حكم سب الصحابة رضي الله عنهم

فصل ( في حكم سب الصحابة )
أن ظاهرة سب الصحابة رضوان الله عليهم لم تكن وليدة اليوم ولا الأمس القريب وإنما تفشت وظهرت على حيز الوجود منذ مؤازرة ومناصرة أولئك الأخيار الأطهار للمصطفى عليه الصلاة والسلام وإن الطعن في الصحابة طعن في النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث أنهم لم يستطيعوا الطعن في النبي صلى الله عليه وآله وسلم صراحة لئلا ينكشف أمرهم فعمدوا إلى تشويه سيرة أصحابه وتسويد صحائفهم البيضاء النقية ووضع المثالب فيهم ليقال أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجل سوء ومن أجل ذلك صاحب أولئك الأشرار على حد زعمهم وان الذين يقودون حملة سب الصحابة قديماً أوحديثاً ماهم إلا أراذل الناس عقلاً وديناً .
ومن المكابرة أن يزعم أولئك الطاعنون في الصحابة أنهم مسلمون مع أنهم يرمون زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم بكبيرة الزنا وبعض أصحابه المقربين إليه بالشذوذ الجنسي والحشع المادي الدنيوي وأن صحبة الصحابة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ماهي إلا استتار لتحقيق مأربهم المادية والكيدية وبدعوته صلى الله عليه وآله وسلم .

(عدالة الصحابة من القرآن الكريم)
كفى فخرا للصحابة رضوان الله عليهم اجمعين أن الله سبحانه وتعالى اصطفاهم لصحبة نبيه عليه السلام وأنّ ذكرهم في القرآن الكريم باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
يقول الحق تبارك وتعالى واصفاً نبيه عليه الصلاة والسلام وصحابته الأبرار :
{ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فئازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما }
وقال جل جلاله مخبراً برضاه عن أولئك السابقين إلى الإسلام من المهاجرين و الأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وإعداده تعالى لهم جنات فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولاخطر على قلب بشر .
{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّلهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم }.
وقال المولى تبارك وتعالى { للفقراء المهاجرين الذين إخرجوا من ديارهم وأمولهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ، والذين تبوءو الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولايجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ، والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا أغفرلنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولاتجعل في قلوبنا غلاً للذين أمنوا ربنا إنك رءوف رحيم }
وقال جل وعلى:{ والذين ءامنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم }
وقال تعالى { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم مافي قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريبا }
وقال تعالى{لقد تاب الله على النبي والمهاجرين و الأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعدماكاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تـاب عليـهم إنه بهم رؤف رحيم } وقال تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيراً لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون } . وقوله تعالى:{ وكذلك جعلنا كم أمة وسطاً لتكون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً وماجعلنا القبلة التي كنت عليها إلالنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وماكان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم . }

(عدالة الصحابة من السنة)
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( يأتي على الناس زمان فيغزوا فئام الناس فيقولون لهم فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون : لهم نعم فيفتح لهم ، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام الناس فيقال فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يأتي على الناس زمان فيغزوا فئام من الناس فيقال هل فيكم من صاحب أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم )
وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أوثلاثه ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولايستشهدون ويخونون ولايؤتمنون وينذرون ولا يفون ويظهر فيهم السمن ) وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجئ قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته )
وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( آية الإيمان حب الأنصار وآية المنافق بغض الأنصار )
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( لاتسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولانصفيه )
وعن عبدالله بن مغفل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( الله الله في أصحابي لاتتخذوهم غرضاً من بعدي من أحبهم فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني ومن أذاهم آذاني ومن آذاني فقد آذاى الله ومن آذاى الله فيوشك أن يأخذه )وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بعث قائداً ونوراً لهم يوم القيامة ) .
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : ( إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فقولوا لعنة الله على شركم ) .
عن بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فالعنوهم )
وقال صلى الله عليه وآله وسلم : (النجوم أمنةًللسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما يوعد وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبتُ أنا اتى اصحابي مايوعدون )
وعن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(النجوم أمان لأهل السماء إذا ذهبت النجوم ذهب أهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض )
عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن مثل أصحابي في أمتي كالملح في الطعام لا يصلح الطعام إلا بالملح )
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أفضل أمتي أصحابي وخيرهم أتقاهم قال أبو سعيد أتقاهم أعقلهم )
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:من احب الانصار احبه الله ومن بغض الأنصار ابغضه الله ).

(قول ائمة الاسلام في الصحابه )
اجمع علماء الاسلام على ان الصحابة عدول لايجوز للمسلم ان ينتقصهم بل يذكر محاسنهم والا عراض عما شجر بينهم . قال الامام احمد: اذا رأيت أحدا يذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسوء فا تهمه على الاسلام .
وقال اسحاق بن راهويه :من شتم اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعاقب ويحبس .
وقال الامام مالك :من شتم النبى صلى الله عليه وآله وسلم قتل ، ومن سب اصحابه أدب .
وقال القاضى ابو يعلى :الذى عليه الفقهاء فى سب الصحابة ان كان مستحلا لذلك كفر وان لم يكن مستحلا فسق .
وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: من زعم ان الصحابة ارتدوا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الا نفراً قليلا فهذا لا ريب فيه كفر.
وقال ابو زرعة الرازي :اذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فاعلم انه زنديق وذلك ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حق ، والقران حق ، وماجاء به حق ، وانما ادى الينا ذلك كله الصحابة ، وهؤلاء الزنادقه يريدون ان يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنه فالجرح بهم أولى .

(ثناء أكابر اهل البيت على أبى بكر وعمر رضي الله عنهما )
قال الامام على بن ابي طالب رضي الله عنه : لايفضلنى احد على ابي بكر وعمر رضي الله عنهما الاجلدته حد المفتري .
وسأل رجل عليا رضي الله عنه نسمعك تقول في الخطبة اللهم أصلحنا بماأصلحت به الخلفاء الراشيدين المهدين فمن هم فاغرورقت عيناه فقال هما حبيباى أبوبكر وعمر إماما الهدى وشيخا الإسلام ورجلا قريش والمفتدي بهما عُصم ومن إتبع أثرهما هدى الصراط المستقيم ومن تمسك بهما فهو من حزب الله تعالى .
وسئل عبدالله الملقب بـ(النفس الزكية) أتمسح على الخفين ؟
فقال : أمسح فقد مسح عمر .
فقال له السائل : إنما أسالك أنت تمسح .
قال: ذلك أعجز لك أخبرك عن عمر وتسألني عن رأيى فعمرخير مني وملء الأرض مثلي.
فقيل له هذا تقيه ؟
فقال : نحن بين القبر والمنبر اللهم هذا قولي في السر والعلانية فلا تسمع قول أحد بعدي . ثم قال من هذا الذي يزعم أن عليا كان مقهوراً وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمره بأمر فلم ينفذه فكفى بهذا إزراء ومنقصة ؟ .
نـترك التعليق على هذا الأثر للرافضة ومن شايعهم ونقول لهم موتوا بغيظكم ياأحفاد أهل النفاق والشقاق .
وجاء رجل إلى زين العابدين وقال له : أخبرني عن أبي بكر فقال عن الصديق .
فقال الرجل : وتسميه الصديق ؟
فقال له : ثكلتك أمك قد سماه صديقاً رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمهاجرون والأنصار ومن لم يسمه صديقاً : فلا صدق الله قوله في الدنيا والأخره ، اذهب فأحب أبابكر وعمر رضي الله عنهما .
وقال جعفر بن محمد : اللهم إني أتولى أبا بكر وعمر وأحبهما اللهم إن كان في نفسي غير هذا فلانالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة .
وقال جعفر الصادق من تبرأ من أبي بكر وعمر فأنا برىء منه .

فصل (في حكم سب الصحابة "لإبن حجر الهيثمي")
أعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل مسلم تزكية جميع الصحابة بإثبات العدالة لهم والكف عن الطعن فيهم والثناء عليهم فقد أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم في آيات من كتابه الكريم
منها قوله تعالى { كنتم خير أمة أخرجت للناس } فأثبت الله تعالى لهم الخيرية على سائر الأمم ولاشئ يعادل شهادة الله تعالى لهم بذلك لأنه تعالى أعلم بعباده وما انطووا عليه من الخيرات وغيرها بل لايعلم ذلك غيره تعالى فإذا شهد تعالى فيهم بأنهم خير الأمم وجب على كل واحد إعتقاد ذلك والإيمان به وإلاكان مكذباً بالله في إخباره ولاشك أن من ارتاب في حقيقة شئ مما أخبربه الله تعالى أورسوله عليه السلام كان كافراً بإجماع المسلمين ومنه قوله تعالى { وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس } والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين في هذه الآية والتي قبلها هم المشافهون بهذا الخطاب على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حقيقة ، فانظر إلى كونه تعالى خلقهم عدولاً وخياراً ليكونوا شهداء على بقية الأمم يوم القيامة ، وحينئذ فكيف يستشهد الله تعالى بغير عدول أويمن ارتدوا بعد وفاة نبيهم عليه الصلاة والسلام ، فقبح الله الرافضة ولعنهم وخذلهم ماأحمقهم ؟ وماأجهلهم ؟ وأشهدهم بالزور والإفتراء والبهتان !!.
ومنها قوله تعالى { يوم لايخزي الله النبي والذين أمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا وأغفرلنا إنك على كل شئ قدير } فأمَّنَهُم الله تعالى من خزيه ولايأمن خزيه في ذلك اليوم إلا الذين ماتوا والله سبحانه وتعالى راضٍ عنهم ، فأمنهم من الخزي الصريح لهو من أعظم الادلة على كمال وحقائق الإحسان وان الله تعالى لم يزل راضياً ، عنهم حيث يقول الحق تبارك وتعالى :{لقد رضي الله عن المؤمنين إذيبايعونك تحت الشجرة فعلم مافي قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا } فصرح الله تعالى برضاه على أولئك الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين وهم الف ونحو أربعمائه ومن رضي عنه تعالى لايمكن وفاته على الكفر لأن العبرة بالوفاة على الإسلام وأن الرضا من الله تعالى لايقع إلا على من موته على الإسلام .
وأما من علم موته على الكفر فلا يمكن أن يخبر الله تعالى بأنه راضٍ عنهم فعلم أن كلا من هذه الآيه وما قبلها رد صريح فيما زعمه وافتراه أولئك الملحدون الجاحدون حتى للقرآن العزيز ، إذيلزم من الإيمان به الإيمان بمافيه . وقد علمت أن الذى فيه أنهم خير الأمم وأنهم عدول خيار وأن الله تعالى لايخزيهم وأنه رضي عنهم فمن لم يصدق بذلك فيهم فهو مكذب لما في القرآن بمالايحتمل التأويل كان كافراً جاحداً ملحداً مارقاً ومنها قوله تعالى {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدلهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها ابداً ذلك الفوز العظيم } .
وقوله تعالى { للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ، والذين تبوءو الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولايجدون في صدروهم حاجة مماأوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون . والذين جآءو من بعدهم يقولون ربنا اغفرلناولاخواننا الذين سبقونا بالايمان ولاتجعل في قلوبنا غلا للذين ءامنو ربنا انك رءوف رحيم } فتأمل ماوصفهم الله به هذه الآيات تعلم به ضلال من طعن فيهم من شذوذ المبتدعة ورميهم بماهم بريئون منه .
ومنها قوله تعالى{ محمد رسول الله والذين معه آشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطاه فئازره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما }،فأنظر إلى عظيم مااشتملت عليه هذه الآيه فإن قوله تعالى محمد رسول الله جملة مبينة للمشهود به في قوله تعالى : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق . ففيها ثناء عظيم على رسوله ثم ثنىّ بالثناء على أصحابه رضوان الله عليهم بقوله{والذين معه آشداء على الكفار رحماء بينهم}
وقوله تعالى{ ياأيها الذين أمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولايخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم } .
فوصفهم الله تعالى بالشدة والغلظة على الكفار وبالرحمة والبر والعطف على المؤمنين والذلة والخضوع لهم ثم أثنى عليهم بكثرة الأعمال مع الإخلاص وسعة الرجاء في فضل الله تعالى ورحمته بإبتغائهم فضله ورضوانه وبأن آثار ذلك الإخلاص وغيره من أعمالهم الصالحة ظهرت في وجوههم حتى أن من نظر إليهم بهره حسن سمتهم وهديهم ومن ثم قال الإمام مالك رضي الله عنه : بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة رضوان الله عليهم الذين فتحوا الشام قالوا : والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا ، وقد صدقوا في ذلك فإن هذه الأمة المحمدية خصوصاً الصحابة رضوان الله عليهم لم يزل ذكرهم معظماً في الكتب كما قال الله تعالى { ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطئه فئازره فأستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين أمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيما }.فكذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ازروه وايدوه ونصروه فهم معه كاالشطء مع الزرع ليغيظ بهم الكفار ، ومن هذه الآية أخذ الإمام مالك في رواية عنه بكفر الروافض الذين يبغضون الصحابة رضي الله عنهم اجمعين ، حيث يقول: لأن الصحابة يغيظونهم ومن غاظة الصحابة فهو كافر ، وهو مأخذ حسن يشهد له ظاهر الآيه ومن ثم وافقه الشافعي رضي الله عنه في قوله بكفرهم ووافقه أيضاً جماعة من الأئمة أمثال الإمام أحمد بن حنبل والقاضي أبى يعلى وابن تيمية .
ويكفيهم شرفاً أي شرف ثناء الحق تبارك وتعالى عليهم في الآيات السابقة حيث ذكر تعالى رضاه عنهم ووعده اياهم جميعاً بالمغفرة والأجر العظيم ووعدُ الله صدق وحق لايتخلف ولايُخلف ولا مبدل لكلماته وهو السميع العليم ، ولو لم يَرِدُ من الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام فيهم شئ مما سبق لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع بتعديلهم والإعتقاد بنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع الذين جاؤا من بعدهم والمعدلين الذين يجيئون من بعدهم هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله ولم يخالف فيه إلاشذوذ من المبتدعة الذين ضلوا وأضلوا فلايلتفت إليهم ولايعول عليهم وقد قال إمام عصره أبو زرعة الرازي من أجل شيوخ البخاري: إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعلم أنه زنديق وذلك أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حق والقرآن حق وماجاء به حق وإنما أدى إلينا ذلك كله الصحابة فمن جرحهم إنما أراد إبطال الكتاب والسنة فيكون الجرح بمن جرحهم الصق والحكم عليه بالزندقة والضلالة والكذب الفساد هوالأقوم الأحق .
وقال ابن حزم : الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعاً قال تعالى{ لايستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بماتعملون خبير } . وقال تعالى { أن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } . فثبت أن جميعهم من أهل الجنة وأنه لايدخل أحد منهم النار لأنهم المخاطبون بالآية الأولى التي أثبتت لكل منهم الحسنى وهي الجنة ولايتوهم أن التقيد بالإنفاق أوالقتال فيها وبالإحسان في الذين اتبعوهم بإحسان يخرج من لم يتصف بذلك منهم لأن تلك القيود خرجت مخرج الغالب فلا مفهوم لها على أن المراد من اتصف بذلك ولو بالقوة أوبالعزم ثم الصحابة أصنناف ، فمنهم المهاجرون والأنصارُ ومن أسلم يوم الفتح أوبعده فأفضلهم إجمالاً المهاجرون ، فمن بعدهم على الترتيب المذكور وأما تفصيلاً فسباق الأنصار أفضل من جماعة من متأخري المهاجرين وسباق المهاجرين أفضل من سباق الأنصار .
وقال أبو منصور البغدادي : أجمع أهل السنة والجماعة أن أفضل الصحابة أبوبكر فعمر فعثمان فعلي فبقية العشرة المبشرين بالجنة فأهل بدر فباقي أهل أحد فباقي أهل بيعة الرضوان بالحديبية ثم من أسلم قبل الفتح ثم من أسلم بعد الفتح ويجب الإمساك عما وقع بينهم من الإختلاف صفحاً عن أخبار المؤرخين لاسيما جهلة الروافض وضلال الشيعة والمبتدعين القادحين في أحد منهم . إنتهى .
وقال القاضي أبو يعلى : الذي عليه الفقهاء في سب الصحابة إن كان مستحلاً لذلك كفر وإن لم يكن مستحلاً فسق .
وقطع طائفة من الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم بقتل من سب وكفّر الصحابة .
قال محمد بن يوسف الفريابي : وسئل عمن شتم أبابكر قال : كافر قيل فيصلى عليه إذا مات .
قال : لا .
وسأله كيف يصنع به وهو يقول لا إله إلا الله قال : فلا تمسوه بأيديكم ادفعوه بالخشب حتى تواروه حفرته .
وقال أحمد بن يونس : لو أن يهودياً ذبح شاة وذبح رافضي لأكلت ذبيحة اليهودي ولم أكل ذبيحة الرافضي ، لأن الرافضي مرتد عن الإسلام .
وكذلك قال أبوبكر بن هاني : لاتؤكل ذبيحة الرافضي والقدرية كما لاتؤكل ذبيحة المرتد مع أنه تؤكل ذبيحة الكتابي ، لأن هؤلاء يقامون مقام المرتد وأهل الذمة يقرون على دينهم وتؤخذ منهم الجزية .
وكذلك قال عبدالله بن ادريس من أعيان أئمة الكوفة:ليس الرافضي شفعة على المسلم .
وقال فضيل بن مرزوق : سمعت الحسن بن الحسن يقول: لرجل من الرافضة : والله إن قتلك لقربه إلى الله ، وفي رواية قال : رحمك الله انما تقول هذا تمزح قال : لا والله ماهو بالمزح ولكنه الجد ، قال : وسمعته يقول: لئن أمكننا الله منكم لنقطعن أيديكم وأرجلكم .
وصرح جماعة من العلماء بكفر الخوارج المعتقدين البراءة من علي وعثمان . ويكفر الرافضة المعتقدين لسب جميع الصحابة ، وقال أبوبكر بن عبد العزيز في المقنع : فأما الرافضي فإن كان يسب فقد كفر فلايزوج ، قال أحمد في رواية أبى طالب في الرجل يشتم عثمان : هذه زندقة وقال في رواية المروزي : من شتم ابابكر وعمر وعائشة ماأراه على الإسلام .
وماورد في السنة في الصحيحين عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (لاتسبوا اصحابي فو الذي نفسي بيده لو أن احدكم أنفق مثل أحدٍ ذهبا ماأدرك مد أحدهم ولانصيفه ) ، وفي رواية لمسلم واستشهد بها البخاري قال : كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شئ فسبه خالد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (لاتسبوا أصحابي فإن احدكم لو أنفق مثل أحدٍ ذهبا ماأدرك مد أحدهم ولانصيفه) ، وفي رواية للبرقاني في صحيحه (لاتسبوا أصحابي دعوا لي أصحابي فإن احدكم لوأنفق كل يوم مثل أحدٍ ذهبا ماأدرك مد أحدهم ولانصيفه ) ، وقال صلى الله عليه وآله وسلم في أصحابه :(من أبغضهم فقد ابغضني ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد أذى الله)
وقال صلى الله عليه وآله وسلم إن الله اختارني واختارلي أصحاباً جعل لي منهم وزراء وأنصاراً وأصهاراً فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس اجمعين لايقبل الله منه يوم القيامة صرفاً ولاعدلاً .
وعن عبدالله بن مغفل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضاً من بعدي من أحبهم فقد أحبني ومن أبغضهم أبغضني ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه ) . رواه الترمذي .
وعن الحسن قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الأنصار محنة فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ولا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق) .
وروي هذا المعنى من حديث أنس رضي الله عنه ولفظه من سب أصحابي
فقد سبني ومن سبني فقد سب الله . رواه إبن البناء .
وعن عطاء بن أبي رباح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( لعن الله من سب أصحابي ) . رواه أبو أحمد الزبيري،وكذلك روي في المعجم الكبير للطبراني.
وعن جابر بن عبد الله قال:سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس يكثرون وأصحابي يقلون فلا تسبوهم لعن الله من سبهم ) وعن نسير بن زعلوق قال: كان بن عمر يقول : (لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره )
وقال صلى الله عليه وآله وسلم في أصحابه فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لايقبل الله منه صرفاً ولاعدلاً . وإيذاء الله ورسوله كفر موجب للقتل كما تقدم وبهذا يظهر الفرق بين اذاهم قبل إستقرار الصحبة وإيذاء سائر المسلمين وبين اذاهم بعد صحبتهم له فإنه أعلى فقد كان الرجل ممن يظهر الإسلام يمكن أن يكون منافقاً ويمكن أن يكون مرتداً فاما إذا مات مقيماً على صحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو غير متهم بنفاق فأذاه أذى مصحوبه (أي من آذى الصحابي كأنه آذىصاحبه وصاحبه هو الرسول صلى الله عليه وآله وسلم )
قال عبدالله بن مسعود : اعتبروا الناس باقرانهم وقلوا :
عن المرء لا تسئل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
وقال مالك رضي الله عنه : إنما هؤلاء أقوام يقصد الروافض أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يمكنهم ذلك فقدحوا في أصحابه حتى يقال رجل سوء ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين أوكما قال : وذلك مامنهم رجلاً أي الصحابة إلا كان ينصر الله ورسوله ويذب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه وماله ويعينه على إظهار دين الله وإعلاء كلمة الله وتبليغ رسالات الله وقت الحاجة وهو حينئذ لم يستقر أمره . إي الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ولم تنتشر دعوته ولم تطمئن قلوب أكثر الناس بدينه ومعلوم أن رجلاً لو عمل نحو هذا ثم أذاه أحد لغضب له صاحبه وعُد ذلك أذى له وإلى هذا أشار إبن عمر قال : لاتسبوا أصحاب محمد فإن مقام أحدهم خير من عملكم كله . رواه اللالكائي .
وكأنه أخذه من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً مابلغ مد أحدهم أونصفيه .
ومن ذلك ماروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إنه لايحبك إلامؤمن ولايبغضك إلامنافق . رواه مسلم .
ومن ذلك في الصحيحين عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار ) وفي لفظ قال في الأنصار : لايحبهم إلامؤمن ولايبغضهم إلا منافق .
وفي الصحيحين أيضاً عن البراء بن عازب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في الأنصار : ( لايحبهم إلامؤمن ولايبغضهم إلا منافق من أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله ) .
ولمسلم عن إبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( لايبغض الأنصار رجل آمن بالله واليوم الآخر ) .
وروى مسلم أيضاً عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :( لايبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر ، فمن سبهم فقد زاد على بغضهم فيجب أن يكون منافقاً لايؤمن بالله ولاباليوم الآخر ). وإنما خص الأنصار الله أعلم لأنهم هم الذين تبؤوا الدار والإيمان من قبل المهاجرين وآووا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونصروه وبذلوا في إقامة الدين النفوس والأموال وعادوا الأحمر والأسود من أجله وآووا المهاجرين وواسوهم في الأموال ، وكان المهاجرون إذ ذاك قليلون غرباء فقراء مستضعفين . وبالإجمال فبغض من نصر الله ورسوله من الصحابة نفاق ومن هذا مارواه طلحة بن مصرف قال : كان يقال : بغض بني هاشم نفاق وبغض أبي بكر وعمر نفاق والشاك في أبي بكر كاالشاك في السنة .
ومارواه كثير النواء عن إبراهيم بن الحسن بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده قال : قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( يظهر من أمتي في آخر الزمان قوم يسمون الرافضة يرفضون الإسلام هكذا ) . رواه عبدالرحمن بن أحمد في مسند أبيه .
وروى أبو يحي الحماني عن أبي جناب الكلبي عن أبي سليمان الهمداني أو النخعي عن عمه عن علي قال : قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( ياعلي أنت وشيعتك في الجنة وإن قوماً لهم نبز يقال لهم الرافضة إن أدركتهم فاقتلهم فإنهم مشركون ) . قال علي : ينتحلون حبنا أهل البيت وليسوا كذلك وآية ذلك أنهم يشتمون أبابكر وعمر رضي الله عنهما .
وعن فاطمة بنت محمد قالت:نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى علي فقال:(هذا في الجنة وإن من شيعته قوما يعلمون الإسلام ثم يرفضونه لهم نبز يسمون الرافضة من لقيهم فليقتلهم فإنهم مشركون ).
وعن بن عباس قال:كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وعنده علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( يا علي سيكون في أمتي قوم ينتحلون حبنا أهل البيت لهم نبز يسمون الرافضة فاقتلوهم فإنهم مشركون )
ورواه عبدالله بن أحمد حدثني محمد بن إسماعيل الأحمسي حدثنا أبو يحى ورواه أبوبكر الأثرم في سننه حدثنا معاوية بن عمر وحدثنا فضيل بن مرزوق عن أبي جناب عن أبي سليمان الهمداني عن رجل من قومه قال : قال علي : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( أدلك على عمل إن عملته كنت من أهل الجنة وإنك من أهل الجنة إنه سيكون بعدنا قوم لهم نبز يقال لهم: الرافضة فإن أدركتهم فاقتلوهم فإنهم مشركون ) وقال علي رضي الله عنه :سيكون بعدنا قوم ينتحلون مودتنا يكذبون علينا مارقة آية ذلك أنهم يسبون أبابكر وعمر رضي الله عنهما ) .
ورواه أبو القاسم البغوي حدثنا سويد بن سعيد حدثنا محمد بن حازم عن أبي جناب الكلبي عن أبي سليمان الهمداني أن علياً رضي الله عنه قال : ( يخرج في آخر الزمان قوم لهم نبز يقال لهم : الرافضة يعرفون به وينتحلون شيعتنا وليسوا من شيعتنا وأية ذلك أنهم يشتمون أبابكر وعمر أينما أدركتموهم فاقتلوهم فإنهم مشركون ) .
وقال سويد حدثنا مروان بن معاوية عن حماد بن كيسان عن أبيه وكانت أخته سرية لعلي رضي الله عنه قال : سمعت عليا يقول : ( يكون في آخر الزمان قوم لهم نبز يسمون الرافضة يرفضون الإسلام فاقتلوهم فإنهم مشركون ) وروى هذا المعنى مرفوعاً من حديث أم سلمة وفي إسناده سوار بن مصعب وهو متروك .

وروى بن بطة بإسناده عن أنيس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن الله اختارني واختارلي أصحابي فجعلهم أنصاري وجعلهم أصهاري وإنه سيجئ في آخر الزمان قوم يبغضونهم: ألا فلا تواكلوهم ولاتشاربوهم ، ألا فلا تناكحوهم ألا فلا تصلوا معهم ولا تصلوا عليهم عليهم حلت اللعنة ) .
وعن عياض الأنصاري وكانت له صحبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( قال احفظوني في أصحابي وأصهاري فمن حفظني فيهم حفظه الله في الدنيا والآخرة ومن لم يحفظني فيهم تخلى الله منه ومن تخلى الله منه أوشك أن يأخذه )
عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( احفظوني في أصحابي فإنهم خيار أمتي )
وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (احفظوني في أصحابي وأزواجي واصهاري )
وعن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن) رواه البخاري ومسلم والفظ للبخاري .
وعبد الرحمن بن سالم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل اختارني واختار لي أصحابا فجعل منهم وزراءا وأصهارا وأنصارا فمن سبهم فعليه لعنة الله تعالى والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله عز وجل منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا )
قال ابن تيمية : وفي هذا الحديث نظر.
وعن سلمة بن كهيل عن سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى قال : ( قلت لأبى : ياأبت لو كنت سمعت رجلاً يسب عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالكفر أكنت تضرب عنقه قال : نعم ) . رواهما الإمام أحمد وغيره .
ورواه ابن عيينة عن خلف ابن حوشب عن سعيد بن عبدالرحمن بن أبزي قال : قلت لأبي : لو أتيت برجل يسب أبابكر ماكنت صانعاً ؟
قال : أضرب عنقه . وعبدالرحمن بن أبزي من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أدركه وصلّى خلفه وأقره عمر عاملا على مكة واستعمله علي رضي الله عنه عاملا على خراسان .
وروى قيس بن الربيع عن وائل عن البهي قال : وقع بين عبيدالله بن عمر وبين المقداد كلام فشتم عبيدالله المقداد فقال عمر: عليَّ بالحداد اقطع لسانه لايجترئ أحد بعده يشتم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وفي رواية فَهَمَ عمر بقطع لسانه فكلمه فيه أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، رواه حنبل وابن بطه واللالكائى وغيرهم ولعل عمر انما كف عنه لما شفع فيه اصحاب الحق ، وهم اصحاب النبى صلى الله عليه وآله وسلم ولعل المقداد كان فيهم ويؤيد ذلك ماروى الحكم بن حجل قال :سمعت عليا يقول لايفضلنى احد على ابى بكروعمررضي الله عنهماالاجلدته حدالمفترى .
وعن علقمة بن قيس قال :خطبنا على رضي الله عنه فقال :انه بلغنى ان قوما يفضلونى على ابى بكر وعمر ولوكنت ، الى ان قال ومن قال شيئا من ذلك فهومفترعليه ماعلى المفترى خيرالناس كان بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابو بكر ثم عمر ،رواهما عبدالله بن احمد .
وروى الامام احمد باسناد صحيح عن ابن ابى ليلى قال : تداروا في ابي بكر وعمر فقال رجل من عطارد : عمر أفضل من ابي بكر، فقال الجارود : بل أبوبكر افضل منه قال : فبلغ ذلك عمر ، قال :فجعل يضربه ضربا حتى شغر برجله ثم أقبل الى الجارود فقال : إليك عني ، ثم قال عمر: أبوبكر كان خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كذا وكذا ، ثم قال عمر : من قال غير هذا أقمنا عليه مانقيم على المفتري ، فاذا كان الخليفتان الراشدان عمر وعلي رضي الله عنهما يجلدان حد المفترى من يفضل عليا على أبي بكر مع أن مجرد التفضيل ليس فيه سب ولاعيب علم أن عقوبة السب عندهما فوق هذا بكثير .


الحكم الإسلامي على ساب أمهات المؤمنين الطاهرات

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، ثم أما بعد :

إن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن داخلات في عموم الصحابة رضي الله عنهم ، لأنهن منهم ، و كل ما جاء في تحريم سب الصحابة من آيات قرآنية و أحاديث نبوية فإن ذلك يشملهن ، و لما لهن من المنزلة العظيمة و قوة قرابتهن من سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ، ولم يغفل أهل العلم عن حكم سابهن و عقوبته ، بل بينوا ذلك أوضح بيان في أقوالهم المأثورة و مؤلفاتهم المختلفة .

أقول : إن أهل العلم من أهل السنة والجماعة أجمعوا قاطبة على أن من طعن في عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه وبما رماها به المنافقون من الإفك فإنه كافر مكذب بما ذكره الله في كتابه من إخباره ببراءتها وطهارتها ، و قالوا إنه يجب قتله .

و قد ساق أبو محمد بن حزم الظاهري بإسناده إلى هشام بن عمار قال : سمعت مالك بن أنس يقول من سب أبا بكر و عمر جلد ، و من سب عائشة قتل ، قيل له : لم يقتل في عائشة ؟ قال : لأن الله تعالى يقول في عائشة رضي الله عنها {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين }، قال مالك فمن رماها فقد خالف القرآن ، و من خالف القرآن قتل . قال أبو محمد رحمه الله : قول مالك هانا صحيح و هي ردة تامة و تكذيب لله تعالى في قطعه ببراءتها.[1]

و حكى أبو الحسن الصقلي أن القاضي أبا بكر الطيب قال : إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه ، كقوله {و قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه }، و ذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك } ، سبح نفسه في تبرئتها من السوء كما سبح نفسه في تبرئته من السوء ، و هذا يشهد لقول مالك في قتل من سب عائشة ، ومعنى هذا و الله أعلم أن الله لما عظم سبها كما عظم سبه وكان سبها سباً لنبيه ، و قرن سب نبيه وأذاه بأذاه تعالى ، وكان حكم مؤذيه تعالى القتل ، كان مؤذي نبيه كذلك.[2]

و قال أبو بكر بن العربي : إن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله ، فكل من سبها بما برأها الله منه فهو مكذب لله ، و من كذب الله فهو كافر ، فهذا طريق قول مالك ، و هي سبيل لائحة لأهل البصائر ولو أن رجلاً سب عائشة بغير ما برأها الله منه لكان جزاؤه الأدب .[3]

و ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعض الوقائع التي قتل فيها من رماها رضي الله عنها بما برأها الله منه ، حيث يقول : و قال أبو بكر بن زياد النيسابوري : سمعت القاسم بن محمد يقول لإسماعيل بن إسحاق أتى المأمون بالرقة برجلين شتم أحدهما فاطمة و الآخر عائشة ، فأمر بقتل الذي شتم فاطمة و ترك الآخر ، فقال إسماعيل : ما حكمهما إلا أن يقتلا لأن الذي شتم عائشة رد القرآن .

قال شيخ الإسلام : وعلى هذا مضت سيرة أهل الفقه والعلم من أهل البيت وغيرهم .

قال أبو السائب القاضي : كنت يوماً بحضرة الحسن بن زيد الدعي بطبرستان ، و كان بحضرته رجل فذكر عائشة بذكر قبيح من الفاحشة ، فقال : يا غلام اضرب عنقه ، فقال له العلويون : هذا رجل من شيعتنا ، فقال : معاذ الله إن هذا رجل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم ، قال الله تعالى { الخبيثات للخبيثين و الخبيثون للخبيثات ، والطيبات للطيبين و الطيبون للطيبات ، أولئك مبرءون مما يقولون ، لهم مغفرة و رزق كريم } ، فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي صلى الله عليه وسلم خبيث ، فهو كافر فاضربوا عنقه ، فضربوا عنقه و أنا حاضر .

و روي عن محمد بن زيد أخي الحسن بن زيد أنه قدم عليه رجل من العراق فذكر عائشة بسوء فقام إليه بعمود فضرب دماغه فقتله ، فقيل له : هذا من شيعتنا و من بني الآباء ، فقلا : هذا سمى جدي قرنان – أي من لا غيرة له - ، و من سمى جدي قرنان استحق القتل فقتلته .

و قال القاضي أبو يعلى : من قذف عائشة بما برأها الله منه كفر بلا خلاف ، و قد حكي الإجماع على هذا غير واحد ، و صرح غير واحد من الأئمة بهذا الحكم .

و قال أبي موسى – و هو عبد الخالق بن عيسى بن أحمد بن جعفر الشريف الهاشمي إمام الحنابلة ببغداد في عصره - : و من رمى عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه فقد مرق من الدين ولم ينعقد له نكاح على مسلمة .[4]

و قال ابن قدامة المقدسي : ومن السنة الترضي عن أزواج رسول الله صلى الله عليه و سلم أمهات المؤمنين المطهرات المبرآت من كل سوء ، أفضلهم خديجة بن خويلد وعائشة الصديقة بنت الصديق التي برأها الله في كتابه ، زوج النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا و الآخرة ، فمن قذفها بما برأها الله منه فقد كفر بالله العظيم .[5]

وقال الإمام النووي في صدد تعداده الفوائد التي اشتمل عليها حديث الإفك : الحادية و الأربعون : براءة عائشة رضي الله عنها من الإفك و هي براءة قطعية بنص القرآن العزيز ، فلو تشكك فيها إنسان والعياذ بالله صار كافراً مرتداً بإجماع المسلمين ، قال ابن عباس و غيره : لم تزن امرأة نبي من الأنبياء صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين ، و هذا إكرام من الله تعالى لهم .[6]

و قد حكى العلامة ابن القيم اتفاق الأمة على كفر قاذف عائشة رضي الله عنها ، حيث قال : واتفقت الأمة على كفر قاذفها .[7]

و قال الحافظ ابن كثير عند قوله تعالى {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا و الآخرة و لهم عذاب عظيم } ، قال : أجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية ، فإنه كافر لأنه معاند للقرآن .[8]

و قال بدر الدين الزركشي : من قذفها فقد كفر لتصريح القرآن الكريم ببراءتها .[9]

و قال السيوطي عند آيات سورة النور التي نزلت في براءة عائشة رضي الله عنها من قوله تعالى { إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم .. الآيات } ، قال : نزلت في براءة عائشة فيما قذفت به ، فاستدل به الفقهاء على أن قاذفها يقتل لتكذيبه لنص القرآن ، قال العلماء : قذف عائشة كفر لأن الله سبح نفسه عند ذكره فقال سبحانك هذا بهتان عظيم ، كما سبح نفسه عند ذكر ما وصفه به المشركون من الزوجة والولد .[10]

قلت : هذه الأقوال المتقدمة عن هؤلاء الأئمة كلها فيها بيان واضح أن الأمة مجمعة على أن من سب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها و قذفها بما رماها به أهل الإفك ، فإنه كافر حيث كذب الله فيما أخبر به من براءتها و طهارتها رضي الله عنها ، و أن عقوبته أن يقتل مرتداً عن ملة الإسلام .

وأما حكم من سب غير عائشة من أزواجه صلى الله عليه وسلم ، ففيه قولان :

أحدهما : أن حكمه كحكم ساب غيرهن من الصحابة ؛وحكم ساب الصحابة و عقوبته هي :

1 – ذهب جمع من أهل العلم إلى القول بتكفير من سب الصحابة رضي الله عنهم أو تنقصهم وطعن في عدالتهم و صرح ببغضهم و أن من كانت هذه صفته فقد أباح دم نفسه و حل قتله ، إلا أن يتوب من ذلك و ترحم عليهم .

و ممن ذهب إلى ذلك : الصحابي الجليل عبد الرحمن بن أزى و عبدالرحمن بن عمرو الأوزاعي و أبو بكر بن عياش ، و سفيان بن عيينة ، و محمد بن يوسف الفريابي و بشربن الحارث المروزي و غير كثير .

فهؤلاء الأئمة صرحوا بكفر من سب الصحابة وبعضهم صرح مع ذلك أنه يعاقب بالقتل ، و إلى هذا القول ذهب بعض العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية .

2 - و ذهب فريق آخر من أهل العلم إلى أن ساب الصحابة لا يكفر بسبهم بل يفسق ويضلل ولا يعاقب بالقتل ، بل يكتفي بتأديبه وتعزيره تعزيراً شديداً يروعه و يزجره حتى يرجع عن ارتكاب هذا الجرم الذي يعتبر من كبائر الذنوب والفواحش المحرمات ، وإن لم يرجع تُكرر عليه العقوبة حتى يظهر التوبة .

و ممن ذهب إلى هذا القول : عمر بن عبد العزيز و عاصم الأحول و الإمام مالك و الإمام أحمد و كثير من العلماء مما جاء بعدهم .

الثاني : و هو الأصح من القولين على ما سيتضح من أقوال أهل العلم أن من قذف واحدة منهن فهو كقذف عائشة رضي الله عنها .

التوضيح : أخرج سعيد بن منصور وابن جرير الطبري و الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن قرأ سورة النور ففسرها ، فلما أتى على هذه الآية {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات }، قال : هذه في عائشة و أزواج النبي صلى الله علية وسلم ، ولم يجعل لمن فعل ذلك توبة ، و جعل لمن رمى امرأة من المؤمنات من غير أزواج النبي صلى الله عليه وسلم التوبة ، ثم قرأ {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء}إلى قوله{إلا الذين تابوا} ، ولم يجعل لمن قذف امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم توبة ، ثم تلا هذه الآية {لعنوا في الدنيا و الآخرة ولهم عذاب عظيم} ، فهمّ بعض القوم أن يقوم إلى ابن عباس فيقبل رأسه لحُسنِ ما فسّر .[11]

قال ابن تيمية : فقد بين ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت فيمن يقذف عائشة وأمهات المؤمنين لما في قذفهن من الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيبه ، فإن قذف المرأة أذىً لزوجها كما هو أذى لابنها ، لأنه نسبة له إلى الدياثة وإظهار لفساد فراشه ، فإن زناء امرأته يؤذيه أذىً عظيماً ، و لهذا جوز له الشارع أن يقذفها إذا زنت ، و درء الحد عنه باللعان و لم يبح لغيره أن يقذف امرأة بحال .[12]

و قد قال كثير من أهل العلم أن بقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لهن حكم أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها .

فقد قال أبو محمد ابن حزم بعد أن ذكر أن رمي عائشة رضي الله عنها ردة تامة و تكذيب للرب – جلا وعلا – في قطعه ببراءتها ، قال : و كذلك القول في سائر أمهات المؤمنين ولا فرق ، لأن الله تعالى يقول { و الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ، أولئك مبرؤون مما يقولون } ، فكلهن مبرآت من قول إفك والحمد لله رب العالمين .[13]

و ذكر القاضي عياض عن ابن شعبان – محمد بن القاسم بن شعبان أبو إسحاق ابن القرطبي من نسل عمار بن ياسر ، رأس الفقهاء المالكيين بمصر ت355هـ – أنه قال : ومن سب غير عائشة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ففيها قولان :

أحدهما : يقتل لأنه سب النبي صلى الله عليه وسلم ، بسب حليلته .

و الآخر : أنها كسائر الصحابة يجلد حد المفتري ، قال : و بالأول أقول .[14]

و قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : و أما منسب غير عائشة من أزواجه صلى الله عليه وسلم ففيه قولان :

أحدهما : أنه كساب غيرهن من الصحابة .

والثاني : و هو الأصح أنه من قذف واحدة من أمهات المؤمنين فهو كقذف عائشة رضي الله عنها .. و ذلك لأن هذا فيه عار و غضاضة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و أذى له أعظم من أذاه بنكاحهن .[15]

و قال الحافظ ابن كثير رحمه الله بعد قوله تعالى { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم } : هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات ، خرج مخرج الغالب المؤمنات ، فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة ولا سيما التي كانت سبب النزول ، و هي عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما – إلى أن قال - : و في بقية أمهات المؤمنين قولان : أصحهما أنهن كهي والله أعلم .[16]

و مما يرجح القول بأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم غير عائشة في الحكم وجوه :

الوجه الأول : أن لعنة الله في الدنيا والآخرة لا تستوجب بمجرد القذف ، وأن اللام في قوله تعالى {المحصنات الغافلات المؤمنات} لتعريف المعهود ، والمعهود هنا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن الكلام في قصة الإفك و وقوع من وقع في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ، أو قصر اللفظ العام على سببه للدليل الذي يوجب ذلك .

الوجه الثاني : أن الله سبحانه رتب هذا الوعيد على قذف محصنات غافلات مؤمنات ، و قال في أول سورة النور : { و الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة .. الآية } فترتب الجلد و رد الشهادة و الفسق على مجرد قذف المحصنات ، فلا بد أن تكون المحصنات الغافلات المؤمنات لهن مزية على مجرد المحصنات و ذلك – والله أعلم – لأن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مشهود لهن بالإيمان لأنهن أمهات المؤمنين و هن أزواج نبيه في الدنيا و الآخرة و عوام المسلمات إنما يعلم منهن في الغالب ظاهر الإيمان و لأن الله سبحانه قال في قصة عائشة { و الذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم } فتخصيصه بتولي كبره دون غيره دليل على اختصاصه بالعذاب العظيم ، و قال تعالى {ولولا فضل الله عليكم و رحمته في الدنيا و الآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم } ، فعلم أن العذاب العظيم لا يمس كل من قذف ، وإنما يمس متولي كبره فقط ، و قال تعالى هنا { له عذاب عظيم } فعلم أنه الذي رمى أمهات المؤمنين و يعيب بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وتولى كبر الإفك ، و هذه صفة المنافق ابن أبي سلول.

الوجه الثالث : لمّا كان رمي أمهات المؤمنين أذى للنبي صلى الله عليه وسلم لعن صاحبه في الدنيا و الآخرة ، و لهذا قال ابن عباس : ليس فيها توبة ، لأن مؤذي النبي صلى الله عليه وسلم لا تقبل توبته إذا تاب من القذف حتى يسلم إسلاماً جديداً ، وعلى هذا فرميهن نفاق مبيح للدم إذا قصد به أذى النبي صلى الله عليه وسلم أو أذاهن بعد العلم بأنهن أزواجه في الآخرة ، فإنه ما لعنت امرأة نبي قط .

و مما يدل على أن قذفهن أذىً للنبي صلى الله عليه وسلم ما خرجاه في الصحيحين في حديث الإفك عن عائشة ، قالت : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول ، قالت : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو على المنبر : يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي ، فو الله ما علمت على أهلي إلا خيراً ، و لقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً ، و ما كان يدخل على أهلي إلا معي .[17]

فهذه الوجوه الثلاثة فيها تقوية و ترجيح لقول من ذهب إلى أن قذف غير عائشة رضي الله عنها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حكمه كقاذف عائشة رضي الله عنها ، لما فيه من العار و الغضاضة على النبي صلى الله عليه وسلم ، كما أن في ذلك أذى عظيماً للنبي عليه الصلاة والسلام .


[1] المحلى (13/504) .

[2] الشفاء للقاضي عياض (2/267-268) .

[3] أحكام القرآن لابن العربي (3/1356) .

[4] الصارم المسلول ( ص 566-568) .

[5] لمعة الاعتقاد (ص 29 ) .

[6] شرح النووي على صحيح مسلم (17/ 117-118 ) .

[7] زاد المعاد (1/106) .

[8] تفسير القرآن العظيم (5/76) .

[9] الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة (ص 45 ) .

[10] الإكليل في استنباط التنزيل ( ص 190) .

[11] الدر المنثور (6/165) و جامع البيان (18/ 104 ) .

[12] الصارم المسلول ( ص 45 ) .

[13] المحلى (13/504) .

[14] الشفاء للقاضي عياض (2/ 269) .

[15] الصارم المسلول (ص 567 ) .

[16] تفسير القرآن العظيم (5/76) .

[17] البخاري (3/163) ومسلم (4/2129-2136 ) .


حكم سب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

أما من سب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بما برأها الله منه ، فقد أجمع العلماء انه يكفر .

قال القاضي أبو يعلي : (( من قذف عائشة رضي الله عنها بما براها الله منه كفر بلا خلاف )) .

وقد حكي الإجماع على هذا غير واحد من الأئمة لهذا الحكم .
فروي عن مالك : (( من سب أبا بكر جلد ، ومن سب عائشة قتل . قيل له : لم ؟ قال : من رماها فقد خالف القرآن )) . ( الصارم المسلول ص 566 ) .

وقال ابن شعبان في روايته ، عن مالك : (( لأن الله تعالى يقول : { يعظكم الله ان تعودوا لمثله ابدا إن كنتم مؤمنين } فمن عاد فقد كفر )) . ( الشفا 2 / 1109 ) .

والأدلة على كفر من رمى أم المؤمنين صريحة وظاهرة الدلالة ، منها :

أولا : ما استدل به الإمام مالك ، ان في هذا تكذيبا للقرآن الذي شهد ببراءتها ، وتكذيب ما جاء به القرآن كفر .

قال الإمام ابن كثير : (( وقد اجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية ، فإنه يكفر ، لأنه معاند للقرآن )) . ( راجع تفسير ابن كثير 3 / 276 ، عند تفسير قوله تعالى { إن الذين يرمون المحصنات . . . } ) .

وقال ابن حزم - تعليقا على قول الإمام مالك السابق - : (( قول مالك هاهنا صحيح ، وهي ردة تامة ، وتكذيب لله تعالى في قطعه ببراءتها )) . ( المحلي 11 / 15 ) .

ثانيا : إن فيه إيذاء وتنقيصا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، من عدة وجوه ، دل عليها القرآن الكريم ، فمن ذلك : إن ابن عباس رضي الله عنهما فرق بين قوله تعالى { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء } وبين قوله { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات } ، فقال عند تفسير الآية الثانية : (( هذه في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، وهي مبهمة ليس توبة ، ومن قذف أامرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة . . . إلى آخر كلامه . . . قال : فهم رجل أن يقوم فيقبل رأسه من حسن ما فسر )) . ( انظر ابن جرير 18 / 83 ، وعنه ابن كثير 3 / 277 ) .

فقد بين ابن عباس ، ان هذه الآية إنما نزلت فيمن قذف عائشة وامهات المؤمنين رضي الله عنهن ، لما في قذفهن من الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيبه ، فغن قذف المرأة أذى لزوجها ، كما هو أذى لابنها ، لأنه نسبة له إلى الدياثة وإظهار لفساد فراشه ، وإن زنى امرأته يؤذيه اذى عظيما . . ولعل ما يلحق بعض الناس من العار والخزي بقذف أهله اعظم مما يلحقه لو كان هو المقذوف . ( الصارم المسلول ص 45 ، والقرطبي 12 / 139 ) .

وكذلك فإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر بالإجماع .
قال القرطبي عند قوله تعالى { يعظكم الله ان تعودوا لمثله ابدا } : (( يعني في عائشة ، لأن مثله لا يكون إلا نظير القول في المقول بعينه ، او فيمن كان في مرتبته من ازواج النبي صلى الله عليه وسلم ، لما في ذلك من إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضه وأهله ، وذلك كفر من فاعله )) . ( القرطبي 12 / 136 ، عن ابن عربي في أحكام القرآن 3 / 1355 - 1356 ) .

ومما يدل على أن قذفهن أذى للنبي صلى الله عليه وسلم ، ما أخرجه الشيخان في صحييهما في حديث الإفك عن عائشة ، قالت : (( فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله بن أبي سلول )) ، قالت : (( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر - : يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في اهل بيتي . . )) كما جاء في الصحيحين .
فقوله : (( من يعذرني )) أي من ينصفني ويقيم عذري إذا انتصفت منه لما بلغني من اذاه في أهل بيتي ، والله أعلم . فثبت انه صلى الله عليه وسلم قد تاذى بذلك تأذيا استعذر منه .
وقال المؤمنون الذين لم تاخذهم حمية : (( مرنا نضرب اعناقهم ، فإنا نعذرك إذا أمرتنا بضرب أعناقهم )) ، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على سعد استئماره في ضرب أعناقهم . ( الصارم المسلول ص 47 ) .

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب : (( ومن يقذف الطيبة الطاهرة أم المؤمنين زوجة رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ، لما صح ذلك عنه ، فهو من ضرب عبد الله بن أبي سلول رأس المنافقين .
ولسان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يا معشر المسلمين من يعذرني فيمن أذاني في أهلي . { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا مبينا } . . فأين أنصار دينه ليقولوا له : نحن نعذرك يا رسول الله )) . (الرد عل الرافضة 25-26 ) .

كما أن الطعن بها رضي الله عنها فيه تنقيص برسول الله صلى الله عليه وسلم من جانب آخر ، حيث قال عز وجل : { الخبيثات للخبيثين .. } .
قال ابن كثير : (( أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة ، لأنه أطيب من كل طيب من البشر ، ولو كانت خبيثة لما صلحت له شرعا ولا قدرا ، ولهذا قال تعالى { أولئك مبرءون مما يقولون } أي عما يقوله أهل الإفك والعدوان )) . ( ابن كثير 3 / 278 ) .

سعود


 حكم من قلل من قدر الصحابة أو يقدح في عدالتهم

فضيلة الشيخ سليمان بن ناصر العلوان حفظه الله تعالى

ما تقولون فيمن يقلل من شأن الصحابة ويقدح في عدالتهم ؟

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الصحابة رضي الله عنهم أبر هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً وأقومها هدياً وأحسنها حالاً .  قوم سمحت نفوسهم بالنفس والمال والأهل والدار ففارقوا الأوطان وهجروا الأباء والإخوان وبذلوا النفوس صابرين وأنفقوا الأموال محتسبين وناصبوا من ناوأهم متوكلين فآثروا رضاء الله على الغناء والذل على العز والغربة على الوطن ([1]) وقد اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته وإقامة دينه فأخرجوا من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور أهل الطغيان إلى عدل الإسلام .

وقد أثنى الله على جميع الصحابة ومدحهم ووصفهم بالفوز العظيم فقال ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعدّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم } .

والمراد بالذين اتبعوهم بإحسان بقية الصحابة الذين تأخر إسلامهم عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار فشملت الآية حينئذٍ جميع الصحابة كما أن قوله تعالى { مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ... إلى آخر الآية . عامة لكل الصحابة فإن كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً ولو ساعة من الزمن ومات على ذلك فقد عمّه لفظ الصحبة وشمله المدح والثناء والرضى عنه يؤيد هذا قوله تعالى في سورة الحديد { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى } أي الجنة .

والشهادة لهم بالجنة دليل على عدالتهم وهي الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة فهم حملة الشريعة وأنصار الدين ووزراء رسول رب العالمين .

فمن تزبَّع ونصب نفسه حكماً على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجه المطاعن إلى أحد منهم وسلبهم العدالة وجعلهم كسائر الناس لهم ما لهم وعليهم ما عليهم أو ادعى أن العدالة لا تثبت إلا للمهاجرين والأنصار ومن عداهم يتطرق إليه الطعن والنقد ولا تثبت عدالته إلا بما تثبت به عدالة من جاء بعدهم من التابعين .
فهذا قد تعرض لأمر عظيم . وفتحَ الباب للزنادقةِ و الملاحدةِ من الرافضة وغيرهم في الطعن في حقائق الشريعة ومسلَّماتها أو التشكيك في معالمها وسننها .

وقد ذكر غيرُ واحد من أهل العلم الإجماع على عدالة الصحابة من حيث الجملة والتعيين وليس هذا بلازم لعصمة الواحد منهم أو استحالة حدوث المعصية منه كما تدَّعيه الرافضة في أهل البيت .

فالذنب يصدر من الواحد منهم عن تأويل سائغ واجتهاد وغير ذلك وليس بقادح في عدالته فقد رضي الله عنهم وأثنى عليهم مع علمه بما سيقع منهم وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن وجود الفتنة ووقوع القتال
بين أصحابه ولم يكن هذا مانعاً من عدالتهم فإن هذه الأمور والوقائع الحادثة بينهم كانت عن اجتهاد وتأويل فللمصيب منهم أجران وللمخطئ أجر واحد وخطؤه مغفورله لأنه متأوّل فيما فعل مجتهد فيما أقدم عليه
وهذا مما لا نزاع فيه وأدلته كثيرة .

وقد خالفت في ذلك الخوارج والمعتزلة وأشباههم وألحقوا بأهل الاجتهاد والأعذار أدلة الوعيد على التعيين ، وهذا القول فاسد وليس له وجه . فأدلة الوعيد لا تلحق أحداً من أهل العلم المجتهدين ولا سيَّما الصحابة
رضي الله عنهم فليس فيهم من يُعتقد فيه أو يظن أنه يتعمد مخالفة الأدلة .

فظهر بهذا القطعُ بعدالةِ الصحابة كلهم وإحسان الظن في جميعهم .

فمن بسط لسانه في التقليل من شأنهم أو القدح في عدالتهم فقد خالف المتواتر المقطوع به وتكلم في هذا الباب بجهل وظلم لا بعلم وعدل وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (( لا تسبوا أصحابي فإن أحدكم لو أنفق
مثل أحد ذهباً ما أدرك مدَّ أحدهم ولا نصيفه )) . متفق عليه من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه وروى الإمام أحمد في فضائل الصحابة ( 1 / 57 ) وابن ماجه ( 162 )
بسند صحيح من طريق سفيان عن نُسير بن ذعلوق عن ابن عمر رضي الله عنه قال ( لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره ) .

قاله

سليمان بن ناصر العلوان  26 / 5 / 1421 هـ
 


أسس البحث في تاريخ الصحابة

أولا : إن الكلام عما شجر بين الصحابة ليس هو الأصل ، بل الأصل الاعتقادي عند أهل السنة والجماعة هو الكف والإمساك عما شجر بين الصحابة ، وذلك مبسوط في عامة كتب أهل السنة في العقيدة ، كالسنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل ، والسنة لابن أبي عاصم ، وعقيدة أصحاب الحديث للصابوني ، والإبانة لابن بطة ، والطحاوية ، وغيرها .

ويتأكد هذا الإمساك عند من يخشى عليه الالتباس والتشويش والفتنة ، وذلك بتعارض ذلك بما في ذهنه عن الصحابة وفضلهم ومنزلتهم وعدالتهم وعدم إدراك مثله ، لصغر سنه أو لحداثة عهده بالدين . . . لحقيقة ما حصل بين الصحابة ، واختلاف اجتهادهم في ذلك ، فيقع في الفتنة بانتقاصه للصحابة من حيث لا يعلم .

وهذا مبني على قاعدة تربوية تعليمية مقررة عند السلف ، وهي إلا يعرض على الناس من مسائل العلم إلا ما تبلغه عقولهم .
قال الإمام البخاري رحمه الله : (( باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا )) . وقال علي رضي الله عنه : (( حدثوا الناس بما يعرفون ، أتحبون أن يكذب الله ورسوله )) .
وقال الحافظ في الفتح تعليقا على ذلك : (( وفيه دليل على ان المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة . ومثله قول ابن مسعود : ( ما أنت محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ) . ( رواه مسلم ) .
وممن كره التحدث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان ، ومالك في أحاديث الصفات ، وأبو يوسف في الغرئب . . )) ، إلى أن قال : (( وضابط ذلك ان يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة ، وظاهره في الأصل غير مراده ، فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب ، والله أعلم . ( صحيح البخاري 1 / 41 ، الفتح 1 / 199 -200 ، وراجع ايضا كلاما جيدا للسلمي في كتابةالتاريخ 228 ) .

ثانيا : إذا دعت الحاجة إلى ذكر ما شجر بينهم ، فلابد من التحقيق والتثبت في الروايات المذكورة حول الفتن بين الصحابة ، قال عز وجل : { يا ايها الذين امنوا إن جاءكم فاسق بنبئأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } . وهذه الآية تأمر المؤمنين بالتثبت في الأخبار المنقولة إليهم عن طريق الفساق ، لكيلا يحكموا بموجبها على الناس فيندموا .
فوجوب التثبت والتحقيق فيما نقل عن الصحابة ، وهم سادة المؤمنين أولى وأحرى ، خصوصا ونحن نعلم أن هذه الروايات دخلها الكذب والتحريف ، أما من جهة اصل الرواية أو تحريف بالزيادة والنقص يخرج الرواية مخرج الذم والطعن .
وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب ، يرويها الكذابون المعروفون بالكذب ، مثل ابي مخنف لوط بن يحيى ، ومثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي ، وأمثالهما . ( منهاج السنة 5 / 72 ، وانظر دراسة نقدية " مرويات ابي مخنف في تاريخ الطبري / عصر الراشدين ، ليحيى اليحيى ) .

من أجل ذلك لا يجوز ان يدفع النقل المتواتر في محاسن الصحابة وفضائلهم بنقول بعضها منقطع وبعضها محرف ، وبعضها يقدح فيما علم ، فإن اليقين لا يزول بالشك ، ونحن تيقنا ما ثبت في فضائلهم ، فلا يقدح في هذا أمور مشكوك فيها ، فكيف إذا علم بطلانها . ( منهاج السنة 6 / 305 ) .

ثالثا : إذا صحت الرواية في ميزان الجرح والتعديل ، وكان ظاهرها القدح ، فليلتمس لها أحسن المخارج والمحاذير .

قال ابن أبي زيد : (( والإمساك عما شجر بينهم ، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ، ويظن بهم أحسن المذاهب )) . ( مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني ، وانظر تنويرا لمقالة حل إلفاظ الرسالة للتتائي ) .

وقال ابن دقيق العيد : (( وما نقل عنهم فيما شجر بينهم واختلفوا فيه ، فمنه ما هو باطل وكذب ، فلا يلتفت إليه ، وما كان صحيحا أولناه تأويلا حسنا ، لأن الثناء عليهم من الله سابق ، وما ذكر من الكلام اللاحق محتمل للتأويل ، والمشكوك والموهوم لا يبطل الملحق المعلوم )) . ( أصحاب رسول الله ومذاهب الناس فيهم لعبد العزيز العجلان ص360 ) .

هذا بالنسبة لعموم ما روي في قدحهم .

رابعا : أما ما روي على الخصوص فيما شجر بينهم ، وثبت في ميزان النقد العلمي ، فهم فيه مجتهدون ، وذلك ان القضايا كانت مشتبهة ، فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة اقسام :

القسم الأول : ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في هذا الطرف ، وأن مخالفه باغ ، فوجب عليهم نصرته وقتال الباغي عليه ، فيما اعتقدوه ، ففعلوا ذلك ، ولم يكن يحل لمن هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقاده .

القسم الثاني : عكس هؤلاء ، ظهر لهم بالاجتهاد إن الحق مع الطرف الآخر ، فوجب عليهم مساعدته وقتال الباغي عليه .

القسم الثالث : اشتبهت عليهم القضية ، وتحيروا فيها ، ولم يظهر لهم ترجيح احد الطرفين ، فاعتزلوا الفريقين ، وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حقهم ، لإنه لا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك . ( مسلم بشرح النووي 15 / 149 ، 18 / 11 ، وراجع الإصابة 2 / 501 ، فتح الباري 13 / 34 ) .

أيضا من المهم أن نعلم أن القتال الذي حصل بين الصحابة رضوان الله عليهم لم يكن على الإمامة ، فإن أهل الجمل وصفين لم يقاتلوا على نصب إمام غير علي ، ولا كان معاوية يقول إنه الإمام دون علي ، ولا قال ذلك طلحة والزبير ، وإنما كان القتال فتنة عند كثير من العلماء ، بسبب اجتهادهم في كيفية القصاص من قاتلي عثمان رضي الله عنه ، وهو من باب قتال أهل البغي والعدل ، وهو قتال بتأويل سائغ لطاعة غير الإمام ، لا على قاعدة دينية ، أي ليس بسبب خلاف في أصول الدين . ( منهاج السنة 6 / 327 ) .

ويقول عمر بن شبه : (( إن أحدا لم ينقل ان عائشة ومن معها نازعوا عليا في الخلافة ، ولا دعوا أحدا ليولوه الخلافة ، وإنما أنكروا على علي منعه من قتال قتلة عثمان وترك الاقتصاص منهم )) . ( أخبار البصرة لعمر بن شبه نقلا عن فتح الباري 13 / 56 ) .

ويؤيد هذا ما ذكره الذهبي : (( أن ابا مسلم الخولاني وأناسا معه ، جاءوا إلى معاوية، وقالوا : أنت تنازع عليا أم أنت مثله ؟ . فقال : لا والله ، إني لأعلم أنه أفضل مني ، وأحق بالأمر مني ، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قتل مظلوما ، وأنا ابن عمته ، والطالب بدمه ، فائتوه فقولوا له ، فليدفع إلي قتلة عثمان ، وأسلم له . فأتوا عليا ، فكلموه ، فلم يدفعهم إليه )) . ( سير أعلام النبلاء للذهبي 3 / 140 ، بسند رجاله ثقات كما قال الأرناؤوط ) .

وفي رواية عند ابن كثير : (( فعند ذلك صمم أهل الشام على القتال مع معاوية )) . ( البداية والنهاية 8 / 132 ، وانظر كلاما لإمام الحرمين وتعليقا للتباني عليه - إتحاف ذوي النجابة ص 152 ) .

وأيضا فجمهور الصحابة وجمهور أفاضلهم ما دخلوا في فتنة .

قال عبد الله بن الإمام أحمد : (( حدثنا أبي ، حدثنا إسماعيل بن علية ،حدثنا ايوب السختياني ، عن محمد بن سيرين ، قال : هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف ، فما حضرها منهم مائة ، بل لم يبلغوا ثلاثين )) .
قال ابن تيمية : (( وهذا الإسناد من اصح إسناد على وجه الأرض ، ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقته ، ومراسيله من أصح المراسيل )) . ( منهاج السنة 6 / 236 ) .

فأين الباحثون المنصفون ليدرسوا مثل هذه النصوص الصحيحة ، لتكون لمنطلقا لهم ، لا أن يلطخوا أذهانهم بتشويشات الأخبارين ، ثم يؤولوا النصوص الصحيحة حسب ما عندهم من البضاعة المزجاة .

خامسا : ما ينبغي أن يعلمه المسلم حول الفتن التي وقعت بين الصحابة - مع اجتهادهم فيها وتأولهم - حزنهم الشديد وندمهم لما جرى ، بل لم يخطر ببالهم أن الأمر سيصل إلى ما وصل إليه ، وتأثر بعضهم التأثر البالغ حين يبلغه مقتل أخيه ، بل إن البعض لم يتصور أن الأمر سيصل إلى القتال ، وإليك بعض من هذه النصوص :

هذه عائشة أم المؤمنين ، تقول فيما يروي الزهري عنها : (( إنما أريد أن يحجر بين الناس مكاني ، ولم أحسب أن يكون بين الناس قتال ، ولو علمت ذلك لم اقف ذلك الموقف أبدا )) . ( مغازي الزهري ) .
وكانت إذا قرأت { وقرن في بيوتكن } تبكي حتى يبتل خمارها . ( سير أعلام النبلاء 2 / 177 ) .

وهذا امير المؤمنين علي بن أبي طالب ، يقول عنه الشعبي : (( لما قتل طلحة ورآه علي مقتولا ، جعل يمسح التراب عن وجهه ، ويقول : عزيز علي أبا محمد أن أراك مجدلا تحت نجوم السماء . . ثم قال : إلى الله أشكو عجزي وبجري . - أي همومي وأحزاني -وبكى عليه هو واصحابه ، وقال : ياليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة )) . ( أسد الغابة لابن الأثير 3 / 88 - 89 ) .
وكان يقول ليالي صفين : (( لله در مقام عبد الله بن عمر وسعد بن مالك - وهما ممن اعتزل الفتنة - إن كان برا إن أجره لعظيم ، وإن كان إثما إن خطره ليسير )) . ( منهاج السنة 6 / 209 ) .
فهذا قول أمير المؤمنين ، رغم قول أهل السنة أن عليا ومن معه أقرب إلى الحق . ( فتح الباري 12 / 67 ) .

وهذا الزبير بن العوام رضي الله عنه - وهو ممن شارك في القتال بجانب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها - يقول : (( إن هذه لهي الفتنة التي كنا نحدث عنها )) ، فقال مولاه : أتسميها فتنة وتقاتل فيها ؟! قال : (( ويحك ، إنا نبصر ولا نبصر ، ماكان أمر قط إلا علمت موضع قدمي فيه ، غير هذا الأمر ، فإني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر )) . ( فتح الباري 12 / 67 ) .

وهذا معاوية رضي الله عنه ، لما جاءه نعي علي بن أبي طالب ، جلس وهو يقول : (( إنا لله وإنا إليه راجعون ، وجعل يبكي . فقالت امرأته : أنت بالأمس تقاتله ، واليوم تبكيه ؟! . فقال : ويحك ، إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله وسوابقه وخيره )) . وفي رواية (( ويحك ، أنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم )) . ( البداية والنهاية 8 / 15 - 133 ) .

وبعد هذه المنقولات كلها ، كيف يلامون بأمور كانت متشابهة عليهم ، فاجتهدوا ، فاصاب بعضهم وأخطأ الأخرون ، وجميعهم بين أجر وأجرين ، ثم بعد ذلك ندموا على ما حصل وجرى .
وما حصل بينهم من جنس المصائب التي يكفر الله عز وجل بها ذنوبهم ، ويرفع بها درجاتهم ومنازلهم ، قال صلى الله عليه وسلم : (( لا يزال البلاء بالعبد ، حتى يسير في الأرض وليس عليه خطيئة )) . ( رواه الترمذي 2398 وقال حسن صحيح ، وحسنه ابن حبان والحاكم وسكت عنه الذهبي 1 / 41 ، وحسنه الالباني - المشكاة 1 / 492 من حديث سعد ، وصححه في الصحيحة 144 ، وانظر شواهده 143 145 ، وراجع الفتح 10 / 111 - 112 ) .

وعلى أقل الاحوال ، لو كان ما حصل من بعضهم في ذلك ذنبا محققا ، فإن الله عز وجل يكفره بأسباب كثيرة ، من أعظمها الحسنات الماضية من سوابقهم ومناقبهم وجهادهم ، والمصائب المكفرة ، والاستغفار ، والتوبة التي يبدل بها الله عز وجل السيئات حسنات ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . ( للتوسع راجع منهاج السنة6 / 205 فقد ذكر عشر أسباب مكفرة ) .

سادسا : نقول أخيرا أن أهل السنة والجماعة لا يعتقدون أن الصحابي معصوم من كبائر الاثم وصغائره ، بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة ، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر ، ثم إذا كان صدر من أحدهم ذنب فيكون إما قد تاب منه ، أو أتى بحسنات تمحوه ، أو غفر له بسابقته ، أو بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم ، وهم أحق الناس بشفاعته ، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه ، فإذا كان هذا في الدنوب المحققة ، فكيف بالأمور التي هم مجتهدون فيها : إن أصابوا فلهم اجران ، وإن أخطأوا فلهم أجر واحد ، والخطأ مغفور .

ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نادر ، مغفور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم من إيمان وجهاد وهجرة ونصرة وعلم نافع وعمل صالح . ( أنظر شرح العقيدة الواسطية لخليل هراس 164 -167 ) .

يقول الذهبي رحمه الله : (( فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع بينهم ، وجهاد محاء ، وعبادة ممحصة ، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم، ولا ندعي فيهم العصمة )) . ( سير أعلام النبلاء 10 / 93 ، في ترجمة الشافعي ).

إذن ، فأعتقادنا بعدالة الصحابة لا يستلزم العصمة ، فالعدالة استقامة السيرة والدين ، ويرجع حاصلها إلى هيئة راسخة في النفس تحمل على ملازمة التقوى والمروءة جميعا ، حتى تحصل ثقة النفس بصدقه . . . ثم لا خلاف في أنه لا يشترط العصمة من جميع المعاصي .

ومع ذلك يجب الكف عن ذكر معايبهم ومساوئهم مطلقا - كما مر سابقا - ، وإن دعت الضرورة إلى ذكر زلة أو خطأ صحابي ، فلا بد أن يقترن بذلك منزلة هذا الصحابي من توبته أو جهاده وسابقته - فمثلا من الظلم أن نذكر زلة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه دون ذكر توبته التي لو تابها صاحب مكس لقبل منه . . . وهكذا . ( الإمامة لأبي نعيم 340، ومنهاج السنة 6 / 207 ) .

فالمرء لا يعاب بزلة يسيرة حصلت منه في من فترات حياته وتاب منها ، فالعبرة بكمال النهاية ، لا ينقص البداية ، سيما وإن كانت له حسنات ومناقب ولو لم يزكه أحد ، فكيف إذا زكاه خالقه العليم بذات الصدور .

{ ربنا أغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم }

اللهم اجعلنا ممن يحب صحابة رسولك صلى الله عليه وسلم ، ويدافع عنهم ، ويتبع منهجهم ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم . 


موقع فيصل نور