهم من عصى أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فغضب وأخرجهم من البيت... فيقال: أما اختلافهم فثابت، وقد كان سببه اختلافهم في فهم قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومراده لا عصيانه.
قال القرطبي في سبب اختلافهم: «وسبب ذلك أن ذلك كله إنما حمل عليه الاجتهاد المسوغ، والقصد الصالح، وكل مجتهد مصيب، أو أحدهما مصيب، والآخر غير مأثوم بل مأجور كما قررناه في الأصول».[3]
ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يعنفهم ولاذمهم بل قال للجميع:(دعوني فالذي أنا فيه خير). وهذا نحو ما جرى لهم يوم الأحزاب حيث قال لهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فتخوف ناس فوات الوقت، فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما عنف أحد الفريقين.[4]
وقد نبه المازري -رحمه الله- على وجه اختلافهم هذا فقال: «إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب، مع صريح أمره لهم بذلك، لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة، دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر على الامتناع، لما قام عنده من القرائن بأنه صلى الله عليه وآله وسلم قال ذلك عن غير قصد جازم، وعزمه صلى الله عليه وآله وسلم كان إما بالوحي وإما بالاجتهاد، وكذلك تركه إن كان بالوحي فبالوحي وإلا فبالاجتهاد، وفيه حجة لمن قال بالاجتهاد في الشرعيات».[5]
فتبين أن اختلافهم ناشئ عن اجتهاد في فهم كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومراده، وإذا كان علماء الأمة من بعدهم قد اختلفوا في فهم النصوص اختلافاً كبيراً في مسائل كثيرة إلى أقوال متعددة ولم يُذَموا بذلك لما تضافرت به النصوص من رفع الحرج عنهم، بل أجرهم على الاجتهاد على كل حال، فكيف يذم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم باختلافهم في مسألة جزئية مجتهدين، بعد أن عذرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعنف أحداً منهم بل أخذ بقول الطائفة المانعة من كتابة الكتاب، ورجع إلى قولها فيه.
وأما استدلاله بقول ابن عباس: (ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب)، فلا حجة له فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في معناه: «يقتضي أن الحائل كان رزية، وهو رزية في حق من شك في خلافة الصديق، واشتبه عليه الأمر، فإنه لو كان هناك كتاب لزال الشك، فأما من علم أن خلافته حق فلا رزية في حقه ولله الحمد».[6]
ويوضح هذا أن ابن عباس -رضي الله عنهما- ما قال ذلك إلا بعد ظهور أهل الأهواء والبدع، من الخوارج والروافض.نص على هذا شيخ الإسلام ابن تيمية[7] والحافظ ابن حجر.[8]
وأيضاً فقول ابن عباس هذا قاله اجتهاداً منه، وهو معارض بقول عمر واجتهاده، وقد كان عمر أفقه من ابن عباس قطعاً. قاله ابن حجر.[9] بل هو معارض بقول عمر،
وطائفة من الصحابة معه، كماجاء في الحديث:(فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك).
ويعضد هذا القول موافقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم له بعد ذلك وتركه كتابة الكتاب، فإنه صلى الله عليه وآله وسلم لو أراد أن يكتب الكتاب ما استطاع أحد أن يمنعه، وقد ثبت أنه عاش بعد ذلك أياماً باتفاق المسلمين فلم يكتب شيئاً.
وأما القول بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد بذلك الكتاب أن ينص على خلافة علي رضي الله عنه فمردود من وجوه. فالإمامية يقولون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نص على خلافة علي، ونصبه وصياً من بعده، بأمر الله له قبل حادثة الكتاب. وقد نقل إجماعهم على هذه العقيدة شيخهم المفيد في مقالاته حيث قال: «واتفقت الإمامية على أن رسول الله صلى الله عليه وآله استخلف أمير المؤمنين عليه السلام في حياته، ونص عليه بالإمامة بعد وفاته، وأن من دفع ذلك دفع فرضاً من الدين».[10]
ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «ومن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي فهو ضال باتفاق عامة الناس، من علماء السنة والشيعة، أما أهل السنة فمتفقون على تفضيل أبي بكر وتقديمه، وأما الشيعة القائلون بأن علياً كان هو المستحق للإمامة فيقولون: إنه قد نص على إمامته قبل ذلك نصاً جلياً ظاهراً معروفاً، وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب».[11]
فإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أراد من ذلك الكتاب النَّصَ على خلافة علي في ذلك الوقت المتأخر من حياته، دل هذا على عدم نصه عليها قبل ذلك، إذ لا معنى للنص عليها مرتين، وإذا ثبت باتفاق المسلمين أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مات ولم يكتب ذلك الكتاب، بطلت دعوى الوصية من أصلها.
وإذا تقرر هذا: فليعلم أن العلماء اختلفوا في مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك الكتاب، فذهب بعضهم إلى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يكتب كتاباً ينص فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف. نقله النووي، وابن حجر عن بعض أهل العلم.[12]
وقيل: إن مراده صلى الله عليه وآله وسلم من الكتاب: بيان ما يرجعون إليه عند وقوع الفتن، وقد ذكر هذا القرطبي ضمن الاحتمالات المرادة من الكتاب.[13]
وقيل: إن المراد بيان كيفية تدبير الملك، وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم، وتجهيز جيش أسامة. وبهذا قال الدهلوي.[14] مستدلاً على ذلك بما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوصى به في حديث ابن عباس المتقدم.
والذي عليه أكثر العلماء المحققين: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن ينص على استخلاف أبي بكر -رضي الله عنه-ثم ترك ذلك اعتماداً على ما علمه من تقدير الله تعالى.
وقد حكى هذا القول سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله[15] وإليه ذهب القرطبي[16]، وشيخ الإسلام ابن تيمية[17]، والسويدي.[18] وذكر القاضي عياض: أن الكتاب كان في أمر الخلافة وتعيينها من غير أن يشير إلى أبي بكر.[19]
وقد استدل من قال بهذا القول بما جاء في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها-قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ادعي لي أبا بكر وأخاك، حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر).[20]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما قصة الكتاب الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يكتبه، فقد جاء مبيناً كما في الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها-»[21]، ثم ساق الحديث.
فهذه أقوال أهل العلم المعتد بأقوالهم، ليس فيها قول واحد يؤيد ما ذهب إليه من حمل هذه الروايات على أتها من المطاعن في الصحابة.
وأما القول بأن عمر رضي الله عنه قد اتهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأنه لا يعي ما يقول، وقال: (إنه يهجر) ولم يمتثل قوله، وقال: (عندكم كتاب الله)، (حسبنا كتاب الله).
فجوابه: أن هذه اللفظة (أهجر) لا تثبت عن عمر -رضي الله عنه- أصلاً وإنما قالها بعض من حضر الحادثة من غير أن تعين الروايات الواردة في الصحيحين وإنما الثابت فيها (فقالوا ما شأنه أهجر)، هكذا بصيغة الجمع دون الإفراد. ولهذا أنكر بعض العلماء أن تكون هذه اللفظة من كلام عمر.
قال ابن حجر: «ويظهر لي ترجيح ثالث الاحتمالات، التي ذكرها القرطبي، ويكون قائل ذلك بعض من قرب دخوله في الإسلام، وكان يعهد أن من اشتد عليه الوجع ،قد يشتغل به عن تحرير ما يريد».[22]
وقال الدهلوي: «من أين يثبت أن قائل هذا القول هو عمر مع أنه وقع في أكثر الروايات (قالوا) بصيغة الجمع».[23]
وقد ذهب إلى هذا السويدي وذكر أنه قد صرح بذلك جمع من متأخري المحدثين ومنهم ابن حجر.[24]
وهذا الذي صرح به العلماء هنا هو ظاهر قول النووي حيث يقول في معرض شرحه للحديث: «... وهو المراد بقولهم هجر، وبقول عمر غلب عليه الوجع»، فقد فرّق بين القولين فتأمله..
ثم أن هذه اللفظة لا مطعن فيها على عمر لو ثبتت عنه،كما أنه لامطعن فيها على من ثبتت عنه من الصحابة. وذلك من عدة وجوه.
الوجه الأول: أن الثابت الصحيح من هذه اللفظة أنها وردت بصيغة الاستفهام هكذا (أهجر؟) وهذا بخلاف ما جاء في بعض الروايات بلفظ (هجر، ويهجر) وتمسك به الطاعنون فإنه مرجوح على ما حقق ذلك المحدثون، وشراح الحديث: منهم القاضي عياض[25]، والقرطبي[26]، والنووي[27]، وابن حجر.[28]
فقد نصوا على أن الاستفهام هنا جاء على سبيل الإنكار على من قال: (لا تكتبوا).
قال القرطبي بعد أن ذكر الأدلة على عصمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الخطأفي التبليغ في كل أحواله، وتَقَرُرِ ذلك عند الصحابة: «وعلى هذا يستحيل أن يكون قولهم (أهجر)، لشك عرض لهم في صحة قوله، زمن مرضه، وإنما كان ذلك من بعضهم على وجه الإنكار على من توقف في إحضار الكتف والدواة، وتلكأ عنه، فكأنه يقول لمن توقف: كيف تتوقف أتظن أنه قال: هذيانا، فدع التوقف وقرب الكتف، فإنه إنما يقول الحق لا الهجر، وهذا أحسن ما يحمل عليه».[29]
وهذا يدل على اتفاق الصحابة على استحالة الهجر على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، حيث إن قائليها أوردوها على سبيل الإنكار الملزم، الذي لا يشك فيه المخالف، وبه تبطل دعوى هذا الطاعن من أصلها.
الوجه الثاني: أنه على فرض صحة رواية (هجر) من غير استفهام، فلا مطعن فيها على قائلها، لأن الهجر في اللغة يأتي على قسمين: قسم لانزاع في عروضه للأنبياء، وهو عدم تبيين الكلام لبحّة الصوت، وغلبة اليبس بالحرارة على اللسان، كما في الحميات الحارة، وقسم آخر: وهو جريان الكلام غير المنتظم، أو المخالف للمقصود على اللسان لعارض بسبب الحميات المحرقة في الأكثر.
وهذا القسم محل اختلاف بين العلماء في عروضه للأنبياء، فلعل القائل هنا أراد القسم الأول، وهو أنا لم نفهم كلامه بسبب ضعف ناطقته، ويدل على هذا قوله بعد ذلك (استفهموه).[30]
الوجه الثالث: أنه يحتمل أن تكون هذه اللفظة صدرت عن قائلهاعن دَهَشٍ وحَيْرةٍ أصابته في ذلك المقام العظيم،والمصاب الجسيم، كما قد أصاب عمر وغيره عند موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاله القرطبي.[31]
قلت: وعلى هذا فقائلها معذور أياً كان معناها، فإن الرجل يعذر بإغلاق الفكر والعقل، إما لشدة فرح أو حزن، كما في قصة الرجل الذي فقد دابته ثم وجدها بعد يأس فقال: (اللهم أنت عبدي، وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح).[32]
الوجه الرابع: أن هذه اللفظة صدرت بحضور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكبارأصحابه،فلم ينكرواعلى قائلها، ولم يؤثموه، فدل على أنه معذور على كل حال.
وأما الإدعاء من معارضة عمر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (عندكم كتاب الله، حسبنا كتاب الله) وأنه لم يمتثل أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فيما أراد من كتابة الكتاب:
فالرد عليه:
أنه ليس في قول عمر هذا، أي اعتراض على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعدم امتثال أمره كما توهم هذا الطاعن، وبيان هذا من عدة وجوه:
الوجه الأول: أنه ظهر لعمر -رضي الله عنه- ومن كان على رأيه من الصحابة، أن أمر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بكتابة الكتاب ليس على الوجوب، وأنه من باب الارشاد إلى الأصلح، وقد نبه على هذا القاضي عياض، والقرطبي، والنووي، وابن حجر.[33]
ثم إنه قد ثبت بعد هذا صحة اجتهاد عمر -رضي الله عنه- وذلك بترك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كتابة الكتاب، ولو كان واجباً لم يتركه لاختلافهم،لأنه لم يترك التبليغ لمخالفة من خالف.ولهذا عد هذا من موافقات عمر-رضي الله عنه-.[34]
الوجه الثاني: أن قول عمر -رضي الله عنه-: (حسبنا كتاب الله) رد على من نازعه لا على أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم[35] وهذا ظاهر من قوله: (عندكم كتاب
الله) فإن المخاطب جمع وهم المخالفون لعمر -رضي الله عنه- في رأيه.
الوجه الثالث: أن عمر -رضي الله عنه- كان بعيد النظر، ثاقب البصيرة، سديد الرأي، وقد رأى أن الأولى ترك كتابة الكتاب -بعد أن تقرر عنده أن الأمر به ليس على الوجوب- وذلك لمصلحة شرعية راجحة للعلماء في توجيهها أقوال.
فقيل: شفقته على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما يلحقه من كتابة الكتاب مع شدة المرض، ويشهد لهذا قوله: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد غلبه الوجع) فكره أن يتكلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يشق ويثقل عليه[36] مع استحضاره قوله تعالى: مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [الأنعام : 38] ،
وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ [النحل : 89]
وقيل: إنه خشى تطرق المنافقين، ومن في قلبه مرض، لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة، وأن يتقولوا في ذلك الأقاويل نص على ذلك القاضي عياض وغيره من أهل العلم.[37]
وقيل: إنه خشي أن يكتب أموراً ربما عجزوا عنها فاستحقوا العقوبة لكونها منصوصة، ورأى أن الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد، لما فيه من الأجر والتوسعة على الأمة.[38]
ولا يبعد أن يكون عمر -رضي الله عنه- لاحظ هذه الأمور كلها، أوكان لاجتهاده وجوه أخرى لم يطلع عليها العلماء، كما خفيت قبل ذلك على من كان خالفه من الصحابة، ووافقه عليها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بتركه كتابة الكتاب، ولهذا عد العلماء هذه الحادثة من دلائل فقهه ودقة نظره.
قال النووي: «وأما كلام عمر -رضي الله عنه- فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث، على أنه من دلائل فقه عمر، وفضائله، ودقيق نظره».[39] ومما يدلل على فقه وعلم عمر ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال (( قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر )) وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (( بينما أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي وعليهم قمص، منها مايبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، ومر عمر بن الخطاب وعليه قميص يجره. قالوا: ما أولت ذلك يارسول الله؟ قال الدين )).
وأخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ((بينما أنا نائم إذ رأيت قدحاً أتيت به فيه لبن فشربت منه حتى أني لأرى الرَّيَّ يخرج من أظافري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب فقالوا: فما أولته يارسول الله؟ قال العلم )) وهذا علي بن أبي طالب يمدح عمر بن الخطاب ويشهد بعدالته واستقامته كما في نهج البلاغة حيث يقول في جزء من خطبته (( ووليهم والٍ فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه )) ويقول ابن أبي الحديد شارح النهج ((...هذا الوالي هو عمر بن الخطاب ))
الوجه الرابع: أن عمر -رضي الله عنه- كان مجتهداً في موقفه من كتابة الكتاب، والمجتهد في الدين معذور على كل حال، بل مأجور لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم اخطأ فله أجر)[40]، فكيف وقد كان اجتهاد عمر بحضور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلم يؤثمه، ولم يذمه به، بل وافقه على ما أراد من ترك كتابة الكتاب.
وأما قوله: إن الأكثرية الساحقة كانت على قول عمر، ولذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدم جدوى كتابة الكتاب، لأنه علم بأنهم لن يمتثلوه بعد موته.
فجوابه: (أن هذا الكلام مع ما فيه من الكذب على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، والطعن على الصحابة بمجرد التخرص والظنون الكاذبة، فهو دليل على جهل صاحبه. وذلك أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مأمور بالتبليغ سواء استجاب الناس أم لم يستجيبوا.
قال تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ .. [الشورى : 48].
وقال تعالى: فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ [النحل : 82]
فلو كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أمر بكتابة الكتاب، ما كان ليتركه لعدم استجابة أصحابه، كما أنه لم يترك الدعوة في بداية عهدها لمعارضة قومه وشدة أذيتهم له، بل بلغ ما أُمر به، وما ثناه ذلك عن دعوته، حتى هلك من هلك عن بينة، وحيا من حيي عن بينة.
فظهر بهذا أن كتابة الكتاب لم تكن واجبة عليه، وإلا ما تركها، وقد نص على ذلك العلماء كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن حجر -رحمهما الله-.[41] وحينئذ يكون توجيه إرادته له أولاً، ثم تركه له بعد ذلك: ما ذكره النووي حيث قال: «كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم همّ بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحي إليه ذلك، ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك ونسخ ذلك الأمر الأول».[42]
ومن الردود:
أن معنى قول عمر : ( حسبنا كتاب الله ) هل معنى هذا أننا لا نريد السنة؟
الجواب: لا.
فإن معنى قول عمر ( حسبنا كتاب الله ) أي ما جاء في كتاب الله { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } يكفي كمل الدين دعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يرتاح , إجتهد عمر في هذه .. أصاب أو أخطأ هذا موضوع آخر , لكن هل نقول إن عمر كتم الدين رضي الله عنه وأرضاه !! عندما قال ( حسبنا كتاب الله ) , هل كان الذي سيبلغه النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمراً لازماً واجباً لابد منه وأحذروا قبل أن تقولوا نعم , لأننا إذا قلنا نعم هو أمر لازم واجب لابد منه والنبي لم يبلغه معناه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يتم الرسالة ولم يكملها وكتم بعضها والله جل وعلا يقول { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } قبل هذه الحادثة بثلاثة اشهر في حجة الوداع قال الله هذا الكلام سبحانه وتعالى وأنزله على نبيه قرآناً يتلى .
بل إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( ما تركت شيئاً يقربكم إلى الله والجنة إلا وأمرتكم به , وما تركت شيئاً يبعدكم عن الله ويقربكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه ) إذاً النبي بلغ الرسالة.
بقي أمر وهو ما هو هذا الأمر الذي أراد النبي أن يبلغه ؟
جاء في مسند أحمد بإسناد مرسل ولكنه صحيح – صحيح مرسل – إلى حُميد بن عبد الرحمن بن عوف أن علياً رضي الله عنه كان حاضراً في هذه الحادثة فلما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إئتوني بكتاب قال علي : يا رسول الله إني أحفظ , قل أحفظ , فقال : ( أوصيكم بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم ) إذاً بلّغ ما كان يريد صلوات الله وسلامه عليه ..
ولنا أن نسأل هل كان علي حاضراً رضي الله عنه في هذه الحادثة .. قطعاً نعم عند الجميع هو حاضر , إذاً لما لم يكتب لما لم يذهب ويأتي بالدواة والقلم ويكتب مع من كان علي مع الذين منعوا أو مع الذين لم يمنعوا ؟! ..
هذا الموقف من النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قال : ( قوموا عني ) أمرهم أن يقوموا عنه صلوات الله وسلامه عليه .. لماذا قال قوموا عني ؟ .. لأنه صار صياح هذا يقول قرب وهذا يقول لا تقرب والنبي صلى الله عليه وآله وسلم في وادي وهم في وادٍ آخر , ولذلك أمرهم بالخروج صلوات الله وسلامه عليه .
نعم هناك من قال يستفهم: أهجر ؟؟ يعني أهذا الذي يقوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم هجراً أو لا ؟
ولكن نقول من يقول أن الذي قال هذا عمر ؟
لماذ لا يكون قاله علي ! ونحن أيضاً نقول علي لم يقل هذا , إذاً من الذي قال : أهجر ؟ , لعله أحد الذين كانوا حديثي إسلام وحضروا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقالوا مثل هذه الكلمة .. ولكن لم يثبت أبداً أن أبا بكر قال هذه الكلمة أو عمر أو عثمان أو علي أو الزبير أو طلحة أو أحد من كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم .
النبي صلى الله عليه وآله وسلم معلوم أنه لما أصابه الوجع قبيل موته لما حضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوفاة كما قال بن عباس إذ كان الأمر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم شديداً صلى الله عليه وآله وسلم .. ولذلك بن مسعود لما حضر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو على فراش الموت وجده يعرق عرقاً شديداً يتصبب العرق من جبينه , فقال يا رسول الله إنك توعك وعكاً شديداً قال : ( إني أوعك كرجلين منكم ) , قال : أذلك لأن لك الأجر مرتين ؟ , قال : ( نعم ).
فشفقة عمر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي التي دفعته أن يقول ( حسبنا كتاب الله حسبنا كتاب الله ) يعني دعوا النبي يرتاح صلى الله عليه وآله وسلم .
ومن الردود أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يكتب لهم كتاباً يعصمهم من ( الضلالة )! هكذا بإطلاق، ومعلوم أن للضلالة معاني مختلفة، والصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله ( لن تضلوا بعده ) فإنه يخصه بأمر محدد كأن ينص على تعيين خليفة أو كتابة كتاب في الأحكام ليرتفع النزاع في الأمة وإلا فبالله كيف يترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب أمراً يعصم الأمة به من الضلالة؟! فإن دل هذا على شيء فإنه يدل على أن الأمر ليس للوجوب فتركه.
ومنها أنه يجب أن يعتقد كل مسلم (( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم معصوم من الكذب ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته وحال مرضه ومعصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه )) فإذا عرفنا ذلك تبين لدينا أنه لو أمر بتبليغ شىء حال مرضه وصحته فإنه يبلغه لامحالة ف(( لو كان مراده صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتب مالا يستغنون عنه لم يتركه لاختلافهم ولا لغيره، لقوله تعالى { بلغ ما أنزل إليك } كما لم يترك تبليغ غير ذلك لمخالفة من خالفه ومعاداة من عاداه )) فدل ذلك على أن ما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابته يحمل على الندب لا على الوجوب وقد عاش صلوات الله وسلامه عليه أربعة أيام بعد ذلك ولم يأمرهم بإعادة الكتابة، وقوله في الرواية التى أخفاها الكاتب ( وأوصاهم بثلاث ) يدل على أن الذى أراد أن يكتبه لم يكن أمراً محتّماً لأنه لو كان مما أمر بتبليغه لم يكن يتركه لوقوع الاختلاف، ولعاقب الله من حال بينه وبين تبليغه، ولبلغه لهم لفظاً كما أوصاهم بإخراج المشركين وغير ذلك.
ومنها أنه لم يظهر على النبي صلى الله عليه وآله وسلم أي غضب على صحابته أو أمر بطردهم ولم يرد هذا المعنى في أيٍ من روايات الحديث السبع التي ذكرها البخاري في صحيحه، ولكنه لشدة إحساسه بالمرض طلب منهم الكف عن الجدال فيما بينهم، ويظهر هذا واضحاً في الرواية التي أوصاهم فيها بثلاثة أمور وذلك بعد جدالهم فلا دليل على أنه غضب منهم أو طردهم ولو فرضنا جدلاً أنه غضب منهم فليس في هذا قدح بهم لأنهم ليسوا معصومين من الوقوع بذلك والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يغضب ويرضى بل لعل غضبه على أصحابه يكون خيراً لهم فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول (( اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة )).
وروى الطبراني في الكبير وأحمد في المسند قوله صلى الله عليه وآله وسلم في جزء من الحديث (( أيما رجل من أمتي سببته سُبة أو لعنته لعنة في غضبي فإنما أنا من ولد آدم، أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين فاجعلها عليهم صلاة يوم القيامة))
ومنها أن بكاء ابن عباس حتى بل دمعه الحصى وتسميته ذلك رزيّة فليس فيه حجة على الصحابة. فابن عباس كان يقول ذلك عندما يروي الحديث وليس عندما حدثت الحادثة، والروايات كلها تدل على ذلك ويحتمل أنه تذكر وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فزاد في حزنه بالإضافة إلى أن عدم كتابة الكتاب كان هذا رزية في حق من شك في خلافة أبي بكر فلو كتب الكتاب لزال الشك وكذلك سمى تلك الحادثة رزية لأن ابن عباس كان ممن وافق على ترشيح أبي بكر.
ومنها أن قول البعض لو كان تعليل أهل السنة صحيحاً، فلم يكن ليخفى على رسول الله حسن نية عمر، ولشكره رسول الله على ذلك وقربه بدلاً من أن يغضب عليه ويقول أخرجوا عني.
فالرد أن سكوت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على قول عمر ثم توقفه عن الكتابة يدل على موافقته له، ثم أن القول ( بدلاً من أن يغضب عليه ويقول أخرجوا عني ) عجيب فالهاء في ( عليه ) عائدة على عمر والواو في (أخرجوا ) واو الجمع فكيف تستقيم الجملة هكذا؟
فالأصل أن يقال ( أن يغضب عليه ويقول أخرج عني ) ولو قال ذلك فلعلها كانت شبهة صحيحة.
وهذا أعظم دليل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سكت عن قول عمر ولم يعترض عليه ولكن لما كثر اللغط والاختلاف قال ( دعوني ) وليس فيها ما يفيد الطرد والإخراج خاصةً إذا ما عرفنا أنه أوصاهم بعدها بثلاثة وصايا.
ومن الردود على القول (وفي هذه الحادثة تعدوا حدود رفع الأصوات والجهر بالقول إلى رميه صلى الله عليه وآله وسلم بالهجر والهذيان والعياذ بالله (!!) ثم أكثروا اللغط والاختلاف وصارت معركة كلامية بحضرته وأكاد أعتقد بأن الأكثرية الساحقة كانت على قول عمر ولذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عدم الجدوى من كتابة الكتاب لأنه علم بأنهم لم يحترموه (!!) ولم يمتثلوا لأمر الله فيه في عدم رفع أصواتهم بحضرته، وإذا كانوا لأمر الله عاصين فلن يكونوا لأمر رسوله طائعين (!)، واقتضت حكمة الرسول بأن لا يكتب لهم ذلك الكتاب لأنه طعن فيه في حياته فكيف يعمل بما فيه بعد وفاته، وسيقول الطاعنون: بأنه هجر من القول ولربما سيشككون في بعض الأحكام التي عقدها رسول الله في مرض وفاته (!)، إذا اعتقادهم بهجره ثابت، أستغفر الله (!) وأتوب إليه من هذا القول في حضرة الرسول الأكرم (!!)، كيف لي أن أقنع نفسي وضميري الحر(!) بأن عمر بن الخطاب كان عفوياً في حين أن أصحابه ومن حضروا محضره بكوا لما حصل حتى بل دمعهم الحصى وسموها رزية المسلمين، ولهذا فقد خلصت إلى أن أرفض كل التعليلات التي قدمت لتوجيه ذلك، ولقد حاولت أن أنكر هذه الحادثة وأكذبها لأستريح من مأساتها (!) ولكن كتب الصحاح نقلتها وأثبتتها وصححتها ولم تحسن تبريرها ))!
فالرد أنه كيف يدعي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى عدم الجدوى من كتابة الكتاب واقتضت حكمته ذلك (( هكذا!! )) بحجة أن الصحابة ( لن ) يحترموه و( لن ) يمتثلوا أمره بالإضافة إلى طعنهم به!! ولو فرضنا أن هذا حق فكيف يتوقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن كتابة ما أمر ببلاغه وهو الرسول المبلغ عن رب العالمين؟ وليس هو مخيرٌ في ذلك والله يقول يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [المائدة : 67] ويقول سبحانه وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم : 3-4] فلا بد للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من التبليغ سواءٌ بالكتابة أو بالقول كما أمرهم بإخراج المشركين من جزيرة العرب وغيره، وادعاء صاحبنا هذا هو طعن بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ كيف يتوقف عن التبليغ لمجرد الطعن به؟!
ومن قرأ كتاب الله يعلم مدى جهل قائل هذا القول بحقيقة الرسالة لأن الرسل جميعاً تعرضوا من أقوامهم لشتى أنواع التعذيب الجسدية والنفسية فلم تثنيهم هذه العذابات عن المضي قدماً بتبليغ رسالة الله، ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم الأنبياء قد تعرض لأنواع من الاغراءات ثم التهديدات والتعذيب ليثنيه المشركون عن تبليغ رسالة السماء، فقاموا بالاعتداء عليه وعلى أصحابه وتعذيبهم وحاصروه وقومه بشعاب مكة ورموه بألقاب السخرية والاستهزاء كالساحر والمجنون فلم تقف هذه الضغوط في طريقه ليبلغ دين الله كاملاً غير منقوص وجاهد في سبيل الله مع أصحابه حتى مكن الله له في الأرض وجعل دينه يعلوا على كل الأديان وبذلك استحق أن يكون خير رسل الله أجمعين.
ثم يأتي من يقول على نبي المرحمة صلوات الله وسلامه عليه أنه توقف عن تبليغ أمر الله عاصماً للأمة من الضلالة! لماذا؟ لمجرد عدم احترامه وإطاعة أمره أو الطعن به يتراجع عن تبليغ ما أمر ببيانه! فحاشا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، فلا بد من أن يبلغ الرسالة وأن يظهر الحق وإن حاربه أهل الأرض جميعاً وليظهر أهل الحق من أهل الباطل ويعرف أولياءه من أعدائه، فمن اتبع أمر الله ورسوله نجا ومن خالف فقد هلك ولذلك أنزل الله الرسل مبشرين للناس ومنذرين، ومن هنا نعلم أن الذي أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم كتابته ليس وحياً بل على سبيل الاختيار ذلك لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهوشهيد، ثم يدعي هذا الطاعن على الصحابة بأنهم لم يحترموا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يمتثلوا لأمره وطعنوا به!!؟
فيبدوا أن الكلام عند هذا الطاعن لا يشترى بالمال فلا غضاضة إذاً من تسويد الصفحات بالمجازفات والافتراءات، فمرة يقول أن ابن عباس بكى وبل دمعه الحصى ومرة يقول أن الصحابة بكوا حتى بل دمعهم الحصى وفي نفس الوقت يخططون لمنع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الكتابة وأكثرهم كانوا على رأي عمر.
وأخيراً أقول إذا كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يريد من كتابة الكتاب أن ينص على أحد بالخلافة لأوحى بها لأبي بكر الصديق رضي الله عنه للقرائن الظاهرة في ذلك منها:
ما أخرجه البخاري عن القاسم بن محمد قال (( قالت عائشة رضي الله عنها: وارأساه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك، فقالت عائشة: واثكلياه، والله إني لأظنك تحب موتي، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرساً ببعض أزواجك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: بل أنا وارأساه لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع الله ويأبى المؤمنون )).
وفي رواية مسلم عن عروة عن عائشة قالت: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه (( ادع لي أبابكر وأخاك، حتى أكتب كتاباً فإني أخاف أن يتمنى متمنٍّ، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبابكر )).
وأخرج البخاري ومسلم عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال (( أتت امرأة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فأمرها أن ترجع إليه قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك كأنها تريد الموت قال صلى الله عليه وآله وسلم : إن لم تجديني فأتِ أبابكر )).
وأخرج البخاري ومسلم أيضاً عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول ((بينما أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوباً أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف، والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غرباً فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقرياً من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بِعَطَنْ )).
وعن أبي بكرة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذات يوم (( أيكم رأى رؤيا؟ فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزاناً نزل من السماء فوزنت أنت وأبوبكر، فرجحت أنت بأبي بكر، ووزن عمر وأبوبكر فرجح أبو بكر ووزن عمر وعثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان، قال: فاستاء لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، يعني فساءه ذلك فقال: خلافة نبوة، ثم يأتي الله الملك من يشاء )).
وقد قدّمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليصلي بالناس حتى وفاته، فقد أخرج البخاري عن أبي موسى قال (( مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاشتد مرضه، فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس . فقالت عائشة: إنه رجل رقيق، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، قال: مروا أبابكر فليصل بالناس، فعادت، فقال: مري أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف. فأتاه الرسول، فصلى بالناس في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم )).
وروى عن الزهري قال أخبرني أنس بن مالك الأنصاري وكان تَبِع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخدمه وصحبه (( أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي توفى فيه، حتى كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة، فكشف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك فهممنا أن نفتن من الفرح برُؤية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنكص أبوبكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خارج الى الصلاة، فأشار إلينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن أتموا صلاتكم، وأرخى الستر، فتوفى من يومه )) فتقديمه صلى الله عليه وآله وسلم لأبي بكر لإمامة المسلمين في الصلاة إشارة إلى إمامته على المسلمين وهذا الذى قد كان فقول أهل السنة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان يريد من وراء كتابة الكتاب هو أن يوصي لأحد بالإمامة لكان أوصى لأبي بكر والأدلة التي يحتجون بها أقوى احتجاجاً وأوضح بيانا ولا تخالف معقولا ولا ينكرها من عقلها بخلاف أدلة.
[1] - رواه البخاري: (كتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم) فتح البارى 8/132، ح4432. ومسلم: (كتاب الوصية، باب من ترك الوصية) 3/1258،
[2] - رواه البخاري: (كتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم( فتح الباري 8/132، ح4431. ومسلم: (كتاب الوصية، باب من ترك الوصية) 3/1257، ح1637.)
[3] - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي 4/559.
[4] - المفهم 4/559.
[5] - نقله عنه ابن حجر في فتح الباري 8/134، كما نقله النووي في شرحه لصحيح مسلم 11/92، وبينهما اختلاف يسير، والذي يظهر أن في نقل ابن حجر تصرفاً واختصاراً. ترك الكتابة.
[6] - منهاج السنة 6/25. 9)
[7] - منهاج السنة 6/31
[8] - فتح الباري 1/209.
[9] - انظر: فتح البارى 8/134.
[10] - أوائل المقالات ص44
[11] - منهاج السنة 6/25
[12] - شرح صحيح مسلم للنووي 11/90، وفتح الباري لابن حجر 1/209
[13] - المفهم 4/558.
[14] - مختصر التحفة الإثني عشرية ص251.
[15] - شرح صحيح مسلم للنووي 11/90.
[16] - المفهم 4/558.
[17] - منهاج السنة 6/23- 24- 316.
[18] - الصارم الحديد في عنق صاحب سلاسل الحديد (الجزء الثاني)، ص48.
[19] - الشفا بتعريف حقوق المصطفىصلى الله عليه وآله وسلم 2/890.
[20] - هذه الرواية أخرجها مسلم في صحيحه: (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي بكر الصديق) 4/1857، ح2387، وأخرج الحديث البخاري - مع اختلاف في اللفظ- في صحيحه: (كتاب الأحكام، باب الاستخلاف) فتح الباري 13/205، ح7217.
[21] - منهاج السنة 6/23.
[22] - فتح الباري 8/133.
[23] - مختصر التحفة الإثني عشرية ص250.
[24] - الصارم الحديد (الجزء الثاني) ص16
[25] - الشفا 2/886.
[26] - المفهم 4/559.
[27] - شرح صحيح مسلم 11/93.
[28] - فتح الباري 8/133.
[29] - المفهم 4/559.
[30] - مختصر التحفة الإثني عشرية ص250.
[31] - المفهم 4/560.
[32] - أخرجه مسلم من حديث أنس –رضي الله عنه - (كتاب التوبة، باب الحض على التوبة...) 4/2104، ح2747.
[33] - الشفا 2/887، والمفهم 2/559، وشرح صحيح مسلم 11/91، وفتح الباري 1/209.
[34] - فتح الباري لابن حجر 1/209.
[35] - نص عليه النووي في شرح صحيح مسلم 11/93.
[36] - الشفا للقاضي عياض 2/888، وشرح صحيح مسلم للنووي 11/90، وفتح الباري لابن حجر 1/209.
[37] - الشفا 2/889 ، وشرح صحيح مسلم للنووي 2/92.
[38] - الشفا 2/889، وفتح الباري 8/134.
[39] - شرح صحيح مسلم 11/90.
[40] - رواه البخاري من حديث عمرو بن العاص في: (كتاب الاعتصام، باب أجر الحاكم إذا اجتهد...) فتح الباري 13/318، ح7352، ومسلم: (كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد) 3/1342، ح1716.
[41] - منهاج السنة 6/315- 316، وفتح الباري 1/209.
[42] - شرح صحيح مسلم 11/90.