الرد على من زعم أن اختلاف الصحابة هو الذي حرم الأمة العصمة وأدى إلى تفرقها وتمزقها

قال المؤلف ص89-90: «والمشكل الأساسي في كل ذلك هو الصحابة، فهم الذين اختلفوا في أن يكتب لهم رسول الله r ذلك الكتاب، الذي يعصمهم من الضلالة إلى قيام الساعة، واختلافهم هذا هو الذي حرم الأمة الإسلامية من هذه الفضيلة، ورماها في الضلالة، حتى انقسمت وتفرقت وتنازعت وفشلت وذهبت ريحها، وهم الذين اختلفوا في الخلافة، فتوزعوا بين حزب حاكم، وحزب معارض، وسبب ذلك تخلف الأمة، وانقسامها إلى: شيعة علي، وشيعة معاوية، وهم الذين اختلفوا في تفسير كتاب الله، وأحاديث رسوله r فكانت المذاهب والفرق والملل والنحل، ونشأت من ذلك المدارس الكلامية والفكرية المختلفة، وبرزت فلسفات متنوعة أملتها دوافع سياسية محضة، تتصل بطموحات الهيمنة على السلطة والحكم.

        فالمسلمون لم ينقسموا ولم يختلفوا في شئ لولا الصحابة، وكل خلاف نشأ وينشأ إنما يعود إلى اختلافهم في الصحابة».

        قلت: قوله فهم الذين اختلفوا في أن يكتب لهم رسول الله r ذلك الكتاب، الذي يعصمهم من الضلالة إلى قيام الساعة، وأن هـــذا

الاختلاف هو الذي حرم الأمة من هذه الفضيلة.

        يشير بذلك إلى ما رواه الشيخان من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (لما اشتد بالنبي r وجعه، قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، قال عمر: إن النبي r غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللغط، قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع).‎(1)

        وقد ذكره الرافضي بنصه في موضع آخر سيأتي قريباً مستدلاً به على طعنه في الصحابة، ولذا أؤجل الرد عليه في ذلك، وتوجيه الحديث إلى موطنه الذي ذكره فيه، وأقتصر الآن في الرد على الشبهة التي أثارها هنا، وهو زعمه أن اختلافهم هذا هو الذي حرم الأمة الإسلامية من العصمة ورماها في الضلالة والتفرق إلى قيام الساعة.

        والجواب على هذا: إن قوله هذا باطل، وهو يعني أن الرسول r قد ترك تبليغ أمته ما فيه عصمتها من الضلال، ولم يبلغ شرع ربه لمجرد اختلاف أصحابه عنده حتى مات على ذلك، وأنه بهذا مخالف لأمر ربه في قوله: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     أخرجه البخاري في: (كتاب العلم، باب كتابة العلم) فتح الباري 1/208،     ح114. ومسلم: (كتاب الوصية، باب ترك الوصية لمن ليس له شئ يوصي     فيه) 3/1259.

بلغت رسالته والله يعصمك من الناس}.‎‎(1)

        وإذا كان الرسول r مبرأً من ذلك ومنزهاً بتزكية ربه له في قوله: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عَنِتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}‎(2)

        فوصفه بالحرص على أمته: أي على هدايتهم، ووصول النفع الدنيوي والأخروي لهم، ذكره ابن كثير في تفسيره(3):

        وإذا كان هذا الأمر معلوماً بالاضطرار من دين الإسلام عند الخاص والعام، لايشك فيه من في قلبه أدنى مثقال ذرة من إيمان، أن هذا الرسول الكريم قد بلغ كل ما أُمر به، وكان أحرص ما يكون على أمته، بما هو متواتر من جهاده وتضحيته، وأخباره الدالة على ذلك، علمنا علماً يقينياً لا يشوبه أدنى شك، أنه لو كان الأمر كما يذكر هذا الرافضي من الوصف لهذا الكتاب من أن به عصمة الأمة من الضلال في دينها، ورفع الفرقة والاختلاف فيما بينها، إلى أن تقوم الساعة، لما ساغ في دين ولا عقل أن يؤخر رسول الله r
كتابته إلى ذلك الوقت الضيق، ولو أخره ما كان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     سورة المائدة 67.

(2)     سورة التوبة 128.

(3)     انظر تفسير ابن كثير 2/404.

ليتركه لمجرد اختلاف أصحابه عنده(1) وقد ثبت من سيرته أنه لربما راجعوه أحياناً في بعض المسائل مجتهدين، فما كان يترك أمر ربه لقولهم، كمراجعة بعضهم له في فسخ الحج إلى عمرة في حق من لم يسق الهدي، وذلك في حجة الوداع، وكذلك مراجعة بعضهم له يوم الحديبية، وفي تأمير أسامة(2) -t-، فهل يتصور بعد هذا أن يترك أمر ربه فيما هو أعظم من هذا لخلافهم، ولو قدر أنه تركه في ذلك الوقت لتنازعهم عنده لمصلحة رآها فما الذي يمنعه من أنه يكتبه بعد ذلك، وقد ثبت أنه عاش بعد ذلك عدة أيام فقد كانت وفاته  -عليه الصلاة والسلام- يوم الإثنين على ما جاء مصرحاً به في رواية أنس في الصحيحين(3) وحادثة الكتاب يوم الخميس بالاتفاق.

        فإن أبى الرافضي إلا جدالاً، وقال: خشي أن لا يقبلوه منه، ويعارضوه فيه، كما تنازعوا عنده أول مرة، قلنا: لا يضره ذلك وإنما عليه البلاغ كما قال تعالى: {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     ذكر هذا الوجه من الردّ الدهلوي. انظر: مختصر التحفة الاثني عشرية        ص251.

(2)     انظر: الأحاديث في ذلك من صحيح البخاري مع الفتح 3/606،      ح1785، 8/587، ح4844، 8/152، ح4468،4469.

(3)     انظر: صحيح البخاري مع الفتح 8/143، ح4448، وصحيح مسلم 1/315، ح419.

تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً}.‎(1)

        فإذا ثبت هذا باتفاق السنة والرافضة، أن رسول الله r لم يكتب ذلك الكتاب حتى مات، علمنا أنه ليس من الدين الذي أمر بتبليغه، ولا على ما يصفه هذا الرافضي من المبالغة لاستحالة ذلك على الرسول r.

        ولِمَا دل عليه القرآن من أن الله قد أكمل له ولأمته الدين، فأنزل عليه قبل ذلك في حجة الوداع: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً}.‎(2)

        وكما أخبر الرسول r بذلك في قوله: (إني تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك).‎(3)

        فإذا تقرر بطلان ما يدعي هذا الرافضي من أن الأمة وقعت في الضلالة، وحرمت العصمة بسبب عدم كتابة الرسول r لهم ذلك الكتاب لاختلاف الصحابة عنده:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     سورة النساء 80.

(2)     المائدة 3.

(3)     أخرجه أحمد في المسند 4/126، ضمن حديث العرباض بن سارية في       موعظة النبي r وكذا ابن ماجه في سننه 1/16، وقد صحح الحديث   الألباني بمجموع طرقه في ظلال الجنة. انظر: ظلال الجنة مع كتاب السنة   لابن أبي عاصم ص26.

        فليعلم بعد هذا أن الذي أراده الرسول r من كتابة ذلك الكتاب هو أن يكتب لهم كتاباً يبين فيه فيمن تكون الخلافة من بعده كما ذكر ذلك العلماء.

        قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «ولم تكن كتابة الكتاب مما أوجبه الله عليه أن يكتبه أو يبلغه في ذلك الوقت، إذ لو كان كذلك لما ترك r ما أمره الله به، لكن ذلك مما رآه مصلحة لدفع النزاع في خلافة أبي بكر، ورأى أن الخلاف لابد أن يقع».‎(1)

        وقال في موضع آخر: «وأما قصة الكتاب الذي كان رسول الله r يريد أن يكتبه، فقد جاء مبيناً كما في الصحيحين عـن عائشـــــة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله r في مرضه: (ادعى لي أباك وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)(2) ....

        [إلى أن قال بعد ذكر روايات الحديث]: والنبي r قد عزم على أن يكتب الكتاب الذي ذكره لعائشة، فلما رأى أن الشك قد وقع، علم أن الكتاب لا يرفع الشك، فلم يبق فيه فائدة، وعلم أن الله يجمعهم على ما عزم عليه كما قال: (ويأبى الله والمؤمنون إلا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     منهاج السنة 6/316.

(2)     أخرجه مسلم في صحيحه: :(كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي   بكر) 4/1857، ح2387.

أبا بكر)».‎‎‎(1)

        وأما قوله r في الحديث: (لن تضلوا بعدي) فيقول الدهلوي في توجيهه: «فإن قيل: لو لم يكن ما يكتب أمراً دينياً فلم قال: (لن تضلوا بعدي؟) قلنا: للضلال معان، والمراد به ههنا عدم الخطأ في تدبير الملك، وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزه، وتجهيز جيش أسامة منه، لا الضلالة والغواية عن الديــن».‎(2)

        وأما قوله: «وهم الذين اختلفوا في الخلافة فتوزعوا بين حزب حاكم وحزب معارض، وسبب ذلك تخلف الأمة وانقسامها إلى شيعة علي وشيعة معاوية...»

        فالجواب على هذا: أن الخلاف بين الصحابة -y- في عهد علي -t- لم يكن في الخلافة، فإن الذين اختلفوا مع علي -t- هم: طلحة، والزبير، وعائشة، ومعاوية -y-، ولم يكن هؤلاء ينازعونه في الخلافة بل لم يَدَّعِ أحد لامن هؤلاء ولا من غيرهم، أنه أولى بالخلافة بعد مقتل عثمان -t- من علي؛ لأنه أفضل من بقي، وقد كانوا يقرون له بالفضل، وإنما أصل الخلاف بين هؤلاء الصحابة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     منهاج السنة 6/23،25.

(2)     مختصر التحفة الاثني عشرية ص251.

المذكورين وعلي هو في المطالبة بدم عثمان وقتل قتلته، فقد كانوا يرون تعجيل ذلك والمبادرة بالاقتصاص منهم، وقد كان علي -t- لا ينازعهم في أن عثمان -t- قُتل مظلوماً، وعلى وجوب الاقتصاص من قتلته، وإنما كان يرى تأجيل ذلك حتى تهدأ الأوضاع ويستتب له الأمر، لأن قتلة عثمان كثير وقد تفرقوا في الأمصار كما كانت طائفة كبيرة منهم في المدينة بين الصحابة.

        ومع هذا كله فإن اختلافهم -رضي الله عنهم- لم يصل بهم إلى الطعن في الدين، واتهام بعض لبعض، وإنما كان كل فريق يرى لمخالفه مكانته في الفضل والصحبة ويرى أنه مجتهد في رأيه، وإن كان يخطئه فيه.

        فههنا ثلاث مسائل مقررة عند أهل العلم والتحقيق من أهل السنة، يندفع بها ما يثيره هؤلاء المغرضون من شبه، حول الفتنة التي حصلت في زمن الصحابة -y- في خلافة علي وهي:

        المسألة الأولى: أن الخلاف الذي حصل بينهم لم يكن حول الخلافة، ولم ينازع علياً -t- أحد من مخالفيه فيها، ولم يَدَّعِ أحد منهم على الإطلاق أنه أولى بالخلافة من علي.

        المسألة الثانية: أن الخلاف بينهم إنما هو في تعجيل قتل قتلة عثمان أو تأخيره، مع اتفاقهم على وجوب تنفيذ ذلك.

        المسألة الثالثة: أنهم مع اختلافهم لم يتهم بعضهم بعضاً
في الدين، وإنما يرى كل فريق منهم أن مخالفه مجتهد متأول، يعترف لـه

بالفضل في الإسلام، والصحبة لرسول r.

        وهذه مسائل عظيمة، دلت عليها الأخبار الصحيحة. وفيها توضيح لحقيقة الخلاف بين الصحابة وتبرئة لساحتهم من كل مايرميهم به الرافضة والزنادقة، وهي أصل كبير في الرد على هؤلاء ينبغي لطالب العلم أن يتعلمها بأدلتها، وإليك أيها القارئ بسط الأدلة على تقريرها:

        المسألة الأولى: أن الخلاف الذي حصل بينهم لم يكن في الخلافة، ولم ينازع علياً أحد من مخالفيه فيها، ولم يدع أحد منهم أنه أولى بها من علي -t-.

        ومن أقوى الأدلة، وأكبر الشواهد على هذا: اجتماع الصحابـة -y- على مبايعته بالخلافة بعد مقتل عثمان -t- بما فيهم طلحة والزبير -رضي الله عنهما-، وقد دلت على ذلك الروايات الصحيحة المنقولة عنهم في ذلك.

        منها مارواه الطبري في تاريخه بسنده إلى محمد بن الحنفية، قال: «كنت مع أبي حين قتل عثمان -t- فقام فدخل منزله، فأتاه أصحاب رسول الله r، فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل ولابد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحداً أحق بهذا الأمر منك، لا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول الله r، فقال: لا تفعلوا، فإني أكون وزيراً، خيرٌ من أن أكون أميراً، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد فإن بيعتي لا تكون خَفِيّاً ولا تكون إلا عن رضا المسلمين.

        قال سالم بن الجعد، فقال عبدالله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يُشْـغـَب عليه، وأبى هو إلا المسجد، فلما دخل دخل المهاجرون والأنصار فبايعوه ثم بايعه الناس».(1)

        وعن أبي بشير العابدي قال: «كنت بالمدينة حـين قتـل عثمـان -t- واجتمع المهاجرون والأنصار فيهم طلحة والزبير فأتوا علياً، فقالوا: يا أبا الحسن هلم نبايعك، فقال: لا حاجة لي في أمركم أنا معكم، فمن اخترتم فقد رضيت به، فاختاروا والله، فقالوا: ما نختار غيرك....»(2) الخ الرواية، وفيها تمام البيعة لعلي-t-.

        والروايات في هذا كثيرة ذكر بعضها ابن جرير في تأريخه(3)
وهي دالة على مبايعة الصحابة -
y- لعلي -t- واتفاقهم على بيعته بما فيهم طلحة والزبير، كما جاء مصرحاً به في الرواية
السابقة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     تاريخ الطبري 4/427.

(2)     تاريخ الطبري 4/427-428.

(3)     انظر: تاريخ الطبري 4/427-429، وقد قام بجمع هذه الروايات ودرسها   الدكتور محمد أمحزون في كتابه القيم: (تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة       20/59-75.

        وأما ما جاء في بعض الروايات من أن طلحة، والزبير بايعا مكرهين فهذا لا يثبت بنقل صحيح، والروايات الصحيحة على خلافــــــه.

        فقد روى الطبري عن عوف بن أبي جميلة قال: «أما أنا فأشهد أني سمعت محمد بن سيرين، يقول: إن علياً جاء فقال لطلحة: ابسط يدك ياطلحة لأبايعك. فقال طلحة: أنت أحق، وأنت أمير المؤمنين، فابسط يدك، فبسط علي يده فبايعه».‎‎(1)

        وعن عبد خير الخَيْوانيّ أنه قام إلى أبي موسى فقال: «يا أبا موسى، هل كان هذان الرجلان -يعني طلحة والزبير- ممن بايع علياً قال: نعم...».‎‎‎(2)

        كما نص على بطلان ما يُدَّعَى من أنهما بايعا مكرهين، الإمام المحقق ابن العربي وذكر أن هذا مما لا يليق بهما، ولا بعلي قال
-رحمه الله-: «فإن قيل بايعا مكرهين [أي طلحة والزبير]، قلنا: حاشا لله أن يكرها، لهما ولمن بايعهما، ولو كانا مكرهين ما أثر ذلك، لأن واحداً أو اثنين تنعقد البيعة بهما وتتم، ومن بايع بعد ذلك فهو لازم له، وهو مكره على ذلك شرعاً، ولو لم يبايعا ما أثر ذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     تاريخ الطبري 4/434.

(2)     المصدر نفسه 4/486.

فيهما، ولا في بيعة الإمام.

        وأما من قال يد شلاء وأمر لا يتم(1)، فذلك ظن من القائل أن طلحة أول من بايع ولم يكن كذلك.

        فإن قيل فقد قال طلحة: (بايعت واللُّجّ علي قَفَيّ) قلنا: اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في (القفا) لغة (قفى)، كما يجعل في (الهوى) (هوي)، وتلك لغة هذيل لا قريش(2)، فكانت كذبة لم تدبر.

        وأما قولهم: (يد شلاء) لو صح فلا متعلق لهم فيه، فإن يداً شُلّت في وقاية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل مكروه، وقد تم الأمر على وجهه، ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه».‏(3)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     إشارة إلى ما جاء في بعض الروايات: أن أول من بايع علياً طلحة -رضي   الله عنهما- وكان بيده اليمنى شلل، لما وقى بها رسول الله r يوم أحد،    فقال رجل في القوم: أول يد بايعت أمير المؤمنين شلاء لا يتم هذا الأمر.           انظر: تاريخ الطبري 4/435، والبداية والنهاية لابن كثير 7/237.

(2)     وقيل هي: لغة طيّ. ذكره ابن الأثير في النهاية 4/94 وكذلك: اللُّجّ ليس       من لغة قريش بل من لغة طيّ، قال ابن الأثير: «هو بالضّم: السيف بلغة   طيّ» النهاية 4/234، وقيل هو السيف أيضاً بلغة هذيل وطوائف من           اليمن. انظر لسان العرب 2/354.

(3)     العواصم من القواصم ص148-149.

        وكذلك معاوية -t- فقد ثبت بالروايات الصحيحة أن خلافه مع علي -t- كان في قتل قتلة عثمان -t- ولم ينازعه في الخلافة بل كان يقر له بذلك.

        فعن أبي مسلم الخولاني أنه جاء وأناس معه إلى معاوية وقالوا: «أنت تنازع علياً أم أنت مثله؟ فقال: لا والله إني لأعلم أنه أفضل مني وأحق بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلوماً، وأنا ابن عمه والطالب بدمه فأتوه، فقولوا له فليدفع إليّ قتلة عثمان وأسلم له، فأتوا علياً فكلموه فلم يدفعهم إليه(1)».(2)

        ويروى ابن كثير من طرق ابن ديزيل بسنده إلى أبي الدرداء وأبي أمامة -رضي الله عنهما- «أنهما دخلا على معاوية فقالا له: يا معاوية علام تقاتل هذا الرجل؟ فو الله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلاماً، وأقرب منك إلى رسول الله r، وأحق بهذا الأمر منك، فقال: أقاتله على دم عثمان، وإنه آوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا له:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     سبب ذلك أن علياً -t- طلب من معاوية أن يدخل في البيعة ويحاكمهم        إليه فأبى معاوية -رضي الله عنهما- جميعاً. انظر: البداية والنهاية 7/265،         وتحقيق مواقف الصحابة في الفتنة لمحمد أمحزون 2/147.

(2)     أخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق 16/356ب،
           وأورده الذهبي في     سير أعلام النبلاء 3/140، وقال محققوا الكتاب:     رجاله ثقات.

فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من أبايعه من أهل الشام».(1)

        والروايات في هذا كثيرة مشهورة بين العلماء(2) وهي دالة على عدم منازعة معاوية لعلي -رضي الله عنهما- في الخلافة ولهذا نص المحققون من أهل العلم على هذه المسألة وقرروها.

        يقول إمام الحرمين الجويني: «إن معاوية وإن قاتل علياً فإنه لا ينكر إمامته، ولا يدعيها لنفسه، وإنما كان يطلب قتلة عثمان ظاناً منه أنه مصيب وكان مخطئاً».(3)

        ويقول ابن حجر الهيتمي: «ومن اعتقاد أهل السنة والجماعة
أن ما جرى بين علي و