الإمامة عند الشيعة

الإمامة عند الشيعة هي الأصل الذي تدور عليه أحاديثهم وترجع إليه عقائدهم، وتلمس أثره في فقههم وأصولهم، وتفاسيرهم وسائر علومهم.

ولقد اهتم الشيعة بأمرها في القديم والحديث.

وفيما يلي عرض لأهم جوانبها: مفهومها، ومنشئها، ومنزلتها في مذهبهم، وكتمانهم لها في بادئ الأمر، ثم بدء شيوخ الشيعة في الاستدلال عليها، وعرض لما يعدونه أقوى أدلتهم فيها ومناقشته، ثم حديث عن تكفيرهم لمنكرها، حتى كفروا الصحابة، وأهل البيت، وحكام المسلمين، وقضاتهم، والأمصار الإسلامية وشعوبها، والفرق الإسلامية بكل اتجاهاتها، والأمة جميعًا، كل ذلك على سبيل التعيين والتخصيص.

وسيتبين هذا في الصفحات التالية، ومن خلال ما قالته كتبهم المعتمدة عندهم.

مفهوم الإمامة [الإمامة، في اللغة: التقدم، تقول: أمّ القوم، وأمّ بهم تقدمهم وهي الإمامة، والإمام كل من ائتم به قوم كانوا على الصراط المستقيم، أو كانوا ضالين، ويطلق الإمام على الخليفة، وعلى العالم المقتدى به، وعلى من يؤتم به في الصلاة (انظر: اللسان، والقاموس، والمصباح، مادة: أمّ، وراجع في تعريف الإمامة عند أهل السنة: الأحكام السلطانية للماوردي: ص5، مقدمة ابن خلدون: 2/516-518).] عند الشيعة ومنشؤها:

لعل أول من تحدث عن مفهوم الإمامة بالصورة الموجودة عند الشيعة هو ابن سبأ، الذي بدأ يشيع القول بأن الإمامة هي وصاية من النبي، ومحصورة بالوصي، وإذا تولاها سواه يجب البراءة منه وتكفيره، فقد اعترف كتب الشّيعة بأنّ ابن سبأ "كان أوّل من أشهر القول بفرض إمامة عليّ، وأظهر البراءة من أعدائه، وكاشف مخالفيه وكفّرهم" [رجال الكشّي: ص 108-109، القمّي/ المقالات والفِرَق: ص20، النّوبختي/ فِرَق الشّيعة ص22، الرّازي/ الزّينة: ص305، وانظر: المِلَل والنِّحَل: 1/174، حيث قال الشّهرستاني عن ابن سبأ: "وهو أوّل من أظهر القول بالنّصّ على إمامة عليّ رضي الله عنه".] لأنه كان يهودي الأصل، يرى أن يوشع بن نون هو وصي موسى، فلما أسلم أظهر هذه المقالة في علي بن أبي طالب [رجال الكشّي: ص 108-109، القمّي/ المقالات والفِرَق: ص20، النّوبختي/ فِرَق الشّيعة ص22، الرّازي/ الزّينة: ص305، وانظر: المِلَل والنِّحَل: 1/174.].

وهذا ما تواضع عليه شيوخ الشيعة، فابن بابويه القمي يسجّل عقائد الشّيعة في القرن الرّابع ويقول بأنّهم: "يعتقدون بأنّ لكلّ نبي وصيًّا أوصى إليه بأمر الله تعالى" [عقائد الصّدوق: ص106.]. ويذكر أن عدد الأوصياء "مائة ألف وصي، وأربعة وعشرون ألف وصي" [عقائد الصدوق: ص106.]، كما يذكر المجلسي في أخباره "أن عليًا هو آخر الأوصياء" [بحار الأنوار: 39/ 342، ومعنى هذا أنّه لا وصيّ بعد عليّ، وأنّ إمامة من بعده باطلة، لأنّهم ليسوا بأوصياء، وهذا ينقض مذهب الاثني عشريّة من أصله.]، وجاء في بعض عناوين الأبواب في الكافي "باب أن الإمامة عهد من الله عز وجل معهود من واحد إلى واحد" [أصول الكافي: 1/227.]. و"باب ما نص الله عز وجل ورسوله على الأئمة واحدًا فواحدًا" [أصول الكافي: 1/286.] وقد ضمنها مجموعة من أخبارهم التي يعدونها من الأدلة التي لا يرقى إليها الشك. ولهذا قال شيخهم مقدار الحلي (ت821) بأن مستحق الإمامة عندهم لابد أن "يكون شخصًا معهودًا من الله تعالى ورسوله لا أي شخص اتفق" [النافع يوم الحشر: ص47.].

ويقرّر محمد حسين آل كاشف الغطا أحد مراجع الشيعة في هذا العصر: "أنّ الإمامة منصب إلهي كالنّبوّة، فكما أنّ الله سبحانه يختار من يشاء من عباده للنّبوّة والرّسالة ويؤيّد بالمعجزة التي هي كنصّ من الله عليه.. فكذلك يختار للإمامة من يشاء ويأمر نبيّه بالنّصّ عليه وأن ينصبه إمامًا للنّاس من بعده" [أصل الشّيعة وأصولها: ص58.].

فأنت ترى أن مفهوم الإمامة عندهم كمفهوم النّبوّة، فكما يصطفي الله سبحانه من خلقه أنبياء، يختار سبحانه أئمّة، وينصّ عليهم، ويعلم الخلق بهم، ويقيم بهم الحجّة، ويؤيّدهم بالمعجزات، وينزّل عليهم الكتاب، ويُوحي إليهم، ولا يقولون أو يفعلون إلا بأمر الله ووحيه.. أي إنّ الإمامة هي النّبوّة، والإمام هو النّبيّ، والتّغيير في الاسم فقط. ولذلك قال المجلسي: "إنّ استنباط الفرق بين النّبيّ والإمام من تلك الأخبار لا يخلو من إشكال" [بحار الأنوار: 26/82.]، ثم قال: "ولا نعرف جهة لعدم اتّصافهم بالنّبوّة إلا رعاية خاتم الأنبياء، ولا يصل عقولنا فرق بين النّبوّة والإمامة" [بحار الأنوار: 26/82.].

هذا قولهم في مفهوم الإمامة، ويكفي في نقده أنه لا سند لهم فيه إلا ابن سبأ واليهودية.

منزلة الإمامة عندهم:

مسألة الإمامة عند أهل السنة ليست من أصول الدين التي لا يسع المكلف الجهل بها، كما قرره جمع من أهل العلم [انظر: الآمدي/ غاية المرام: ص363، الغزالي/ الاقتصاد: ص134، مقدمة ابن خلدون: 3/1080.].. ولكنها عند الشيعة (بمفهومها السبئي) لها شأن آخر، فالنوبختي يذكر بأن من فرق الشيعة من يذهب إلى أن الإمامة من أجل الأمور بعد النبوة [فرق الشيعة: ص19.]، ولكنها عند آل كاشف الغطاء: "منصب إلهي كالنبوة" [أصل الشيعة: ص58.]. وفي أحاديث الكليني في الكافي تعلو على مرتبة النبوة [انظر: أصول الكافي: 1/175.]، وهذا ما يجاهر به جملة من شيوخهم. قال شيخهم نعمة الله الجزائري: "الإمامة العامّة التي هي فوق درجة النّبوّة والرّسالة.." [زهر الرّبيع: ص12.].

وقال هادي الطّهراني أحد مراجعهم وآياتهم في هذا العصر -: "الإمام أجلّ من النّبوّة، فإنّها مرتبة ثالثة شرّف الله تعالى بها إبراهيم بعد النّبوّة والخلة.." [ودايع النّبوّة: ص114.].

وفي الكافي روايات تجعل الإمامة أعظم أركان الإسلام.

روى الكليني بسنده عن أبي جعفر قال: "بني الإسلام على خمس: على الصّلاة والزّكاة والصّوم والحجّ والولاية، ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية، فأخذ النّاس بأربع وتركوا هذه يعني الولاية –" [أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام: 2/18، رقم 3، قال في شرح الكافي في بيان درجة هذا الحديث عندهم: "موثق كالصّحيح" فهو معتبر عندهم. (الشّافي شرح الكافي: 5/28 رقم1487).].

فأنت ترى أنهم أسقطوا الشّهادتين من أركان الإسلام، ووضعوا مكانهما الولاية، وعدوها من أعظم الأركان، كما يدل عليه قولهم: "ولم يناد بشيء كما نودي بالولاية" وكما يدل عليه حديثهم الآخر.

وقد ذكر فيه نص الرواية السابقة وزاد: "قلت (الراوي): وأي شيء من ذلك أفضل؟ فقال: الولاية أفضل" [أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب دعائم الإسلام: 2/18، وهو حديث صحيح السند حسب ما صرح به شيوخهم (انظر: الشافي: 5/59) وقد ورد حديثهم هذا في: تفسير العياشي: 1/191، البرهان: 1/303، بحار الأنوار: 1/394.]. ورواية ثالثة بنحو الرواية الأولى، مع زيادة تقول: "فرخص لهم في أشياء من الفرائض الأربع [قال المجلسي: قوله: فرخص لهم في أشياء؛ كقصر الصلاة في السفر، وترك الصيام في السفر والمرض، والحج والزكاة مع عدم الاستطاعة" (مرآة العقول: 4/369).].

حتى قالوا في أخبارهم أيضًا بأنه: "عرج بالنّبيّ صلى الله عليه وسلم السّماء مائة وعشرين مرّة، ما من مرّة إلا وقد أوصى الله عزّ وجلّ فيها إلى النّبيّ بالولاية لعليّ والأئمّة من بعده أكثر ممّا أوصاه بالفرائض" [ابن بابويه/ الخصال: ص600-601، بحار الأنوار: 23/69.] "وما وكّد على العباد في شيء ما وكد عليهم بالإقرار بالإمامة، وما جحد العباد شيئًا ما جحدوها" [الحميري/ قرب الإسناد: ص123، بحار الأنوار: 23/69.].

وبهذا الضلال يهذي شيوخهم، قال أحد مراجعهم في هذا العصر: "إن أعظم ما بعث الله تعالى نبيه من الدين إنما هو أمر الإمامة" [هادي الطهراني/ ودايع النبوة: ص115، وانظر في هذا المعنى: محمد حسين آل كاشف الغطا/ راسالة عين الميزان: ص4.].

هذه منزلة إمامة الاثني عشر عندهم، وما أدري أين سند هذه المنزلة المزعومة، وكتاب الإسلام العظيم كتاب الله تذكر فيه مرات، وتؤكد كرات أركان الإسلام: الشهادتان، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج ولا ذكر فيه لشأن ولاية أئمتهم؟!

سرية هذا المبدأ:

وكانت مسألة الإمامة بمفهوم الشيعة تعني أن هناك خلية سرية وضعت لأتباعها هذا المبدأ لتعمل على تقويض أركان الخلافة الإسلامية.. ولذلك فإنها ما إن كشفت هذا الوجه في عهد الخلافة الراشدة.. حتى وقف منها أمير المؤمنين عليّ موقفًا حازمًا وصارمًا.. فتعقب ابن سبأ ونفاه إلى المدائن، ونفى ما حاول إشاعته من أفكار في المجتمع الإسلامي.. كما تعترف بذلك كتب الشيعة نفسها [انظر: القمي/ المقالات والفرق: ص20، النوبختي/ فرق الشيعة: ص22-23، وفي رجال الكشي: ص107: أن عليًا قتله.].

فعادت هذه الخلية تدعو لهذا المبدأ في سرية تامة، وكانت تقول في عصر علي الرضا كما يظهر من إسناد النص إليه، تقول: "ولاية الله أسرها إلى جبرائيل، وأسرها جبرائيل إلى محمد، وأسرها محمد إلى عليّ، وأسرها علي إلى من شاء الله، ثم أنتم تذيعون ذلك، من الذي أمسك حرفًا سمعه؟" [أي لم يوجد أحد أمسك كلامًا سمعه (المازندراني/ شرح جامع: 9/123).].

قال أبو جعفر رضي الله عنه: "في حكمة آل داود ينبغي للمسلم أن يكون مالكًا لنفسه مقبلاً على شأنه عارفًا بأهل زمانه، فاتقوا الله، ولا تذيعوا حديثنا" [أصول الكافي: 2/224.].

فهذا النص يشير إلى أن الولاية من الأسرار في أصل التنزيل الإلهي ويحذر من إظهار الحديث عنها.. أي إنه في العهد الإسلامي الزاهر المتقدم لا صوت مسموعًا للولاية وشأنها.. ويعلل شارح الكافي ذلك بقوله: "لما كانت التقية شديدة في عصرهم عليهم السلام أمروا شيعتهم بكتمان أسرارهم وإمامتهم وأحاديثهم وأحكامهم المختصة بمذهبهم..". [المازندراني/ شرح جامع: 9/118.].

وعند حديث الكليني الذي يقول: ".. ولا تبثّوا سرّنا، ولا تذيعوا أمرنا" [أصول الكافي: 2/222.]. قال شارح الكافي: "وهو أمر الإمامة والخلافة.." [المازندراني/ شرح جامع: 9/119.]. وقال عند حديث آخر يسندونه لجعفر ويقول: "المذيع حديثنا كالجاحد له" [أصول الكافي: 2/224.]. قال: "واعلم أنّه عليه السّلام كان خائفًا من أعداء الدّين على نفسه المقدّسة وعلى شيعته، وكان في تقية شديدة منهم فلذلك نهى عن إذاعة خبر دالّ على إمامته أو إمامة آبائه" [شرح جامع: 10/26.].

وكان هناك ميثاق دائم بينهم على الكتمان، قالوا: "إنّ أمرنا مستور مقنّع بالميثاق [علّق مُصحّح الكافي عند هذا فقال: "أي بالعهد الذي أخذه الله ورسوله على الأئمّة عليهم السّلام أن يكتموه من غير أهله" (أصول الكافي: 2/227، هامش رقم(1).] فمن هتك علينا أذلّه الله" [أصول الكافي: 2/227.].

وتحدد بعض نصوصهم بدء إذاعة أمر الولاية بأنه كان على يد طائفة الكيسانية فتقول: "ما زال سرنا مكتومًا حتى صار في يد ولد كيسان [كيسان: لقب المختار بن أبي عبيد المنسوب إليه الكيسانية. (شرح جامع: 9/121-122).] فتحدثوا به في الطريق وقرى السواد" [أصول الكافي: 2/223.].

وهذه الخلية التي وضعت الخطوط الأساسية لأمر الولاية على وفق المنهج السبئي لا تنسى أن توصي أتباعها بأن يتستروا بالاتجاه الشيعي المعتدل لنشر فكرتهم بين الناس، فقد جاء في أصول الكافي: "كفوا ألسنتكم والزموا بيوتكم فإنه لا يصيبكم أمر تخصون به أبدًا، ولا تزال الزيدية لكم وقاء أبدًا" [أصول الكافي: 2/225.]. ويحتمل أن المراد أن الزيدية لإظهارها طلب الولاية هي التي يوقع بها وتسلمون أنتم لالتزامكم بالتقية كما أشار إليه شارح الكافي [شرح جامع: 9/126.].

وإذا كانت الولاية صنو النّبوّة أو أعظم فلماذا تكون سرّيّة مُحاطة بالكتمان، حتى إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي أمره الله أن يبلّغ ما أنزل الله يخفي أمرها ويسرّها إلى عليّ..، ثم يسرّها عليّ إلى من شاء؟!

ولا تحدد هذه الرواية الأشخاص الذين أسرها عليّ إليهم.. وتترك الأمر لمشيئته يختار ما يريد، أما غير علي فلا خيرة له في الاختيار! فكيف تكون الولاية التي هي أصل النجاة عندهم، وأساس قبول الأعمال، والفيصل بين الإيمان والكفر كيف تظل سرية حتى يتولى نشرها ولد كيسان؟! ويعدون ذلك خروجًا عن الأصل المأمور به.

إن هذه النصوص تدل على أن واضعي هذه الفكرة هم من أعداء الأمة، واستغلوا هذه المسألة لتنفيذ أغراضهم، ولذلك أحاطوها بجو من السرية والكتمان، ونسبوها لآل البيت، لتجد طريقها إلى قلوب الناس الذين آلمهم ما جرى من أحداث على بعض علماء أهل البيت، والتي كانت هذه الزمر الحاقدة المدعية للتشيع أحد أسبابها الرئيسة.

حصر الأئمة بعدد معين:

كان ابن سبأ ينتهي بأمر الوصية عند عليّ، ولكن جاء فيما بعد من عممها في مجموعة من أولاده.. وكانت "الخلايا" الشيعية تعمل بصمت وسرية.. ومع ذلك فقد كانت تصل بعض هذه الدعاوى إلى بعض أهل البيت، فينفون ذلك نفيًا قاطعًا، كما فعل جدهم أمير المؤمنين عليّ، ولذلك اخترع أولئك الكذابون على أهل البيت "عقيدة التقية" حتى يسهل نشر أفكارهم وهم في مأمن من تأثر الأتباع بمواقف أهل البيت الصادقة والمعلنة للناس.

ترد رواية في "رجال الكشي" - أهم كتاب عندهم -: "في الرجال" تكشف بأن شيطان الطاق [وتلقبه الشيعة مؤمن الطاق (انظر: رجال الكشي: ص185) وانظر ترجمته ص(207) من هذه الرسالة.] هو الذي بدأ يشيع القول بأن الإمامة محصورة بأناس مخصوصين من آل البيت، وأنه حينما علم بذلك زيد بن عليّ بعث إليه ليقف على حقيقة الإشاعة، فقال له زيد: "بلغني أنك تزعم أن في آل محمد إمامًا مفترض الطاعة؟ قال شيطان الطاق: نعم، وكان أبوك علي بن الحسين أحدهم، فقال: وكيف وقد كان يؤتى بلقمة وهي حارة فيبردها بيده ثم يلقمنيها، أفترى أنه كان يشفق عليّ من حر اللقمة، ولا يشفق علي من حر النار؟ قال (شيطان الطاق): قلت له: كره أن يخبرك فتكفر فلا يكون له فيك الشفاعة، لا والله فيك المشيّة كذا " [رجال الكشي: ص186.].

وفي رواية الكليني في الكافي: قال زيد بن علي لأبي جعفر: "يا أبا جعفر كنت أجلس مع أبي على الخوان فيلقمني البضعة السمينة، ويبرد لي اللقمة الحارة حتى تبرد، شفقة عليّ، ولم يشفق عليّ من حر النار، إذ أخبرك بالدين ولم يخبرني به؟ فأجابه شيطان الطاق: جعلت فداك، من شفقته عليك من حر النار لم يخبرك، خاف عليك أن لا تقبله فتدخل النار، وأخبرني أنا، فإن قبلت نجوت، وإن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار.." [أصول الكافي: 1/174.].

وينقل الأستاذ محب الدين الخطيب هذا النص من تنقيح المقال للمقاني [انظر: تنقيح المقال: 1/470.]، ويأخذ منه أن شيطان الطاق هو أول من اخترع هذه العقيدة الضالة وحصر الإمامة والتشريع وادعى العصمة لأناس مخصوصين من آل البيت [مجلة الفتح ص5، العدد (862)، خاتمة العام الثامن عشر، ذو الحجة 1367ه‍.].

كما نقل الأستاذ محب هذا النص أيضًا من تنقيح المقال في تعليقه على مختصر التحفة وعقب على ذلك بقوله: "وهكذا اخترع شيطان الطاق أكذوبة الإمامة، التي صارت من أصول الديانة عند الشيعة، واتهم الإمام عليًا زين العابدين بن الحسين بأنه كتم أساس الدين حتى عن ابنه الذي هو من صفوة آل محمد، كما اتهم الإمام زيدًا بأنه لم يبلغ درجة أخس الروافض في قابليته للإيمان بإمامة أبيه.. والشيعة هم الذين يروون هذا الخبر في أوثق المصادر عندهم ويعلنون فيه أن شيطان الطاق يزعم بوقاحته أنه يعرف عن والد الإمام زيد ما لا يعرفه الإمام زيد من والده مما يتعلق بأصل من أصول الدين عندهم.

وليس هذا بكثير على شيطان الطاق الذي روى عنه الجاحظ في كتابه عن الإمامة: أن الله لم يقل: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [انظر: مختصر التحفة الاثني عشرية ص195-196 (الهامش)، وقد مرّ نقل ما رواه الجاحظ عن شيطان الطاق بتمامه في هذا الكتاب: ص(206).].

وتذكر كتب الشيعة أنه بلغ جعفرًا ما يقوله شيطان الطاق، وما يجادل به في أمر الإمامة فقال: "لو شاء ظريف من مخاصميه أن يخصمه فعل؟ قلت (القائل هو الراوي): كيف ذاك؟ فقال: يقول: أخبرني عن كلامك هذا من كلام إمامك؟ فإن قال: نعم، كذب علينا، وإن قال: لا، قال له: كيف تتكلم بكلام لم يتكلم به إمامك، ثم قال (أي جعفر الصادق) : إنهم يتكلمون بكلام إن أنا أقررت به ورضيت به أقمت على الضلالة، وإن برئت منه شق علي، نحن قليل وعدونا كثير، قلت (أي الراوي) : جعلت فداك فأبلغه عنك ذلك؟ قال: أما إنهم قد دخلوا في أمر ما يمنعهم عن الرجوع عنه إلا الحميّة، قال: فأبلغت أبا جعفر الأحول ذاك فقال: صدق بأبي وأمي ما يمنعني من الرجوع عنه إلا الحمية" [رجال الكشي: ص190-191.].

ولقد شارك شيطان الطاق رجل آخر هو هشام بن الحكم [مضى التعريف به.] (المتوفى سنة 179) بل يرى القاضي عبد الجبار الهمداني أن الذي ادعى النص، وجرأ الناس على شتم أبي بكر وعمر وعثمان والمهاجرين والأنصار هشام بن الحكم وهو ابتدأه ووضعه، وما ادعى هذا النص أحد قبله [تثبيت دلائل النبوة: 1/225، ولعل القاضي يريد النص على أناس بأعيانهم من أهل البيت، إذ إن النص على علي وحده، قد سبقه إليه "ابن سبأ".].

وفي رجال الكشي ما يفيد أن مؤامرة هشام بن الحكم في مسألة الإمامة وصل خبرها إلى هارون الرشيد، حيث قال له يحيى بن خالد البرمكي: "يا أمير المؤمنين، إني قد استنبطت أمر هشام فإذا هو يزعم أن لله في أرضه إمامًا غيرك مفروض الطاعة، قال: سبحانه الله! قال: نعم، ويزعم أن لو أمره بالخروج لخرج" [رجال الكشي: ص258.].. فيظهر أن هارون كما يدل عليه هذا النص فوجئ بهذه المقالة مما يدل على جدتها.

وقد أشاع هشام بن الحكم أن ما يقول به في الإمامة إنما هو عن أمر موسى الكاظم، فأساء إليه أبلغ الإساءة حتى سجنه المهدي العباسي ثم أخرجه "وأخذ عليه العهد أن لا يخرج عليه ولا على أحد من أولاده، فقال: والله ما هذا من شأني ولا حدثت فيه نفسي" [ابن كثير/ البداية والنهاية: 10/183.].

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن موسى الكاظم رحمه الله متهم بالتطلع للملك، ولذلك سجنه المهدي ثم الرشيد [منهاج السنة: 2/155.].

ويبدو أن الذي يعمل على ترويج هذه الإشاعة في الخفاء ضده هو هشام بن الحكم ومن لف لفه.. ولذلك أقرت روايات الشيعة بأن سبب سجن موسى هو هشام بسبب ما ينسبه له من أقوال، وما يشيعه عنه من افتراءات تدور حول الإمامة وأحقيته بها.. ولذلك لما بلغ هارون شيء من ذلك عن هشام قال لعامله: "شد يدك بهذا وأصحابه، وبعث إلى أبي الحسن موسى عليه السلام فحبسه، فكان هذا سبب حبسه مع غيره من الأسباب" [رجال الكشي: ص262.].

واتهمت نصوص الشيعة هشامًا بأنه هو الذي شارك في قتل موسى الكاظم [لأن الشيعة تزعم أنه قتل مسمومًا في سجن الرشيد.] فقالت: "هشام بن الحكم.. ضال مضل شرك في دم أبي الحسن" [رجال الكشي: ص268.].

وقد طلب منه أبو الحسن كما تقول روايتهم أن يكف عن الكلام، ولكنه أمسك عن الكلام شهرًا ثم عاد، فقال له أبو الحسن: "أيسرك أن تشرك في دم امرئ مسلم؟ قال: لا، قال: وكيف تشرك في دمي، فإن سكت وإلا فهو الذبح؟ فما سكت حتى كان من أمره ما كان (صلى الله عليه)" [رجال الكشي: ص270-271، 279.].

ولذلك قال أبو الحسن الرضا كما تروي كتب الشيعة -: "... هشام بن الحكم فهو الذي صنع بأبي الحسن ما صنع وقال لهم وأخبرهم، أترى الله يغفر له ما ركب منا" [رجال الكشي: ص278.].

وكشفت كتب الشيعة بأن هشامًا قد تربى في أحضان بعض الزنادقة، ففي رجال الكشي ".. وهشام من غلمان أبي شاكر، وأبو شاكر زنديق" [رجال الكشي: ص278. وهو: أبو شاكر الديصاني صاحب الديصانية، مر التعريف بها ص:205، وهو الذي ساهم في إضلال هشام بن الحكم (انظر: الرافعي/ تحت راية القرآن: ص176).]، ومع ذلك فإن أحد آيات الشيعة في هذا العصر يقول عن هشام صاحب كل هذه البلايا التي تنقلها أوثق كتب الشيعة في الرجال يقول عنه: "لم يعثر أحد من سلفنا على شيء مما نسبه الخصم إليه.." [عبد الحسين الموسوي/ المراجعات: ص313.] وما أدري هل يخفى عليه الأمر؟ أو ينكر تقية؛ لأنه يظن أن الناس لا علم لهم بما فيه كتبهم.

فإذًا هشام بن الحكم، وشيطان الطاق وأتباعهما هم الذين أحيوا نظرية ابن سبأ في أمير المؤمنين عليّ ثم عمومها على آخرين من سلالة أهل البيت، واستغلوا بعض ما جرى على أهل البيت، كمقتل علي والحسين، في إثارة مشاعر الناس وعواطفهم، والدخول إلى قلوبهم لتحقيق أغراضهم ضد الدولة الإسلامية في ظل هذا الستار.

ويبدو أن عقيدة حصر الإمامة بأناس معينين سرت في الكوفة [انظر: بحار الأنوار: 100/259.] بسعي مجموعة من أتباع هشام والشيطان، وكان بعض من تعرض عليه هذه الدعوة في المجتمع الإسلامي، يذهب إلى جعفر يسأله عن حقيقة الأمر، فيروي الكشي بسنده عن سعيد الأعرج. قال: كنا عند أبي عبد الله رضي الله عنه فاستأذن له رجلان، فأذن لهما، فقال أحدهما: أفيكم إمام مفترض الطاعة؟ قال: ما أعرف ذلك فينا، قال: بالكوفة قوم يزعمون أن فيكم إمامًا مفترض الطاعة، وهم لا يكذبون أصحاب ورع واجتهاد.. منهم عبد الله بن يعفور وفلان وفلان، فقال أبو عبد الله رضي الله عنه: ما أمرتهم بذلك، ولا قلت لهم أن يقولوه [لا يخفى ما في هذه الكلمة من تلميح إلى أن إنكار جعفر كان على سبيل التقية.]، قال: فما ذنبي! واحمر وجهه وغضب غضبًا شديدًا، قال: فلما رأيا الغضب في وجهه قاما فخرجا، قال: أتعرفون الرجلين؟ قلنا: نعم هما رجلان من الزيدية [رجال الكشي: ص427.].

إذن فكرة حصر الأئمة بعدد معي قد وضع جذورها في القرن الثاني زمرة ممن يدعي الصلة بأهل البيت أمثال شيطان الطاق وهشام بن الحكم.

ولقد اختلفت اتجاهات الشيعة وتباينت مذاهبهم في عدد الأئمة، قال في مختصر التحفة: "اعلم أن الإمامية قائلون بانحصار الأئمة، ولكنهم مختلفون في مقدارهم، فقال بعضهم: خمسة، وبعضهم: سبعة، وبعضهم: ثمانية، وبعضهم: اثنا عشر، وبعضهم: ثلاث عشر" [مختصر التحفة: ص193.]. وأقوالهم في هذا كثيرة وأظن أنني لو قمت بنقل اتجاهاتهم في ذلك من خلال كتب الفرق لقطع القارئ القراءة من الملل لكثرة خلافهم الذي يمضي على وتيرة واحدة، إذ بعد وفاة كل إمام من أهل البيت تنشأ بعده فرق.. منهم من يتوقف عليه ويجعل عدد الأئمة ينتهي به، ومنهم من يذهب يلتمس رجلاً آخر من أهل البيت يتخذه إمامًا، ويكتسب من خلال ذلك، ويحقق ما في نفسه من موروثات دينية سابقة، أو تطلعات عرقية وشعوبية، وينفذ من وراء ذلك أحقاده ومطامعه..

وبحسب القارئ أن يطلع على كتب الفرق ليجد ذلك.. بل إن كتب الفرق عند الشيعة نقلت صورة هذا التباين والتناقض سواء كانت من كتب الإسماعيلية كمسائل الإمامة للناشئ الأكبر، أو الزينة لأبي حاتم الرازي، أو من كتب الاثني عشرية مثل: المقالات والفرق للأشعري القمي، وفرق الشيعة للنوبختي، أو من كتب الزيدية كالمنية والأمل للمرتضى.

وقضية الإمامة عندهم ليس بالأمر الفرعي الذي يكون فيه الخلاف أمرًا عاديًا، بل هي أساس الدين وأصله المتين، ولا دين لمن لم يؤمن بإمامهم ولذلك يكفر بعضهم بعضًا، بل إن أتباع الإمام الواحد يكفر بعضهم بعضًا ويلعن بعضهم بعضًا [ولذلك كانوا يشتكون من ذلك (انظر: رجال الكشي: ص498-4499)، وانظر: ص(747) من هذه الرسالة.].

أما الاثنا عشرية فقد استقر قولهم فيما بعد بحصر الإمامة في اثني عشر إمامًا، و"لم يكن في العترة النبوية بني هاشم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم من يقول بإمامة الاثني عشر.." [منهاج السنة: 2/111.] وإنما عرف الاعتقاد باثني عشر إمامًا بعد وفاة الحسن العسكري كما سبق [مضى ص(103).].

وتجد في بعض الروايات عند الاثني عشرية ملامح من الحيرة والتردد في عدد الأئمة، مما يدل على أن تلك الروايات موضوعة قبل وفاة الحسن العسكري، وأنه قبل ذلك لم تعرف عقيدة الإيمان بالاثني عشر الذين تنتسب إليهم الاثنا عشرية، أو أنها موضوعة قبل تحدد هذه العقيدة عند الجعفرية، ولا شك أن تلك الروايات نقد واضح للاتجاه الاثني عشري.

فقد جاء في روايات الكافي أن عليًا يسر بالولاية إلى من شاء [مضى ذكر النص ص(658).]. وقال شارح الكافي: إلى من شاء من الأئمة المعصومين [المازندراني/ شرح جامع: 9/123.]، ولا تحدد هذه الرواية العدد، ولا تعين الشخص، فكأن الأمر غير مستقر في تلك الفترة التي وضع فيها الخبر، بينما تجد روايات عندهم تجعل الأئمة سبعة وتقول: "سابعنا قائمنا" [رجال الكشي: ص373.]. وهذا ما استقر عليه الأمر عند الإسماعيلية.

ولكن لما زاد عدد الأئمة أكثر عند الموسوية أو القطعية والتي سميت بالاثني عشرية صار هذا النص الآنف الذكر مبعث شك في عقيدة الإمامة لدى أتباع هذه الطائفة وحاول مؤسسو المذهب التخلص منه، ونفي شك الأتباع بالرواية التالية: "عن داود الرقي قال: قلت لأبي الحسن الرضا رضي الله عنه: جعلت فداك إنه والله ما يلج في صدري من أمرك شيء إلا حديثًا سمعته من ذريح يرويه عن أبي جعفر رضي الله عنه. قال لي: وما هو؟ قال: سمعته يقول: سابعنا قائمنا إن الله. قال: صدقت وصدق ذريح وصدق أبو جعفر رضي الله عنه، فازددت والله شكًا، ثم قال: يا داود بن أبي خالد، أما والله لولا أن موسى قال للعالم: ستجدني إن شاء الله صابرًا ما سأله عن شيء، وكذلك أبو جعفر عليه السلام لولا أن قال: إن شاء الله لكان كما قال، قال: فقطعت عليه" [رجال الكشي: ص373-374.].

فكأنهم يجعلون هذا من باب البداء وتغير المشيئة والذي هو من عقائدهم كما سيأتي لأنهم يجدون به وسيلة للتخلص من أمثال هذه الأقوال.

ولقد كان أول كتاب ظهر للشيعة وهو كتاب سليم بن قيس قرر أن عدد الأئمة ثلاثة عشر، وكان هذا من أسباب القدح فيه عند طائفة من شيوخ الاثني عشرية.

كما أنك ترى الكافي أصح كتبهم الأربعة قد احتوى على جملة من أحاديثهم تقول بأن الأئمة ثلاثة عشر. فقد روى الكليني بسنده عن أبي جعفر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني واثني عشر إمامًا من ولدي وأنت يا علي زرّ الأرض يعني أوتادها وجبالها بنا أوتد الله الأرض أن تسيخ بأهلها، فإذا ذهب الاثنا عشر من ولدي ساخت الأرض بأهلها ولم ينظروا [أصول الكافي: 1/534.].

فهذا النص أفاد أن أئمتهم بدون علي اثنا عشر ومع علي يصبحون ثلاثة عشر. وهذا ينسف بنيان الاثني عشرية.. ولهذا يظهر أن شيخهم الطوسي في الغيبة تصرف في النص وغير فيه فأورده بهذا اللفظ: "إني وأحد عشر من ولدي" [الغيبة: ص92.].

كذلك روت كتب الشيعة الاثني عشرية عن أبي جعفر عن جابر قال: "دخلت على فاطمة وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها فعددت اثني عشر آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمد وثلاثة منهم علي" [أصول الكافي: 1/532، ابن بابويه/ إكمال الدين: ص264، المفيد/ الإرشاد: ص393، الطوسي/ الغيبة: ص92.].

فانظر كيف اعتبروا أئمتهم اثني عشر كلهم من أولاد فاطمة، فإذن علي ليس من أئمتهم لأنه زوج فاطمة لا ولدها، أو يكون مجموع أئمتهم ثلاثة عشر.

ومما يدل أيضًا على أنهم لم يعتبروا عليًا من أئمتهم قوله: ثلاثة منهم علي، فإن المسمى بعلي من الأئمة عند الاثني عشرية أربعة: أمير المؤمنين علي، وعلي بن الحسين، وعلي الرضا، وعلي الهادي.

ولذلك فإن ابن بابويه غير في النص فيما يبدو في كتابه الخصال حيث جاء النص عنده بدون لفظة "من ولدها"، ولكن لم يفطن لباقي النص وهو قوله: "ثلاثة منهم علي" فأثبته كما جاء في المصادر الاثني عشرية الأخرى [انظر: ابن بابويه/ الخصال: ص477-478.]؛ ولكنه في كتابه عيون أخبار الرضا غير النص في الموضعين بما يتفق ومذهبه أو غيّره غيره [انظر: ابن بابويه/ عيون أخبار الرضا: 2/52.].

ومن العجب أن بعض شيوخهم حكم بوضع كتاب سليم بن قيس لأنه اشتمل على أن الأئمة ثلاثة عشر ولم يحكم بمثل ذلك على الكافي الذي ورد فيه مثل ذلك، والمصادر الأخرى التي شاركته في هذا الاتجاه.

والقول بأن الأئمة ثلاثة عشر قامت فرقة من الشيعة تقول به، ولعل تلك النصوص من آثارها، وقد ذكر هذه الفرقة الطوسي في رده على من خالف الاتجاه الاثني عشري، الذي ينتمي إليه [الغيبة: ص137.]، وكذلك النجاشي في ترجمة هبة الله أحمد بن محمد [حيث ذكر بأن هبة الله "كان يتعاطى الكلام، ويحضر مجلس أبي الحسين ابن الشيبة العلوي الزيدي المذهب، فعمل له كتابًا، وذكر أن الأئمة ثلاثة عشر مع زيد بن علي بن الحسين، واحتج بحديث في كتاب سليم بن قيس الهلالي: إن الأئمة اثنا عشر من ولد أمير المؤمنين" (رجال النجاشي: ص343).].

وكل فرقة من هذه الفرق تدعي أنها على الحق، وأن الخبر في تعيين أئمتها متواتر، وتبطل ما ذهبت إليه الفرق الشيعية الأخرى، وهذا دليل على أنهم ليسوا على شيء؛ إذ لو تواتر خبر إحدى فرقهم لم يقع الاختلاف قط بينهم... فإن هذه مزاعم افتروها على أهل البيت على وفق مصلحة الوقت، فكل طائفة تقرر إمامًا تدعو إليه ليأخذوا بهذه الذريعة الخمس والنذور والتحف والهدايا من أتباعهم باسم إمامهم المزعوم ويتعيشوا بها، ومتأخروهم قد قلدوا أوائلهم بلا دليل، وسقطوا في ورطة الضلال، {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ، فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} [الصافات، آية: 69-70.] [مختصر التحفة: ص200.].

نقد حصرهم الأئمة بعدد معين:

قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء، آية: 59.]. ولم يحصر سبحانه أولي الأمر بعدد معين وهذا واضح جلي.

وأمر تعيين الأئمة من أعظم أمور الدين عندهم، وهو صنو النبوة أو أعظم.. فكيف لا يبين الله ذلك في كتابه، ويذكر الأئمة بأسمائهم وأعيانهم؟

لا يوجد لأئمتهم ذكر في كتاب الله، وليس هناك نص صحيح متواتر في تعيين أئمتهم.. ولو وجد لما تخبط الشيعة وتاهوا في أمر تعيين الإمام كما حكت ذلك كتب المقالات؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الثابتة عنه المستفيضة لم يوقت ولاة الأمور في عدد معين، ففي الصحيحين عن أبي ذر قال: "إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدًا حبشيًا مجدع الأطراف" [منهاج السنة النبوية: 2/105، والحديث المذكور أخرجه البخاري بلفظ: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: "اسمع وأطع ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة" (صحيح البخاري مع الفتح كتاب الأذان، باب إمامة المفتون والمبتدع، ج‍2 ص188، ح696)، وأخرجه مسلم بإسناده إلى أبي ذؤءصر 23 باللفظ الذي ذكره شيخ الإسلام. (صحيح مسلم/ كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية: 2/1467، 1468، ح1837).].

أما كتب الشيعة الاثني عشرية فهي طافحة بالروايات التي تحدد الأئمة باثني عشر، والملاحظ أن هذه الروايات كانت موضع التداول السري، وكان الأئمة يكذبون رواتها، مما يثير الشكوك في صدقها، لا سيما وكتاب الله سبحانه والذي أمر الأئمة بالرجوع إليه في الحكم على ما ينسب إليهم من أقوال لا شاهد فيه لهذه الروايات إلا عن طريق التأويلات الباطنية، والروايات الموضوعة، فيصبح عمدتهم في النهاية هذه الروايات.. التي تؤكد الشواهد كذبها، كما أن الأوائل الذين جمعوا هذه الروايات وهم: الصفار وإبراهيم القمي والكليني هم من الغلاة الذين يجب اعتبارهم خارج الصف الإسلامي لنقلهم أساطير نقص القرآن وتحريفه، فهم بهذا غير مأمونين وكتبهم غير موثوقة.

وكتاب النّهج الذي هو أصح كتاب عند الشيعة لا ذكر فيه للأئمّة الاثني عشر بأسمائهم وأعيانهم؛ بل جاء فيه ما ينقض مبدأ حصر الأئمّة، حيث قال صاحب نهج البلاغة: ".. إنّه لا بدّ للنّاس من أمير برّ أو فاجر.. يقاتل به العدو، وتأمن السّبل، ويؤخذ به للضّعيف من القوي حتى يستريح بر، ويستراح من فاجر" [نهج البلاغة: ص82.].

فلم يحدد الأئمة بعدد معين. فأين تذهب الشيعة، وهي تزعم أنها تصدق بكل حرف في النهج؟!

كما أن اختلاف أقوال فرق الشيعة في هذا الأمر، وتباين مذاهبهم في تحديد عدد الأئمة وأعيانهم يكشف حقيقة هذه الدعوى، إذ كل طائفة تدحض مزاعم الأخرى وتكذبها، وكفى الله المؤمنين القتال [انظر مثلاً ما كتبه أبو حاتم الرازي في التشكيك بإمامة أئمة الاثني عشرية بعد جعفر الصادق في كتاب "الزينة" ص:232-233، (مخطوط).].

ومسألة حصر الأئمة بعدد معين لا يقبلها العقل ومنطق الواقع؛ إذ بعد انتهاء العدد المعين هل تظل الأمة بدون إمام؟ ولذلك فإن عصر الأئمة الظاهرين عند الاثني عشرية لا يتعدى قرنين ونصف إلا قليلاً.

وقد اضطر الشّيعة للخروج عن حصر الأئمّة بمسألة نيابة المجتهد عن الإمام، واختلف قولهم في حدود النيابة [انظر: محمد مغنية/ الخميني والحكومة الإسلاميّة: ص68.].. وفي هذا العصر اضطرّوا للخروج نهائيًّا عن هذا الأصل الذي هو قاعدة دينهم، فجعلوا رئاسة الدّولة تتمّ عن طريق الانتخاب.. لكنهم خرجوا عن حصر العدد إلى حصر النوع فقصروا رئاسة الدولة على الفقيه الشيعي [انظر: الخميني/ الحكومة الإسلامية: ص48.].

هذا ويحتجّ الاثنا عشريّة في أمر تحدي عدد الأئمّة بما جاء في كتب السّنّة عن جابر بن سمرة قال: "يكون اثنا عشر أميرًا فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنّه قال: كلّهم من قريش" هذا لفظ البخاري [صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب الاستخلاف: 8/127.]، وفي مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يزال الإسلام عزيزًا إلى اثني عشر خليفة" ثم قال كلمة لم أفهمها. فقلت لأبي: ما قال؟ فقال: "كلّهم من قريش" [صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب النّاس تبع لقريش والخلافة في قريش: 2/1453.]. وفي لفظ: "لا يزال هذا الدّين عزيزًا منيعًا إلى اثني عشر خليفة" [صحيح مسلم، 2/1453.]، وفي لفظ آخر: "لا يزال أمر النّاس ماضيًا ما وليهم اثنا عشر رجلاً" [صحيح مسلم، ص1452.].. وعند أبي داود: "لا يزال هذا الدّين قائمًا حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلّهم تجتمع عليهم الأمّة" [سنن أبي داود، أوّل كتاب المهدي: 4/471.]. وأخرجه أبو داود أيضًا من طريق الأسود بن سعيد عن جابر بنحو ما مضى قال: "وزاد فلما رجع إلى منزله أتته قريش فقالوا: ثم يكون ماذا؟ قال: الهرج" [سنن أبي داود: 4/472، وأخرج البزار هذه الزيادة من وجه آخر فقال فيها: "ثم رجع إلى منزله فأتيته فقلت: ثم يكون ماذا؟ قال: الهرج". (ابن حجر/ فتح الباري: 13/211).].

يتعلق الاثنا عشرية بهذا النص ويحتجون به على أهل السنة، لا لإيمانهم بما جاء في كتب أهل السنة [انظر ممن يحتج بذلك من شيوخهم: ابن بابويه/ الخصال: ص470، الطوسي/ الغيبة: ص88، الأربلي/ كشف الغمة: ص56-57، البياضي/ الصراط المستقيم: 2/100، شبر/ حق اليقين: ص 338، السماوي/ الإمامة: 1/147، وغيرهم كثير.]، ولكن للاحتجاج عليهم بما يسلمون به.

وبالتأمل في النص بكل حيدة وموضوعية نجد أن هؤلاء الاثني عشر وصفوا بأنّهم يتولّون الخلافة، وأن الإسلام في عهدهم يكون في عزة ومنعة، وأن الناس تجتمع عليهم ولا يزال أمر الناس ماضيًا وصالحًا في عهدهم.

وكلّ هذه الأوصاف لا تنطبق على من تدّعي الاثنا عشريّة فيهم الإمامة، فلم يتولّ الخلافة منهم إلا أمير المؤمنين علي والحسن مدّة قليلة، ولم تجتمع في عهدهما الأمة، كما لم يقم أمر الأمة في مدة أحد من هؤلاء الاثني عشر في نظر الشيعة أنفسهم بل ما زال أمر الأمة فاسدًا.. ويتولى عليهم الظالمون بل الكافرون [منهاج السنة: 4/210، المنتقى (مختصر منهاج السنة): ص533، وستأتي أحاديثهم في أن الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدوا إلا ثلاثة، وبعد الحسين ارتدوا إلا ثلاثة.. إلخ.]، وأن الأئمّة أنفسهم كانوا يتستّرون في أمور دينهم بالتّقية [مختصر الصواقع: ص231 (مخطوط).]، وأن عهد أمير المؤمنين علي وهو على كرسي الخلافة عهد تقية، كما صرّح بذلك شيخهم المفيد [ص43-44 من هذه الرّسالة.] فلم يستطع أن يظهر القرآن، ولا أن يحكم بجملة من أحكام الإسلام، كما صرح بذلك شيخهم الجزائري [انظر: ص202-203 من هذه الرسالة.]، واضطرّ إلى ممالأة الصّحابة ومجاراتهم على حساب الدّين، كما أقرّ بذلك شيخهم المرتضى [ص421 من هذه الرّسالة.].. فالحديث في جانب ومزاعم هؤلاء في جانب آخر.

ثم إنه ليس في الحديث حصر للأئمة بهذا العدد؛ بل نبوءة منه صلى الله عليه وسلم بأن الإسلام لا يزال عزيزًا في عصر هؤلاء.

وكان عصر الخلفاء الراشدين وبني أمية عصر عزة ومنعة، ولهذا قال شيخ الإسلام: "إن الإسلام وشرائعه في زمن بني أميّة أظهر وأوسع ممّا كان بعدهم، ثم استشهد بحديث "لا يزال هذا الأمر عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش". ثم قال: وهكذا كان، فكان الخلفاء أبو بكر وعثمان وعلي، ثم تولى من اجتمع الناس عليه وصار له عز ومنعة معاوية وابنه يزيد ثم عبد الملك وأولاده الأربعة وبينهم عمر بن عبد العزيز وبعد ذلك حصل من النقص ما هو باق إلى الآن" ثم شرح ذلك.. [منهاج السنة: 4/206.].

ونجد أن الاثني عشرية ترى دوام "ولاية المنتظر.. إلى آخر الدهر، وحينئذ فلا يبقى زمان يخلو عندهم من الاثني عشر، وإذا كان كذلك لم يبق الزمان نوعين: نوع يقوم فيه أمر الأمة، ونوع لا يقوم بل هو قائم في الأزمان كلها وهو خلاف الحديث [منهاج السنة: 4/210.]، وخلاف ما يعتقده هؤلاء بأن عصر الاثني عشر إلى أن يخرج المنتظر هو عصر تقية من تركها من الشيعة بمنزلة من ترك الصلاة" [انظره بنصه في فصل "التقية".].

كما أن الأمة لم تجتمع عليهم لأنهم لم يتولوا حكمًا ما عدا عليًا والحسن بل الشيعة أنفسهم مختلفون في شأنهم وفي أعدادهم وأعيانهم اختلافًا لا يكاد يحصى إلا بكلفة، كما حفلت بتصوير ذلك كتب الفرق والمقالات.

ثم إنه قال في الحديث: "كلهم من قريش" وهذا يعني أنهم لا يختصون بعلي وأولاده "ولو كانوا مختصين بعلي وأولاده لذكر ما يميزون به، ألا ترى أنه لم يقل: كلهم من ولد إسماعيل ولا من العرب، وإن كانوا كذلك، لأنه قصد القبيلة التي يمتازون بها، فلو امتازوا بكونهم من بني هاشم، أو من قبيل علي لذكروا بذلك، فلما جعلهم من قريش مطلقًا علم أنهم من قريش، بل لا يختصون بقبيلة، بل بنو تيم وبنو عدي، وبنو عبد شمس، وبنو هاشم، فإن الخلفاء الراشدين كانوا من هذه القبائل" [منهاج السنة: 4/211.].

فإذن لم يبق من الأوصاف التي تنطبق على ما يريدون إلا مجرد العدد، والعدد لا يدل على شيء.. ألا ترى أن هذا الرقم وصف به هؤلاء الخلفاء الصلحاء كما وصف به أضدادهم، فقد جاء في صحيح مسلم "في أمتي اثنا عشر منافقًا" [صحيح مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: 3/2143-2144، (ح2779).].

ويبد أن هذا الرقم الذي تدعيه الشيعة الاثني عشرية يعود في الأصل إلى زعم يهودي قديم ورد في كتاب دانيال [قال أبو الحسين بن المنادي في الجزء الذي جمعه في المهدي: فقد وجدت في كتاب دانيال: إذا مات المهدي ملك بعده خمسة رجال من ولد السبط الأكبر، ثم خمسة من ولد السبط الأصغر، ثم يوصي آخرهم بالخلافة لرجل من ولد السبط الأكبر، ثم يملك بعده ولده فيتم بذلك اثنا عشر ملكًا، كل واحد منهم إمام مهدي. (انظر: فتح الباري: 13/213).]، كما أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن في التوراة مثل ذلك [منهاج السنة: 4/210.].

استدلالهم على مسألة الإمامة:

من أصول الروافض "أنه لا يجوز للرعية اختيار إمام، بل لابد فيه من النص" [الحر العاملي: الفصول المهمة في أصول الأئمة ص142، وانظر: ابن المطهر/ نهج المسترشدين: ص63.]. "فالإمامة لا تكون إلا بالنّصّ" [المظفّر/ عقائد الإماميّة: ص103.]. وأن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على علي وأولاده [الكليني/ أصول الكافي: باب ما نص الله ورسوله على الأئمة: 1/286 وما بعدها.]، فهم الئمة إلى أن تقوم الساعة.

وقد رأينا بدايات هذه العقيدة على أيدي السبئية، والهشامية والشيطانية. إلا أن شيوخ الشيعة ادعوا أن هذا الأمر هو من شرع الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأقوال أئمة أهل البيت.

وأخذوا يستدلون على ذلك "بنصوص ينقلونها ويؤولونها على مقتضى مذهبهم لا يعرفها جهابذة السنة ولا نقلة الشريعة، بل أكثرها موضوع أو مطعون في طريقه أو بعيد عن تأويلاتهم الفاسدة" [ابن خلدون/ المقدمة: 2/527 (تحقيق د. علي عبد الواحد وافي).].

وبالغوا كعادتهم في جمع الروايات وحشد النصوص في ذلك حتى ألف شيخهم ابن المطهر كتابًا سماه "الألفين في إمامة أمير المؤمنين" [إلا أنه لم يبلغ ما يريد فلم يصل إلى الألفين، كما عنون به كتابه، حيث لم يذكر إلا ألفًا وثمانيًا وثلاثين، مما يعدها أدلة على مقصوده. (الأعلمي/ مقدمة الألفين: ص10).].

وقل من مؤلفي الشيعة من لم يتكلم عن هذه القضية ويستدل لها [الذريعة إلى تصانيف الشيعة: 1/320.]، لأنها عب دينهم وعماده.

وإذا علمت أن كل هذه الروايات تفرد بنقلها حسب منطق الشيعة آحاد الناس، بل الواحد وهو علي لأنه هو الباب، ومن ادعى سماعًا من غيره فقد أشرك [أصول الكافي: 1/377، وقد مرّ بنصه ص346.]، كما أن ما سوى علي وبضعه نفر من الصحابة ثلاثة أو أربعة أو سبعة ما سوى هؤلاء محكوم عليهم في كتب الشيعة بالردة، فلا تقبل روايتهم.. وتفرد الواحد بالنقل موضع شك ولا سيما والجم الغفير على خلافه.. فاضطروا حينئذ للقول بالعصمة. ولكن العصمة كيف تثبت بخبر من ادعاها وهو واحد.. فاضطروا حينئذ للقول ببدعة أخرى وهي إثبات المعجزة للأئمة، فصارت قضية الإمامة ترتكز عندهم على ثلاث شعب: النص، والعصمة، والمعجزة.

قال شيخهم المفيد: "إن الإمامة توجب لصاحبها عند الاثني عشرية: العصمة، والنص، والمعجزة..." [العيون: 2/127.].

وقد مضى القول بأن المعجزات لا يأتي بها إلا الأنبياء، وأن الشيعة قالت بها في حق الأئمة؛ لأنهم أعطتهم معنى النبوة دون اسمها، وزعمت أنهم هم الحجة على العباد، وليس لهم في ذلك من برهان إلا اتباع ما وضعه زنادقة العصور الماضية.. قال تعالى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء، آية: 165.]، ولم يقل سبحانه: والأئمة، فحجة الله قامت على عباده بالرسل وأيدهم سبحانه بالآيات.

ولا يملك الشيعة في باب معجزات الأئمة إلا دعاوى مجردة لا يعجز عن تأليفها المحتالون والمتآمرون [انظر: ص624-625 من هذه الرسالة.].

أما مسألة العصمة فلأهميتها في المذهب الشيعي، فقد خصص لها الفصل التالي لهذا الفصل.

ثم إن المعجزة على تقدير الصدور موقوفة على الخبر، وكيف يوثق بخبر مرتدين؟! وكذا الشأن في العصمة، ومع ذلك فإن الشيعة تولي مسألة الخبر المتمثل في دعوى النص والوصية أهمية كبرى، فهي الحجر الأول في بناء المذهب، والقاعدة الأساسية في كيانهم العقدي.

ولا شك أن النص على عين من يتولى إمامة المسلمين إلى أن تقوم الساعة غير ممكن، إلا في عقل الرافضة، وقد انتهى بهم هذا القول إلى الاستسلام لوهم كبير، حيث اضطروا إلى القول بحياة واحد من البشر قرونًا مديدة (وهو مهديهم الذي ينتظرونه) فأصبحوا ضحكة الأمم..

وقد رد عليهم عليّ الرضا والذي يدعون إمامته برد هو من أبلغ الردود وأقواها في هذه المسألة، والشيعة تنقله في أوثق كتبها في الرجال، حيث قال: "لو كان الله يمدّ في أجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه لمد الله في أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم" [رجال الكشي: ص458.].

لكنهم يخالفون هذا الأصل الواضح ويعتقدون أن بقاء المنتظر كل هذه القرون إنما هو لحاجة الخلق بل والكون كله إليه، ولو خلت منه الأرض لساخت بأهلها.

وبعد هذا التأصيل لقضية النص، لا أعتقد أننا بحاجة إلى أن نتتبع النصوص في هذه المسألة؛ لأن هذه القضية انتهت عندهم اليوم إلى الإيمان بهذا المنتظر الذي لا يسمع له حس ولا خبر ولا يرى له عين ولا أثر. ولو كان للناس فيه حاجة لبقي رسول الله وهو أفضل منه، ولكن الأمة في غنى بقرآنها وسنة نبيها عن كل منتظر موهوم وكتاب مزعوم، وسيأتي نقض مسألة الغيبة.

ولكن الشيعة ترى أن القرآن نص على "إمامتهم"، وكذلك تزعم أن أمر "النص" متفق عليه بين أهل السنة والشيعة، فهي تريد أن تشرك السنة في "أوهامها" وتخدع بذلك أتباعها.. وما دام الأمر كذلك فلندرس ما تقدمه كتب الشيعة في هذا الباب، وسنختار أقوى أدلتها في ذلك من الكتاب والسنة، ثم نعرج بعد ذلك على أدلتها الخاصة بها.

ونختم القول بنقد "مسألة النص" من الكتاب والسنة، والاعتبار العقلي، والأمور المعلمة والمتفق عليها.

أدلتهم من القرآن:

قال شيخ الطائفة كما يلقبونه الطوسي: "وأما النص على إمامته من القرآن فأقوى ما يدل عليه قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} [المائدة، آية: 55.]" [تلخيص الشافي: 2/10.]. وقال الطبرسي: "وهذه الآية من أوضح الدلائل على صحة إمامة علي بعد النبي بلا فصل" [مجمع البيان: 2/128.].

ويكاد شيوخهم يتفقون على أن هذا أقوى دليل عندهم؛ حيث يجعلون له الصدارة في مقام الاستدلال في مصنفاتهم [انظر مثلاً -: ابن المطهر الحلي في منهاج الكرامة، حيث اعتبره البرهان الأول (ص:147)، وشبر في حق اليقين: 1/144، والزنجاني في عقائد الإمامية الاثني عشرية: 1/81-82.].

أما كيف يستدلون بهذه الآية على مبتغاهم؟ فإنهم يقولون: "اتفق المفسرون والمحدثون من العامة والخاصة أنها نزلت في علي لما تصدق بخاتمه على المسكين في الصلاة بمحضر من الصحابة وهو مذكور في الصحاح الستة" [قوله: "الصحاح الستة" تسمية غير سليمة؛ لأن أهل السنة لا يعدون جميع الكتب الستة "صحاحًا" ولذا يسمونها "الكتب الستة"، ولكن الروافض أصحاب مبالغات، وليس هذا بكثير على من يتعمد الكذب على الله ورسوله.].

و"إنما" للحصر باتفاق أهل اللغة، والولي بمعنى الأولى بالتصرف المرادف للإمام والخليفة [شبر/ حق اليقين: 1/144، الزنجاني/ عقائد الإمامية الاثني عشرية: 1/81-82.].

فأنت ترى أن الشيعة تعتمد في استدلالها بالآية بما روي في سبب نزولها؛ لأنه ليس في نصها ما يدل على مرادها، فصار استدلالهم بالرواية لا بالقرآن، فهل الرواية ثابتة، وهل وجه استدلالهم سليم؛ يتبين هذا بالوجوه التالية:

أولاً: أن زعمهم بأن أهل السنة أجمعوا على أنها نزلت في عليّ هو "من أعظم الدعاوى الكاذبة، بل أجمع أهل العلم بالنقل على أنها لم تنزل في علي بخصوصه، وأن عليًا لم يتصدق بخاتمه في الصلاة، وأجمع أهل العلم بالحديث على أن القصة المروية في ذلك من الكذب الموضوع" [منهاج السنة: 4/4.]. وقوله: إنها "مذكورة في الصحاح الستة" كذب؛ إذ لا وجود لهذه الرواية في الكتب الستة [وهو من الكذب الذي لا يستحي الشيعة من إثباته، والغريب أن هذا الزعم يجري على ألسنة آياتهم في هذا العصر كشبر، والزنجاني، فهل يخفى عليهم أن هذا لا وجود له في الكتب الستة؟!.

وقد توفرت اليوم الفهارس والمعاجم التي تكشف الحقيقة راجع: المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، ومفتاح كنوز السنة، لفظ "علي بن أبي طالب"، وراجع الكتب المعنية بجميع الروايات المتعلقة بتفسير الآيات وسبب نزولها مثل: الدر المنثور: 3/104-106 وغيره، أو المعنية بجمع روايات الكتب الستة كجامع الأصول فلا تجد لدعواهم أصلاً.

ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وجمهور الأمة لم تسمع هذا الخبر ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة لا الصحاح ولا السنن ولا الجوامع ولا المعجمات ولا شيء من الأمهات" (منهاج السنة: 4/5).].

وقد ساق ابن كثير الآثار التي تروى في أن هذه الآية نزلت في علي حين تصدق بخاتمه، وعقب عليها بقوله: "وليس يصح شيء منها بالكلية لضعف أسانيدها، جهالة رجالها" [تفسير ابن كثير: 2/76-77.].

ثانياً: أن هذا الدليل الذب يستدلون به ينقض مذهب الاثني عشرية؛ لأنه يقصر الولاية على أمير المؤمنين بصيغة الحصر "إنما" فيدل على سلب الإمامة عن باقي الأئمة، فإن أجابوا عن النقض بأن المراد حصر الآية في بعض الأوقات، أعني وقت إمامته لا وقت إمامة من بعده، وافقوا أهل السنة في أن الولاية العامة كانت له وقت كونه إمامًأ لا قبله، وهو زمان خلافة الثلاثة [انظر: روح المعاني: 6/168.].

ثالثًا: أن الله تعالى لا يثني على الإنسان إلا بما هو محمود عنده، إما واجب وإما مستحب، والتصدق أثناء الصلاة ليس بمستحب باتفاق علماء الملة، ولو كان مستحبًا لفعله الرسول صلى الله عليه وسلم ولحض عليه، ولكرر فعله، وإن في الصلاة لشُغلاً، وإعطاء السائل لا يفوت؛ إذ يمكن للمتصدق إذا سلم أن يعطيه؛ بل إن الاشتغال بإعطاء السائلين يبطل الصلاة كما هو رأي جملة من أهل العلم [انظر: منهاج السنة: ج‍1 ص208، ج‍4 ص5.].

رابعًا: أنه لو قدر أن هذا مشروع في الصلاة لم يختص بالركوع، فكيف يقال: لا ولي إلا الذين يتصدقون في حال الركوع، فإن قيل: هذه أراد بها التعريف بعلي، قيل له: أوصاف علي التي يعرف بها كثيرة ظاهرة، فكيف يترك تعريفه بالأمور المعروفة ويعرف بهذا الأمر الذي لا يعرفه إلا من سمعه وصدق به؟! وجمهور الأمة لا تسمع هذا الخبر ولا هو في شيء من كتب المسلمين المعتمدة [منهاج السنة: 4/5.].

خامسًا: وقولهم: إن عليًا أعطى خاتمه زكاة في حال ركوعه فنزلت الآية مخالف للواقع؛ ذلك أن عليًا رضي الله عنه لم يكن ممن تجب عليه الزكاة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان فقيرًا، وزكاة الفضة إنما تجب على من ملك النصاب حولاً وعلي لم يكن من هؤلاء.

كذلك فإن إعطاء الخاتم في الزكاة لا يجزي عند كثير من الفقهاء إلا إذا قيل بوجوب الزكاة في الحلي، وقيل إنه يخرج من جنس الحلي، ومن جوز ذلك بالقيمة فالتقويم في الصلاة متعذر، والقيم تختلف باختلاف الأحوال [منهاج السنة: 4/5.].

سادسًا: لما تبين أن الروايات التي أولوا بمقتضاها الآية باطلة سندًا ومتنًا، فلا متمسك لهم حينئذ بالآية بوجه سائغ؛ بل إن الآية حجة عليهم؛ لأنها جاءت بالأمر بموالاة المؤمنين، والنهي عن موالاة الكافرين [حتى وإن ثبت أن لها سبب نزول خاص (راجع كتب التفسير في سبب النزول)، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.]، وليس للرافضة فيما يظهر من نصوص وتاريخها من ذلك نصيب.

وهذا المعنى يدرك بوضوح من سياق الآيات؛ إذ قبل هذه الآية الكريمة جاء قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة، آية: 51.]. فهذا نهي صريح عن موالاة اليهود والنصارى بالود والمحبة والنصرة.. ولا يراد بذلك باتفاق الجميع الولاية بمعنى الإمارة، وليس هذا بوارد أصلاً، ثم أردف ذلك بذكر من تجب موالاته وهو الله ورسوله والمؤمنون، فواضح من ذلك أن موالاة المحبة والنصرة التي نهى عنها في الأولى هي بعينها التي أمر بها المؤمنين في هذه الآية بحكم المقابلة كما هو بين جلي من لغة العرب.

قال الرازي: "لما نهى في الآيات المتقدمة عن موالاة الكفار، أمر في هذه الآية بموالاة من تجب موالاته" [تفسير الفخر الرازي: 12/25.].

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إنه من المعلوم المستفيض عند أهل التفسير خلفًا عن سلف أن هذه الآية نزلت في النهي عن موالاة الكفار، والأمر بموالاة المؤمنين" [منهاج السنة: 4/5.].

سابعًا: قولهم: "إن المراد بقوله: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ} الإمارة لا يتفق مع قوله سبحانه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ}؛ فإن الله سبحانه لا يوصف بأنه متول على عباده، وأنه أمير عليهم، فإنه خالقهم ورازقهم وربهم ومليكهم له الخلق والأمر، لا يقال: إن الله أمير المؤمنين كما يسمى المتولي مثل علي وغيره أمير المؤمنين [بل الرسول صلى الله عليه وسلم أيضًا لا يقال إنه متول على الناس، وأنه أمير عليهم، فإن قدره أجل من هذا، بل أبو بكر الصديق رضي الله عنه لم يكونوا يسمونه إلا خليفة رسول الله، وأول من سمي من الخلفاء أمير المؤمنين عمر. (منهاج السنة: 4/9).]، وأما الولاية المخالفة للعداوة فإنه يتولى عباده المؤمنين فيحبهم ويحبونه، ويرضى عنهم ويرضون عنه، ومن عادى له وليًا فقد بارزه بالمحاربة [وهذه الولاية من رحمته وإحسانه ليست كولاية المخلوق للمخلوق لحاجته إليه. قال تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ}. [الإسراء: آية: 111].

فالله تعالى لم يكن له ولي من الذل؛ بل هو القائل: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا}. [فاطر، آية: 10]، (منهاج السنة: 4/9).]، فهذه الولاية هي المقصودة في الآية [منهاج السنة: 4/9.]، وقوله: {وَهُمْ رَاكِعُونَ} أي خاضعون لربهم منقادون لأمره، والركوع في أصل اللغة بمعنى الخضوع، أي يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة في حال الركوع وهو الخشوع والإخبات والتواضع لله" [انظر: الكشاف للزمخشري: 1/624، تفسير الرازي: 12/25.].

ثامنًا: إن الفرق بين الولاية بالفتح، والولاية بالكسر معروف في اللغة، فالولاية ضد العداوة وهي المذكورة في هذه النصوص، ليست هي الولاية بالكسر التي هي الإمارة، وهؤلاء الجهال يجعلون الولي هو الأمير ولا يفرقون بين اللفظين، مع أنه واضح "أن الولاء بالفتح وهو ضد العداوة، والاسم منه مولى وولي، والولاية بالكسر والاسم منها والي ومتولي" [المقدسي/ رسالة في الرد على الرافضة: ص220-221، وراجع مختار الصحاح، مادة "ولي".].

ولهذا قال الفقهاء: إذا اجتمع في الجنازة الوالي والولي فقيل: يقدم الوالي وهو قول أكثرهم، وقيل: يقدم الولي: فلفظ الولي والولاية غير لفظ الوالي [منهاج السنة: 4/8.].

ولو أراد سبحانه الولاية التي هي الإمارة لقال: (إنما يتولى عليكم)..

فتبين أن الآية دلت على الموالاة المخالفة للمعادة الثابتة لجميع المؤمنين بعضهم على بعض [منهاج السنة: 4/8. وللمزيد من التفصيل راجع: تفسير الفخر الرازي: 12/25 وما بعدها، تفسري الألوسي: 6/167 وما بعدها.]، ولهذا جاء قوله: {وَالَّذِينَ آمَنُوا} بصيغة الجمع.

وإذا كانت هذه أقوى أدلتهم كما يقوله شيوخهم تبين أنهم ليسوا على شيء؛ ذلك أن الأصل أن يستعمل في هذا الأمر العظيم والذي هو عند الشيعة أعظم أمور الدين، ومنكره في عداد الكافرين صيغة واضحة جلية، يفهمها الناس بمختلف طبقاتهم، يدركها العامي، كما يدركها العالم، ويفهمها اللاحق، كما يفهمها الحاضر، ويعرفها البدوي، كما يعرفها الحضري، فلما لم يستعمل مثل ذلك في كتاب الله دل على أنه لا نص كما يزعمون، فليست الآية المذكورة وغيرها مما يستدلون به من ألفاظ الاستخلاف المعروفة في لغة العرب، والقرآن نزل بلسان عربي مبين. فأين يذهب الشيعة بعد هذا؟ إما إلى الكفر بالقرآن وهو كفر بالإسلام، وإما ترك الغلو والتطرف والتعصب والرجوع إلى الحق، وهذا هو المطلوب.

هذه أقوى آية يستدلون بها من كتاب الله، ويسمونها آية الولاية، ولهم تعلق بآيات أخرى ذكرها ابن المطهر الحلي، وأجاب عليها شيخ الإسلام ابن تيمية بأجوبة جامعة [وقد قدّم الدكتور علي السالوس في رسالة له بعنوان: "الإمامة عند الجعفرية والأدلة من القرآن العظيم"- عرضًا ومناقشة للآيات القرآنية الكريمة التي يستدل بها الإمامية لقولهم بالإمامة، وانتهى من ذلك إلى أن استدلالاتهم تنبني على روايات متصلة بأسباب النزول، وتأويلات انفردوا بها، ولم يصح شيء من هذا ولا ذاك بما يمكن أن يكون دليلاً يؤيد مذهبهم.]، ومن يراجع كتب التفسير والحديث عندهم يلاحظ أنهم أجروا القرآن في فلك الولاية والأئمة كما مضى نقل صورة من ذلك وهذا برهان عجزهم وفشلهم.

وقد تبين أن القرآن ليس في ظاهره ما يدل على ما يذهبون إليه من النص على عليّ أو بقية الاثني عشر، وأن كل ما يستدلون به من آيات يحاولون أن يصرفوا معناها إلى ما يريدون بمقتضى روايات موضوعة، وتأويلات باطلة.. فهم في الحقيقة لا يستدلون بالقرآن، وإنما يستدلون بالأخبار، فدعواهم أخذ الأدلة من القرآن دعوى لا حقيقة لها.

أدلتم من السنة:

أما السنة المطهرة فقد تعلق الشيعة في إثبات النص من طرق أهل السنة بما ورد في فضائل علي رضي الله عنه -، ويلاحظ أن باب الفضائل مما كثر فيه الكذب، ويقال بأن الشيعة هم الأصل فيه.

يقول ابن أبي الحديد: "الكذب في أحاديث الفضائل جاء من جهة الشيعة" [شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 2/134 (عن السنة ومكانتها في التشريع: ص76).].

ولهذا تجد في كتب الموضوعات الأحاديث الموضوعة في حق علي أكثر من غيره من الخلفاء الأربعة.

والفضائل الواردة في حق علي رضي الله عنه ليست من ألفاظ النصوص والوصايا والاستخلاف، لا في لغة العرب ولا في عرفهم ولا في شريعة الإسلام ولا في عقول العقلاء، إنما هي فضائل أدخلها هؤلاء في الدعاوى. وقد قام ابن حزم بحصر الأحاديث الواردة في فضائل علي فقال: وأما الذي صح من فضائل علي فهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبيّ بعدي" [ونصّ الحديث كما أخرجه البخاري -: "أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى تبوك، واستخلف عليًّا، فقال: أتخلفني في الصّبيان والنّساء؟ فقال: ألا ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه ليس نبيّ بعدي" صحيح البخاري مع الفتح كتاب المغازي، باب غزوة تبوك: 8/12 (ح4416)، ورواه مسلم في فضائل الصّحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب: 2/1870، (ح2404)، والتّرمذي: كتاب المناقب: 5/ 640-641 (ح3730، 3731)، وابن ماجه، المقدّمة: 1/42-43 (ح115)، وأحمد: 1/170، 173، 174، 175، 177، 179، 182، 184، 185، 330، وج‍3 ص32، 338، وج‍6 ص369 و438]. وهذا لا حجة فيه للرافضة [يقول ابن حزم في إثبات ذلك: « وهذا لا يوجب له فضلاً على من سواه ولا استحقاق الإمامة بعده عليه السّلام؛ لأنّ هارون لم يل أمر نبيّ إسرائيل بعد موسى عليه السّلام، وإنّما ولي الأمر بعد موسى عليه السّلام يوشع بن نون، فتى موسى وصاحبه الذي سافر معه في طلب الخضر عليهما السلام، كما ولي الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحبه في الغار الذي سافر معه إلى المدينة.

وإذا لم يكن علي نبيًا كما كان هارون نبيًا، ولا كان هارون خليفة، بعد موت موسى على بني إسرائيل، فصح أن كونه رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنزلة هارون من موسى إنما هو في القرابة فقط.

وأيضًا فإنما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول إذ استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، فقال المنافقون: استقله (كذا في الأصل المحقق من الفصل، ولعلها استثقله) فخلفه، فلحق علي برسول الله صلى الله عليه وسلم فشكى ذلك إليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"، يريد عليه السلام أنه استخلفه على المدينة مختارًا لاستخلافه، ثم قد استخلف عليه السلام قبل تبوك وبعد تبوك على المدينة في أسفاره رجالاً سوى علي رضي الله عنه، فصح أن هذا الاستخلاف لا يوجب لعلي فضلاً على غيره، ولا ولاية الأمر بعده، كما لم يوجب ذلك لغيره من المستخلفين". (الفصل: 4/159-160).

وتشبيه علي بهارون ليس بأعظم من تشبيه أبي بكر بإبراهيم وعيسى، وتشبيه عمر بنوح وموسى (كما روى ذلك الإمام أحمد في مسنده: 1/383 (ح3632)، والحاكم في مستدركه: 3/21-22، وروى الترمذي في كتاب الجهاد طرفًا منه 4/213). فإن هؤلاء الأربعة أفضل من هارون، وكل من أبي بكر وعمر شبه باثنين لا بواحد، فكان هذا التشبيه أعظم من تشبيه علي، مع أن استخلاف علي له فيه أشباه وأمثال من الصحابة، وهذا التشبيه ليس لهذين فيه شبيه، فلم يكن الاستخلاف من الخصائص، ولا التشبيه بنبي في بعض أحواله من الخصائص (المنتقى: ص314-315).

وانظر في إبطال احتجاج الرافضة بهذا الحديث: شرح النووي على صحيح مسلم: 15/174، الإمامة والرد على الرافضة لأبي نعيم ص:221-222، منهاج السنة: 4/87 وما بعدها، المنتقى ص212، 213، 311، 314، فتح الباري: 7/74، المقدسي/ الرد على الرافضة ص201-208، مختصر التحفة الاثني عشرية ص163-164، السالوس/ الإمامة عند الجعفرية في ضوء السنة ص33-34، وغيرها.].

وقوله عليه السلام: "لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله" [أخرجه البخاري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب علي بن أبي طالب: 7/70 (البخاري مع الفتح)، ومسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب: 2/1871-1873.]، وهذه صفة واجبة لكل مسلم وفاضل [أي ليس هذا الوصف من خصائص علي؛ بل غيره يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ولكن فيه الشهادة لعينه بذلك، كما شهد لأعيان العشرة بالجنة، فهو ليس من خصائصه فضلاً عن أن يكون نصًا على إمامته وعصمته. والرافضة الذين يقولون: إن الصحابة ارتدوا بعد موته صلى الله عليه وسلم لا يمكنهم الاستدلال بهذا؛ لأن الخوارج تقول لهم: هو ممن ارتد أيضًا، قال الأشعري: أجمعت الخوارج على كفر علي. (المقالات: 1/167)، وأهل السنة يبطلون قول الخوارج بأدلة كثيرة لكنها مشتركة تدل على إيمان الثلاثة.. (انظر: منهاج السنة: 4/98، 99).].

وعهده عليه السلام: "أن عليًا لا يحبه إلا مؤمن ولا يبغضه إلا منافق" [أخرجه الترمذي، في كتاب المناقب: 5/643 (ح3736). وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.]. وقد صح مثل هذا في الأنصار- رضي الله عنهم أنه لا يبغضهم من يؤمن بالله واليوم الآخر [الحديث أخرجه مسلم بسنده عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر" (كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي رضي الله عنهم من الإيمان وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق: ج‍1 ص86 (ح130)، وهناك أحاديث في الأنصار مطابقة للفظ الوارد في علي رضي الله عنه، منها ما أخرجه الشيخان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق" البخاري مع الفتح كتاب مناقب الأنصار، باب حب الأنصار من الإيمان: 7/113 (ح3783، 3784)، ومسلم، في الموضع السابق (ح129)، والترمذي، كتاب المناقب، باب فضل الأنصار وقريش: 5/712 (ح3900).].

وأمّا "من كنت مولاه فعليّ مولاه" [سيأتي تخريجه، والتعليق عليه.]، فلا يصح من طريق الثقات أصلاً.

"وأما سائر الأحاديث التي تتعلق بها الرافضة فموضوعة، يعرف ذلك من له أدنى علم بالأخبار ونقلتها" [الفصل: 4/224.].

وقد نقل هذا النص عن ابن حزم شيخ الإسلام ابن تيمية وعقب عليه بقوله: « فإن قيل: لم يذكر ابن حزم ما في الصحيحين من قوله: "أنت مني وأنا منك" [راجع: صحيح البخاري مع الفتح كتاب الصلح: 5/303-304 (ح2699)، وكتاب المغازي، باب عمرة القضاء: 7/499 (ح4251).].

وحديث المباهلة [وهو في مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص قال: «... ولما نزلت هذه الآية: {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ} [آل عمران، آية: 61] دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا وفاطمة وحسنًا وحسينًا فقال: "اللهم هؤلاء أهلي" ".

(صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: 2/1871). وهذا "لا دلالة فيه على الإمامة ولا على الأفضلية.. والمباهلة إنما تحصل بالأقربين إليه، وإلا فلو باهلها بالأبعدين في النسب، وإن كانوا أفضل عند الله لم يحصل المقصود" (انظر تفصيل الرد على الروافض في احتجاجهم بهذا الحديث في: منهاج السنة: 4/34-36، المقدسي/ رسالة في الرد على الرافضة ص243-245).] والكساء [وهو في مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداة وعليه مرط (يعني كساء) مرحّل (هو الموشى المنقوش عليه صور رجال الإبل) من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله. ثم جاء الحسين فدخل معه. ثم جاءت فاطمة فأدخلها. ثم جاء علي فأدخله. ثم قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} [الأحزاب، آية:33]. (صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم: 2/1883 (ح2424)، وانظر: في الرد على تعلق الرافضة بهذا الحديث: منهاج السنة: 4/20-25، وانظر: المقدسي، رسالة في الرد على الرافضة ص246، مختصر التحفة: ص155-156).]؟ قيل: مقصود ابن حزم الذي في الصحيح من الحديث الذي لا يذكر فيه إلا علي، وأما تلك ففيها ذكر غيره، فإنه قال لجعفر: "أشبهت خلقي وخلقي". وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا"، وحديث المباهلة والكساء فيهما ذكر علي، وفاطمة، وحسن، وحسين رضي الله عنهم فلا يرد هذا على ابن حزم" [منهاج السنة: 4/86.].

ولكن الرافضة قد توسعوا في هذا الباب، واختلقوا الروايات، وزادوا على النصوص الصحيحة نصوصًا كاذبة.. وقد ذكرت كتب الموضوعات جملة من الروايات التي يستند إليها الروافض [انظر مثلاً: الموضوعات لابن الجوزي: 1/338 وما بعدها.]، قال ابن الجوزي: "فضائله يعني عليًا الصحيحة كثيرة، غير أن الرافضة لم تقنع، فوضعت له ما يضع ولا يرفع" [الموضوعات لابن الجوزي: 1/338.]..

وتجدهم في كتبهم يحتجون بكثير من الروايات التي يعزونها لكتب أهل السنة من باب الخداع والكذب إذ لا وجود لها أصلاً، ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ورأيت كثيرًا من ذلك المعزو الذي عزاه أولئك (يعني بهم شيوخ الروافض الذين اطلع على كتبهم) إلى المسند والصحيحين وغيرهما باطلاً لا حقيقة له" [منهاج السنة: 4/27.].

وقد جمع ابن المطهر الحلي جل ما يحتجون به في هذا الباب، وكشف شيخ الإسلام ما فيها من حق وباطل في "منهاج السنة" [ولا سيما في المجلد الأخير منه، وقد قام د. علي السالوس بجمع كل الأحاديث المتصلة بالإمامة والموجودة في الكتب الستة والموطأ ومسند أحمد ودرسها سندًا ومتنًا، وانتهى إلى أن السنة النبوية لا تؤيد ما ذهب إليه الجعفرية في مسألة الإمامة؛ بل تنقضه بأحاديث صحيحة ثابتة. (انظر: الإمامة عند الجعفرية في ضوء السنة).].

لكن للروافض وسائل خفية ماكرة في طريقتهم في الاحتجاج من كتب أهل السنة، لعل أول من تولى كشفها وشرحها علامة الهند شاه عبد العزيز الدهلوي في كتابه التحفة الاثني عشرية [انظر: التحفة الاثني عشرية، الورقة 44 وما بعدها، ومختصر التحفة الاثني عشرية ص32 وما بعدها.]، وكذلك فعل شيخ العلماء الأعلام فريد دهره ووحيد عصره كما يصفه الألوسي الشيخ محمد الشهير بخواجة نصر الله الهندي المكي في كتابه "الصواعق المحرقة" وقد اختصره الألوسي رحمه الله وسماه "السيوف المشرقة" [انظر: السيوف المشرقة، ومختصر الصواقع المحرقة، الورقة 50 وما بعدها.].

والشيخ السويدي رحمه الله قد ساهم في ذلك في كتابه "نقض عقائد الشيعة" [انظر: نقض عقائد الشيعة، وهو مخطوط غير مرقم الصفحات وبالعد ينظر الورقة 25 وما بعدها.]، وقد أوردت طائفة من هذه الوسائل في رسالتي "فكرة التقريب" [فكرة التقريب: ص52 وما بعدها.] مما لا حاجة لإعادته.

هذا وكما ذكرنا ما يراه الشيعة أنه أقوى أدلتهم من القرآن في إثبات الإمامة بحسب مفهومهم، نذكر أيضًا ما يرونه أقوى أدلتهم من السنة ونبين ما فيه.

عمدة أدلتهم من السنة:

عمدة أدلتهم هو ما يسمونه "حديث الغدير"، وقد بلغ من اهتمام الروافض بأمره أن ألف أحد شيوخهم المعاصرين كتابًا من ستة عشر مجلدًا، يثبت به صحة هذا الحديث وشهرته سماه: "الغدير في الكتاب والسنة والأدب". فهم يرون أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما وصل إلى غدير خم [خمّ: واد بين مكة والمدينة عند الجحفة به غدير، وهذا الوادي موصوف بكثرة الوخامة. (معجم البلدان: 2/389).] بعد منصرفه من حجة الوداع بيَّن للمسلمين أن وصيته وخليفته من بعده علي بن أبي طالب؛ حيث أمره الله عز وجل بذلك في قوله: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: آية: 67.].

وقد أورد شيخهم المجلسي في هذا المعنى (105) من أحاديثهم [بحار الأنوار: 37/108-253.]، وقال: "إنا ومخالفينا قد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام يوم غدير خم وقد جمع المسلمون فقال: أيها الناس، ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقالوا: اللهم بلى، قال صلى الله عليه وسلم: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.." [بحار الأنوار: 37/225.].

وقد أوردت كتب التفسير عندهم هذا الحديث للاحتجاج به على إمامة علي [انظر مثلاً مجمع البيان: 2/152-153، تفسير الصافي: 2/51-71، البرهان: 1/488-491.] عند قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ..} الآية [المائدة، آية: 67.]. وكذلك سائر كتبهم التي تتحدث عن مسألة الإمامة [انظر: ابن المطهر/ كشف المراد: ص395، القزويني/ الشيعة في عقائدهم: ص71، الصادقي/ علي والحاكمون: ص55-76، خليل ياسين/ الإمام علي: ص292، الزنجاني/ عقائد الإمامية الاثني عشرية: 1/90، الأصفهاني/ عقيدة الشيعة في الإمامة: ص55.].

وهم يذكرون هذا الخبر في طليعة الأخبار التي يحتجون بها على أهل السنة. قال شيخهم عبد الله شبر: "ما روى العامة بأسرهم بطرق متواترة وأسانيد متضافرة تنيف على مائة طريق واتفقوا على صحته واعترفوا بوقوعه وهو حديث الغدير، ثم ذكر ملخصه بنحو ما ذكرناه آنفًا" [حق اليقين: 1/153، وقال الصادقي: "إن قصة الغدير لمن أثبت الآثار التي يتناقلها الرواة.." (علي والحاكمون: ص72) وهي "حجة على الحاضر والغائب لئلا يكون للناس حجة بعد هذه الحجة البالغة" (علي والحاكمون: ص73).].

والحديث احتج به ابن المطهر، وأجاب عليه شيخ الإسلام جوابًا شافيًا [انظر: منهاج السنة: 4/9-16، 84-87، المنتقى: ص422-425، 466-468.]، كما ناقش الإمام محمد بن عبد الوهاب شيخهم المفيد في إيراده لهذا الحديث بالصورة التي تراها الشيعة [انظر: رسالة في الرد على الرافضة: ص6-7.]. وتعرض لهذا الحديث معظم أهل السنة الذين ردوا على الروافض [انظر: أبو نعيم/ الإمامة والرد على الرافضة: ص13، المقدسي/ رسالة في الرد على الرافضة: ص221-224، الطفيلي/ المناظرة بين أهل السنة والرافضة: ص15-16، الألوسي/ روح المعاني: 6/192-199.]. ونوجز جواب أهل السنة فيما يلي:

أن الحديث زاد الوضّاعون فيه، ولا يصحّ منه في نظر طائفة من أهل العلم في الحديث إلا قوله: "من كنت مولاه فعليّ مولاه" [محمّد بن عبد الوهاب/ رسالة في الرّد على الرّافضة ص13. والحديث أخرجه ابن ماجه: 1/43. وأخرجه الترمذي بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كنت مولاه فعلي مولاه". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب: 5/633 (ح3713)، وابن ماجه بسنده عن البراء بن عازب قال: "أقبلنا مع رسول الله في حجته التي حج، فنزل في بعض الطرق فأمر الصلاة جامعة". فأخذ بيد علي فقال: "ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟" قالوا: بلى. قال: "ألست أولى بكل مؤمن من نفسه؟". قالوا: بلى. قال: "فهذا ولي من أنا مولاه، اللهم وال من والاه، اللهم عاد من عاداه". ابن ماجه: 1/43، المقدمة (ح116). لكن قال في الزوائد: إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان (أحد رجال سند ابن ماجه)، (الزوائد: ص69). وأخرجه الإمام أحمد 1/84، قال الشيخ أحمد شاكر: الحديث متنه صحيح، ورد عن طرق كثيرة، وطرقه أو أكثرها في مجمع الزوائد (انظر: المسند: 2/56؛ تحقيق شاكر، ومجمع الزوائد: 9/103-109).]، بينما يرى بعض أهل العلم أن الحديث لا يصح منه شيء البتة. قال ابن حزم: "وأما من كنت مولاه فعلي مولاه فلا يصح من طريق الثقات أصلاً » [ابن حزم/ الفصل: 4/224، وانظر: ابن تيمية/ منهاج السنة: 4/86، والذهبي/ المنتقى (مختصر منهاج السنة) ص467.]. ونقل عن البخاري وإبراهيم الحربي وطائفة من أهل العلم بالحديث أنهم طعنوا فيه وضعفوه [منهاج السنة: 4/86.].

قال شيخ الإسلام: "وأما قوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه" فليس هو في الصّحاح، لكن هو ممّا رواه أهل العلم وتنازع النّاس في صحّته [منهاج السنة: 4/86.]. وأمّا قوله: "اللّهمّ وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله" فهو كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث" [منهاج السنة: 4/16.]. ثم بين شيخ الإسلام أن الكذب يعرف من مجرد النظر في متنها، لأن قوله: "اللهم انصر من نصره.." خلاف الواقع التاريخي الثابت [فإنه قاتل معه أقوام يوم "صفين" فما انتصروا، وأقوام لم يقاتلوا فما خذلوا: « كسعد » الذي فتح العراق لم يقاتل معه، وكذلك أصحاب معاوية وبني أمية الذين قاتلوه فتحوا كثيرًا من بلاد الكفار ونصرهم الله. (مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 4/418).] فلا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما قوله: "اللهم وال من والاه وعاد من عاداه" فهو مخالف لأصل الإسلام، فإنّ القرآن قد بيّن أنّ المؤمنين إخوة مع قتالهم وبغي بعضهم على بعض [مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 4/418.].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكره لخلاف أهل العلم في ثبوت قوله: "من كنت مولاه فعلي مولاه"-: إن لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قاله فلا كلام، فإن قاله فلم يرد به قطعًا الخلافة بعده؛ إذ ليس في اللفظ ما يدل عليه، وهذا الأمر العظيم يجب أن يبلغ بلاغًا مبينًا.. والموالاة ضد المعاداة. وهذا حكم ثابت لكل مؤمن [وإنما خص بذلك علي لسبب سيأتي بيانه.]، فعلي رضي الله عنه من المؤمنين الذين يتولون المؤمنين ويتولونه، وفي هذا الحديث إثبات إيمان علي في الباطن، والشهادة له بأنه يستحق الموالاة باطنًا وظاهرًا، ويرد ما يقوله فيه أعداؤه من الخوارج والنواصب، ولكن ليس فيه أنه ليس من المؤمنين مولى غيره، فكيف ورسول الله صلى الله عليه وسلم له موال وهم صالحو المؤمنين [منهاج السنة: 4/86.].

قال الفيروزآبادي صاحب القاموس: "وأما ما يظنه من يظن من الرافضة أن في الآية [وهي قوله سبحانه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ..} انظر: استدلال الروافض بها ونقده ص(678) وما بعدها.] أو في الحديث دلالة على أن عليًا رضي الله عنه هو الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم فمن الجهل المقطوع بخطأ صاحبه؛ فإن الولاية بالفتح هي ضد العداوة، والاسم منها مولى ووليّ، والولاية بكسر الواو هي الإمارة، والاسم منها والي ومتولي.. والموالاة ضد المعاداة وهي من الطرفين كقوله تعالى: {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} [التحريم، آية:4.]، وقال: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ} [محمد، آية:11.]. وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} [التوبة، آية: 71.]" [القضاب المشتهر، الورقة(13).]. والآيات في هذا المعنى كثيرة [انظر: المعجم المفهرس، مادة "ولي".].

ويبدو أن الرافضة وجدوا أن الحديث لا يخدم أغراضهم، فزادوا فيه زيادات فاحشة.

وقد رأى الإمام محمد بن عبد الوهاب في جملة من الزيادات التي زادها الروافض في هذا الحديث ما هو كفر بإجماع المسلمين [انظر: رسالة في الرد على الرافضة ص6 وما بعدها.]، ومن يقرأ زياداتها في ذلك من خلال ما جمعه المجلسي في بحاره يرى من الكفر والضلال ما يستغرق شرحه الصفحات الطوال، ويكفي في الحكم بكذبه مجرد النظر إلى متنه.

ومن المعلوم لغة وعقلاً وعرفًا، فضلاً عن الشرع أن الاستخلاف لا يكون بمثل هذه الألفاظ، لذلك قال الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب كما يروي البيهقي حينما قيل له: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: من كنت مولاه فعلي مولاه؟ فقال: أما والله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كان يعني الإمرة والسلطان والقيام على الناس بعده لأفصح لهم بذلك، كما أفصح لهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وحج البيت، ولقال لهم: إن هذا ولي أمركم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوا فما كان من وراء هذا شيء، فإن أنصح الناس للمسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم [البيهقي/ الاعتقاد: ص182-183، وانظر: تهذيب تاريخ دمشق: 4/169، أبو حامد المقدسي/ رسالة في الرد على الرافضة: ص222-223.].

والمعنى الذي في الحديث يعمّ كلّ مؤمن، ولكن خصّ بذلك عليًّا رضي الله عنه لأنّه قد نقم منه بعض أصحابه، وأكثروا الشّكاية ضدّه حينما أرسله النّبيّ صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قبل خروجه من المدينة لحجّة الوداع [سيرة ابن هشام: 2/603، البداية والنّهاية: 5/104-105.]، ولذلك قال البيهقي: "ليس فيه إن صح إسناده نص على ولاية علي بعده فقد ذكرنا من طرقه في كتاب الفضائل ما دل على مقصود النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، وهو أنه لما بعثه إلى اليمن كثرت الشكاة عنه وأظهروا بغضه، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكر اختصاصه به ومحبته إياه ويحثهم بذلك على محبته وموالاته وترك معاداته فقال: من كنت وليه فعلي وليه، وفي بعض الروايات: من كنت مولاه فعلي مولاه، والمراد به ولاء الإسلام ومودته. وعلى المسلمين أن يوالي بعضهم بعضًا ولا يعادي بعضهم بعضًا" [الاعتقاد: ص181، ونشير في ختام القول عن حديث الغدير إلى الملاحظات التالية:

أولاً: أن قوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [المائدة، آية:67] نزلت قبل حجّة بمدّة طويلة، ويوم الغدير إنّما كان ثمان عشر ذي الحجّة بعد رجوعه من الحجّ، فقولهم بأنّه حينما نزلت عليه هذه الآية خطب خطبة الغدير هو من وضع من لا يعرف كيف يضع.

ثانيًا: أنّ الذي واه مسلم بأنّه بغدير خم قال: "إنّما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربّي فأجيب. وأنا تارك فيكم ثقلين: أوّلهما كتاب الله فيه الهدى والنّور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به" فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه، ثم قال: "وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي.." (صحيح مسلم كتاب فضائل الصّحابة، باب من فضائل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه 2/1883 (ح2408).

قال شيخ الإسلام ابن تيميّة: وهذا ما انفرد به مسلم ولم يروه البخاري، وليس فيه إلا الوصيّة باتّباع كتاب الله، وهذا أمر قد تقدّمت الوصيّة به في حجّة الوداع، وهو لم يأمر باتّباع العترة ولكن قال: "أذكّركم الله في أهل بيتي"، وتذكر الأمة لهم يقتضي أن يذكروا ما تقدم الأمر به قبل ذلك من إعطائهم حقوقهم، والامتناع من ظلمهم، وهذا أمر قد تقدم بيانه قبل غدير خم، فعلم أنه لم يكن في الغدير أمر بشرع نزل لا في حق علي ولا غيره. (منهاج السنة: 4/85).

وقال الفيروزآبادي: إن قوله: "أذكركم الله في أهل بيتي" ليس مما يختص بعلي رضي الله عنه بل هو مشترك بين جميع أهل البيت: آل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل عباس، وأبعد الناس من قبول هذه الوصية هم الرافضة فإنهم يعادون جمهور آل البيت، ويعاونون الكفار على أهل البيت. (القضاب المشتهر، الورقة13).].

وبعد أن عرضنا لأهم دليل عندهم من كتاب الله، وأقوى دليل عندهم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ندع استعراض باقي أدلتهم إلى كتب أهل السنة التي تتبعت شبه الروافض التي يثيرونها من كتب السنة وأتت عليها من القواعد.

ولا شك أن التعرف على هذه الشبه والرد عليها أمر ميسور، إذ يكفي الرجوع إلى منهاج السنة وما ماثله من كتب أهل السنة.. ولكن استعراضها كلها في بحثنا يستوعب المجلدات ولن يأتي بجديد.. ولذلك اقتصرنا على أقوى دليل عندهم من الكتاب والسنة.

وسبب آخر في غاية الأهمية وهو أن هؤلاء الروافض لا يؤمنون أصلاً بما جاء عن طريق أهل السنة ولو كان في غاية الصحة كما سلف لكن هم يثيرون هذه الشبهات ليحققوا بها أمرين فيما أرى -:

الأول: إقناع المتشككين والحائرين من أتباعهم، وذلك بخداعهم أن هذه العقائد متفق عليها بين السنة والشيعة، ولكن أهل السنة يكابرون.

الثاني: إشغال أهل السنة بهذه المسائل والدفاع عنها حتى لا يتمكنوا من الوصول إلى كتب الروافض المعتمدة في الحديث والرجال والتفسير ودراستها بعين بصيرة ناقدة.. وكشف الأمر أمام الأتباع الجهلة.

ولذلك أقول: إن علماء السنة قدموا جهدًا عظيمًا في مواجهة الأمر الأول، أما الثاني فإن عدم توفر كتب الروافض فيما يظهر حال بينهم وبين نقدها، وكشف ما فيها، إلا في العصور المتأخرة، حيث بدأ علماء الهند والباكستان الإسهام في ذلك. والموضوع لا يزال بحاجة إلى مواصلة هذا الطريق وتضافر الجهود، بدراسات علمية موضوعية تبين الحقيقة وتكشف الزيف أمام أولئك المغرورين والمخدوعين.

ونعود الآن إلى مسألة النص في كتب الشيعة بعد أن أشرنا إلى أقوى أدلتهم من طريق السنة.

النص في كتب الشيعة:

أصل قول الرافضة هو دعوى النص [انظر: ابن تيمية/ منهاج السنة: 3/356.].. وقد تنوعت احتجاجاتهم على مسألة النص؛ فهي تارة كتب إلهية تنزل من السماء في النص على علي والأئمة، ولكن هذه الكتب غابت منذ سنة 260ه‍ مع الغائب المنتظر [انظر: ص(586) من هذه الرسالة.].. وهي أخرى نصوص صريحة في القرآن في النص على الاثني عشر، ولكن هذه النصوص اختفت من القرآن بفعل الصحابة [انظر: ص(200) وما بعدها من هذه الرسالة.]، وهي ثالثة نصوص صريحة من الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن الأمة أجمعت على كتمانها، وكان أول من أظهر القول بها كما في رجال الكشي وغيره ابن سبأ [انظر: ص (654) من هذه الرسالة.].

وهي تارة رابعة تأويلات باطنية لآيات القرآن بالأئمة، ولكن لا يعرف هذه التأويلات إلا الأئمة [انظر: ص 133-149 من هذه الرسالة.].

ويدعمون ذلك بدعاوى غريبة في الأئمة من معجزات خارقة، وعصمة مطلقة وكتب موروثة، وعلوم متلقاة عن الوحي السماوي.. وعلامات في الأئمة ينفردون بها دون سائر البشر... إلخ.

وقد تفرد بنقل دعوى النص في بدايتها ابن سبأ، ثم عممت هذه الدعوى على آخرين من آل محمد اختلفت فرق الشيعة في أعدادهم وأعيانهم اختلافًا كبيرًا، وقد تولى كبرها هشام بن الحكم وشيطان الطاق كما يقوله طائفة من أهل العلم، ثم كان استقرار القول باثني عشر إمامًا بعد سنة (260ه‍) على يد ثلة ممن ادعوا واخترعوا فكرة الإمام الغائب، والنيابة عنه والارتزاق باسمه كما سيأتي في مسألة الغيبة.

ورواياتهم في النص على الأئمة قد استحوذت على حيز كبير من كتبهم المعتمدة في الكافي والبحار وكتب التفسير، وعامة كتب شيوخهم كالمفيد وابن بابويه، والطوسي، وابن المطهر وغيرهم.

وما دام قد قام ما يشبه الاتفاق بين كتب السنة والشيعة على أن الذي تولى كبر فرية النص هو ابن سبأ، ونقلت كتب الشيعة أن أحاديث النص كانت موضوع التداول السري بين العناصر المنتسبة للتشيع [كما سلف ص (658).]، ولم تعلن ذلك أمام علماء الإسلام بما فيهم أئمة أهل البيت، وهذا الجو السري مجال واسع للوضع والافتراء.

وقد كانت بداية التدوين من عناصر ليست من الإسلام في شيء لافترائها على كتاب الله كالصفار وإبراهيم القمي والكليني، فما دام الأمر كذلك فهل يثق المسلم بمثل هذه النصوص التي تكاثرت على مر الزمان؟!

وبعض الشيعة الأصوليين قد لا يثقون بكل ما جاء في هذه المدونات، حتى قال جعفر آل كاشف الغطا في كتابه "كشف الغطا" والذي تعتمد عليه الشيعة اليوم، قال: المحمدون الثلاثة كيف يوثق بتحصيل العلم عليهم [مر نقل النص ص368، وهو يعني بالمحمدين الثلاثة أصحاب الكتب الأربعة.].

والكتاب الوحيد الذي تطمئن الشيعة إلى كل كلمة فيه هو كتاب نهج البلاغة مع أنه لم يجمع إلا في القرن الرابع عن أمير المؤمنين في القرن الأول وليس له سند معروف [انظر: ص (389).]. فإذا كان هذا هو عمدة كتبه فما حال الكتب الأخرى؟ ولذلك قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ليس أحد من الإمامية ينقل هذا النص بإسناد متصل فضلاً عن أن يكون متواترًا" [منهاج السنة: 4/210.].

ومع ذلك إذا أردنا أن نحتكم إلى نهج البلاغة نجد فيه ما ينفي دعوى النص ويهدم كل ما زعموه في هذا الباب، أو يثبت التناقض، والتناقض دليل بطلان المذهب.

جاء في نهج البلاغة أن أمير المؤمنين عليًا قال لما أراده الناس على البيعة -: "دعوني والتمسوا غيري فإنّنا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول، وإن تركتموني فإنّي كأحدكم، ولعليّ أسمعكم وأطوعكم لمن وليّتموه أمركم، وأنا لكم وزيرًا خير منّي لكم أميرًا" [نهج البلاغة: ص136. وقال المفيد في الإرشاد: ومما حفظ العلماء من كلام أمير المؤمنين أنه قال: "... أتيتموني فقلتم: بايعنا، فقلت: لا أفعل، فقلتم: بلى، فقلت: لا، وقبضت يدي فبسطتموها، ونازعتكم فجذبتموه كذا وتداككتم عليّ تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها حتى ظننت أنكم قاتلي، وإن بعضكم قاتل بعضًا لدي فبسطت يدي فبايعتموني...". (الإرشاد: ص 130-131 ط: الأعلمي بيروت، وص: 143-144 ط: الحيدرية بالنجف). فهل يقول مثل هذا الكلام من يتطلع للخلافة، ويطوف بفاطمة على بيوت الصحابة يطالب بالبيعة... إلى آخر أساطير الشيعة في هذا الباب؟ وهل يبقى لدعوى النص على الإمامة وكفر من خالفه بعد هذا القول مكان؟! إذ هل يخطر بالبال أن يدعو علي الناس إلى الكفر، ذلك أن من لم يبايع الإمام المنصوص عليه هو كافر في قواميس الشيعة.. وعليّ هنا يرفض البيعة؟!].

وهذا النص يدل على أنه لم يكن منصوصًا عليه بالإمامة من جهة الرسول وإلا لما جاز أن يقول: "دعوني.. إلخ، ولعلّي.. إلخ، وأنا لكم.. إلخ" [محمود شكري الألوسي/ تعليقات على ردود الشيعة (مخطوط).].

فكيف يرفض الإمام المعصوم مبايعته بالإمامة في قوله: "دعوني" مع أن ذلك أهم ركن من أركان الدين؟ وكيف يأمرهم بمبايعة غيره في قوله: "التمسوا غيري" مع أن كتب الشيعة تقول: ثلاثة لا ينظر الله إليهم ولا يكلمهم ولهم عذاب أليم: "من بايع إمامًا ليس من عند الله.."؟!

فهل يأمرهم بالكفر بعد الإيمان.. أو أن دعاوى الشيعة في هذا الباب لا صلة لها بالإمام عليّ، وإنما هي دسيسة حاقد، وصنيعة كافر موتور.. أراد تفرقة الأمة وبث النزاع والخلاف في صفوفها؟

إن ابن المطهر الحلي يقرر بأن من طلب الإقالة فليس بإمام؛ إذ "لو كان إمامًا لم يجز له طلب الإقالة" [ابن المطهر/ منهاج الكرامة: ص195.] فكيف بمن يرد بيعته، ويأمر بمبايعة غيره.. ألا تكون من باب أولى ألا يكون عنده نص بإمامته من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

وهذا المعنى الذي جاء في النهج يتفق مع ما أثبتته القرائن والأحداث التاريخية من أن الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم ما كانوا يتطلعون لمنصب الخلافة، ولا يستشرفونه.. لأن ذلك في نظرهم أمانة عظيمة، وتكليف باهظ.

"وقد اتفق أهل السنة والشيعة على أن عليًا لم يدع إلى مبايعته في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان ولا بايعه على ذلك أحد" [منهاج السنة: 1/225.] ولكن الشيعة تفسر ذلك بتفسير لا يليق بمقام أمير المؤمنين؛ إذ "تعتقد أنه كان يريد ذلك، وتعتقد أنه الإمام المستحق للإمامة دون غيره ولكن كان عاجزًا عنه" [منهاج السنة: 1/225.] فكان يلوذ بالتقية، وتخلى عن أعظم أمر من أمور الدين كما يراها هؤلاء، وهذا ما حدا بطائفة من الشيعة وهي الكاملية إلى تكفيره رضي الله عنه لتخليه عن المطالبة بهذا الأمر، وهذا لأن من وضع هذا الاعتقاد لا يقصد نصرة أمير المؤمنين ومشايعته وإنما يرمي إلى تفرقة الأمة والكيد لها.. ولهذا كانت النتيجة لمقالته الحكم بالضلال على جميع الأمة بما فيهم أمير المؤمنين علي.

ثم قرر أمير المؤمنين كما يذكر صاحب النهج في قوله: "ولعليّ أسمعكم وأطوعكم لِمَن وليّتموه أمركم" بأنه رضي الله عنه سيكون أكثر سمعًا وطاعة لمن ولاه المسلمون واختاروه خليفة.. وهذا ينقض دعوى التّقية في مبايعته لمن سبقه وطاعته لهم رضي الله عنه، إذ إن من يتعامل معهم بالتقية لا يكون كأحد المسلمين المبايعين فضلاً عن أن يكون أكثرهم سمعًا وطاعة.

وقوله: "لمن وليتموه" يقتضي أن أمر الولاية يعود إلى رأي جمهور المسلمين واتفاقهم، لا إلى نص مزعوم، كما لا ينحصر في شخص معلوم.

ثم يدفع أمر مبايعته مرة أخرى وبطريق آخر في قوله: "وأنا لكم وزيرًا خير مني لكم أميرًا" وهذا أيضًا ينفي ما نسبه الروافض إليه رضي الله عنه من التفاخر بالفضائل والتظاهر بالخوارق والمعجزات.. والطعن في الخلفاء السابقين للاحتجاج على أحقيته بالإمامة. لذلك تنسف الوصية من القواعد.

وهو يشير في نص آخر إلى أن قبوله للخلافة لا عن رغبة بها ولا تطلع إليها، ولكنه استجابة لحمل المسلمين له على ذلك، ولم يدّع نصًّا ولا وصيّة فهو يقول: "والله ما كانت لي في الخلافة رغبة ولا في الولاية إربة [الإربة بكسر الهمزة -: الغرض والطّلبة]، ولكنّكم دعوتموني إليها، وحملتوني عليها.." [نهج البلاغة: ص322.].

ويذكر أن ثبوت خلافته تم بمبايعة المهاجرين والأنصار الذين كانت الشورى لهم، وكان إجماعهم هو المعتبر في هذا المقام، ولو كان هؤلاء مرتدين كما تصفهم كتب الشيعة لم يجز اعتبار بيعتهم وإجماعهم، ولو كان ثمة نص لم يحتج إلى بيعتهم وإجماعهم.

يقول أمير المؤمنين كما في النهج -: "إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه (فطرقة بيعته لا تختلف عمّن سبقه) فلم يكن للشّاهد أن يختار ولا للغائب أن يَرُدَّ (وهذا يوحي بأن بيعته لم تكن ثابتة من قبل كما يزعم الإمامية، وإنما بعد ثبوتها بالبيعة لم يكن ثمة مجال للرد حينئذ) وإنّما الشّورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إمامًا كان ذلك رضى (فإجماعهم هو الأصل في الاختيار لا النص)، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين وولاّه ما تولّى". [نهج البلاغة: ص366-367، وقارن ما ذكره المفيد عنه في الإرشاد ص130 ط: الأعلمي بيروت، وص143 ط: الحيدريّة النّجف.].

فهذا نص صريح أيضًا في عدم وجود نص، فالشورى في أمر الإمامة هي للمهاجرين والأنصار، ومن أجمعوا عليه هو الإمام، ومن خرج عن ذلك وجب قتاله لاتباعه غير سبيل المؤمنين، ولو كان هناك نص في الإمام لم يقل علي رضي الله عنه ذلك.

فهذه النصوص من كتاب نهج البلاغة الذي ترى الشيعة أنه من الكلام الذي لا ريب فيه، ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فهو من كلام المعصوم على وجه اليقين عندهم. ولا يشك الشيعة في كلمة منه، وهي تهدم كل ما بنوه من دعاوى حول النص على عليّ والأئمة.

وهذا المعنى المروي عن علي في النهج يتفق مع ما جاء عن طريق أهل السنة عن أمير المؤمنين فيأخذ صفة الإجماع عند الفريقين، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن وكيع عن الأعمش عن سالم بن أبي الجعد عن عبد الله بن سبع قال: سمعت عليًّا يقول: (وذكر أنّه سيقتل) قالوا: فاستخلف علينا، قال: لا، ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: ما تقول لربّك إذا أتيته؟ قال: أقول: "اللّهمّ تركتني فيهما ما بدا لك ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، فإن شئت أصلحتهم، وإن شئت أفسدتهم" [مسند أحمد: 2/242 رقم (1078)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، والحديث في مجمع الزّوائد: 9/137. وقال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله رجال الصّحيح، ورواه البزّار بإسناد حسن.].

وروى الإمام أحمد مثله عن أسود بن عامر بن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عبد الله بن سبع [المسند: 2/340 رقم(1339). قال أحمد شاكر: إسناده صحيح.]. وفي هذا الباب روايات أخرى [انظر: الدارقطني/ السنن الكبرى: 8/149، وراجع: البداية والنهاية: 5/250-251، 7/324-325.].

وقد قال العباس لعلي رضي الله عنهما -: ".. فاذهب بنا إليه (يعني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم) فنسأله فيمن هذا الأمر؟ فإن كان فينا عرفناه وإن كان في غيرنا أمرناه فوصاه بنا.." [صحيح البخاري/ كتاب الاستئذان: 7/136.].

وقد كان هذا كما جاء في بعض الروايات "يوم الاثنين يوم الوفاة، فدل على أنه عليه السلام توفي عن غير وصية في الإمارة" [ابن كثير/ البداية والنهاية: 5/251.].

وقد جاء في صحيح البخاري أنّهم "ذكروا عند عائشة أنّ عليًّا رضي الله عنه وعنها كان وصيًّا فقالت: متى أُوصِيَ إليه؟! وقد كنت مسندته إلى صدري، أو قالت: حجري فدعا بالطّست، فلقد انخنث في حجري فما شعرت أنّه قد مات فمتى أوصى إليه" [صحيح البخاري/ كتاب الوصايا: 3/186، وكتاب المغازي 5/143، ومسلم، كتاب الوصيّة، باب ترك الوصيّة لِمَن ليس له شيء يُوصي فيه: 2/1257 (ح1636)، والنّسائي، كتاب الأحباس، باب هل أوصى النّبيّ صلى الله عليه وسلم: 6/240، وأحمد: 6/32].

وقد صح عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم لم يوص "أخرجه ابن أبي شيبة من طريق أرقم بن شرحبيل عنه" [مصنف ابن أبي شيبة: 11/207 (ح10988)، وقد صححه الحافظ ابن حجر (فتح الباري: 5/361).].

الاستدلال بالأمور المعلومة والمتفق عليها في مسألة النص:

إن لدى أهل السنة أدلة ثابتة صحيحة عندهم في أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم ينص على عليّ بالإمامة.

وما تنسبه الشيعة من نصوص لأهل السنة هي باطلة في أصلها أو في دلالتها، ولا حجة فيها عليهم.

ولدى الشيعة أدلتهم في ثبوت النص سجلوها في كتبهم الخاصة بهم، وأهل السنة لا يؤمنون بها، ويرون أنها وضعت على الأئمة من قبل بعض الروافض.

وما في كتب الشيعة من أدلة تنقض ما ادعوه في هذا الباب كما في نهج البلاغة وغيره يلجؤون في ردها إلى التأويل أو دعوى التقية، فليرجع في الحكم في هذه المسألة التي هي أصل الأصول عند الشيعة إلى الأمور المعلومة والمتواترة والمتفق عليها "نقدر كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية أن الأخبار المتنازع فيها لم توجد أو لم يعلم أيها الصحيح، ونترك الاستدلال بها في الطرفين، ونرجع إلى ما هو معلوم بغير ذلك من التواتر وما يعلم من العقول والعادات وما دلت عليه النصوص المتفق عليها" [قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن أهل العلم يعلمون بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ شيئًا من إمامة علي، ولهم على هذا طرق كثيرة يثبتون بها هذا العلم" (منهاج السنة: 4/14) ويكفي نقل ما ذكره شيخ الإسلام في مواضع متفرقة من المنهاج فهي كنز عظيم.] :

أولاً: لندع جانب الرّوايات المختَلَف فيها ونحتكم إلى كتاب الله سبحانه عن طريق فهمه من خلال اللّغة العربيّة. فالله سبحانه أنزل القرآن بلسان عربي مبين، وقد اتّفق أهل السّنّة والشّيعة على حدود العربيّة، واتّفقوا على ما وضع لمفرداتها من المعاني، ومعنى هذا أنّ اللّغة العربيّة يمكن أن تكون المرجع في الحكومة في هذا الأمر.

فهل نجد في كتاب الله ذِكرًا للأئمّة الاثني عشر بأسمائهم، كما ذكر رسول الهدى صلى الله عليه وسلم باسمه ووصفه؛ لأنّ الإمام عندهم كالنّبي، ومنكر الإمام كمنكر النبي أو أعظم.

وهل نجد لإمامة الاثني عشر ذكرًا صريحًا في كتاب الله كما ذكرت أركان الإسلام صريحة واضحة في مواضع متفرقة من كتاب الله من غير حاجة لمعرفة أصلها إلى تأويل باطني أو روايات موضوعة، والإمامة عندهم أعظم أركان الإسلام؟!

فكيف لا تذكر ولا يشار إليها؟ أليس هذا دليلاً على أنّ مزاعم الإماميّة في هذا الباب لا أصل لها؟ وحينئذ لابد من رفض هذه المزاعم لمناقضتها لكتاب الله.

وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في مناقشته لابن المطهر الحلي إلى هذا المنهج فقال: "فإن تركوا الرواية رأسًا أمكن أن تترك الرواية" [منهاج السنة: 1/32.]، ثم طبق هذا المنهج في الاحتجاج لإبطال دعوى الروافض في الإمامة فقال: "وهب أنا لا نحتج بالحديث فقد قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال، آية: 2-4.]. فشهد لهؤلاء بالإيمان من غير ذكر للإمامة.

وقال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات، آية: 15.] فجعلهم صادقين في الإيمان من غير ذكر الإمامة.

وساق شيخ الإسلام شواهد أخرى من هذا القبيل [انظر: منهاج السنة: 1/33.]، وهي وغيرها تبين أن إمامة الاثني عشر التي تجعلها الاثنا عشرية أصل الدين وأساسه، ليس لها أصل في كتاب الله سبحانه.

ثانيًا: أن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان له أصل لنقل كما نقل أمثاله من حديثه، لاسيما مع كثرة ما ينقل في فضائل علي من الكذب الذي لا أصل له فكيف لا ينقل الحق الذي قد بلغ للناس؟! ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أمته بتبليغ ما سمعوا منه، فلا يجوز عليهم كتمان ما أمرهم الله بتبليغه [منهاج السنة: 4/14.].

ولو كتم الصّحابة مسألة النّصّ عليه لكتموا فضائل علي ومناقبه ولم ينقلوا منها شيئًا، وهذا خلاف الواقع، فَعُلِمَ أنّه لو كان شيء من ذلك لنقل؛ لأنّ "النّصّ على الخلافة واقعة عظيمة، والوقائع العظيمة يجب اشتهارها جدًا، فلو حصلت هذه الشهرة لعرفها المخالف والموافق، وحيث لم يصل خبر هذا النص إلى أحد من الفقهاء والمحدثين علمنا أنه كذب" [الرازي/ أصول الدين: ص137.]، وإنما تفرد بنقله الشيعة "وهم فيه مدعون وفيما نقلوه متهمون لا سيما مع ما ظهر من كذبهم وفسقهم وبدعتهم وسلوكهم طرق الضلالة والبهث بادعاء المحال ومخالفة العقول، وسب أصحاب الرسول" [الآمدي/ غاية المرام: ص377.].

والصحابة رضوان الله عليهم نقلوا إلينا ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله، وأمره ونهيه، وأكله وشربه، وقعوده، ونومه، وسائر أحواله عليه الصلاة والسلام، فكيف يتصور أن ينص النبي صلى الله عليه وسلم على علي بالخلافة ولا ينقل ذلك بحال؟!

قال ابن حزم: "وبرهان ضروري وهو أن رسول الله مات وجمهور الصحابة رضوان الله عليهم، حاشا من كان منهم في النواحي يعلم الناس الدين، فما منهم أحد أشار إلى علي بكلمة يذكر فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص عليه.

ومن المحال الممتنع الذي لا يمكن البتة اتّفاق أكثر من عشرين ألف إنسان متنابذي الهمم والنّيّات والأنساب.. على طيّ عهد عهده رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم، وما وجدنا قطّ رواية عن أحد في النّصّ المدّعى إلا رواية واهية عن مجهولين إلى مجهول يكنّى أبا الحمراء لا يعرف من هو في الخلق [الفصل: 4/161].

ثالثًا: أن الإمامة من المفرضات التي تتعلق بها مصالح الناس كلهم، فإذا قيل فيها: إن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أحد بعينه، والصحابة غيروا وبدلوا، أمكن حينئذ لكل ملحد أن يقول: إن الصلوات الخمس كانت عشرًا وإنما الصحابة كتموها وجعلوها خمسًا بأهوائهم، وهكذا إذا ادعى مدع تغيير ما نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم أمكن ذلك في جميع الفرائض ويتعدى ذلك إلى أن يحصل الثقة بشيء من أمور الدين أصلاً [دفع شبه الخوارج والرافضة: الورقة(15).].

رابعًا: أن قول الروافض بالنص على علي كقول من يزعم النص على العباس، فإن قالوا: ليس النص على العباس بصحيح، قيل: ولا النص على عليّ صحيح، وبإبطالهم النص على العباس يبطل النص على عليّ، لأن الكل لم يرد به نص صحيح صريح، وهناك فرق شيعية كثيرة تنازع الروافض في النص على الكثير ممن تدعي إمامته، حتى ينازعها في إمامها الثاني عشر عشرون فرقة، والكل يزعم بطلان نص الآخر.

والنص في اللغة مأخوذ من المنصة وهي الظاهر على الفرس لظهوره، فأين ظهور النص، ولو كان لذلك أصل لظهر واشتهر ونقل وتداولته الألسنة وشاع بين الخاص والعام، فإن قالوا: فقد نص ولكنهم كتموه، قيل لهم: فقد نص على عمه العباس ولكنهم كتموه، وأيضًا فإذا أمكن أن يكتم مثل هذا ولا يظهر يسوغ لقائل أن يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان له ابن ونص عليه وأن الصحابة حسدوه وقتلوه، وما أشبه هذه الدواعي الفاسدة التي لا يصير إليها عاقل [دفع شبه الخوارج والرافضة: الورقة 14 ب.].

خامسًا: أنا رأينا أبا بكر حيث نص على عمر ما اختلف فيه اثنان، ولا وقع في ذلك خفاء، وكذلك حيث نص عمر على ستة أنفس من قريش ظهر ذلك عنهم ظهورًا لا يسع جحده، لا يمكن رده، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل، ومبادرة الخلق إلى امتثال أمره أكثر، وتشوف النفوس إلى نقل ما صدر عنه أعظم، فمن المحال البين أن ينص أبو بكر على واحد ولا يقع خلاف فيمن استخلفه، ولا أمكن أحد أن يكتمه، وكذلك عمر، بل معاوية حيث نص على يزيد، اشتهر ذلك ونقل عنه اشتهارًا ظاهرًا متواترًا لا نزاع فيه ولا مراء، فكيف نقل نص معاوية، وكتم نص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نقله أحد [دفع شبه الخوارج والرافضة: الورقة 14-15 (مخطوط).]، باعتراف الشيعة الذين يقرون بأن مسألة الولاية وأحاديثها سر من أسرارهم؟!

سادسًا: كيف يقبل المهاجرون والأنصار والمسلمون جميعًا أمر أبي بكر في عمر حين استخلفه، ولم يختلف اثنان على إمامة عمر، ولا يقبلون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في علي، فهل صار المسلمون أطوع لأبي بكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

"كيف يحتمل عقل عاقل، أو يشتبه على بر أو فاجر إلا من أراد الله فتنته أن المهاجرين والأنصار وجميع التابعين لهم بإحسان علموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نص على علي بن أبي طالب، وأمرهم أن يوالوه فعصوه وتركوا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، وأمرهم أبو بكر أن يولوا عمر بن الخطاب فاتبعوه وأطاعوه، وأمرهم عمر بن الخطاب أن يولوا الستة فلم يخالفوه ولم يعصوه" [أبو بكر محمد بن حاتم بن زنجويه/ إمامة أبي بكر الصديق (مخطوط غير مرقم الصفحات).].

وكيف يتصور أن يقوم المسلمون بالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وغيرها من فرائض الإسلام ويتركون فريضة واحدة تحبط عملهم كله وهي بيعة علي، وأي مصلحة لهم في مبايعة أبي بكر وترك مبايعة علي؟ [أبو بكر محمد بن حاتم بن زنجويه/ إمامة أبي بكر الصديق (مخطوط غير مرقم الصفحات).].

سابعًا: لو كان النّصّ على عليّ صحيحًا لم يجز لعليّ رضي الله عنه أن يدخل مع السّتّة الذي نصّ عليهم عمر، وكان يقول: أنا المنصوص عليّ فلا حاجة لي إلى الدّخول فيمن نصّ عليه عمر [دفع شبه الخوارج والرّوافض: الورقة 15، وقد أخرج البخاري في صحيحه قصّة البيعة والاتّفاق على عثمان بن عفّان رضي الله عنه - (انظر: البخاري/ فضائل الأصحاب، باب قصّة البيعة والاتّفاق على عثمان: 4/204 وما بعدها).]، ولم يجز له أن يبايع أبا بكر وعمر وعثمان، ولا يجوز أن يظنّ بعليّ رضي الله عنه أنّه أمسك عن ذكر النّصّ عليه خوف الموت، وهو الأسد شجاعة، وقد عرض نفسه للموت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّات، ثم يوم الجمل، وصفّين، فما الذي جبنه بين هاتين الحالتين؟ [الفصل: 4/162.] وألجأه إلى التّقية.

وإذا كان منصوصًا عليه بالإمامة، ومفوضًا إليه أمر الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قلد أمرًا يجب عليه القيام به، ومدافعة المبطل عنه بكل وجه، وإن أهمل ذلك وتركه من غير سبب، فقد خالف وحاشاه من ذلك، ولو كان مغلوبًا عليه فلا بد أن يجري سبب يوجب عذره من أخذ حقه سيما مع التفويض إليه.

ورأينا عثمان بن عفان وهو أضعف عندكم من علي لم يسلمها إلى غير أهلها، ورضي بحكم الله وقضائه، ولم يضيع ما جعل إليه، ورأينا أبا بكر حيث ارتدت قبائل العرب، ومنعوا الزكاة لم يهمل أمر الأمة ولو أهمله لانهدم الإسلام، فقاتلهم ونصره الله عليهم.. وما كان في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من يسكت عن حق رآه [دفع شبه الخوارج والرافضة: الورقة 16أ.]. فكيف ينسب هؤلاء الروافض إلى أمير المؤمنين علي الرضى بالباطل، والجبن والخوف عن المطالبة بحقه، حتى ارتد الناس كلهم بسبب تأخره عن إعلان حقه والدعوة إليه، ولم يبق منهم إلا النزر اليسير كما يقولون وهو أسد الله وأسد رسوله؟!

بل لم ينقل أنه دعا إلى نفسه، وجادل من أجل بيعته، فضلاً عن القتال، ولو وقع ذلك لاشتهر، وقد وقعت مناسبات مهمة، وأحداث خطيرة توجب إظهار النص كحادثة السقيفة، وحادثة الشورى، فلم يفعل شيئًا من ذلك [قال شيخهم البياضي: إنما عدل عن ذلك النص لوجهين:

أ ـ  لو ذكره فأنكروه حكم بكفرهم حيث أنكروا متواترًا.

ب ـ  أنهم قصدوا في الشورى الأفضل فاحتج عليهم بما يوجب تقديمه (الصراط المستقيم: 1/299). فتأمل جوابه تجد أنه متناقض، حيث زعم أن عليًا تخلى عن إعلان النص خشية إنكاره، فيرتد منكره، مع أنهم يكفرون الصحابة لإنكارهم النص بزعمهم، ثم هي حجة باردة ساقطة لأنها تعني أن أصل الدين وجوهره لا يدعى إليه لئلا ينكر فيكفر منكره.

أما اعتذاره من عدم ذكره للنص في حادثة الشورى، فيكفي إقراره بأنه لم يظه رالنص إذ زعمه بأنه لا موجب لذكر النص لا يتفق مع العقل والمنطق، لاسيما وأن الأمر يتعلق بمنصب الإمامة. وهي أصل الأصول عندهم.]، بل إنه دعا أصحابه إلى بيعته كما تقر الرافضة ولم يدّع نصًا [قال البياضي: "قالوا: طلب علي بيعة أصحابه دليل على عدم نصه. قلنا: الخلافة حقه فله التوصل إليها بما يمكنه" (الصراط المستقيم: 1/299).

وهذا إقرار منهم بأن عليًا حين واتته الخلافة بعد عثمان لم يذكر نصًا لأصحابه، ولو كان ثمة نص لأظهره ولم يحتج الأمر إلى بيعة وانتخاب.

وقوله: "هي حقه فله التوصل إليه بما يمكنه" حجة منقوضة عندهم، لأن القضية تتعلق عندهم بإيمان الناس، أو كفرهم، وهي منصبة كالنبوة أو أعظم وليست حقًا شخصيًا، لكن الروافض يتحدثون في كل مسألة بما يوجب في نظرهم ردها، وينسون ما قرروه من قبل.].

وقد ذكر شيخ الإسلام بأن من الطرق التي نعلم منها بالاضطرار أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ شيئًا من إمامة علي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات وطلب بعض الأنصار أن يكون منهم أمير، ومن المهاجرين أمير [وهذا يقر به الشيعة. انظر: الصراط المستقيم: 1/299.] فأنكروا ذلك عليه وقالوا: الإمارة لا تكون إلا في قريش [أخرجه الإمام أحمد: 3/129، 4/421، وأبو داود الطيالسي ص125 (ح926، 2133)، ورواه الإمام مسلم بلفظ "الناس تبع لقريش" وفي لفظ آخر "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان" (صحيح مسلم، كتاب الإمارة: 2/1451-1452 (ح1818، 1820).].

وروى الصحابة في متفرقة الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الإمامة في قريش، ولم يرو واحد منهم لا في ذلك المجلس ولا غيره ما يدل على إمامة علي، وبايع المسلمون أبا بكر، وكان أكثر بني عبد مناف من بني أمية وبني هاشم وغيرهم لهم ميل قوي إلى علي بن أبي طالب يختارون ولايته، ولم يذكر أحد منهم هذا النص، وهكذا جرى الأمر في عهد عمر وعثمان، وفي عهده أيضًا لما صارت له ولاية لم يذكر هو ولا أحد من أهل بيته ولا من الصحابة المعروفين هذا النص.

ولو كان للنص وجود ما حصل الاختلاف في عهده، إذ لم تتفق الأمة فيه لا عليه ولا على غيره.

وقد جرى تحكيم الحكمين ومعه أكثر الناس فلم يكن في المسلمين من أصحابه فضلاً عن غيرهم من احتج في مثل هذا المقام الذي تتوفر فيه الهمم والدواعي على إظهاره، وقد احتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "تقتل عمارًا الفئة الباغية" [أخرجه البخاري، في كتاب الجهاد والسير، باب مسح الغبار عن الناس: 3/207، ومسلم كتاب الفتن 3/2235 (ح2915)، والترمذي: كتاب المناقب، باب مناقب عمار بن ياسر: 5/669 (ح3800)، وأحمد: 2/161، 164، 206، وج‍3 ص5، 22، 28، 90، وج‍4 ص97، وج‍5 ص214، 306، ج‍6 ص289، 300، 311، 315.]، وهذا الحديث خبر واحد أو اثنين أو ثلاثة ونحوهم، وليس هذا متواترًا، والنص عند القائلين به متواتر، فيا لله العجب كيف ساغ عند الناس احتجاج شيعة علي بذلك الحديث، ولم يحتج أحد منهم بالنص [منهاج السنة: 4/14-15.]؟!

أما دعوى النص على إمامة الاثني عشر، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم نص على ذلك فهي أعظم استحالة، وأوضح بطلانًا، وأظهر كذبًا، فلم ينقله إلا الاثنا عشرية، وسائر فرق الشيعة تكذبها وهم فرقة من نحو سبعين فرقة من طوائف الشيعة.

والنصوص التي ينقلها الاثنا عشرية تعارضها نصوص القائلين بإمامة غير الاثني عشر من فرق الشيعة البالغة الكثرة، فإن كل طائفة تدعي من النص غير ما تدعيه الاثنا عشرية.

وهذه الدعوى لم تظهر إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من مائتين وخمسين سنة، فهو من اختلاق متأخري الشيعة، ومن قبلهم يخالفهم في ذلك.

وأهل السنة وعلماؤهم وهم أضعاف أضعاف الشيعة يعلمون أن هذا كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم علمًا يقينًا لا يخالطه الريب، ويباهلون الشيعة على ذلك.

والمنقول بالنقل المتواتر عن أهل البيت يكذب مثل هذا وأنهم لم يكونوا يدعون أنه منصوص عليهم بل يكذبون من يقول ذلك، فضلاً عن أن يثبتوا النص على اثني عشر [انظر: منهاج السنة: 4/209-210.].

ولو كان الأمر في الإمامة على ما يقول هؤلاء الروافض لَمَا كان الحسن رضي الله عنه في سعة من أن يسلّمها إلى معاوية رضي الله عنه، فيعينه على الضّلال وعلى إبطال الحقّ وهدم الدّين، فيكون شريكه في كلّ مظلمة، ويبطل عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويوافقه على ذلك أخوه الحسين رضي الله عنهما، فما نقض قطّ بيعة معاوية إلى أن مات، فكيف استحلّ الحسن والحسين رضي الله عنهما إبطال عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهما طائعين غير مكرهين؟ مع أنّ الحسن معه أزيد من مائة ألف عنان يموتون دونه.

فتالله لولا أن الحسن رضي الله عنه علم أنه في سعة من إسلامهم إلى معاوية، وفي سعة من أن لا يسلمها لما جمع بين الأمرين، فأمسكها ستة أشهر لنفسه وهي سحقه، وسلمها بعد ذلك لغير ضرورة، وذلك له مباح؛ بل هو الأفضل بلا شك، لأن جده رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خطب بذلك على المنبر وقال: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين" رويناه من طريق البخاري [ابن حزم: الفصل: 4/172-173، والحديث رواه البخاري في كتاب الصلح، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي رضي الله عنهما: "ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين": 3/169، وأبو داود، كتاب السنة، باب ما يدل على ترك الفتنة: 5/48 (ح4662)، الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب الحسن والحسين عليهما السلام: 5/658 (ح3773)، والنسائي، كتاب الجمعة، باب مخاطبة الإمام رعيته وهو على المنبر: 3/107، وأحمد: 5/37-38، 44، 49، 51.].

هذا والبراهين المعلومة الضرورية في هذا الباب كثيرة، ويكفي بعضها لمعرفة الحق لمن تجرد عن الهوى والتعصب.

حكم من أنكر إمامة أحد الاثنى عشر:

الإمامة صنو النبوة أو أعظم، وهي أصل الدين وقاعدته الأساسية عندهم..

لهذا جاء حكم الشيعة الاثني عشرية على من أنكر إمامة واحد من أئمتهم الاثني عشر مكملاً لهذا الغلو، حيث حكموا عليه بالكفر والخلود في النار.

قال ابن بابويه: "واعتقادنا فمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمّة من بعده أنّه بمنزلة من جحد نبوّة الأنبياء".

واعتقادنا فيمن أقر بأمير المؤمنين وأنكر واحدًا من بعده من الأئمة أنه بمنزلة من آمن بجميع الأنبياء ثم أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم [الاعتقادات: ص111، بحار الأنوار: 27/62.].

فهذا النص يقتضي أن الاثني عشرية تكفر كل فرق المسلمين حتى فرق الشيعة التي وجدت على مدار التاريخ، مع أنها تتلقى عنهم دينها، لأن رواتهم من رجالها.

وقال شيخهم الطّوسي: "ودفع الإمامة كفر، كما أنّ دفع النّبوّة كفر، لأنّ الجهل بهما على حدّ واحد" [الطّوسي/ تلخيص الشّافي: 4/131، بحار الأنوار: 8/368.].

وهذا فيما يبدو لم يقنع ابن المطهّر الحلّي فرأى أن إنكار إمامة الاثني عشر أعظم من إنكار النبوة، فقال: "الإمامة لطف عامّ، والنّبوّة لطف خاصّ لإمكان خلو الزّمان من نبيّ حيّ بخلاف الإمام، وإنكار اللّطف العامّ شرّ من إنكار اللّطف الخاصّ" [ابن المطهر الحلي/ الألفين: ص3.].

فهو يجعل من لم يؤمن بأئمتهم أشد كفرًا من اليهود والنصارى، وقد بنى ذلك على أن الزمان لا يخلو من إمام، وهو إشارة إلى عقيدتهم بالإيمان بوجود إمامهم المنتظر الغائب، والذي أنكره طوائف من الشيعة، وقرر المحققون من علماء النسب والتاريخ أنه لم يولد أصلاً كما سيأتي ولكن شيخ الشيعة يرى أن إنكاره أعظم الكفر.

وينقل شيخهم المفيد اتفاقهم على هذا المذهب في تكفير أمة الإسلام فيقول: "اتّفقت الإماميّة على أنّ من أنكر إمامة أحد من الأئمّة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطّاعة فهو كافر ضالّ مُستحقّ للخلود في النّار" [المسائل للمفيد، وقد نقل ذلك عنه المجلسي في البحار: 8/366.].

وبلغ الأمر بشيخهم نعمة الله الجزائري أن يعلن انفصال الشيعة عن المسلمين بسبب قضية الإمامة فيقول: "لم نجتمع معهم على إله ولا نبي ولا على إمام، وذلك أنهم يقولون: إن ربهم هو الذي كان محمد صلى الله عليه وسلم نبيه، وخليفته بعده أبو بكر، ونحن لا نقول بهذا الرب ولا بذلك النبي، بل نقول إن الرب الذي خليفته نبيه أبو بكر ليس ربنا ولا ذلك النبي نبينا" [الأنوار النعمانية: 2/279.].

وبعد هذا التكفير العام، خصصوا باللعن والحكم بالردة جميع فئات المسلمين ما عدا الاثني عشرية فتناول تكفيرهم:

1-           الصحابة رضوان الله عليهم، وعلى رأسهم خير هذه الأمة بعد خاتم الأنبياء أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.

2-           أهل البيت.

3-           خلفاء المسلمين وحكوماتهم.

4-           الأمصار الإسلامية وأهلها.

5-           قضاة المسلمين.

6-           أئمة المسلمين وعلمائهم.

7-           الفرق الإسلامية.

8-           الأمة.

وسأذكر عقيدتهم في هذه الفئات تفصيلاً فيما يلي:

1 ـ  الصحابة رضوان الله عليهم:

كتب الشيعة مليئة باللعن والتفكير لمن رضي الله عنهم ورضوا عنه، من المهاجرين والأنصار، وأهل بدر، وبيعة الرضوان، وسائر الصحابة أجمعين، ولا تستثني منهم إلا النزر اليسير الذي لا يبلغ عدد أصابع اليد، وأصبحت هذه المسألة بعد ظهور كتبهم وانتشارها من الأمور التي لا تحجب بالتقية.

وإ كانت من قبل قد تخفى على بعض أئمة الإسلام. فقد جاء في شرح مسلم للنووي بأن الإمامية يقولون بأن الصحابة مخطئون في تقديم غير علي لا كفار [شرح مسلم للنووي: 15/174.].

ولكن من أهل العلم وأصحاب المقالات من اطلع على هذا الأمر عند الإمامية، قال القاضي عبد الجبار: "وأما الإمامية فقد ذهبت إلى أن الطريق إلى إمامة الاثني عشر النص الجلي، الذي يكفر من أنكره، ويجب تكفيره، فكفروا لذلك صحابة النبي عليه السلام" [شرح الأصول الخمسة: ص761.].

وقريب من هذا المعنى قال عبد القاهر البغدادي [الفرق بين الفرق: ص 321.]، وابن تيمية [منهاج السنة: 4/128.] وغيرهما [انظر: البزدوي/ أصول الدين: ص247-248.].

ولكن العدد الذي تستثنيه الرافضة من حكمها العام بالتكفير لم أجد من أشار إليه بما يتفق مع ما جاء في كتب الاثني عشرية، فيقول عبد القاهر البغدادي: "وأما الإمامية فقد زعم أكثرهم [تلحظ أن عبد القاهر لا يعمم هذا المذهب على الإمامية كلها، وقد أشار الأشعري إلى أنهم اختلفوا في ذلك على فرقتين. (انظر: مقالات الإسلاميين: 1/128-129).] أن الصحابة ارتدت بعد النبي صلى الله عليه وسلم سوى علي وابنيه ومقدار ثلاثة عشر منهم".

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن الرافضة تقول: إن المهاجرين والأنصار كتموا النص، فكفروا إلا نفرًا قليلاً.. إما بضعة عشر أو أكثر، ثم يقولون: إن أبا بكر وعمر ونحوهما مازالا منافقين. وقد يقولون: بل آمنوا ثم كفروا" [مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 3/356.].

وستجد أن العدد الذي تستثنيه الاثني عشرية أقل مما يذكرون.

هذا ما جاء في كتب أهل السنة وغيرهم حول مذهب الشيعة في الصحابة، وسنرى فيما يلي ماذا تقول الشيعة من خلال مصادرها المعتمدة عندها.

تقول كتب الاثني عشرية: إن الصحابة بسبب توليتهم لأبي بكر قد ارتدوا إلا ثلاثة، وتزيد بعض رواياتهم ثلاثة أو أربعة آخرين رجعوا إلى إمامة علي، ليصبح المجموع سبعة، ولا يزيدون على ذلك.

ولقد تداولت الشيعة أنباء هذه "الأسطورة" في المعتمد من كتبها، فسجلوا ذلك في أول كتاب ظهر لهم وهو كتاب سليم بن قيس [انظر: كتاب سليم بن قيس: ص74-75.]، ثم تتابعت كتبهم في تقرير ذلك وإشاعته وعلى رأسها الكافي [الكليني/ الكافي: 2/244.] أوثق كتبهم الأربعة، ورجال الكشي [رجال الكشي: ص6، 7، 8، 9، 11.] عمدتهم في كتب الرجال، وغيرها من مصادرهم كتفسير العياشي [تفسير العياشي: 1/199.]، والبرهان [هاشم البحران/ البرهان: 1/319.]، والصافي [محسن الكاشاني/ الصافي: 1/389.]، وتفسير نور الثقلين [الحويزيني/ نور الثقلين: 1/396.]، والاختصاص [المفيد/ الاختصاص: ص4-5.]، والسرائر [ابن إدريس/ السرائر: ص468.]، وبحار الأنوار [بحار الأنوار: 22/345، 351، 352، 440.].

وليست هذه مجرد آراء لبعض شيوخهم، ولكنها روايات عن معصوميهم تحمل صفة "العصمة" والقدسية عندهم.

أما السب لذلك الجيل القرآن الفريد، على ألسنة شيوخهم فهو قد سود معظم كتبهم.

ولو ذهبت أسرد للقارئ ما رأيت من هذا الغثاء لبلغ مجلدات، وسأكتفي بذكر بعض النصوص التي فيها التصريح بالتكفير؛ إذ هو يكشف ويغني عما دونه من سب وطعن.

روى ثقتهم الكليني في الكافي: "عن حمران بن أعين قال: قلت لأبي جعفر عليه السّلام: جعلت فداك، ما أقلنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها؟ فقال: ألا أحدّثك بأعجب من ذلك، المهاجرون والأنصار ذهبوا إلا وأشار بيده ثلاثة" [علّق هنا شيخهم المعاصر "علي أكبر الغفاري" فقال: "يعني أشار عليه السّلام بثلاث من أصابع يده. والمراد بالثّلاثة سلمان وأبو ذرّ والمقداد". (الكافي: 2/244 الهامش). فانظر كيف لم تمح هذه المعاني الخرافيّة من عقول هؤلاء الشّيوخ على مرّ السّنين.. وسيأتي مزيد بيان في باب الشّيعة المعاصرين.] [أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر، باب قلّة عدد المؤمنين: 2/244، وانظر: رجال الكشّي: ص7، بحار الأنوار: 22/345.].

فالتكفير كما ترى يتناول أفضل صحابة رسول الله وهم المهاجرون والأنصار، ويبين أن الشيعة في عصر أبي جعفر لا يرون أحدًا من المسلمين على الإسلام إلا قلة شاذة تقول برأيهم، وهي لا تشكل بالنسبة إلى مجموع المسلمين شيئًا، حتى إنها لو اجتمعت على أكل شاة لما أتت عليها، وقد شكوا ذلك إلى إمامهم، فقال لهم معزيًا بأن الشيعة الأوائل كانوا لا يتجاوزون الثلاثة والباقي في حكم المرتدين.

وهذا النص قد يبين أن الرافضة إلى عهد أبي جعفر محمد الباقر، كانوا قلة شاذة بالنسبة للمسلمين، وأن دعوتهم لم تجد القبول، ولم تحظ بالانتشار، وكانت تعيش في سراديب التقية والكتمان، ويعزي رؤساؤها أتباعهم بما يفترونه على أهل البيت من أمثال هذه المفتريات.

ولم تكشف رواية الكافي أسماء الثلاثة الذين سلموا من الردة، حيث قالوا بمذهب الرافضة، لكن مذهب الرفض لم يظهر أصله إلا بعد مقتل عثمان، فهؤلاء ليسوا بصحابة، ولا يبعد أن يكون هؤلاء من السبئيين الذين بدأ النشاط الرافضي على أكتافهم، ولا يستبعد أن هؤلاء السبئيين يتخذون أسماء "مستعارة" وقد تكون أسماء صحابة لهم مكانتهم.

وهذا ما جاء في رجال الكشي ".. عن حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان الناس أهل الردة بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة، فقلت: ومن الثلاثة؟ فقال: المقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، ثم عرف الناس بعد يسير، وقال: هؤلاء الذين دارت عليهم الرحا وأبوا أن يبايعوا لأبي بكر حتى جاءوا بأمير المؤمنين مكرهًا فبايع" [رجال الكشي: ص6، الكافي، كتاب الروضة: 12/321-322 (مع شرح جامع للمازندراني).].

فهذا النص بالإضافة إلى تكفيره لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد يشير إلى الخلية الأولى لمذهب الرفض وأنها تتقنع بهذه الأسماء المستعارة. وحتى هؤلاء الثلاثة الذين تستثنيهم أخبار الشيعة، لم يسلموا من شك في "معرفة" الإمام التي هي أصل الإيمان باستثناء واحد منهم، ولذلك حينما قال أبو جعفر: ارتد الناس إلا ثلاثة، أردف قائلاً: « إن أردت الذي لم يشك، ولم يدخله شيء فالمقداد.

فأما سلمان فإنه عرض في قلبه عارض أن عند أمير المؤمنين عليه السلام اسم الله الأعظم لو تكلم به لأخذتهم الأرض، وهو هكذا، فلبب [لببه: جمع ثيابه عند نحره في الخصومة ثم جره (رجال الكشي الهامش- ص11).] ووجئت [وجأ يوجأ: ضربه باليد والسكين (رجال الكشي الهامش- ص11).] عنقه حتى تركت كالسلقة [في نسخة أخرى "كالسلعة". والسلعة: خراج كهيئة الغدة. (المصباح: ص337).]، فمر به أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: يا أبا عبد الله، هذا من ذاك، بايع، فبايع.

وأما أبو ذر فأمر أمير المؤمنين عليه السلام بالسكوت، ولم يأخذه في الله لومة لائم، فأبى إلا أن يتكلم فمر به عثمان فأمر به" [رجال الكشي: ص11، بحار الأنوار: 22/440.] كذا -.

وهؤلاء الثلاثة الذين نجوا من الردة، لم يسلموا أيضًا من قدح الشيعة وعيبهم، فتذكر أخبارهم بأن العلاقة بين هؤلاء الثلاثة طيبة في الظاهر، ولكن لو علم كل واحد منهم بما في قلب الآخر لقتله، أو ترحم على قاتله؛ لأن كلاً منهم أجنبي في باطنه واعتقاده عن صاحبه، ففي رجال الكشي "قال أمير المؤمنين: يا أبا ذر، إن سلمان لو حدثك بما يعلم لقلت: رحم الله قاتل سلمان" [رجال الكشي: ص15.].

وعن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا سلمان، لو عرض علمك على مقداد لكفر، يا مقداد لو عرض علمك على سلمان لكفر [رجال الكشي: ص11.].

ولذلك فإن التعامل قائم بينهم (وهم خلص الشيعة في زعم الروافض) على أساس التقية والكتمان، "فعن جعفر عن أبيه رضي الله عنه قال: ذكرت التقية يومًا عند علي عليه السلام فقال: إن عَلِمَ أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، وقد آخر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما فما ظنك بساير الخلق" [رجال الكشي: ص17.].

وهذه النصوص تنطبق على أهل البدعة والكفر؛ لأنك {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} ويبرأ منها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. لكن هذه النصوص يؤخذ منها تكفير الشيعة لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يؤخذ منها أيضًا الصورة غير المنظورة في الظاهر لأهل الرفض؛ حيث قتلهم وتناكر قلوبهم، وإضمار السوء لبعضهم، واعتقادهم بأنه ليس على الإيمان سواهم، وهذه خصائص الرعيل الأول عندهم فما ظنك بسائرهم؟

وتقول نصوص الشيعة: إن هؤلاء الثلاثة قد لحق بهم أربعة آخرون، ليصل عدد المؤمنين (أو قل: الروافض) في عصر الصحابة إلى سبعة، ولكنهم لم يتجاوزوا هذا العدد.

وهذا ما تتحدث عنه أخبارهم حيث تقول: "عن الحارث بن المغيرة النصري، قال: سمعت عبد الملك بن أعين يسأل أبا عبد الله رضي الله عنه فلم يزل يسأله حتى قال له: فهلك الناس إذًا [أي: بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ومبايعة الناس لأبي بكر (في منظور الروافض).]؟ فقال: إي والله يا ابن أعين هلك الناس أجمعون، قلت: من في الشرق ومن في الغرب؟ قال: فقال: إنها فتحت على الضلال إي والله هلكوا إلا ثلاثة. ثم لحق أبو ساسان [قال شيخهم الأردبيلي: أبو ساسان اسمه الحصين بن المنذر، وقد يقال: أبو سنان، ثم ساق الرواية المذكورة عن الكشي (جامع الرواة: 2/387). وقد ذكر ابن حجر بأنه يسمى "حضين" - بالضاد المعجمة مصغرًا ابن المنذر بن الحارث الرقاشي، وقال: كان من أمراء علي بصفين، وهو ثقة، مات على رأس المائة (تقريب التهذيب: 1/185).]، وعمار [يعني: عمار بن ياسر.]، وشتيرة [قال الأردبيلي: "شتيرة" من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، ثم ساق رواية الكشي مرة أخرى. (جامع الرواة: 1/398).]، وأبو عمرة [قال الأردبيلي: أبو عمرة الأنصاري اسمه ثعلبة بن عمرو، من الأصفياء من أصحاب أمير المؤمنين (جامع الرواة: 2/408). قال ابن عبد البر: أبو عمرة الأنصاري اختلف في اسمه؛ فقيل: عمرو بن محصن، وقيل: ثعلبة بن عمرو بن محصن، وقيل: بشير بن عمرو بن محصن بن عتيك. قال ابن عبد البر: وهو الصواب إن شاء الله، قتل بصفين وهو يقاتل مع علي رضي الله عنهما.

(الاستيعاب: 4/133-134، وانظر: الإصابة: 4/441، أسد الغابة: 5/263).] وصاروا سبعة" [رجال الكشي: ص7.].

وتؤكد جملة من نصوصهم على أن العدد لم يزد على ذلك. قال أبو جعفر: "وكانوا سبعة، فلم يكن يعرف حق أمير المؤمنين عليه السلام إلا هؤلاء السبعة" [رجال الكشي: ص11-12.].

وكان أبو عبد الله يقسم على ذلك فيقول: "فوالله ما وفى بها إلا سبعة نفر" [المفيد/ الاختصاص: ص63، الحميري/ قرب الإسناد: ص38، بحار الأنوار: 22/322.].

وتتفاوت أخبارهم وتختلف في تعيين بعض هؤلاء السبعة [قارن مثلاً بين ما جاء في الرواية التي عند الكشي والطوسي في تعيين السبعة كما سقتها، وبين ما جاء في قرب الإسناد للحميري وفيه: "فوالله ما وفى بها إلا سبعة نفر: سلمان، وأبو ذر، وعمار، والمقداد بن الأسود الكندي، وجابر بن عبد الله الأنصاري، ومولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يقال له الثبيت، وزيد بن أرقم" (قرب الإسناد: ص38، بحار الأنوار: 22/322).]، فيما يبدو أنه اختلاف بين الفرق الشيعية في تعيين آحادهم، وكل يضع من جهته، أو لأن من طبيعة الكذب الاختلاف والتناقض.

وإن كان يحتمل كما قلت أن الرافضة تكفر الصحابة كلهم، وأن هؤلاء السبعة رموز على "الخلية الأولى للرفض" لأن صفاتهم، وعلاقاتهم، ومذهبهم ليست من الصحابة في شيء.

والرافضة تؤول أحيانًا [لأن تأويلها في غالب نصوصهم بالأئمة.] آيات الإيمان والثناء على الصحابة بهذا العدد اليسير الذي تستثنيه من الأصل العام في التكفير، ففي تفسير القمي في قوله سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [الأنفال، آية:2-4.]. قال: "فإنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام، وأبي ذر وسلمان والمقداد" [تفسير القمي: 1/255، بحار الأنوار: 22/322.].

وفاتهم أن الشيعة إنما تثني على هؤلاء الثلاثة، وتدخلهم في عداد المؤمنين، لا لهذه الأوصاف المذكورة في الآية ولكن لأنهم آمنوا بإمامة علي، وكفروا بإمامة أبي بكر، وهذا الأصل الذي تزن به الشيعة من خالفها ليس له ذكر في هذه الآية التي جعلوها نصًا في إيمان الثلاثة، وكذلك الشأن في آيات القرآن كلها فهي رد عليهم لا حجة لهم.

وجعلوا آيات الكفر والكافرين والشرك والمشركين في سائر الصحابة أجمعين، كما نجد ذلك في عدد من أبواب الكافي وبحار الأنوار [انظر في الكافي: باب فيه نكت ونتف من التنزيل في الولاية: 1/412-436، وفيه (92) رواية، وراجع ما مر حول ذلك ص158 وما بعدها.].

ومع هذا الحكم العام في التكفير لأصحاب محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وأنصاره وأحبابه، وأصفيائه، فإنهم يخصون، كبار الصحابة رضوان الله عليهم بمزيد من الطعن والتكفير، ولهم في ذلك أقوال ونصوص تقشعر من سماعها جلود المؤمنين.

فهم يخصون الخلفاء الثلاثة أبا بكر وعمر وعثمان، وزراء رسول الله وأصهاره بالنصيب الأوفى من التكفير، وقد عقد شيخهم المجلسي في كتابه البحار الذي عده بعض شيوخهم المعاصرين المرجع الوحيد في تحقيق معارف المذهب [البهبودي/ مقدمة البحار، ج صفر ص19.] - بابًا بعنوان "باب كفر الثّلاثة ونفاقهم وفضائح أعمالهم" [بحار الأنوار: 8/208-252 من الطّبعة الحجريّة.]. وعقد شيخهم الآخر البحراني عدة أبواب في هذا الموضوع منها: "الباب 97: اللّذان تقدّما على أمير المؤمنين عليهما مثل ذنوب أمّة محمّد إلى يوم القيامة [المعالم الزّلفى: ص324.]. والباب 98 أن إبليس أرفع مكانًا في النار من عمر، وأن إبليس شرف عليه في النار » [المعالم الزلفى: ص325.].

وجاءت رواياتهم مغرقة في هذا الكفر تضرب في كل اتجاه فيه، فهي مرة لا تكفر الشيخين فحسب؛ بل ترى أن من أعظم الكفر الحكم بإسلامهما حتى روى صاحب الكافي: "ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: من ادّعى إمامة من الله ليست له [هذا نصّ في تكفير كلّ خلفاء المسلمين إلى أن تقوم السّاعة!]، ومن جحد إمامًا من الله [هذا تكفير لكلّ من لا يؤمن بأئمّتهم الاثني عشر من جميع المسلمين الأوّلين والآخرين!.]، ومن زعم أنّ لهما في الإسلام نصيبًا" [أصول الكافي: 1/373، 374، النّعماني/ الغيبة: ص70، تفسير العيّاشي: 1/178، بحار الأنوار: 25/111.]، وحينًا تنعتهم بأنّهم الجبت والطّاغوت [أصول الكافي: 1/429.]، وتارة تصبّ عليهم اللّعنات ولا سيّما في أدعية الزّيارات [من لا يحضره الفقيه: 2/354.]، و"أذكار" ما بعد الصّلوات حيث يستبدلونها باللّعن على الشّيخين وسائر المسلمين [مستدرك الوسائل: 10/342.].

وقد نقل بعض من كتب عن الشيعة في هذا العصر شيئًا من سوآت الشيعة وعواتها في تكفير صديق الأمة وفاروقها [كما في كتابات الشيخ موسى جار الله في الوشيعة، وإحسان إلهي ظهير في "السنة والشيعة" وغيرهما.]، ولكن الذي يمكن أن أضيفه هنا، أن ما كتبه شيوخ الشّيعة في ظل الدّولة الصّفويّة كان فيه التّكفير لأفضل أصحاب محمّد صلى الله عليه وسلم صريحًا ومكشوفًا، وما كتبه أوائل الشّيعة في عصر الكليني وما بعده كان بلغة الرّمز والإشارة، وقد كشف أقنعة هذه الرموز شيوخ الشيعة المتأخرون حينما ارتفعت التقية إلى حد ما وظهرت الاثنا عشرية على حقيقتها.

فمن مصطلحاتهم الخاصة: تسمية الشيخين بالفصيل ورمع، وذلك لأنهم لا يجرؤون على التصريح بالاسم في إبان قوة دولة الإسلام.

جاء في تفسير العيّاشي: ".. قلت (الراوي يقول لإمامهم) : ومن أعداء الله أصلحك الله؟ قال: الأوثان الأربعة، قال: قلت: من هم؟ قال: أبو الفصيل، ورمع، ونعثل، ومعاوية، ومن دان دينهم، فمن عادى هؤلاء فقد عادى أعداء الله" [تفسير العيّاشي: 2/116، بحار الأنوار: 27/58.].

قال شيخهم المجلسي في بيانه لهذه المصطلحات: "أبو الفصيل أبو بكر؛ لأنّ الفصيل والبكر متقاربان في المعنى، ورمع مقلوب عمر، ونعثل هو عثمان" [بحار الأنوار: 27/58.].

وعند قوله سبحانه: {لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ} [الحجر، آية: 44.] روى العياشي عن أبي بصير عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: "يؤتى بجهنم لها سبعة أبواب، بابها الأول للظالم وهو زريق، وبابها الثاني لحبتر، والباب الثالث للثالث، والرابع لمعاوية، والباب الخامس لعبد الملك، والباب السادس لعسكر بن هوسر، والباب السابع لأبي سلامة، فهم أبواب لمن اتبعهم" [تفسير العياشي: 2/243، البرهان: 2/345.].

قال المجلسي في تفسير هذا النص: "زريق كناية عن الأول؛ لأن العرب تتشام بزرقة العين، والحبتر هو الثعلب، ولعله إنما كنى عنه لحيلته ومكره، وفي غيره من الأخبار وقع بالعكس وهو أظهر؛ إذ الحبتر بالأول أنسب ويمكن أن يكون هنا أيضًا المراد ذلك، إنما قدم الثاني لأنه أشقى وأفظ وأغلظ، وعسكر بن هوسر كناية عن بعض خلفاء بني أمية أو بني العباس، وكذا أبي سلامة كناية عن أبي جعفر الدوانيقي، ويحتمل أن يكون عسكر كناية عن عائشة وساير أهل الجمل؛ إذ كان اسم جمل عائشة عسكرًا وروي أنه كان شيطانًا" [البحار: 4/378، 8/220.].

كما يردّ في كثير من نصوصهم الإشارة إلى هذين العظيمين بلقب "فلان وفلان"، كما في روايتهم التي تقول: عن أبي عبد الله في قوله: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البقرة، آية: 168، 208، الأنعام، آية: 142.] قال: وخطوات الشّيطان والله ولاية فلان وفلان [تفسير العياشي: 1/102، البرهان: 1/208، تفسير الصّافي: 1/242.].

وفي قوله سبحانه: {..أَوْ كَظُلُمَاتٍ} قالوا: فلان وفلان {فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ} يعني نعثل {مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ} طلحة والزبير {ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ} [النور، آية: 40.] معاوية.. [تفسير القمي: 2/106، بحار الأنوار: 23/304-305.].

قال المجلسي: المراد بفلان وفلان أبو بكر وعمر، ونعثل هو عثمان [بحار الأنوار: 23/306.].

ومن مصطلحاتهم أيضًا للرمز للشيخين ما جاء في تأويلهم سورة الليل وفيها {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا} هو قيام القائم {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا} حبتر ودلام غشيًا عليه الحق [كنز الفوائد: ص389-390، بحار الأنوار: 24/72-73.].

قال شيخ الدولة الصفوية في زمنه (المجلسي): حبتر ودلام: أبو بكر وعمر [بحار الأنوار: 24/73.].

وتجد بعض النصوص التي فيها الرمز للشيخين في كتب أوائلهم، ولكن حينما ينقلها عنهم بعض شيوخ الدولة الصفوية يستبدل الرمز بالاسم الصريح [انظر: تفسير القمي: 1/301، حيث رمز للشيخين بفلان وفلان، ولكن حينما ينقل شيخهم الكاشاني هذا النص يصرح بالاسمين. (تفسير الصافي: 2/359).].

كما تطاولوا بالسب والتكفير، وعلى سبيل التعيين على كثير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويختارون منهم أعيانهم وخيارهم، فكما طعنوا وكفروا الخلفاء الثلاثة، فكذلك يفعلون في آخرين من فضلاء الصحابة وعظمائهم كعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة بن الجراح، وسالم مولى أبي حذيفة، جاء في تفسير القمي والصافي: "عن الصادق: لما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غدير خم كان بحذائه سبعة نفر من المنافقين وهم: أبو بكر، وعمر [هكذا في تفسير الصافي، أما في تفسير القمي فقال: "وهم: الأول والثاني.. إلخ".]، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وأبو عبيدة، وسالم مولى أبي حذيفة، والمغيرة بن شعبة. قال عمر [هكذا في تفسير الصافي، وفي تفسير القمي "قال الثاني".] : أما ترون عينه كأنما عين مجنون يعني النبي، الساعة يقوم ويقول: قال لي ربي [لا يخفى على عاقل أن واضع هذا القول قد رام الطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه وفي نبوته بادئ ذي بدء، لأنه يريد أن يقال: إذا كان كبار صحابته لم يؤمنوا به، وهم الذين عاصروه وتلقوا عنه، وشاهدوا معجزاته.. فغيرهم أحق، كذلك يريد أن يقال: رجل سوء له أصحاب سوء، كما كشف عن هذا الهدف بعض السلف، كما يريدون الطعن في الإسلام ذاته بطريقة ماكرة خفية على الأغرار والدهماء وهو الطعن في الناقل لإبطال المنقول.] فلما قام قال: أيها الناس من أولى بكم من أنفسكم؟ قالوا: الله ورسوله. قال: اللهم فاشهد، ثم قال: ألا من كنت مولاه فعلي مولاه، وسلموا عليه بإمرة أمير المؤمنين فنزل جبرائيل وأعلم رسول الله [هكذا في الأصل المنقول منه بدون ذكر للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولاحظ: الرسول يعلمه جبريل، وأئمتهم يعلمون ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم شيء، كما بوب عليه صاحب الكافي. (أصول الكافي: 1/260).] بمقالة القوم فدعاهم وسألهم فأنكروا وحلفوا فأنزل الله: {يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ}" [تفسير القمي: 1/301، تفسير الصافي: 2/359.].

ومثل هؤلاء أيضًا يتناولون آخرين من فضلاء الصحابة ونقلة الشريعة كأبي هريرة [انظر: بحار الأنوار: 22/242، الخصال: 1/190. وقد ألف الرافضي المعاصر عبد الحسين الموسوي كتابًا في أبي هريرة رضي الله عنه انتهى فيه إلى القول بأنه كان منافقًا كافرًا (انظر: الموسوي/ أبو هريرة) وانظر في الرد على افتراءاته: محمد عجاج الخطيب، أبو هريرة راوية الإسلام ص201 وما بعدها، عبد المنعم العزي/ دفاع عن أبي هريرة، عبد الرحمن الزرعي/ أبو هريرة وأقلام الحاقدين.]، وأنس بن مالك [انظر: رجال الكشي: ص45.]، والبراء بن عازب [رجال الكشي: ص45.]، وطلحة والزبير بن العوام [وقالوا فهيما: "كانا إمامين من أئمة الكفر" انظر: تفسير العياشي: 2/77-78، البرهان: 2/107، تفسير الصافي: 2/324.] وغيرهم.

أما كلام شيوخهم في هؤلاء العظماء فقد سود الصفحات، فإنه لا يخلو مصنف من مصنفاتهم في مسألة الإمامة ونحوها إلا وفيه من التكفير والسب واللعن ما لا يخطر ببال مسلم، لأنهم لا يرونهم على الإسلام أصلاً، وفضلاً عن ذلك فإنهم يرونهم من ألد أعدائهم، ومن الظالمين لهم، لأنهم بايعوا أباب بكر وعمر وعثمان وكانوا في عهدهم على كلمة سواء، وكانوا بنعمة الله إخوانًا فأقاموا دولة الإسلام، وفتحوا البلاد ونشروا الإسلام بين العباد، وأطفأوا نار المجوسية، وحطموا طاغوت الوثنية، وأخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد وخالقهم، فأوغروا بذلك صدور الزنادقة الحاقدين من أصحاب تلك البلاد المفتوحة، وأتباع تلك الديانات الموضوعة، فكان من كيدهم الدخول لإفساد أمر هذه الأمة من طريق التشيع، وكان من الطبيعي أن تكون مسألة الإمامة هي هدفهم، وشغلهم الشاغل، فكان من أمرهم ما كان، ثم أصبح كيدهم وخلاصة مكرهم عقيدة لهؤلاء الشيع كفروا بها الحاكم والمحكوم.

قال ابن بابويه في الاعتقادات: "فمن ادعى الإمامة وليس بإمام فهو الظالم الملعون، ومن وضع الإمامة في غير أهلها فهو ظالم ملعون" [الاعتقادات: ص112-113، بحار الأنوار: 27/62.].

فهذا تكفير للحاكم والمحكوم في مختلف العصور (ما عدا حكم علي والحسن) وحينما سئل شيخهم المفيد الملقب عندهم بركن الإسلام وآية الله الملك العلام عما ورد عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه قال: لا أوتى برجل يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري. فأجاب: عليه من الله ما يستحق "إن الوجه فيه أن المفاضل بينه وبين الرجلين إنما وجب عليه حد المفتري، لأن المفاضلة لا تكون إلا بين متقاربين في الفضل، وكان الرجلان بجحدهما النص قد خرجا عن الإيمان بطل أن يكون لهما فضل في الإسلام فكيف يحصل لهما من الفضل ما يقارب فضل أمير المؤمنين؟ ومتى فضل إنسان أمير المؤمنين عليهما فقد افترى بالتفضيل لأمير المؤمنين عليهما، من حيث كذب في إثبات فضل لهم في الدين، وجرى في هذا الباب مجرى من فضل المسلم البر التقي على الكافر المرتد، ومجرى من فضل جبرائيل على إبليس، ورسوله الله على أبي جهل بن هشام" [العيون والمحاسن: 2/122-123.].

فانظر كيف عدّ أفضل الأمة بعد نبيها بمنزلة إبليس وأبي جهل. وهذا موضع إجماع طائفته حيث يقول: "فقد حصل الإجماع على كفره (يعني عمر) بعد إظهاره الإيمان" [العيون والمحاسن: 1/9.].

وقال شيخهم المجلسي: "وممّا عدّ من ضروريّات دين الإماميّة [انظر كيف يستخدم كلمة "دين" وكأنّه يلوح بأنّ ما عليه الإماميّة دين مستقلّ بذاته، منفصل عن دين الإسلام، ولا ريب أنّ ما سطّره المجلس في بحاره وعقائده هو في الغالب دين آخر لا يمتّ لدين الإسلام بصلة.] استحلال المتعة، وحجّ التّمتّع، والبراءة من أبي بكر وعمر وعثمان ومعاوية" [الاعتقادات للمجلسي: ص 90-91.].

ومن لم يبرأ من أبي بكر وعمر وعثمان فهو عدو وإن أحب عليًا [انظر: وسائل الشيعة: 5/389.].

ولذلك يتعبّدون الله سبحانه بعد كلّ صلاة بلعن الخلفاء الثّلاثة وغيرهم من فضلاء الصّحابة، وبعض أمّهات المؤمنين رضوان الله عليهم أجمعين. وعقد لذلك الحرّ العاملي بابًا بعنوان: "باب استحباب لعن أعداء الدّين عقيب الصّلاة بأسمائهم"، وذكر فيه ما روى الكليني عن ابن ثوير والسّراج قالا: سمعنا أبا عبد الله رضي الله عنه وهو يلعن في دبر كلّ مكتوبة أربعة من الرّجال وأربعًا من النّساء، فلانًا وفلانًا وفلانًا (الخلفاء الثّلاثة) ويسمّيهم ومعاوية، وفلانة وفلانة (عائشة، وحفصة رضي الله عنهما) وهندًا وأمّ الحكم أخت معاوية [فروع الكافي: 1/95، الطّوسي/ التّهذيب: 1/227، وسائل الشّيعة: 4/1037.].

وفي مستدرك الوسائل لشيخهم النّوري الطّبرسي عقد بابًا بعنوان: "باب استحباب لعن أعداء الدّين عُقيب الصّلاة بأسمائهم" [مستدرك الوسائل: 1/342.]. وساق فيه جملة من رواياتهم ومنها: "عن أبي عبد الله أنّه قال: إنّ من حقّنا على أوليائنا وأشياعنا أن لا ينصرف الرّجل فيهم حتى يدعو بهذا الدّعاء: اللّهمّ.. ضاعف لعنتك وبأسك ونكالك وعذابك على اللّذين كفرا نعمتك، وخوّفا رسولك.. وحلا عقده في وصيه، ونبذا عهده في خليفته من بعده، وادعيا مقامه، وغيّرا أحكامه، وبدّلا سنّته، وقلبا دينه، وصغّرا قدر حجّتك وحججك، وبدءا بظلمهم، وطرقا طريق الغدر عليهم، والخلاف عن أمرهم، والقتل لهم.. ومنعا خليفتك من سدّ الثّلم، وتقويم العوج، وإمضاء الأحكام، وإظهار دين الإسلام، وإقامة حدود القرآن، اللّهمّ العنهما، وابنتيهما، وكلّ من مال ميلهم، وحذا حذوهم، وسلك طريقتهم وتصدّر ببدعتهم لعنًا لا يخطر على البال، ويستعيذ منه أهل النّار، العن اللّهمّ من دان بقولهم، واتّبع أمرهم، ودعا إلى ولايتهم، وشكّ في كفرهم من الأوّلين والآخرين" [مستدرك الوسائل: 1/342.].

فانظر كيف لعنوا في هذه "الكلمات المظلمة" المسلمين جميعًا من الأوّلين والآخرين، وخصّوا بمزيد من اللّعن والتّكفير من أقاما دولة الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونشرا دين الله في العالمين، وعدوهما وجميع من ابتعهما (أي جميع المسلمين) من أعداء الدين، فأي دين يعتقده هؤلاء الذين يعدون صحابة رسول الله ومن اتبعهم بإحسان هم أعداء للدين؟ فليكن أي دين ونحلة إلا دين الإسلام، إن هذه "اللعنات" تؤكد أن واضعها من أتباع تلك الديانات التي قضى عليها الإسلام بقيادة أبي بكر وعمر وإخوانهما رضوان الله عليهم جميعًا.

وفي مزاراتهم يجري أيضًا بواسطة الأدعية التي وضعها لأولئك الأتباع زنادقة العصور البائدة - غرس الأحقاد وبثّ الضّغائن، وتأجيج العداوة في لعنات متتالية ومتتابعة على خير القرون، ففي زيارة فاطمة مثلاً يلعنون أبا بكر وبقيّة الصّحابة رضوان الله عليهم في دعاء يقولون فيه: "السّلام عليك يا فاطمة يا سيّدة نساء العالمين، لعن الله مانعك إرثك، ودافعك عن حقّك، والرّادّ عليك قولك، لعن الله أشياعهم وأتباعهم وألحقهم بدرك الجحيم" [بحار الأنوار: 100/197، باب زيارة فاطمة، وانظر: ص198 رقم16، وانظر: ص200 من الجزء نفسه.].

وتلاحظ أن واضع هذا الدعاء يقصد فيه لعن صديق هذه الأمة ثم يلحق فيه كل من شايعه، فيدخل فيهم أمير المؤمنين علي، لأنه من شيعة أبي بكر وأعوانه ووزرائه. ولا تخفى هذه الحقيقة على واضع هذا الدعاء، ولكنه عدو للجميع ويتستر بالتشيع لأن العقل الشيعي في غيبوبة بفعل العواطف المشحونة زورًا بظلم آل البيت وقهرهم وضياع حقهم، وصراعهم مع أعدائهم وهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد حشدوا في ذلك ركامًا هائلاً من الأساطير لا تبقى في قلب من يؤمن بها إلا الحقد، والتعطش لسفك الدماء، والرغبة في الانتقام [انظر بعض أخبار هذا الصراع المزعوم، في إثبات الوصية الذي ينسبونه للمسعودي صاحب مروج الذهب ص122 وما بعدها.].. وواقعهم يشهد بذلك.

مثالب الصحابة (المزعومة):

ومع اللعن والتكفير لخير القرون، فإن الشيعة ملأت الصفحات فيما يسمونه بمثالب الصحابة ومعايبهم [انظر: ابن المطهر الحلي/ منهاج الكرامة: ص132.]، وانشغل بعض أهل السنة في الرد عليهم [وقد أجاب شيخ الإسلام عما يثيره الروافض في هذا الباب بجواب مفصل (انظر: منهاج السنة 3/19 وما بعدها) وبجواب مجمل ملخصه ما يلي: أن المثالب التي تنقل عن الصحابة نوعان:

أحدهما: ما هو كذب، إما كذب كله، وإما محرف قد دخله من الزيادة والنقصان ما يخرجه إلى الذم والطع، وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب، يرويها الكذابون المعروفون بالكذب مثل أبي مخنف لوط بن يحيى، وهشام بن السائب الكلبي، وأمثالهما من الكذابين الذين شهد الأئمة بكذبهم، وسقوط أخبارهم.

النوع الثاني: ما هو صدق، وأكثر هذه الأمور لهم فيها معاذير تخرجها من أن تكون ذنوبًا، وتجعلها من موارد الاجتهاد التي إن أصاب المجتهد فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وعامة المنقول الثابت عن الخلفاء الراشدين من هذا الباب.

وما قدّر من هذه الأمور ذنبًا محققًا، فإن ذلك لا يقدح فيما علم من فضائلهم وسوابقهم وكونهم من أهل الجنة، لأن الذنب المحقق يرتفع عقابه في الآخرة بأسباب متعددة، منها: التوبة، ومنها الحسنات الماحية للذنوب؛ فإن الحسنات يذهبن السيئات، ومنها المصائب المكفرة.. (منهاج السنة: 3/19).]، والحقيقة المهمة في هذا الموضوع أن إثارة الشيعة لهذه القضايا هو في حقيقة أمره تستر على السبب الحقيقي من موقفهم من الصحابة، ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم لو كانوا في عصمة من كل خطأ، وفي حرز من كل ذنب، لما رضي عنهم الإمامية، لأن ذنب الصحابة عند هؤلاء هو بيعتهم لأبي بكر دون علي، وكل ذنب يغتفر إلا هذا الأمر، كما أن من جاء بقراب الأرض خطايا ومعه "جواز الولاية" فقد نجا.

وقد تنبه إلى هذه الحقيقة المهمة القاضية عبد الجبار فقال: "وكثيرًا تسأل الإمامية عما كان من عثمان في تولية أقاربه وغير ذلك، وفي سير طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، وما ذاك إلا لضعفهم وانقطاعهم؛ لأن عثمان لو لم يول أقاربه ولم يصنع ما صنع لكان كافرًا مشركًا عندهم بادعائه الإمامة لنفسه ولأبي بكر وعمر، ولو كان طلحة والزبير وعائشة في عسكر أمير المؤمنين وفي المحاربين معه ما كانوا إلا مشركين باعتقادهم إمامة أبي بكر وعمر وعثمان، فمن يكلم الإمامية في إثارتهم لهذه المسائل كمن يكلم اليهود في وجوب النية في الطهارة، أو يكلم النصارى في استحلالهم الخمر، وإنما يكلم في هذا من قال: لا ذنب لعثمان إلا ما أتاه من الحمى، وتولية الأقارب، ولولا ذلك لكان مثل عمر، ومن قال: لا ذنب لطلحة والزبير وعائشة إلا مسيرهم إلى البصرة، ولولا ذلك لكانوا مثل أبي عبيدة وعبد الرحمن وابن مسعود.

فاعرف هذا ولا تكلمهم فيه البتة، وكلمهم فيما يدعونه من النص فهو الأصل" [تثبيت دلائل النبوة: 1/294.].

 2 ـ  تكفيرهم أهل البيت:

هذه الرّوايات التي تحكم بالرّدة على ذلك المجتمع المثالي الفريد، ولا تستثني منهم جميعًا إلا سبعة في أكثر تقديراتها، لا تذكر من ضمن هؤلاء السّبعة أحدًا من أهل بيت رسول الله باستثناء بعض روايات عندهم جاء فيها استثناء علي فقط، وهي رواية الفضيل بن يسار عن أبي جعفر قال: صار الناس كلهم أهل جاهلية إلا أربعة: علي، والمقداد، وسلمان، وأبو ذر. فقلت: فعمار؟ فقال: إن كنت تريد الذين لم يدخلهم شيء فهؤلاء الثلاثة [تفسير العياشي: 1/199، البرهان: 1/319، تفسير الصافي: 1/389.].

فالحكم بالرّدّة في هذه النّصوص شامل للصّحابة وأهل البيت النّبويّ من زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرابته، مع أن واضعها يزعم التشيع لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل هذا إلا دليل واضح على أن التشيع إنما هو ستار لتنفيد أغراض خبيثة ضد الإسلام وأهله، وأن واضعي هذه الروايات أعداء للصحابة وللقرابة؟

ولا يستعبد كما سبق أن تلك الأسماء التي تستثنى هي «أسماء مستعارة» للزنادقة الذين يشكلون الخلية الأولى "للرفض"، ولا يعني بهم الصحابة، وإلا لماذا لم يذكر أحد معهم من أهل البيت؟ ولماذا هؤلاء الصحابة الذين يستثنون ما ظهر منهم منابذة ومناوأة للخليفتين الراشدين بل ظهر منهم الحب والمؤازرة؟!

لقد حكموا بالردة في نصوصهم التي مر ذكرها، على الحسن والحسين وآل عقيل وآل جعفر، وآل العباس، وزوجات رسول الله أمهات المؤمنين.

بل إن الشيعة خصت بالطعن والتكفير جملة من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كعم النبي العباس، حتى قالوا بأنه نزل فيه قوله سبحانه: {وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً} [رجال الكشي: ص53، والآية (72) من سورة الإسراء.].

وكابنه عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن، فقد جاء في الكافي ما يتضمن تكفيره، وأنه جاهل سخيف العقل [أصول الكافي: 1/247.]. وفي رجال الكشي: "اللهم العن ابني فلان واعم أبصارهما، كما عميت قلوبهما.. واجعل عمى أبصارهم دليلاً على عمى قلوبهما" [رجال الكشي: ص53.].

وعلق على هذا شيخهم حسن المصطفوي فقال: "هما عبد الله بن عباس وعبيد الله بن عباس" [رجال الكشي: ص53 (الهامش).].

وبنات النبي صلى الله عليه وسلم يشملهن سخط الشيعة وحنقهم، فلا يذكرن فيمن استثنى من التكفير، بل ونفى بعضهم أن يكن بنات للنبي صلى الله عليه وسلم - ما عدا فاطمة [انظر: جعفر النجفي/ كشف الغطاء: ص5، حسن الأمين/ دائرة المعارف الإسلامية، الشيعة: 1/27.] فهل يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يقول فيه وفي بناته هذا القول؟!

وقد نص صاحب الكافي في رواياته على أن كل من لم يؤمن بالاثني عشر فهو كافر، وإن كان علويًا فاطميًا [انظر: الكافي، باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل، ومن جحد الأئمة أو بعضهم، ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل: 1/372-374.]، وهذا يشمل في الحقيقة التكفير لجيل الصحابة ومن بعدهم بما فيهم الآل والأصحاب؛ لأنهم لم يعرفوا فكرة "الاثني عشر" التي لم توجد إلا بعد سنة (260ه‍).

كما باءوا بتفكير أمهات المؤمنين أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ إذ لم يستثنوا واحدة منهن في نصوصهم.. ولكنهم يخصون منهن عائشة [انظر: أصول الكافي: 1/300، رجال الكشي: ص57-60، بحار الأنوار: 53/90.] وحفصة [انظر: بحار الأنوار: 22/246.]- رضي الله عنهن جميعًا بالذم واللعن والتكفير.

وقد عقد شيخهم المجلسي بابًا بعنوان "باب أحوال عائشة وحفصة" ذكر فيه (17) رواية [بحار الأنوار: 22/227-247.]، وأحال في بقية الروايات إلى أبواب أخرى [حيث قال: "قد مر بعض أحوال عائشة في باب تزويج خديجة، وفي باب أحوال أولاده صلى الله عليه وسلم في قصص مارية وأنها قذفتها فنزلت فيها آيات الإفك (انظر كيف يقلبون الحقائق) وسيأتي أكثر أحوالها في قصة الجمل" (بحار الأنوار: 22/245).]، وقد آذوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل بيته أبلغ الإيذاء.

حتى اتهموا في أخبارهم من برأها الله من سبع سماوات؛ عائشة الصديقة بنت الصديق بالفاحشة، فقد جاء في أصل أصول التفاسير عندهم (تفسير القمي) هذا القذف الشنيع [ونص ذلك: "قال علي بن إبراهيم في قوله: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا} [التّحريم، آية:11] ثم ضرب الله فيهما (يعني عائشة وحفصة زوجتي رسول الله مثلاً فقال: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا} [التّحريم، آية10] قال: والله ما عنى بقوله {فَخَانَتَاهُمَا} إلا الفاحشة، وليقيمنّ الحدّ على فلانة فيما أتت في طريق البصرة، وكان فلان يحبّها، فلمّا أرادت أن تخرج إلى البصرة قال لها فلان: لا يحلّ لك أن تخرجين كذا من غير محرم فزوّجت نفسها من فلان..

هذا نصّ القمّي كما نقله عنه المجلسي في بحار الأنوار: 22/240، أمّا تفسير القمّي فقد جاء فيه النّصّ، إلا أنّ المصحّح حذف اسم البصرة الذي ورد مرّتين ووضع مكانه نقط (انظر: تفسير القمّي 2/377).

والنص فيه عدم التصريح بالأسماء، فقوله: "ليقيمن الحد" من الذي يقيم؟ وقوله: "فلان، وفلانة" من هما؟ لكن شيخ الشيعة المجلسي كشف هذه التّقية وحلّ رموزها وذلك لأنه يعيش في ظل الدولة الصفوية فقال: قوله: وليقيمنّ الحدّ أي القائم عليه السّلام في الرّجعة كما سيأتي (وقد نقلت ذلك عن المجلسي في فصل الغيبة، وصرّح بالاسم وأنّها عائشة أمّ المؤمنين، إلا أنه قال بأنه بسبب ما قالته في مارية، فلم يجرؤ أن يصرح مع ذكر الاسم بما صرح به هنا من القذف الصريح) والمراد بفلان طلحة (بحار الأنوار: 22/241).

هذا النص كما ترى قد جاء في تفسير القمي الذي يوثقه شيوخهم المعاصرون، ولم يتعقبه المصحح والمعلق على تفسير القمي بشيء، فهو عار يلف السابقين والمعاصرين من شيوخهم، إلا أن المعلق على البحار عقب على النص المذكور بالدفاع عن شيخهم القمي لا الدفاع عن عائشة أم المؤمنين، وأم المؤمنين لا تحتاج إلى شهادة أحد بعد شهادة الله لها.. ولكن نذكر ذلك لبيان عظيم جرمهم.] المتضمن تكذيب القرآن العظيم، قال ابن كثير في تفسير سورة النور: "أجمع أهل العلم رحمهم الله قاطبة على أن من سبها ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في الآية فإنه كافر، لأنه معاند للقرآن" [تفسير ابن كثير: 3/289-290، وانظر: الصارم المسلول لابن تيمية ص571.].

وقال القرطبي: "فكل من سبها مما برأها الله منه مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر" [تفسير القرطبي: 12/206.].

هذا وظاهرة التكفير عند الشيعة لا تخص جيل الصحابة، وإن كان الصحابة ينالهم النصيب الأوفى من السب والتكفير باعتبار أنهم حملة الشريعة، ونقلة الكتاب والسنة، والمبلغون عن رسول الله دين الله، ولذلك صار "الطعن فيهم طعن في الدين" [ابن تيمية/ منهاج السنة: 1/5.]. وكان هذا هو هدف الزنادقة من وراء الحملة الضارية عليهم، ولكن سلسلة التكفير عند الشيعة مستمرة.

فكما قالت كتب الشيعة: إن الناس ارتدوا بعد وفاة الرسول إلا ثلاثة، قالت أيضًا: "ارتد الناس بعد قتل الحسين إلا ثلاثة: أبو خالد الكابلي، ويحيى أم الطويل، وجبير بن مطعم" [رجال الكشي: ص123، أصول الكافي: 2/380.].

فأنت ترى أن هذا النص لا يستثني أحدًا من أهل البيت ولا الحسن بن علي الذي تعده الاثنا عشرية إمامها، ويبدو أنها لا تستثنيه لأنها عليه ساخطة لقيامه بمصالحة معاوية حتى خاطبه بعض الشيعة بقوله: "يا مذل المؤمنين" [انظر: رجال الكشي: ص111.]، ووثب عليه أهل عسكره فانتهبوا فسطاطه، وأخذوا متاعه، وطعنه ابن بشير الأسدي في خاصرته فردوه جريحًا إلى المدائن [انظر: المصدر السابق: ص113.].

3 ـ  تكفيرهم خلفاء المسلمين وحكوماتهم:

في دين الاثني عشرية أن كل حكومة غير حكومة الاثني عشر باطلة، وصاحبها ظالم وطاغوت يعبد من دون الله، ومن يبايعه فإنما يعبد غير الله.

وقد أثبت الكليني هذا المعنى في عدة أبواب مثل: باب من ادعى الإمامة وليس لها بأهل، ومن جحد الأئمة أو بعضهم، ومن أثبت الإمامة لمن ليس لها بأهل، وذكر فيه اثني عشر حديثًا عن أئمتهم [الكافي: 1/372-374.]، وباب فيمن دان الله عز وجل بغير إمام من الله جل جلاله، وفيه خمسة أحاديث [الكافي: 1/374-376.].

وفي البحار "باب عقاب من ادعى الإمامة بغير حق أو رفع راية جور، أو أطاع إمامًا جائرًا" [بحار الأنوار: 25/110 وما بعدها.].

وكل خلفاء المسلمين ما عدا عليًا والحسن طواغيت حسب اعتقادهم وإن كانوا يدعون إلى الحق، ويحسنون لأهل البيت، ويقيمون دين الله، ذلك أنهم يقولون: "كل راية ترفع قبل راية القائم [هو: مهديهم المنتظر.] رضي الله عنه صاحبها طاغوت" [الكافي: بشرحه للمازندراني: 12/371، بحار الأنوار: 25/113.]. قال شارح الكافي: "وإن كان رافعها يدعو إلى الحق" [المازندراني/ شرح جامع: 12/371.]، وحكم المجلسي على هذه الرواية بالصحة [مرآة العقول: 4/378.] حسب مقاييسهم.

أما من قبل سنة (260ه‍) فيقول شيخهم المجلسي عن الخلفاء الراشدين: "إنهم لم يكونوا إلا غاصبين جائرين مرتدين عن الدين، لعنة الله عليهم وعلى من اتبعهم في ظلم أهل البيت من الأولين والآخرين" [بحار الأنوار: 4/385.].

4 ـ  الحكم على الأمصار الإسلامية بأنها دار كفر:

جاء في أخبارهم تخصيص كثير من بلاد المسلمين بالسب، وتفكير أهلها على وجه التعيين، ويخصون منها غالبًا ما كان أكثر التزامًا بالإسلام واتباعًا للسنة، فقد صرحوا بكفر أهالي مكة والمدينة في القرون المفضلة، ففي عصر جعفر الصادق كانوا يقولون عن أهل مكة والمدينة: "أهل الشّام شرّ من أهل الرّوم (يعني شرّ من النّصارى)، وأهل المدينة شرّ من أهل مكّة، وأهل مكّة يكفرون بالله جهرة" [أصول الكافي: 2/409.].

"وعن أبي بصير، عن أحدهما عليهما السلام قال: إن أهل مكة ليكفرون بالله جهرة، وإن أهل المدينة أخبث من أهل مكة، أخبث منهم سبعين ضعفًا" [أصول الكافي: 2/410.].

ومن المعلوم أن أهل المدينة كانوا ولا سيما في القرون المفضلة يتأسون بأثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من سائر الأمصار، ولهذا لم يذهب أحد من علماء المسلمين إلى أن إجماع أهل مدينة من المدائن حجة يجب اتباعها غير المدينة [اشتهر عن مالك وأصحابه، أن إجماع أهلها حجة، وإن كان بقية الأئمة ينازعونهم في ذلك، والمراد إجماعهم في تلك الأعصار، المفضلة، أما بعد ذلك فقد اتفق الناس على أن إجماعهم ليس بحجة (مجموع فتاوى شيخ الإسلام: 20/300).].

وقد ظل أهل المدينة متمسكين بمذهبهم القديم، منتسبين إلى مذهب مالك إلى أوائل المائة السادسة أو قبل ذلك أو بعد ذلك، فإنهم قدم إليهم من رافضة المشرق من أفسد مذهب كثير منهم [انظر: الفتاوى: 20/299-300.].

وهذا الالتزام بالإسلام قد أغاظ هؤلاء الزنادقة، فعبروا عن حقدهم بهذه الكلمات، والتاريخ يعيد نفسه، ففي هذا العصر خطب خطيبهم وقال: بأن مكة يحكمها شرذمة أشرَّ من اليهود [وسيأتي ذكر ذلك بنصه في فصل «دولة الآيات» من الباب الرابع ص1174.].

وقد كشف شيخهم المعاصر والذي علق على نصوص الكافي عن وجه هذه الكلمات، وأبان عن فحوى هذه النصوص فقال: "لعل هذا الكلام في زمن بني أمية وأتباعهم، كانوا منافقين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر، والمنافقون شر من الكفار وهم في الدرك الأسفل من النار.. ويحتمل أن يكون هذا مبنيًا على أن المخالفين غير المستضعفين مطلقًا شر من سائر الكفار كما يظهر من كثير من الأخبار" [علي أكبر الغفاري/ أصول الكافي: 2/409-410 (الهامش).].

فهو يرى أن هذا التكفير حق، ويخرج الحكم عليهم بأنهم شر من الكفار بأحد أمرين: إما باتباعهم للأمويين أي: بمقتضى مبايعتهم لخلفاء المسلمين من الأمويين، وهذا نفاق أكبر عندهم، أو لأن المخالف شر من الكافر.. وبهذا التخريج الأخير يشمل التفكير ديار المسلمين في كل الأزمان.

وقالوا أيضًا عن مصر وأهلها: "أبناء مصر لعنوا على لسان داود عليه السّلام، فجعل الله منهم القردة والخنازير" [بحار الأنوار: 60/208، تفسير القمّي: ص596 ط: إيران.] "وما غضب الله على بني إسرائيل إلا أدخلهم مصر، ولا رضي عنهم إلا أخرجهم منها إلى غيرها" [بحار الأنوار: 60/ 208-209، قرب الإسناد: ص 220، تفسير العياشي: 1/304، البرهان: 1/456.].

"بئس البلاد مصر! أما إنها سجن من سخط الله عليه من بني إسرائيل" [تفسير العياشي: 1/305، بحار الأنوار:60/210، البرهان: 1/457.].

"انتحوا مصر لا تطلبوا المكث فيها ( لأنه ) يورث الدياثة" [بحار الأنوار: 60/211.].

وجاءت عندهم عدة روايات في ذم مصر، وهجاء أهلها، والتحذير من سكناها، ونسبوا هذه الروايات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى محمد الباقر، وإلى علي الرضا، وهذا رأي الروافض في مصر في تلك العصور الإسلامية الزاهرة، وقد عقب المجلسي على هذه النصوص بقوله بأن مصر صارت من شر البلاد في تلك الأزمنة، لأن أهلها صاروا من أشقى الناس وأكفرهم [انظر: بحار الأنوار: 5/208.].

كل ذلك لأنها لم تأخذ بنهج الروافض، ويحتمل أن هذه الروايات قبل أو بعد الحقبة الإسماعيلية من تاريخ مصر، لأن من يشاركهم في رفضهم.. ويقيم دولة تسمح بكفرهم لا ينالون منه بمثل هذا.

ولا يبعد أن هذه النصوص هي تعبير عن حقد الرافضة وغيظهم على مصر وأهلها بسبب سقوط دولة إخوانهم الإسماعيليين على يد القائد العظيم صلاح الدين الذي طهر أرض الكنانة من دنسهم ورجسهم.

وأين هذه الكلمات المظلمة في حق مصر وأهلها من الباب الذي عقده مسلم في صحيحه "باب وصية النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مصر" [صحيح مسلم: 2/2970.].

وجاء عندهم ذم كثير من بلدان الإسلام وأهلها [انظر: الخصال: ص506-507، بحار الأنوار: 60/206 وما بعدها.]. ولم يستثن من ديار المسلمين إلا من يقول بمذهبهم وهي قليلة في تلك الأزمان، حتى جاء عندهم "إن الله عرض ولايتنا على أهل الأمصار فلم يقبلها إلا أهل الكوفة" [بحار الأنوار: 60/209، وعزاه إلى بصائر الدرجات.].

 5 ـ  قضاة المسلمين:

تعد أخبارهم قضاة المسلمين طواغيت لارتباطهم بالإمامة الباطلة بزعمهم، فقد جاء في الكافي عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة أيحل ذلك؟ قال: من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتًا، وإن كان حقًا ثابتًا له؛ لأنه أخذ بحكم الطاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به. قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} [النساء، آية: 60.] [أصول الكافي: 1/67.].

فأنت ترى أنهم اعتبروا قضاة المسلمين وحكامهم طواغيت، واعتبروا أحكامهم باطلة، ومن يأخذ حقه بواسطتها فإنما يأكل الحرام، وهذا الحكم يعم قضاة المسلمين على مدى القرون وتعاقب الأجيال، وهذه الرواية تحكم على القضاء والقضاة في عصر جعفر الصادق، كما يظهر من إسنادهم للرواية إلى جعفر، فإذا كان هذا نظرهم في قضاة المسلمين في القرون المفضلة فما بالك فيمن بعدهم.

ويبدو أنهم يريدون قضاة يحكمون بحكايات الرقاع، وبالجفر والجامعة، ومصحف فاطمة، وحكم آل داود، ولا يسألون البينة، كما جاء ذلك في أخبارهم [انظر: "فصل السنة، ومبحث الإيمان بالكتب، وفصل الغيبة".] لا في حكم الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فهم الذين تتناولهم الآية التي استدلوا بها، لأنها نزلت في بعض المنافقين الذين فضلوا حكم الطاغوت على حكم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم [انظر: تفسير الطبري: 8/507 وما بعدها (من الأجزاء المحققة)، تفسير البغوي: 1/446.]. وهؤلاء الروافض من جنس أولئك المنافقين.

وهذه النظرة لم يتغير منها شيء في نفوس شيوخهم في هذا العصر؛ فها هو الخميني يعقب على حديثهم هذا فيقول مؤكدًا معناه -: "الإمام عليه السلام نفسه ينهى عن الرجوع إلى السلاطين وقضاتهم ويعتبر الرجوع إليهم رجوعًا إلى الطاغوت" [الحكومة الإسلامية: ص74.].

ويقول المعلق على الكافي: والآية بتأييد الخبر تدل على عدم الترافع إلى حكم الجور مطلقًا، وربما قيل بجواز التوسل بهم إلى أخذ الحق المعلوم، اضطرارًا مع عدم إمكان الترافع إلى الفقيه العدل [أصول الكافي: 1/67 (الهامش).].

ولكن يظهر أن هذه المبادئ التي وضعها الزنادقة لم تجد القبول لدى بعض أتباعهم، لأنه يجد في ظل قضاة المسلمين العدل والإنصاف ما لا يجد عند قومه، وقد اعترف بعضهم لشيخ الإسلام ابن تيمية فقال له: أنتم (يعني أهل السنة) تنصفوننا ما لا ينصف بعضنا بعضًا [منهاج السنة: 3/39. وقد حدثني بعض قضاة السنة وقد تولى القضاء في بعض المناطق التي يقطنها شيعة بأنه يجد رغبة في التحاكم إلى أهل السنة لاستخلاص حقوقهم ولا يرجعون لشيوخهم. ويبدو أنهم لا يلجأون إلى شيوخهم إلا مكرهين تحت سياط الوعيد والتهديد بإصدار صكوك الحرمان، والوعيد بالنيران.].

وقد اشتكى بعض رجالهم لإمامه بأنهم يجدون عند أهل السنة كثرة الأمانة، وحسن الخلق، وحسن السمت، ويجدون على الضد من ذلك في الشيعة فيغتمون لذلك [أصول الكافي: 2/4.].

6 ـ  أئمة المسلمين وعلماؤهم:

حذروا من التلقي عن شيوخ المسلمين وعلمائهم، وعدوهم كملل أهل الشرك "عن هارون بن خارجة قال: قلت لأبي عبد الله عليه السّلام: إنّا نأتي هؤلاء المخالفين [هذا اللّقب يطلق عندهم في الغالب على أهل السّنّة، وقد يتناول كلّ مخالف.] فنسمع منهم الحديث يكون حجّة لنا عليهم؟ قال: لا تأتهم ولا تسمع منهم، لعنهم الله ولعن مللهم المشركة" [بحار الأنوار: 2/216، وعزاه للسّرائر لابن إدريس.].

وجاء في الكافي عن سدير عن أبي جعفر قال: ".. يا سدير فأريك الصّادّين عن دين الله، ثم نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثّوري في ذلك الزّمان وهم حلق في المسجد، فقال: هؤلاء الصّادّون عن دين الله بلا هدى من الله ولا كتاب مبين، إنّ هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم فجال النّاس، فلم يجدوا أحدًا يخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يأتونا فنخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم" [أصول الكافي: 1/392-393، تفسير نور الثّقلين: 4/132.].

فيبدوا أن الغيظ أخذ من هؤلاء الباطنيين مأخذه، وهم يرون أئمة أهل السنة يعلمون الناس القرآن والسنة، ويدعون إلى دين الإسلام والناس مقبلون عليهم، ينهلون من علمهم ويأخذون عنهم، فترى حلقهم في المسجد، عامرة بالرواد، مزدانة بالعلم.. تغمرها السكينة، وتحفها الرحمة، وتغشاها الملائكة، وكان هؤلاء العلماء الأعلام للمتقين أئمة وقادة، وأولئك الباطنيون قد قبعوا في بيوتهم، لا يلتفت إليهم، ولا يحفل بهم، قد استولت عليهم الذلة، والمسكنة وباءوا بغضب الناس، واحتقارهم. فكانت أمنياتهم التي وضعوها على ألسنة أهل البيت للتغرير بالأتباع، ومحاولة إيجاد الفتنة والعزلة بين أهل البيت وأئمة المسلمين، كانت هذه الأمنيات تكفر أئمة المسلمين وتتمنى أن تخلو الأرض منهم لتتهيأ لهم الفرصة لتحقيق أغراضهم.

 7 ـ  الفرق الإسلامية:

ويخصون كثيرًا من الفرق الإسلامية بالتكفير والطعن، ولا سيما أهل السنة والذين يلقبونهم حينًا بالنواصب، وأحيانًا بالمرجئة. جاء في الكافي: "عن أبي مسروق قال: سألني أبو عبد الله عن أهل البصرة ما هم؟ فقلت: مرجئة وقدرية [صارت الشيعة قدرية فيما بعد كما سلف فاللعن يشملهم.]، وحرورية. فقال: لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شيء" [أصول الكافي: 2/387، 409.].

ويعنون بالمرجئة أهل السنة، ولهذا تجد شيخهم المجلسي يشرح حديثهم الذي يقول: "اللهم العن المرجئة فهم أعداؤنا في الدنيا والآخرة" [فروع الكافي (مع شرحه مرآة العقول: 4/371).].

ويرجح أن المراد بالإرجاء في هذا النص تأخير عليّ عن الدرجة الأولى إلى الدرجة الرابعة [مرآة العقول: 4/371.].

ويكفي أن تعرف أن الزيدية وهي من الشيعة نالهم من الذم والتكفير مالا يخطر بالبال. قالوا مثلاً عن الزيدية عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله عن الصدقة على الناصب وعلى الزيدية قال: لا تصدّق عليهم بشيء ولا تسقهم من الماء إن استطعت، وقال لي: الزيدية هم النصاب [رجال الكشي: ص199، بحار الأنوار: 72/179.].

وفي الكافي "عن عبد الله بن المغيرة قال: قلت لأبي الحسن رضي الله عنه: إنّ لي جارين أحدهما ناصب والآخر زيدي ولا بدّ من معاشرتهما فمن أعاشر؟ فقال: هما سيان، من كذب بآية من كتاب الله فقد نبذ الإسلام وراء ظهره هو المكذّب بجميع القرآن والأنبياء والمرسلين، ثم قال: إنّ هذا نصب لك، وهذا الزّيدي نصب لنا" [الكافي/ كتاب الرّوضة: 12/304 (مع شرحه للمازندراني)، مفتاح الكتب الأربعة: 8/76].

ولم يشفع للزيدية عندهم أنهم "دعوا إلى ولاية علي" [بحار الأنوار: 72/181.] وكانوا شيعة: لأنهم "خلطوها بولاية أبي بكر وعمر" [بحار الأنوار: 72/181.] وهذا عندهم ذنب لا يغفر، بل إن مجرد محبة أبي بكر عندهم هي من الكفر. جاء في البحار "عن أبي علي الخراساني عن مولى لعليّ بن الحسين عليه السّلام قال: كنت معه عليه السّلام في بعض خلواته فقلت: إنّ لي عليك حقًّا ألا تخبرني عن هذين الرّجلين: عن أبي بكر وعمر؟ فقال: كافران كافر من أحبّهما" [بحار الأنوار: 72/ 137-138.].

وعدوا مجرد الاعتقاد بإمامة أبي بكر وعمر من النصب الذي هو أعظم الكفر عندهم.

ولهذا قال الملجسي: "قد يطلق الناصب على مطلق المخالف غير المستضعف كما هو ظاهر من كثير من الأخبار" [مرآة العقول: 4/72.].

وقال أيضًا: "لا تجوز الصلاة على المخالف لجبر أو تشبيه أو اعتزال أو خارجية أو إنكار إمامة إلا للتقية، فإن فعل (يعني صلى عليه تقية) لعنه بعد الرابعة" [مرآة العقول: 4/72-73.].

وقد قال المفيد بأن كل أهل البدع كفار [أوائل المقالات: ص15.]، ولهذا عقد المجلسي بابًا بعنوان: "باب كفر المخالفين والنصاب" [بحار الأنوار: 72/131.].

وقال المجلسي: "كتب أخبارنا مشحونة بالأخبار الدالة على كفر الزيدية وأمثالهم من الفطحية، والواقفة" [بحار الأنوار: 37/34.].

وهذه الفرق التي يذكر كلها شيعة، فما بالك بمن دونهم في رأيهم -.

بل إن رجال الاثني عشرية يكفر بعضهم بعضًا، استمع إلى ما يرويه الكشي، ويوافقه عليه شيخ طائفتهم الطوسي [لأن رجال الكشي من اختياره وتهذيبه.]، عن حال أصحابهم من التكفير والاختلاف والتنابذ، حيث يقول في روايته بأنه في سنة (190ه‍) اجتمع ستة عشر رجلاً في باب أبي الحسن الثاني، فقال له أحدهم ويدعى جعفر بن عيسى: "يا سيدي، نشكو إلى الله وإليك [هذا من الألفاظ المنهي عنها لدخولها في دائرة الشرك، بل يقال: "نشكو إلى الله ثم إليك" وضلال هؤلاء أكبر من ذلك، ولكن هذا لتنبيه القارئ.] ما نحن فيه من أصحابنا، فقال: وما أنتم فيه منهم؟ فقال جعفر: هم والله يزندقونا ويكفرونا ويتبرؤون منا، فقال: هكذا كان أصحاب علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وأصحاب جعفر، وموسى: صلوات الله عليهم، ولقد كان أصحاب زرارة يكفرون غيرهم، وكذلك غيرهم كانوا يكفرونهم.." وقال يونس: "جعلت فداك إنهم يزعمون أنا زنادقة" [رجال الكشي: ص498-499.].

وهذا حال "رعيلهم الأول" الذين ينتسبون زورًا لأهل البيت، فما حال من بعدهم؟!

8 ـ  الأمة كلها:

ولعن الأمة الإسلامية وتكفيرها مما استفاض في كتب الشيعة، ولذلك فإن أدعية الزيارة والمشاهد التي يلهج بها الشيعة ويرددونها لا تخلو من لعن لهذه الأمة المباركة الوسط.

ففي زيارة أمير المؤمنين علي يقولون: "لعن الله من خالفك، ولعن الله من افترى عليك وظلمك، ولعن الله من غصبك [الظلم والغضب عندهم هو تولية أبي بكر وعمر وعثمان الخلافة (انظر الاعتقادات لابن بابويه ص112-113).]، ولعن الله من بلغه ذلك فرضي به [أي من رضي بخلافة أبي بكر لأنه رضي بزعمهم بالظلم والغصب، فيشمل جميع أمة محمد ما عدا غلاة الشيعة.]، أنا إلى الله منهم بريء، لعن الله أمة خالفتك [بتوليتها لأبي بكر.] وأمة جحدتك، وجحدت ولايتك [الولاية لعلي ممتدة عندهم منذ وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فمن أقر بخلافة الثلاثة فقد جحد الولاية. (انظر: الإرشاد للمفيد ص12).]، وأمة تظاهرت عليك، وأمة حادت عنك وخذلتك، الحمد لله الذي جعل النار مثواهم وبئس الورد المورد، وبئس ورد الواردين.. اللهم العن الجوابيت والطواغيت والفراعنة، واللات والعزى، وكل ند يدعى دون الله [الجوابيت.. إلخ هم في اعتقادهم خلفاء المسلمين ولا سيما الخلفاء الثلاثة، والخلفاء الأمويون، والند الذي يدعى من دون الله هو الإمام الذي يبايع دون أئمتهم الاثني عشر (انظر: عقيدتهم في توحيد الألوهية).]، وكل مفتر، اللهم العنهم وأشياعهم وأتباعهم، وأولياءهم، وأعوانهم، ومحبيهم لعنًا كثيرًا" [ابن بابويه/ من لا يحضره الفقيه: 2/354.]..

وهذه اللعنات التي تجري على ألسنة هؤلاء مكان التسبيح والتهليل لها آثارها في تعبئة نفوسهم حقدًا وكراهية للأمة ودينها..

والأمة عند هؤلاء الروافض لها ألقاب وشناعات وخواص لا توجد في كتب طائفة من الطوائف، لا لشيء إلا لأن الأمة ارتضت من رضيه الصحابة والمهاجرون لهم خليفة.

فهي أحيانًا تقذف الأمة الإسلامية جميعًا وتتهمها بالفجور [قالوا بأنه يحضر المولود أحد الشياطين ليتولى الفجور به، ولا يسلم من ذلك إلا شيعتهم، وقد مضى ذكر نصوصهم في ذلك ص:460 هامش: 4.]، وحينًا تدعي بأنهم كلهم أولاد زنا [قالوا: إن الناس كلهم أولاد بغايا ما عدا شيعتنا، وقد مضى تخريج ذلك من كتبهم ص:460 هامش: 4.]، ولذلك فإنهم يوم القيامة يظهرون على حقيقتهم فيدعون بأسماء أمهاتهم [وهذا أحد عناوين بحار الأنوار: 7/237.]، ومرة تقول بأنهم خلق منكوس وهم ليسوا من البشر، بل هم قردة وكلاب وخنازير [ومن شواهد ذلك "عن أبي بصير قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أنا مولاك ومن شيعتك، ضعيف البصر، اضمن لي الجنة. قال: أولا أعطيك علامة الأئمة؟ قلت: وما عليك أن تجمعها لي؟ قال: وتحب ذلك؟ قلت: كيف لا أحب؟ فما زاد أن مسح على بصير فأبصرت جميع ما في السقيفة التي كان فيها جالسًا، قال: يا أبا محمد هذا بصرك، فانظر ما ترى بعينك، قال: فوالله ما أبصرت إلا كلبًا وخنزيرًا وقدرًا، قلت: ما هذا الخلق الممسوخ؟ قال: هذا الذي ترى، هذا السواد الأعظم، ولو كشف الغطاء للناس ما نظر الشيعة إلى من خالفهم إلا في هذه الصورة، ثم قال: يا محمد، إن أحببت تركتك على حالك هكذا وحسابك على الله، وإن أحببت ضمنت لك على الله الجنة ورددتك على حالك الأول، قلت: لا حاجة في إلى النظر إلى هذا الخلق المنكوس، ردني فما للجنة عوض، فمسح يده على عيني فرجعت كما كنت" (بحار الأنوار: 27/30، وعزاه إلى الخرائج والجرائح للراوندي).

فانظر إلى هذه المخاريق التي لا تشيع إلا في مجتمعات السحرة والمشعوذين، وانظر إلى دعواهم أن الأئمة يملكون الضمان بالجنة، ثم زعمهم بأن كل الناس كلاب وخنازير {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا}.]، ولهم أقوال ولعنات في الأمة كثيرة منكرة.

هذه نصوص الاثني عشرية لم تدع أحدًا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم إلا وتناولته بالطعن والتكفير، وخصت بذلك صحابة رسول الله من المهاجرين والأنصار وأهل البيت النبوي، والأمصار الإسلامية وأهلها، والفرق الإسلامية، وأمة محمد وتلعن الجميع في دعواتها وصلواتها وزياراتها، فهل استثنت الشيعة أحدًا؟ نعم، إنها استثنت الفئة التالية ودافعت عنهم وأثنت عليهم.

الفئة التي تستثنيها الشيعة من عموم اللعن والتكفير للأمة:

وإذا كفرت الاثنا عشرية الصحابة والقرابة، والخلفاء، والقضاة، والأئمة والفرق الإسلامية بما فيها فرق من الشيعة. فمن تثني عليه؟

لقد رأيتها تثني على أقزام التاريخ، وحثالة البشر، بل تمدح وتدافع عن الكفرة الملحدين، والزنادقة والمنافقين، (والأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف).

فهي تدافع عن المرتدين كأصحاب مسيلمة الكذاب [انظر: عبد الله العلايلي/ الإمام الحسين، مقدمة الطبعة الثانية: ص3، 4، 19، وراجع: المنتقى: ص271-273.]، وعن الزنادقة: كالمختار بن أبي عبيد [انظر: ابن إدريس/ السرائر: ص475، وانظر: حسين البرقي/ تاريخ الكوفة: ص62.]، والنصير الطوسي [انظر: الخوانساري/ روضات الجنات: 6/300-301، الخميني/ الحكومة الإسلامية: ص128.]، وعن الكذابين والمفترين كجابر الجعفي [انظر: ص(375-378) من هذه الرسالة.]، وزرارة بن أعين [انظر: ص(378-382) من هذه الرسالة.]، وعن المجوس الحاقدين مثل أبي لؤلؤة المجوسي قاتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى إنها تسميه بابا شجاع الدين [عباس القمي/ الكنى والألقاب: 2/55، وتعد يوم مقتل عمر رضي الله عنه من أعظم أعيادها، وتقول: "إن هذا يوم عيد وهو من خيار الأعياد" انظر أخبارهم في ذلك في الأنوار النعمانية للجزائري: 1/108 وما بعدها، فصل "نور سماوي يكشف عن ثواب يوم قتل عمر بن الخطاب"، وهذا اعتقادهم في عظيم الإسلام وفاروق هذه الأمة، وسبب هذا الحق أنه هو الذي فتح بلاد فارس وأخضعها لحكم الإسلام، ولذلك عظموا قاتله ويوم مقتله.].

كما تتلقى دينها عن الكفرة الذين يعتقدون في كتاب الله النقص والتحريف وفي صحابة رسول الله الكفر والردة: كإبراهيم القمي، والكليني وأمثالهما وتجعل منهم ثقات دينها، وعمدة رواياتها.

النقد:

هذا التكفير العام الشامل الذي لم ينج منه أحد هل يحتاج إلى نقد؟ إن بطلانه أوضح من أن يبين، وكذبه أجلى من أن يكشف، وتكفير الأمة امتداد لتكفير الصحابة، والسبب واحد لا يختلف.

ومن الطبيعي أن من يحقد على صحابة رسول الله ويسبهم ويكفرهم يحقد على الأمة جميعًا ويكفرها، كما قال بعض السلف: "لا يغلّ قلب أحد على أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا كان قلبه على المسلمين أغلّ" [الإبانة لابن بطّة: ص41.] فإذا لم يرض عن أبي بكر وعمر وعثمان، وأهل بدر وبيعة الرضوان، والمهاجرين والأنصار وهم في الذروة من الفضل والإحسان، فهل يرضى بعد ذلك عن أحد بعدهم؟!

ومبنى هذا الموقف هو دعوى الروافض أن الصحابة رضوان الله عليهم أنكروا النص على إمامة علي وبايعوا أبا بكر، وقد مضى بيان بطلان النص بالنقل والعقل وبالأمور المتواترة المعلومة. وما بني على الباطل فهو باطل.

ولقد كان حكمهم بردة ذلك "الجيل القرآني الفريد" من الظواهر الواضحة على بطلان مذهب الرفض من أساسه، وأنه إنما وضع أصوله شرذمة من الزنادقة، وبطلان هذه المقالة معروف بداهة، ولذلك قال أحمد الكسروي (الإيراني والشيعي الأصل) : "وأما ما قالوا من ارتداد المسلمين بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فاجتراء منهم على الكذب والبهتان، فلقائل أن يقول: كيف ارتدوا وهم كانوا أصحاب النبي آمنوا به حين كذبه الآخرون، ودافعوا عنه واحتملوا الأذى في سبيله ثم ناصروه في حروبه، ولم يرغبوا عنه بأنفسهم، ثم أي نفع لهم في خلافة أبي بكر ليرتدوا عن دينهم لأجله؟! فأي الأمرين أسهل احتمالاً: أكذب رجلاً أو رجلين من ذوي الأغراض الفاسدة، أو ارتداد بضع مئات من خلص المسلمين؟ فأجيبونا إن كان لكم جواب" [التشيع والشيعة: ص66.].

ومع وضوح بطلان مذهبهم كما ترى لمخالفته للشرع والعقل والتاريخ، وما علم من الإسلام بالضرورة، فإنه لابد من وقفة ولو سريعة في الرد عليه؛ لأنه وجد في الماضي ويوجد اليوم من يتجاهل الدلائل والبراهين في ذلك، وحسبك أن تعرف أن أحد آيات الشيعة في هذا العصر، ومن يرفع شعار الوحدة الإسلامية، ويرددها في نشراته وخطبه ورحلاته [انظر مثلاً -: الإسلام فوق كل شيء: ص65.] وهو شيخهم محمد الخالصي قد كتب رسالة للشيخ محمد بهجة البيطار في تاريخ 26 ربيع الأول سنة 1382ه‍ يقول فيها:

"لم أذكر الصحابة بخير لأني لا أريد أن أتعرض لعذاب الله وسخطه بمخالفتي كتابه وسنته في مدح من ذمه الكتاب والسنة، والإطراء على من قبح أعماله القرآن المجيد، والأحاديث المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وغاية ما كنت أكتبه وأقوله هو أن كتاب الله وسنته لم تذكر الصحابة بخير، ولا تدل على فضل لهم لأنهم صحابة" [رسالة الإسلام والصحابة الكرام بين السنة والشيعة للشيخ محمد بهجة البيطار: ص6.].

فالخالصي هنا لا يذكر الصحابة بخير مع تواتر النصوص في فضلهم، ولكنه يقول عن أئمته: إن "الأئمة الاثني عشر أركان الإيمان ولا يقبل الله تعالى الأعمال من العباد إلا بولايتهم" [الخالصي/ الاعتصام بحبل الله: ص43.] مع أن الاثني عشر لا ذكر لهم ولا لإمامتهم أصلاً في كتاب الله سبحانه. فانظر كيف يكذبون بالحقائق الواضحات، ويصدقون بالكذب الصريح.

وإذا كان الأمر وصل إلى هذا الحد فإننا نسوق الأدلة والبراهين على نقض مذهب الرافضة، وبيان فضل الصحابة من الكتاب والسنة، وأقوال الأئمة، والتاريخ، والعقل، والأمور المعلومة المتواترة.. ونكشف من خلال كتب الشيعة نفسها مؤسس وواضع هذه العقيدة في المذهب الشيعي.

وهو بالتالي نقض لمذهبهم في تكفير الأمة جميعًا، لأن السبب الذي كفروا به الصحابة هو السبب بعينه الذي كفروا به سائر المسلمين، ولكن الصحابة رضوان الله عليهم يختصون بالمزيد من السب واللعن والتكفير قديمًا وحديثًا بهدف إبطال الشريعة التي ينقلونها للأمة.

أ ـ  القرآن الكريم:

لقد شهدت نصوص القرآن على عدالتهم والرضا عنهم، وأثنى الله عليهم في آيات كثيرة جلية واضحة، لا نحتاج لمعرفة معناها إلى تأويل باطني كحال الشيعة في تأويل آيات القرآن بالاثني عشر.

ـ قال جل شأنه : {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران، آية: 110.].

"وكفى فخرًا لهم أن الله تبارك وتعالى شهد لهم بأنهم خير الناس، فإنهم أول داخل في هذا الخطاب، ولا مقام أعظم من مقام قوم ارتضاهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته" [ابن حجر الهيثمي/ الصواعق المحرقة: ص7.].

ولهذا جاء تأويلها عن السلف بأقوال "مقتضاها أن الآية نزلت في الصحابة، قال الله لهم كنتم خير أمة" [ابن عطية/ المحرر الوجيز: 3/193، ولهذا قال علامة الشيعة الزيدية محمد بن إبراهيم الوزير بعدما ذكر من أحوال أولئك الصحب العظام ما لم تر أمة من أمم الأرض مثله. قال: "وهذه الأشياء تنبه الغافل، وتقوي بصيرة العاقل، وإلا ففي قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} كفاية وغنية" (الروض الباسم: 1/56-57، وانظر: محب الدين الخطيب/ الجيل المثالي: ص19).].

ـ وقال سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التّوبة: آية: 100.].

فالآية صريحة الدلالة على رضاء الله سبحانه عن المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، وتبشيرهم بالفوز العظيم، والخلود في جنات النعيم، ولهذا قال ابن كثير عند هذه الآية:

"فيا ويل من أبغضهم أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه، فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم [بل تجاوزوا مرحلة السب إلى الحكم بالردة والتكفير.]، عياذًا بالله من ذلك. وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن، إذ يسبون من رضي الله عنهم" [تفسير ابن كثير: 2/410.].

ـ وقال سبحانه: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح، آية: 18.].

قال ابن حزم: "فمن أخبرنا الله سبحانه أنه علم ما في قلوبهم، ورضي عنهم، وأنزل السكينة عليهم فلا يحل لأحد التوقف في أمرهم ولا الشك فيهم البتة" [الفصل: 4/225.].

"والذين بايعوا تحت الشّجرة بالحديبيّة عند جبل التّنعيم [التّنعيم: على ثلاثة أميال أو أربعة من مكّة المشرّفة، سمّي به لأنّ على يمينه جبل نعيم كزبير، وعلى يساره جبل ناعم، والوادي اسمه نعمان بالفتح. (انظر: تاج العروس، مادّة "نعم"، ومعجم البلدان، لفظ "تنعيم").] كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، بايعوه لما صده المشركون عن العمرة [منهاج السنة: 2/15-16 (تحقيق د. رشاد سالم).]...

وهؤلاء كما يقول شيخ الإسلام ابن تيميّة هم أعيان من بايع أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم [منهاج السّنّة: 1/206.].

ولقد خاب وخسر من رد قول ربه أنه رضي عنه المبايعين تحت الشجرة.. وقد علم كل أحد له أدنى علم أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا وطلحة والزبير وعمارًا والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهم من أهل هذه الصفة، وقد انتظمت الخوارج والروافض البراءة منهم خلافًا لله عز وجل وعنادًا [الفصل: 4/226.].

وقال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح، آية: 29.].

فانظر إلى عظيم مقام الصحابة، حيث أثنى الله عليهم بهذه الأوصاف، وأخبر أن صفتهم مذكورة في التوراة والإنجيل، حتى ذكر بعض أهل العلم أنّ ظاهر هذه الآية يُوجب أنّ الرّوافض كفّار؛ لأنّ في قلوبهم غيظًا من الصّحابة وعداوة لهم، والله يقول: {لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ}، فبيّن أنّ من كان في قلبه غيظ منهم فهو من الكفّار [انظر: الإسفراييني/ التّبصير في الدّين: ص25، تفسير ابن كثير: 4/219، تفسير القاسمي: 15/104.].

ـ وقال تعالى: {لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [الحديد، آية: 10.].

وقد حكم الله لمن وعد بالحسنى بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ ، لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ، لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الأَكْبَرُ} [الأنبياء، آية: 101، 102، 103.].

فجاء النص أن من صحب النبي صلى الله عليه وسلم فقد وعده الله تعالى بالحسنى، وقد نص الله سبحانه: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ} [آل عمران، آية: 9.] وصح بالنص أن كل من سبقت له من الله تعالى الحسنى، فإنه مبعد عن النار لا يسمع حسيسها، وهو فيما اشتهى خالد لا يحزنه الفزع الأكبر.. وليس المنافقون ولا سائر الكفار من أصحابه صلى الله عليه وسلم [المحلى: 1/42.].

ـ وقال سبحانه: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر، الآيات: 8، 9، 10.].

وهذه الآيات تتضمّن الثّناء على المهاجرين والأنصار، وعلى الذين جاءوا من بعدهم يستغفرون لهم، ويسألون الله ألا يجعل في قلوبهم غلاًّ لهم، وتتضمّن أنّ هؤلاء الأصناف هم المستحقّون للفيء.

ولا ريب أن هؤلاء الرّافضة خارجون من الأصناف الثلاثة، فإنهم لم يستغفروا للسّابقين، وفي قلوبهم غلّ عليهم. ففي الآيات الثناء على الصحابة وعلى أهل السنة الذين يتولونهم وإخراج الرافضة من ذلك، وهذا ينقض مذهب الرافضة [منهاج السنة: 1/204.].

والآيات في هذا الباب كثيرة [وحبذا لو قام أحد طلبة قسم القرآن وعلومه بتسجيل موضوع في "الصحابة في القرآن الكريم" لإظهار عظيم ثناء الله على هذا الجيل القرآني الفريد.].

ب ـ  السنة المطهرة:

وكتب السنة مليئة بالثناء على الصحب، وبيان فضلهم عن سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.

  فنصوص تثني عليهم جميعًا كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبّوا أصحابي، لا تسبّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نصيفه" [أخرجه البخاري، باب فضائل أصحاب النّبي صلى الله عليه وسلم 4/195. ومسلم، واللّفظ له، في كتابه فضائل الصّحابة، باب تحريم سبّ الصّحابة رضي الله عنهم: 2/1967 (ح2540)، وأبو داود في كتاب السّنّة، باب في النّهي عن سبّ أصحاب رسول الله: 5/45 (ح4658)، والتّرمذي في كتاب المناقب، باب 59: 5/695-696 (ح3861).].

وقوله عليه الصلاة والسلام: "خير النّاس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم،»، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرني أو ثلاثة" [أخرجه البخاري: 3/151، في كتاب الشّهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا شهد.. واللّفظ له، ومسلم بنحوه في كتاب فضائل الصّحابة، باب فضل الصّحابة ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم: 2/1962 (ح2533).].

  ونصوص تثني على جماعات منهم على سبيل التعيين كأهل بدر، وقد قال فيهم صلى الله عليه وسلم: ".. وما يدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" [أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصّحابة، باب من فضائل أهل بدر: 2/1941 (ح2494).].

وأصحاب الشّجرة أهل بيعة الرّضوان، وقد قال فيهم صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل النّار إن شاء الله من أصحاب الشّجرة أحد، الذين بايعوا تحتها" [أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصّحابة، باب من فضائل أصحاب الشّجرة: 2/1942 (ح2496).]. وغيرهما [راجع: جامع الأصول، الباب الرّابع في فضائل الصّحابة ومناقبهم، وفيه خمسة فصول: 8/547 وما بعدها، وانظر: فضائل الصّحابة للإمام أحمد، وفضائل الصّحابة للنّسائي، وانظر: الشّوكاني/ درّ السّحابة في مناقب القرابة والصّحابة، الكبيسي/ صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكتاب والسّنّة: ص161.].

3ـ ونصوص تثني على آحادهم وهي كثيرة ذكرتها كتب الصحاح، والسنن والمسانيد.

ولكن الشيعة قد رضيت لنفسها أن تنأى عن هذا المورد العظيم فهي لا تعرج في مقام الاستدلال عليها، ولا تحتج بها، ولا معنى لاحتجاجنا عليهم برواياتنا فهم لا يصدقونها، كما أنه لا معنى لاحتجاجهم علينا برواياتهم فنحن لا نصدقها، وإنما ينبغي أن يحتج الخصوم بعضهم على بعض بما يصدقه الذي تقام عليه الحجة به، سواء صدقه المحتج أو لم يصدقه [الفصل: 4/159.].

ولذا أكتفي في هذا المقام بالإحالة على الكتب الأمهات في أبواب فضائل الصحابة؛ ففيها أحاديث كثيرة في فضل الصحابة والثناء عليهم، والنهي عن سبهم وأقيم عليهم الحجة من كتبهم أيضًا، من أقوال الأئمة التي يعدونها كأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ج‍ ـ  ثناء الأئمة على الصحابة رضوان الله عليهم:

في الخصال لابن بابويه القمي: « عن أبي عبد الله قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اثني عشر ألفًا [هذا من وضع الجهّال، فعدد الصّحابة الذين شهدوا معه صلى الله عليه وسلم حنينًا اثنا عشر ألفًا سوى الأتباع والنّساء، وجاءت إليه هوازن مسلمين، وترك مكّة مملوءة ناسًا، وكذلك المدينة أيضًا، وكلّ من اجتاز به من قبائل العرب كانوا مسلمين، فهؤلاء كلّهم لهم صحبة، وقد شهد معه تبوك من الخلق الكثير ما لا يحصيهم ديوان، وكذلك حجّة الوداع وكلّهم له صحبة. (ابن الأثير/ أسد الغابة: 1/12).

قال أبو زرعة: توفي النّبيّ صلى الله عليه وسلم، ومن رآه وسمع منه زيادة عن مائة ألف إنسان من رجل وامرأة. (تدريب الرّاوي: 2/221، الإصابة: ص4، الذهبي/ تجريد أسماء الصّحابة صلى الله عليه وسلم: ص(ب)، والمعتمد أنّه ليس هناك تحديد ثابت لهم. انظر: السّخاوي/ فتح المغيث: 3/111).]، ثمانية آلاف في المدينة وألفان من أهل مكّة، وألفان من الطّلقاء، لم يرد فيهم قدري، ولا مرجئ، ولا حروري، ولا معتزلي، ولا صاحب رأي، كانوا يبكون اللّيل والنّهار » [ابن بابويه القمي/ الخصال: ص 639-640، وانظر: المجلسي/ البحار: 22/305.].

وفي البحار للمجلسي:

عن الصّادق عن آبائه عن علي عليه السّلام قال: "أوصيكم بأصحاب نبيّكم لا تسبّوهم، الذين لم يحدثا بعده حدثًا ولم يؤووا مُحدِثًا، فإنّ رسول الله أوصى بهم الخير" [المجلسي: البحار 22/305-306.].

وفي البحار أيضًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "طوبى لمن رآني، وطوبى لمن رأى من رآني، وطوبى لمن رأى من رأى من رآني" [أمالي الصدوق: 240-241، بحار الأنوار: 22/305.].

وعن موسى بن جعفر (إمامهم السّابع) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا أمنة لأصحابي، فإذا قبضت دنا من أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمّتي، فإذا قبض أصحابي دنا من أمّتي ما يوعدون، ولا يزال هذا الدّين ظاهرًا على الأديان كلّها ما دام فيكم من قد رآني" [المجلسي/ البحار: 22/ 309-310، وعزاه إلى نوادر الرّواندي: ص23.].

وفي معاني الأخبار لشيخهم ابن بابويه القمي (الصدوق) : "عن جعفر بن محمد عن آبائه عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما وجدتم في كتاب الله عز وجل فالعمل لكم به، لا عذر لكم في تركه، وما لم يكن في كتاب الله عز وجل، وكانت فيه سنة مني فلا عذر لكم في ترك سنتي، وما لم يكن فيه سنة مني فما قال أصحابي فقولوا به، فإنما مثل أصحابي فيكم كمثل النجوم بأيها أخذ اهتدي، وبأي أقاويل أصحابي أخذتم اهتديتم (ثم زاد دعاة التفرقة على هذا النص الزيادة التالية) فقيل: يا رسول الله، ومن أصحابك؟ قال: أهل بيتي" [ابن بابويه/ معاني الأخبار: 156-157، المجلسي/ البحار: 307.].

ولا شك أن تفسير الصحابة بأهل البيت فقط بعيد جدًا، وقد لاحظ صدوقهم هذا البعد فعقب على النص السالف بقوله: "إن أهل البيت لا يختلفون، ولكن يفتون الشيعة بمر الحق، وربما أفتوهم بالتقية، فما يختلف من قولهم فهو للتقية، والتقية رحمة للشيعة" [ابن بابويه/ معاني الأخبار: 156-157، المجلسي/ البحار: 307.].

فهو هنا يحمل "النص الذي يثني على الصحابة" على التقية، والعقل والمنطق يعترض على هذا "التأويل" فلم يكون الثناء على الصحابة الذي أثنى عليهم الله ورسوله، وشهد التاريخ بفضلهم وجهادهم تقية، ويكون السب لهم هو الحقيقة وهو مذهب الأئمة؟ إنه لا دليل لهم على هذا المذهب سوى أنه يتمشى مع منطق أعداء الأمة.

ثم إن النص السابق يرويه "جعفر الصادق" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهل رسول الله يكذب على الأمة تقية أو أن جعفرًا يكذب على رسول الله من أجل التقية؟! وكلا الأمرين طعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ومخالفة صريحة للنصوص.

وفي نهج البلاغة يقول علي رضي الله عنه في أبي بكر أو عمر رضي الله عنهما على اختلاف بين شيوخ الشيعة في ذلك [انظر: ميثم البحراني/ شرح نهج البلاغة: 4/97.] : "لله بلاء فلان [أي عمله الحسن في سبيل الله (ميثم البحراني/ شرح نهج البلاغة: 4/97).] فلقد قوم الأود [وهو كناية عن تقويمه لاعوجاج الخلق عن سبيل الله إلى الاستقامة. (مثيم البحراني/ شرح نهج البلاغة: 4/97).]، وداوى العَمَد [العمد بالتّحريك: العلّة. انظر: صبحي الصّالح في تعليقه على نهج البلاغة ص:671.]، وأقام السّنّة.. وخلف الفتنة [تركها خلفًا لا هو أدركها ولا هي أدركته (المصدر السّابق).]، ذهب نقي الثّوب، قليل العيب، أصاب خيرها وسبق شرّها، أدّى إلى الله طاعته واتّقاه بحقّه" [نهج البلاغة: ص350 (تحقيق صبحي الصّالح).].

وهذا نصّ عظيم يهدم كلّ ما بنوه وزعموه عن عداوة وصراع بين علي والشيخين رضي الله عنهم.

وقد احتار "الروافض" بمثل هذا النص؛ لأنه في نهج البلاغة وما في النهج عندهم قطعي الثبوت، وصور شيخهم ميثم البحراني [ميثم بن علي البحراني (كمال الدين) من شيوخ الإمامية، من أهل البحرين، من كتبه: "شرح نهج البلاغة"، توفي في البحرين سنة 679ه‍ (معجم المؤلفين: 13/55).] ذلك بقوله: "واعلم أن الشيعة قد أوردوا هنا سؤالاً فقالوا: إن هذه الممادح التي ذكرها في حق أحد الرجلين تنافي ما أجمعنا عليه من تخطئتهم وأخذهما لمنصب الخلافة، فإما أن لا يكون هذا الكلام من كلامه رضي الله عنه، وإما أن يكون إجماعنا خطأ".

ثم حملوا هذا الكلام على التقية وأنه إنما قال هذا المدح من أجل "استصلاح من يعتقد صحة خلافة الشيخين واستجلاب قلوبهم بمثل هذا الكلام". أي: أن عليًا في زعمهم أراد خداع الصحابة، وأظهر لهم خلاف ما يبطن فهو خطب هذه الخطبة العامة أمام الناس، وهي مبنية على الكذب، هذا هو جواب من يزعم التشيع لعلي [ميثم البحراني/ شرح نهج البلاغة: 4/98.].

وما أعتقد أن عاقلاً يرضى هذا "الجواب"، وإننا نقول بأن إجماع الشيعة ضلال، وقول علي هو الحق والصدق، وهو الذي لا يخاف في الله لومة لائم.

وقد يقول قائل: هذه النصوص المنقولة من كتبهم تناقض ما سلف من تكفير الشيعة للصحابة، وأقول: نعم، لأن هذا المذهب يحمل في رواياته هذه الصورة المتناقضة، لكن شيوخهم وضعوا أصولاً وأقوالاً نسبوها للأئمة للتخلص من هذه الأخبار، والخروج من هذا التناقض، فمن أصولهم أن هذا التناقض أمر مقصود لإخفاء حقيقة المذهب حتى لا يقضى على المذهب وأهله من قبل العامة (يعني أهل السنة) [انظر: أصول الكافي: 1/65.].

وقالوا عند الاختلاف: "خذوا بما خالف العامة، فإن فيه الرشاد" [انظر: ص (413) من هذه الرسالة.]. ولذلك يحمل شيوخهم أمثال هذه الروايات على التقية، ولأنها روايات قليلة بالنسبة لأخبارهم الكثيرة التي تفكر وتلعن، فهم لا يأخذون بها، فمفيدهم يقول: "ما خرج للتقية لا يكثر روايته عنهم كما تكثر روايات المعمول به" [تصحيح الاعتقاد : ص71.].

ولذلك تجد في تعقيب ابن بابويه إشارة إلى أن مدح الصحابة في الرواية التي ذكرها إنما هو على سبيل التقية، وكذلك في تعقيب ميثم.

وإذا كان الأمر كذلك فإني إنما ذكرت هذه الأخبار وأمثالها لإثبات تناقض المذهب أمام العقلاء، وتبصير من يريد الحق من أتباع المذهب إلى أن هذه الروايات هي الحقيقة لا التقية؛ لاتفاقها مع كتاب الله سبحانه وإجماع الأمة.

وبيان أن عقيدة التقية جعلت من المذهب ألعوبة بأيدي الشيوخ يوجهونه وفق إرادتهم، فلم يعد مذهب أهل البيت، إنما مذهب الكليني والقمي والمجلسي وأضرابهم.

 دلالة العقل والتاريخ وما علم بالتواتر وأجمع الناس عليه:

أولاً: قد عرف بالتواتر الذي لا يخفى على العامة والخاصة أن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كان لهم بالنبي صلى الله عليه وسلم اختصاص عظيم وكانوا من أعظم الناس اختصاصًا به، وصحبة له وقربًا إليه، وقد صاهرهم كلهم، وكان يحبهم ويثني عليهم، وحينئذ فإما أن يكونوا على الاستقامة ظاهرًا وباطنًا في حياته وبعد موته، وإما أن يكونوا بخلاف ذلك في حياته أو بعد موته، فإن كانوا على غير الاستقامة مع هذا القرب فأحد الأمرين لازم، إما عدم علمه بأحوالهم، أو مداهنته لهم، وأيهما كان فهو من أعظم القدح في الرسول صلى الله عليه وسلم كما قل:

فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة           وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم

وإن كانوا انحرفوا بعد الاستقامة فهذا خذلان من الله للرسول في خواص أمته، وأكابر أصحابه، ومن وعد أن يظهر دينه على الدين كله، فكيف يكون أكابر خواصه مرتدين؟ فهذا ونحوه من أعظم ما يقدح به الرافضة في الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال مالك وغيره: إنّما أراد هؤلاء الرّافضة الطّعن في الرّسول صلى الله عليه وسلم ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحًا لكان أصحابه صالحين، ولهذا قال أهل العلم: إن الرافضة دسيسة الزندقة [منهاج السّنّة: 4/123.].

ثانيًا: إن المرتد إنما يرتد لشبهة أو شهرة، ومعلوم أن الشبهات والشهوات في أوائل الإسلام كانت أقوى، حيث كان الإسلام إذ ذاك قليلاً، والكفار مستولون على عامة الأرض، وكان المسلمون يؤذون بمكة ويلقون من أقاربهم وغيرهم من المشركين من الأذى ما لا يعلمه إلا الله، وهم صابرون على الأذى متجرعون لمرارة البلوى، وقد اتبعوه صلى الله عليه وسلم وهو وحيد فقير، ذليل خائف، مقهور مغلوب، وأهل الأرض يد واحدة في عداوته، وقد خرجوا من ديارهم وأموالهم وتركوا ما كانوا عليه من الشرف والعزة حبًا لله ورسوله.

وهذا كله فعلوه طوعًا واختيارً، فمن كان إيمانهم مثل الجبال في حال ضعف الإسلام، كيف يكون إيمانهم بعد ظهور آياته وانتشار أعلامه [منهاج السنة: 4/128.]؟! لاسيما والسبب الذي تكفرهم الرافضة من أجله وهو بيعة أبي بكر من دون علي، لا يوجد فيه ما يدفعهم إلى التضحية بإيمانهم، وخسارة سابقتهم وجهادهم وبيع آخرتهم من أجل أبي بكر، فما الذي حملهم على ذلك وهم يعلمون أنه كفر بربهم، ورجوع عن دينهم، وتركوا اتباع قول رسول الله في بيعة علي بن أبي طالب، وقد علموا أنها طاعة نبيهم، والثبات على دينهم، هل يعقل أن يطيع المهاجرون والأنصار أبا بكر في الكفر بالله، ويتركوا اتباع قول رسول الله في علي؟ وهم الذين خرجوا من ديارهم يبتغون فضلاً من الله ورضوانًا، وينصرون الله ورسوله، أولئك هم الصادقون.

ثالثًا: إن مذهب الرافضة في تكفير الصحابة يترتب عليه تكفير أمير المؤمنين لتخليه عن القيام بأمر الله، ويلزم عليه إسقاط تواتر الشريعة، بل بطلانها ما دام نقلتها مرتدين، ويؤدي إلى القدح في القرآن العظيم، لأنه وصلنا عن طريق أبي بكر وعمر وعثمان وإخوانهم، وهذا هو هدف واضع هذه المقالة، ولذلك قال أبو زرعة: « إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أنه زنديق، وذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق والقرآن حق، وإنا أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة" [الكفاية: ص49.].

ولذلك اعترفت كتب الشّيعة أن الذي وضع هذه المقالة هو ابن سبأ فقالت إنه: "أوّل من أظهر الطّعن في أبي بكر عمر وعثمان والصّحابة، وتبرأ منهم، وادّعى أنّ عليًّا عليه السّلام أمره بذلك" [القمي/ المقالات والفِرَق: ص20، النّوبختي/ فِرَق الشّيعة: ص19-20.].

رابعًا: أنّ عليًّا رضي الله عنه لم يكفّر أحدًا ممّن قاتله حتى ولا الخوارج، ولا سبى ذرية أحد منهم، ولا غنم ماله، ولا حكم في أحد ممن قاتله بحكم المرتدين كما حكم أبو بكر وسائر الصحابة في بني حنيفة وأمثالهم من المرتدين، بل كان يترضى عن طلحة والزبير وغيرهما ممن قاتله، ويحكم فيهم وفي أصحاب معاوية ممن قاتله بحكم المسلمين، وقد ثبت بالنّقل الصّحيح أنّ مناديه نادى يوم الجمل: لا يتبع مدبر، ولا يجهز على جريح، ولا يغنم مال [وهذا ممّا أنكرته الخوارج عليه حتى ناظرهم ابن عبّاس رضي الله عنه في ذلك. (منهاج السّنّة: 4/181).].. واستفاضت الآثار أنه كان يقول عن قتلى عسكر معاوية: إنهم جميعًا مسلمون ليسوا كفارًا ولا منافقين [منهاج السنة: 4/181.].

وهذا ثبت بنقل الشّيعة نفسها، فقد جاء في كتبهم المعتمدة عندهم: "عن جعفر عن أبيه أنّ عليًّا عليه السّلام لم يكن ينسب أحدًا من أهل حربه إلى الشّرك، ولا إلى النّفاق، ولكنّه يقول: هم بغوا علينا" [قرب الإسناد: ص 62، وسائل الشّيعة: 11/62.].

ولكن عقيدة التقية عندهم تجعل دينهم دين الشيوخ لا دين الأئمة، فقد قال الحر العاملي في التعليق على النص السابق: "أقول: هذا محمول على التّقية" [وسائل الشّيعة: 11/62.].

وجاء في كتاب علي إلى أهل الأمصار يذكر فيه ما جرى بينه وبين أهل صفين: "وكان بدء أمرنا التقينا والقوم من أهل الشّام، والظّاهر أنّ ربّنا واحد، ودعوتنا في الإسلام واحدة، ولا نستزيدهم في الإيمان بالله، والتّصديق برسوله، ولا يستزيدوننا، الأمر واحد إلا ما اختلفنا فيه من دم عثمان ونحن منه براء" [نهج البلاغة: ص 448.].

وقد أنكر على من يسب معاوية ومن معه فقال: "إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنّكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول، وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إياهم: اللّهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم" [نهج البلاغة: ص323.].

فهذا السب والتكفير لم يكن من هدي علي باعتراف أصح كتاب في نظر الشيعة.

خامسًا: "إن الذين تستثنيهم الرافضة من حكمها بالردة كسلمان وعمار والمقداد، إنما استثنتهم لأنهم بزعمها على مذهب الرفض من تفكير أبي بكر وعمر، وإنكار بيعتهما، وهذا من جملة نصب الرافضة وتلبيسهم؛ لأنه لم يعهد لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما منازع في إمامتهما لا هؤلاء ولا غيرهم. وهذا سلمان كان أميرًا على مدائن كسرى من قبل عمر يدعو إلى إمامته وطاعته.. وهذا عمّار كان أميرًا من قبل عثمان رضي الله عنه على الكوفة، وهذا المقداد وغيره كانوا في عساكر الصّحابة وغزواتهم فكيف يمشي تلبيس الرافضة" [أبو المحاسن الواسطي/ المناظرة: الورقة(66)، وانظر: ص(66-67) من هذه الرّسالة.].

سادسًا: من المعلوم المقطوع به من وقائع التاريخ وأحداثه المعلومة المستفيضة حال الصحابة رضوان الله عليهم، وأنهم لم يؤثروا على الله شيئًا، وبلغ المكروه بهم كل مبلغ، وبذلوا النفوس في الله حتى أيد الله تعالى بهم نبيه، وأظهر بهم دينه، فكيف يجسر على الطعن عليهم من عرف الله ساعة في عمره؟ أم كيف يجترئ على سبهم وانتقاصهم من يزعم أنه مسلم [التنبيه والرد: ص10-11.]؟! ولهذا قال الخطيب البغدادي: "على أنه لو لم يرد من الله عز وجل فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة، وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد، والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم والاعتقاد بنزاهتهم" [الكفاية: ص49، وانظر مثل هذا المعنى: الإيجي/ المواقف: ص413.].

ومن يراجع أحداث السيرة وما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه من أذى واضطهاد، حتى رمتهم العرب عن قوس واحدة، وتحملوا اضطهاد قريش في بطحاء مكة، وقاسوا مرارة المقاطعة وشدة الحصار في الشعب، وعانوا من فراق الوطن والأهل والعشيرة فهاجروا إلى الحبشة، والمدينة، وقاموا بأعباء الجهاد وتضحياته، وحاربوا الأهل والعشيرة، إلى آخر ما هو مشهور ومعلوم من حالهم.

من يتأمل شيئًا من هذه الأحوال، يعرف عظمة ذلك الجيل، وقوة إيمانه، وصدق بلائه.

سابعًا: قامت القرائن العملية، والأدلة الواقعية من سيرة أمير المؤمنين علي في علاقته مع إخوانه أبي بكر وعمر وعثمان مما اشتهر وذاع ونقله حتى الروافض ما يثبت المحبة الصادقة، والإخاء الحميم بين هذه الطليعة المختارة، والصفوة من جيل الصحابة رضوان الله عليهم.

وتأتي في مقدمة هذه الأدلة والقرائن تزويج أمير المؤمنين علي ابنته أم كلثوم لأمير المؤمنين عمر [انظر: عقد أم كلثوم للشيخ فاروقي، محمد صديق/ التحقيق الجلي في تزويج أم كلثوم بنت علي.]. فإذا كان عمر فاروق هذه الأمة قد صار عند الاثني عشرية أشد كفرًا من إبليس، أفلا يرجعون إلى عقولهم ويتدبروا فساد ما ينتهي إليه مذهبهم؟! إذ لو كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما كافرين لكان علي بتزويجه ابنته أم كلثوم الكبرى من عمر رضي الله عنه كافرًا أو فاسقًا معرضًا بنته للزنا، لأن وطء الكافر للمسلمة زنا محض [السمعاني/ الأنساب: 1/347.].

والعاقل المنصف البريء من الغرض، الصادق في تشيعه لا يملك إلا الإذعان لهذه الحقيقة، حقيقة الولاء والحب بين الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم، ولذلك لما قيل لمعز الدولة أحمد بن بويه وكان رافضيًا يشتم صحابة رسول الله -: "إن عليًا عليه السلام زوج ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب، استعظم ذلك وقال: ما علمت بهذا، وتاب وتصدق بأكثر ماله وأعتق مماليكه ورد كثيرًا من المظالم وبكى حتى غشي عليه" [ابن الجوزي/ المنتظم: 7/38-39.] لشعوره بعظيم جرمه فيما سلف من عمره، الذي أمضاه ينهش في أعراض هؤلاء الأطهار مغترًا بشبهات الروافض.

وقد حاول شيوخ الشّيعة إبطال مفعول هذا الدّليل فوضعوا روايات الأئمّة تقول: "ذلك فرج غصبناه" [فروع الكافي: 2/10، وسائل الشّيعة: 7/ 434-435.]، فزادوا الطين بلة، حيث صوّروا أمير المؤمنين في صورة "الدّيّوث" الذي لا ينافح عن عرضه، ويقر الفاحشة في أهله، وهل يتصور مثل هذا في حق أمير المؤمنين علي؟! "إنّ أدنى العرب يبذل نفسه دون عرضه، ويقتل دون حرمه، فضلاً عن بني هاشم الذين هم سادات العرب وأعلاها نسبًا وأعظمها مروءة وحمية، فكيف يثبتون لأمير المؤمنين مثل هذه المنقصة الشنيعة، وهو الشجاع الصنديد، ليث بني غالب، أسد الله في المشارق والمغارب؟!" [السويدي/ مؤتمر النّجف: ص86.].

ويبدو أن بعضهم لم يعجبه هذا التوجيه، فرام التخلص من هذا الدليل بمنطق أغرب وأعجب، حيث زعم أنّ أم كلثوم لم تكن بنت علي ولكنّها جنّيّة تصوّرت بصورتها [انظر: الأنوار النّعمانيّة: 1/ 83-84، وقد جاء مثل هذا التّوجيه في كتب الإسماعيليّة. انظر: الهفت الشّريف: ص84 وما بعدها.].

ومن القرائن أيضًا علاقات القربى القائمة بينهم، ووشائج الصلة، وكذلك مظاهر المحبة، حتى إنّ عليًّا والحسن والحسين يسمّون بعض أولادهم باسم أبي بكر وعمر، وهل يطيق أحد أن يسمي أولاده بأسماء أشد أعدائه كفرًا وكرهًا له؟ وهل يطيق أن يسمع أسماء أعدائه تتردد في أرجاء بيته، يرددها مع أهلها في يومه مرات وكرات؟! [انظر ما سجّله محبّ الدّين الخطيب من علاقات المصاهرة بين الآل والأصحاب وأولاد آل البيت الذين يحملون أسماء الخلفاء الثّلاثة وغيرهم من الصّحابة في كتابه: "حملة رسالة الإسلام الأوّلون وما كانوا عليه من المحبّة والتّعاون" ص:11 وما بعدها، أو "نشأة التّشيّع وتطوّره": ص12 وما بعدها، وانظر: ما سجّله إحسان إلهي ظهير ممّا نقله من كتب الشّيعة في هذا الباب في كتابه "الشّيعة وأهل البيت"، ممّا لا حاجة لتكرار نقله هنا.].


في الإمامة – وفيه ست تنبيهات

          التنبيه الأول : أعلم أن أول ما أختلف فيه من مسائل هذا الباب كون نصب الإمام واجباً على العباد أو على الله تعالى . فأهل السنة على الأول ، والشيعة على الثاني . والفطرة شاهدة للأول إذ كل فرقة تقرر لأنفسهم رئيساً من بينهم ، وكذا الشرع أيضاً إذ الشارع قد أوضح شرائط الإمام وأوصافه ولوازمه بوجه كلى كما هو شانه في الأمور الجبلية كالنكاح ولوازمه مثلاً . وايضاً لا معنى للوجوب عليه تعالى بل هو مناف للالوهية والربوبية كما هو مقرر في محله . وأيضاً كل ما يتعلق بوجود الرئيس من أمور المكلفين – من إقامة الحدود والجهاد وتجهيز الجيوش إلى غير ذلك – واجب عليهم ، فلابد وأن يكون نصب الرئيس واجباً عليهم ، لأن مقدمة ما يجب على أحد واجبة عليه ، ألا ترى أن الوضوء وتطهير الثوب وستر العورة واجب على المصلى كالصلاة ، لا عليه تعالى ، وهذا ظاهر . وأيضاً إن تأملنا علمنا ان نصب الإمام من قبل البارى يتضمن مفاسد كثيرة ، لأن آراء العالم مختلفة واهواء نفوسهم متفاوتة ، ففي تعيين رجل لتمام العالم في جميع الأزمنة إلى منتهى بقاء الدنيا إيجاب لتهييج الفتن ، وجر لامر الإمامة على التعطيل ودوام الخوف والتزام الاختفاء كما وقع للجماعة الذين يعتقد الشيعة إمامتهم ، فمع هذا قولهم (( نصب الإمامة لطف )) في غاية السفاهة يضحك عليه ، إذ لو كان لكفاً لكان بالتأييد والإظهار لا بغلبة المخالفين والانتصار ، فإذا لم يكن التأييد في البين ، لم يكن النصب لطفاً كما يظهر لذى عينين .

          وما اجاب عنه بعض الإمامية – بان وجود الإمام لطف ، وتصرفه وتمكينه لطف آخر ، تصرف الأئمة إنما هو من فساد العباد وكثرة الفساد ، فإنهم خوفوهم ومنعوهم بحيث تركوا من خوفهم على أنفسهم إظهار الأمامة ، وإذا ترك الناس نصرتهم لسوء اختيارهم فلا يلزم قباحة في كونه واجباً عليه تعالى ، والاستتار والخوف من سنن الأنبياء فقد أختفى  في الغار خوفاً من الكفار – ففيه ( 1 ) غفلة عن المقدمات المأخوذة في الأعتراض ، إذ المعترض يقول : الوجود بشرط التصرف والنصرة لطف ، وبدونه متضمن لمفاسد . فالواجب في الجواب التعرض لدفع لزوم المفاسد ، ولم يتعرض له كما لا يخفى . وأيضاً يرد على القائل بكونه لطفاً آخر ترك الواجب عليه تعالى ، وهذا قبح من ترك النصب . وأيضاً يقال عليه : هذا اللطف الآخر إما من لوازم النصب أولا ، فعلى الأول لزم من تركه ترك النصب لن ترك اللازم يستلزم ترك الملزوم .

-----------------------

( 1 ) أى في هذا الجواب من الإمامية .

وعلى الثاني لم يبق النصب لطفاً للزوم المفاسد الكثيرة ، بل يكون سفهاً وعبثاً ، تعالى الله عن ذلك .

          وأيضاً ما ذكره من تخويف الناس للأئمة غير مسلم ، وهذه كتب التواريخ المعتبرة في البين . وأيضاً التخويف الموجب للاستتار غنما هو إذا كان بالقتل ، وهذا لا يتصور في حق الأئمة لأنهم يموتون باختيارهم كما أثبت ذلك الكلينى في الكافى وبوب له ( 1 ) . وأيضاً لا يفعل الأئمة أمراً إلا بإذنه تعالى ، فلو كان الإختفاء بأمره تعالى وقد مضت مدة والخفاء هو الخفاء ، فلا لطف بلا أمتراء ( 2 ) .

          وأيضاً إن كان واجباً للتخويف لزم ترك الواجب في حق الذين لم يكونوا كذلك كزكريا ويحيى والحسين ، وإن لم يكن واجباً بأن كان مندوباً لزم على من أختفى ترك الواجب الذى هو التبليغ لأجل مندوب ، وهو فحش . ولإن كان آمر الله تعالى مختلفاً بان كان في حق التاركين بالندب مثلاً وفي حق المستترين بالفرض لزم ترك الأصلح الواجب بزعم الشيعة في أحد الفريقين ، وهو باطل . ولا يمكن ان يقال الأصلح في حق كل ما فعل ، لأنا نقول إن الإمام بوصف الأمامة لا يصح أختلاف وصفه كالعصمة ، لأن أختلاف اللوازم يستلزم أختلاف الملزومات ، فيلزم أن لا يكون أحد الفريقين إماماً فلا يكون الأصلح في حقهم إلا أحد الحالين وإلا لزم اجتماع النقيضين كما أن الموضوع إذا كان مأخوذاً بالوصف العنواني فثبوت المحمول له بالضرورة بشرط الوصف يكون لازماً ويمتنع حمل نقيضه عليه كما لا يخفى . وأيضاً نقول : الاختفاء من القتل نفسه محال لأن موتهم باختيارهم ‍! وإن كان من خوف إيذاء البدن يلزم أن الأئمة فروا من عبادة المجاهدة وتحمل المشاق في سبيل الله تعالى وهذا بعيد عنهم ومع هذا لا معنى لاختفاء صاحب الزمان بخصوصه (3) فإنه يعلم باليقين أنه يعيش إلى نزول عيسى ولا يقدر أحد على قتله وأنه سيملك الأرض بحذافيرها فبأي شيء يتخوف ويختفي ؟ ولماذا لم يظهر الدعوة ويتحمل المشقة كما فعله -------------------------

( 1 ) في ص 62 من طبعة إيران سنة 1287 وعنوان الباب (( باب أن الأئمة يعلمون متى يموتون ، وانهم لا يموتون غلا بأختيار منهم )) وكتاب الكافى للكلينى عند هذه الطائفة بمنزلة صحيح البخارى عند المسلمين .

( 2 ) وفي بخاريهم الذى يسمونه ( الكافى ) للكلينى  ص 68 باب مستقل عنوانه (( باب أن الأئمة عليهم السلام لم يفعلوا شيئاً ولا يفعلونه إلا بعهد من الله وامر لا يتجاوزونه )) .

( 3 ) صاحب الزمان وقد يسمونه صاحب الدار هو الصبي الذي زعموا أنه إمامهم الثاني عشر ودخل السرداب صبياً في مدينة سر من رأى ومنذ أكثر من ألف سنة يدعون بأن يعجل الله فرجه ويرمزون لهذا الدعاء بهذين الحرفين (ع.ج) أو (عج) ، منتظرين خروجه من السرداب وبيده السيف فيذبح البشر جميعاً وفي مقدمتهم المسلمين أهل السنة والجماعة ويمحقهم محقاً وليس في الشيعة شاعر إلا قصيدة في صاحب الزمان ساكن السرداب والدعاء بأن يعجل الله فرجه وحتى البهاء العاملى صاحب الكشكول وخلاصة . الحساب له قصيدة يغنى فيها على ألحان هذه الموسيقى ولهم في بلدة قم رئيس يزعمون أنه آية الله وهو يمثل خدمة صاحب الزمان ويجمع الصدقات باسمه لا لأن الإمام يحتاج إلى ما في أيدى الناس يحتاجون أن تقبل صدقاتهم منه ! وقد أراد مندوب جريدة الأخبار المصرية أن يجتمع به فسافر إليه ولقي في ذلك أعظم المشقات ، ومع ذلك لم يتوصل إلى رؤية صاحب هذا المقام الرفيع لأن خادم صاحب السرداب يجب أن يكون هو الآخر في سرداب ! .

سيد الشهداء ؟ وما قاله المرتضي في كتابه ( تنزيه الأنبياء والأئمة ) من أنه فرق بين آبائه الكرام فإنه مشار إليه بأنه مهدي قائم صاحب السيف قاهر للأعداء منتقم منهم مزيل للدولة والملك عنهم فله مخافة لا تكون لغيره فكلام لا لب فيه لأن خوف القتل نفسه قد غلب عليه ومع هذا معلوم له باليقين أن أحداً لن يقتله أبداً . وأيضاً ألا يعلم أن المخالفين لا يقبلون من أحد دعوى المهدوية قبل ألف سنة وأن المهدي يظله السحاب لا سقف السرداب وأنه يظهر في مكة لا في سر من رأى ، ويدعو الناس بعد الأربعين من عمره لا في زمن الطفولة ولا في الشيخوخة على أن السيد محمد الجنفوري في الهند ولم يقتل ولم يخوف وأيضاً قد كثر محبوه وناصروه في زمن الدولة الصفوية أكثر من رمل الصحارى والحصى فالاختفاء مناف لمنصب الإمامة الذي مبناه على الشجاعة والجرءة فهلا خرج وصبر واستقام إلى أن ظفر وهلا كان القوم الذين قال الله تعالى فيهم  وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين  ثم ما حكى أولاً من قصة الغار واستتار سيد الأبرار من خوف الكفار فكلام واقع في غير موقعه لأن استتاره عليه الصلاة والسلام لم يكن لإخفاء دعوى النبوة بل كان من جنس التورية في الحرب لأجل أن الكفار لا يطلعون على مقصده ولا يسدون الطريق عليه وهذا أيضاً كان ثلاثة أيام فقياس ما نحن فيه عليه غاية الحماقة والوقاحة ففرق واضح لا يخفى على من له أدنى عقل بين الاختفاء الذي كان مقدمة لظهور الدين والغلبة على الكافرين وبين الاختفاء الذي لازمه الخذلان وترك الدعوة وانتشار الطغيان فالأول تلوح مياه الهمة من أسرته وتتبلج أقمار النصرة من تحت طرته بخلاف الثاني فغبار الجبن يلوح على خده والفرار عن الدعوة موسوم على حده فأي فرقة سخرها الإمام لنفسه في هذه الغيبة وأي ملك ملكه !؟ ولو ابتغى صاحب الزمان فرصة ثلاثمائة سنة مكان ثلاث ليالي وعوض الغار سرداب سر من رأى وبدل المدينة المنورة دار المؤمنين ( قم ) ودار الإيمان ( كاشان ) وبدل الأنصار شيعة فارس والعراق قائلاً بأنى في هذه الصورة أجمع الأسباب وأتخذ الأصحاب ثم خرج لكشف الغمة وإصلاح حال الأمة لتحمل أهل السنة وغيرهم هذه الشرائط وأنى ذلك فليست هذه إمامة بل هي لعمرك قيامة وقد ترك الشيخ (1) صاحب ( كنز العرفان ) من المتأخرين طريق القدماء وقال : كان الاختفاء لحكمة أستأثر بها الله تعالى في علم الغيب عنده ويرد عليه أن هذا الدعاء مجرد يمكن أن يقال مثله في كل أمر يكون مناقضاً للطف ، فلا يثبت اللطف في شئ ! وبه يفسد كلام الشيعة كله ، لأن مبنى أدلتهم عليه ، يقولون : إن أمر كذا لطف واللطف واجب عليه تعالى ! فليتأمل . والله

--------------------

( 1 ) السيوري أحد أعلام الشيعة الذي سبقت الإشارة إليه في ص81  .

سبحانه يحق الحق وهو يهدى السبيل .

          التنبيه الثاني : أعلم أن قول الله تعالى  أبعث لما ملكاً نقاتل في سبيل الله  وقوله تعالى  الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر  وقوله تعالى  وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا  إلى غير ذلك من الآيات يدل على أن هداية الناس والصبر على مشقة مخالطتهم من لوازم الإمامة ، وكذا الجهاد في سبيل الله ، والعقل يحكم بذلك . وقال أمير المؤمنين (( لابد للناس من أمير برٍ أو فاجر . يعمل في إمرته المؤمن ويستمع فيها الكافر ، ويبلغ فيها الأجل وتأمن فيها السبل ، ويؤخذ به للضعيف من القوى ، حتى يسريح بر ويستراح من فاجر )) كذا في نهج البلاغة . ولا يمكن حمله على التقية ، لما ذكره في نهج البلاغة من أنه t قاله لما سمع قول الخوارج (( لا إمارة )) فلا محل للتقية في مقابلتهم ، فتأمل في هذا الكلام ، وتفكر في هذا المقام تر الفلاح أوضح من الصباح ، وان الحق عند اصحاب الجنة وأهل السنة . والله تعالى أعلم .

التنبيه الثالث :  (( العدالة )) شرط الإمامة ، لا (( العصمة )) بمعنى أمتناع صدور الذنب كما في الأنبياء ، خلافاً للشيعة ولا سيما الإمامية والإسماعيلية قالوا : لابد منها علماً وعملاً ، وهو مخالف للكتاب والعترة .

أما الكتاب فقوله تعالى  إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً  فكان واجب الطاعة بالوحي ، ولم يكن معصوماً بالإجماع . وقوله تعالى  إنى جاعل في الأرض خليفة  فكان قبل النبوة إماماً وخليفة ، وصدر منه ما صدر ، ويدل على ذلك قوله تعالى  فعصى آدم ربه فغوى  وقوله  ثم أجتباه ربه  والاجتباء في قوله تعالى في حق يونس  فأجتباه ربه فجعله من الصالحين  الأصطفاء للدعاء وعذره ورده إليه لا الاسنباء ، إذ قد ثبت قبل بقوله تعالى  وإن يونس بمن المرسلين ، إذ أبقى إلى الفلك المشحون  بخلاف ما نحن فيه ، كذا قيل ، فليتأمل . وأما أقوال العترة فقد أسلفنا قول الأمير (( لابد للناس ألخ )) وأيضاً روى في الكافى ما قال الأمير لأصحابه (( لا تكفوا عن مقالة بحق ، أو مشورة بعدل ، فإنى لست آمن أن أخطى )) والحمل على المشورة الدنيوية ياباه الصدر كما لا يخفى .

وأيضاً روى صاحب الفصول عن أبي مخنف أنه قال : كان الحسين يبدى الكراهة من صلح أخيه الحسن مع معاوية ويقول : لو جز أنفى كان أحب إلى مما فعله أخى .

وإذا خطأ أحد المعصومين الاخر ثبت خطأ أحدهما بالضرورة ، لامتناع اجتماع النقيضين . وأيضاً في الصحيفة الكاملة للسجاد (( وقد ملك الشيطان عنانى في سوء الظن وضعف اليقين ، وإنى أشكو سوء محاورته لى وطاعة نفسى له )) فظاهر أنه – على الصدق والكذب – مناف للعصمة .

ومن أدلتهم على العصمة أن الإمام لو لم يكن معصوماً لزم التسلسل . بيان الملازمة أن المحوج للنصب هو جواز الخطأ للأمة ، فلو جاز الخطأ عليه أيضاً لافتقر إلى أخر وهكذا ، فيتسلسل . ويجاب بمنع أن المحوج ما ذكر ، بل المحوج تنفيذ الأحكام ودرء المفاسد وحفظ بيضة الأسلام مثلاً ، ولا حاجة في ذلك إلى العصمة ، بل الإجتهاد والعدالة كافيان . ولما لم يكن إثم على التابع إذ ذاك أستوى جواز الخطأ وعدمه . سلمنا . لكن التسوية ممتنعة بل تنتهى السلسلة إلى النبي . سلمنا لكنه منقوض بالمجتهد النائب عن الإمام في الغيبة عند الإمامية ، وليس بمعصوم إجماعاً فيلزم ما لزم ، والجواب هو الجواب .

ومن الأدلة أيضاً أنه حافظ للشريعة فكيف الخطأ ؟ ويجاب بالمنع ، بل هو مروج ، والحفظ بالعلماء لقوله تعالى  الربانيون والأحبار بما أستحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء  وقوله تعالى  كونوا ربانيين بما كنتم تدرسون  . وأيضاً إذا كان الحفظ بالعلماء زمن الفترة وفي الغيبة على ما في كشكول الكرامة للحلى ففي الحضور كذلك . سلمنا ، لكن الحفظ بالكتاب والسنة والإجماع لا بنفسه ، وممتنع الخطأ في هذه الثلاثة ، والآراء ، لا دخل لهما في صلب الشريعة ، فلا ضرورة في حفظها . سلمنا ، ولكن ذلك منقوض بالنائب . وقد يقال بأن وجود المعصوم لو كان ضرورياً للأمن من الخطأ لوجب أن يكون في كل قطر بل في كل بلدة ، إذ الواحد لا يكفى للجميع بل هو مستحيل بداهة لانتشار المكلفين في الأقطار ، والحضور مستحيل عادة ، ونصب نائب لا يفيد لجواز الخطأ لا يفيد لجواز الخطأ وعدم إمكان التدارك لا سيما في الغيبة والوقائع اليومية إذ الإطلاق ممنوع ، وعلى تسليمه الإعلام إما برسول ولا عصمة ، أو بكتاب والتلبيس جائز . على أن الفهم إنما هو إستعمال قواعد الرأى وضوابط القياس ، والكل مظنة الخطأ ، فلا يحصل المقصود إلا بنصب معصوم في كل قطر وهو محال .

التنبيه الرابع : الإمام لا يلزم أن يكون منصوصاً من البارى ، لأن نصبه واجب على العباد كما تقدم ، فتعيين الرئيس مفوض إليهم ، وهو الأصلح لهم . وقالت الإمامية لابد أن يكون منصوصاً من قبله تعالى ، كما أن نصبه واجب عليه تعالى . وهذا مخالف للعقل والنقل : أما الأول فقد مر ، وأما الثاني فلقوله تعالى  وجعلناهم أئمة  ، و  نريد أن نجعلهم أئمة  و  هو الذى جعلكم خلائف في الأرض  إلى غير ذلك ، ولم يكن في احد من تلك الفرق نص بل كان برأى أهل الحد والعقد ، فمعنى الجعل إلقاء أختياره في قلوب مسموعى القول فينصبوه ، فإن عدل فعادل وإلا فجائز . وقد قيس طالوت بعصا الملوك فساواها فملك كما لا يخفى على المتتبع فافهم ، والله تعالى اعلم .

التنبيه الخامس : لا يلزم أن يكون الإمام أفضل أهل العصر عنده تعالى ، إذ قد خلف طالوت ، وداود وشمويل موجودان . نعم لابد لأهل الحد والعقد من نصب الأفضل رياسة وسياسة لا عبادة ودراسة . والشيعة على خلاف هذا . وقد علمت درهم إجمالاً . وأشترطوا ما أشترطوا لنفى الخلافة عن الثلاثة لعدم العصمة والنص ، وفي الأفضلية مجال بحث . وهذه نبذة يسيرة في الرد ، وسيأتى التفصيل في إثبات الخلافة إن شاء الله تعالى .

التنبيه السادس : وهذا أهم التنبيهات : أعلم أن الإمام بعد رسول الله  بلا فصل أبو بكر الصديق بإجماع أهل الإسلام ، وقد تفردت الشيعة بإنكار ذلك وقالوا الإمامة كذلك لعلى t ، وعند أهل الحق له بعد الثلاثة ، ثم لابنه الحسن t ، والصلح لمصالح رآها وهو اللائق بذاته الكريمة لا لخوف من جند كما أفترى المفترون غذ قد ورد في كتب الشيعة خطبة يقول فيها (( إنما فعلت ما فعلت إشفاقاً عليكم )) وقد ثبت في آخرى أوردها المرتضى وصاحب الفصول أنه قال لما انبرم الصلح بينه وبين معاوية (( إن معاوية قد نازعنى حقاً لى دونه ، فنظرت الصلح للأمة وقطع الفتنة . وقد كنتم بايعتمونى على أن تسالموا من سالمنى وتحاربوا من حاربنى ، ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها ، ولم ارد بذلك إلا صلاحكم )) فهاتان الخطبتان تدلان على ان الصلح للمصلحة لا للعجز وعدم الناصر ، والثانية أيضاً تدل بالصراحة على إسلام الفريق الثاني ، لأن المصالحة لأهل الكفر والردة لمخافة الفتنة لا تجوز ، بل ترك قتالهم وغلبتهم هو الفتنة لقوله تعالى  وقاتلهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين له  وأيضاً قد سبق ما كان يقوله الحسين في صلح الحسن أفنسى أن الضرورات تبيح المحظورات . ثم إظهار الكراهة لخلاف المصلحة المعقولة للكارة لا تكون قبيحة ، وأيضاً الاختلاف بين أكابر الدين في المصالح المنجر إلى عدم الرضا لا يقدح في أحد الجانبين ، فليحفظ . ثم لا يغتر بما يقوله أهل الزور على اهل السنة من انهم يقولونه بخلافة معاوية بعد الشهيد ، وحاشا وكلا ( 1 ) بل هم يقولون بصحة خلافته بعد صلح

 ---------------------------

( 1 ) ومعاوية نفسه t يرى بدء خلافته من يوم مبايعة الحسن t له بالخلافة ، ومع ذلك فإنه في عشرين سنة تقدمت على ذلك مدة الخلافة الصديق والفاروق وذى النورين إلى عام الجماعة كان الحاكم المثالى في العدل والحكمة والسيرة الصالحة ، ثم كان كذلك في عشرين سنة أخرى تولى فيها جميع أمور المسلمين عادلاً مجاهداً فاتحاً صالحاً . روى افمام الحافظ الثقة أبو بكر أحمد بن محمد بن هانى الأثرم المتوفى بعد سنة 270 وكان من أعلام المسلمين قال : حدثنا محمد بن حواش عن أبي هريرة المكتب قال : كنا عند سليمان ابن مهران الأعمش ( المتوفى سنة 148 في خلافة أبي جعفر المنصور ) فذكر عمر ابن عبد العزيز وعدله ، فقال الأعمش : فكيف لو أدركتم معاوية ؟ قالوا : في حلمه ؟ قال : لا والله ، بل في عدله . وذكر أبو إسحاق السبيعى معاوية فقال : (( لو أدركتموه أو أدركتم أيامه لقلتم كان المهدى )) .

الحسن إلا أنه غير راشد ( 1 ) والراشدون هم الخمسة ، بل قالوا أنه باغ ( 2 ) .

فإن قلت إذا ثبت بغيه لم لا يجوز لعنه ؟ جوابه : إن أهل السنة لا يجوزون لعن مرتكب الكبيرة مطلقاً ، فعلى هذا لا تخصيص بالباغى لأنه مرتكب كبيرة ايضاً ، على انه إذا كان باغياً بلا دليل ، وأما كان بغيه بالإجتهاد ولو فاسد فلا إثم عليه فضلاً عن الكبيرة ويشهد لهم قوله تعالى

 وأستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات  والآمر بالشئ نهى عن ضده عند الإمامية ، فالنهى عن اللعن واضح . نعم ورد اللعن في الوصف في حق أهل الكبائر مثل قوله تعالى  ألا لعنة الله على الظالمين  وقوله تعالى  فنجعل لعنة الله على الكاذبين  لكن هذا اللعن بالحقيقة على الوصف لأعلى صاحبه ، ولو فرض عليه يكون وجود الإيمان مانعاً والمانع مقدم كما هو عند الشيعة ، وأيضاً وجود العلة مع المانع لا يكون مقتضياً ، فاللعن لا يكون مترتباً على وجود الصفة حتى يرتفع الإيمان المانع ، وقوله تعالى  والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا أغفر لنا ولأخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين أمنوا إنك رءوف رحيم  نص في طلب المغفرة وترك العداوة بحيث جعل على الإيمان من غير تقييد ، ويشهد لهم ما تواتر عن الأمير من نهى لعن أهل الشام ، قالت الشيعة والنهى لتهذيب الأخلاق وتحسين الكلام كما يدل قوله تعالى في هذا المقام (( إنى أكره لكم أن تكونوا سبابين )) ، وأهل السنة يقولون هو مكروه للإمام فينبغي كراهته لنا وعدم محبوبيته وجعله قربة وإن لم نعلم وجه الكراهة .

وايضاً روى في نهج البلاغة عنه t ما يدل صراحة على المقصود ، وهو انه لما سمع لعن اهل الشام خطب وقال (( إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والأعوجاج والشبهة والتأويل )) . فإذا صحت الروايتان في كتب الإمامية حملنا الأولى على من كان يلعنهم بالوصف وهو جائز ، لا مطلقاً بل لمن يبلغ الشريعة كالأنبياء ، إذ قد يستعمل لبيان قباحه تلك الصفات ، وأما الغير في حقه مكروه ، لأنه لو أعتاده لخشى في حق من ليس أهلاً له ، وحملت الثانية على من يلعن أهل الشام بتعيين الأشخاص غافلاً عن منع الإيمان ، فأعملنا الروايتين لأن الأصل في الدلائل الإعمال دون الإهمال . وقال بعض علماء الشيعة : البغي غير موجب للعن على قاعدتنا ، لأن الباغى آثم ، لكن هذا الحكم مخصوص بغير المحارب للأمير ،

---------------------------

( 1 ) اى لم يكن من الخلفاء الراشدين .

( 2 ) بل قال الشيعة أكثر من ذلك ، والمؤلف يخاطب الشيعة بعقليتهم ليعود بعد ذلك فينقض كل ما تظاهر به لهم . اما المنصفون من أعلام أمة محمد  فيقولون كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ( 3 : 185 ) : (( لم يكن من ملوك الإسلام ملك خيراً من معاوية ، ولا كان الناس في زمان ملك من الملوك خيراً منهم في زمن معاوية ، إذا نسبت أيامه إلى أيام من بعده . وإذا نسبت إلى أيام أبي بكر وعمر ظهر التفاضل . وقد روزى أبو بكر الأثرم – ورواه ابن بطة من طريقه – عن محمد بن عمر بن جبله عن محمد بن مروان عن يونس بن عبيد البصرى عن قتادة بن دعامة السدوسى أحد أعلام الإسلام في البصرة أنه قال : (( لو أصبحتم في مثل عمل معاوية لقال أكثركم : هذا المهدى )) .

وأما هو فكافر عندنا بدليل حديث متفق عليه عند الفريقين أنه  قال للأمير : (( حربك حربي )) وأنه قال لأهل العبا (( أنا سلم لمن سالمتم حرب لمن حاربتم )) وحرب الرسول كفر بلا شبهة فكذا حرب الأئمة .

قال أهل السنة هذا مجاز للتهديد والتغليط ، بدليل ما حكم الأمير من بقاء إيمان أهل الشام وأخوتهم في الإسلام ، على أن قوله (( حرب الرسول كفر )) ممنوع ، إذ قد حكم على آكل الربا بحرب الله ورسوله معاً قال تعالى  فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله  وعلى قطاع الطريق كذلك قال تعالى  إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  الآية فلم لم تحكم الشيعة بكفر هؤلاء ؟

هذا ولنرجع إلى ما كنا فيه ، ولنورد عدة آيات قرآنية وأخبار عن العترة تدل على المرام ، وتوضح المقام . وتفسد أصل الشيعة ، وتبطل هذه القاعدة الشنيعة . وبالله تعالى الاستعانة والتوفيق ، ومنه يرجى الوصول إلى سواء الطريق .

فمن الآيات قوله تعالى  وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما أستخلف الذين من قبلهم ، وليمكنن لهم دينهم الذى أرتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً بعبدوننى لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فاولئك هم الفاسقون  . الحاصل أن الله تعالى وعد المؤمنين الصالحين – الحاضرين وقت النزول – بالإستخلاف والتصرف ، كما جعل داود  ، الوارد في حقه  ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض  وغيره من الأنبياء ، بإزالة الخوف من الأعداء الكفار والمشركين ، وبأن يجعلهم في غاية الأمن حتى يخشون أحداً إلا الله تعالى ، وبتقويه الدين المرتضى بأن يزوجه ويشيعه كما ينبغي . ولم يقع هذا المجموع إلا زمن الخلفاء الثلاثة لأن المهدى ماكان موجوداً وقت النزول ، والأمير وإن كان حاضراً لكن لم يحصل له رواج كما هو حقه بزعم الشيعة ، بل صار أسوأ وأقبح من عهد الكفار كما صرح به المرتضى في ( تنزيه الأنبياء والأئمة ) مع أن الأمير كانوا يخفون دينهم خائفين هائبين من أفواج أهل البغي دائماً ( 1 ) . وأيضاً الأمير فرد من الجماعة ، ولفظ الجمع حقيقة في ثلاثة أفراد ففوق ، والأئمة الاخرون لم يوجد فيهم مع عدم قصورهم تلك الأمور كما لا يخفى ، وخلف الوعد ممتنع أتفاقاً ، فلزم أن الخلفاء الثلاثة كانوا هم الموعودين من قبله تعالى بالإستخلاف وأخويه ( 2 ) وهو معنى الخلافة الراشدة المرادفة للإمامة .

 ---------------------------

( 1 ) المؤلف يتكلم بلغة الدين يخاطبهم من الشيعة كما تقدم التنبيه على ذلك ليتمكن من نقض مزاعمهم وإبطالها .

( 2 ) وهما ان يمكن الله لهم دينهم الذى أرتضى لهم ، أن يبدلهم من بعد خوفهم أمناً .

وقال الملا عبد الله المشهدى في ( إظهار الحق ) : بعد الفحص الشديد يحتما أن يكون (( الخليفة )) بالمعنى اللغوى و (( الاستخلاف )) الإتيان بأحد بعد آخر كما ورد في حق بنى إسرائيل  عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض  والمعنى الخاص مستحدث بعد الرحلة . جوابه : أن الاستخلاف غير مستعمل في الكلام بالمعنى اللغوى ، والقاعدة الأصولية للشيعة أن الألفاظ القرآنية ينبغي أن تحمل على المعاني الاصطلاحية الشرعية حتى الإمكان ، لا على المعاني اللغوية . وإلا فالشرعية كلها تفسد ولا يثبت حكم كما لا يخفى . وأيضاً كيف يصح تمسكهم بحديث (( أنت منى )) الخ المنضم إليه (( أخلفنى في قومى )) وكيف التمسك بحديثهم (( يا على خليفتى من بعدي )) ؟ ولقد سعى المدققون من الشيعة في الجواب عن هذه الأية ( 1 ) وتوجيهها ، وأحسن الأجوبة عندهم اثنان : الأول أن (( من )) للبيان لا للتعبيض ، و (( الاستخلاف )) الاستيطان . قلنا : حمل (( من )) الداخلة على الضمير على البيان مخالف للاستعمال وبعيد عن المعنى في الآية الكريمة وإن قال به البعض ، سلمنا لكن لا يضرنا لأن المخاطبين هم الموعودون بتلك المواعيد وقد حصلت لهم ، إلا أن الاستخلاف غير معقول للكل حقيقة ، فالحصول للبعض حصول للكل باعتبار المنافع . وأيضاً قيد (( أعملوا الصالحات )) وكذا (( الإيمان )) يكون عبثاً إذ الاستيطان يحصل للفاسق وكذا الكافر . وأيضاً حاشا القرآن من العبث . الثاني أن المراد الأمير فقط وصيغه الجمع للتعظيم أو مع أولاده خوف . قلنا يلزم تخلف الوعد كما لا يخفى ، إذ لم يحصل لأحد منهم تمكين دين وزوال خوف ، والناس شاهدة على ذلك . وأنظر ايها المصنف الحصيف واللوذعى الشريف إلى ما قاله الإمام مما ينسحم عندهم ( 2 )  أن عمر بن الخطاب لما أستشار الأمير عند أنطلاقه لقتال فارس وقد جمعوا للقتال ، إجابه (( إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة ، وهو دين الله تعالى الذى أظهره ، وجنده الذى أعده وأمده ، حتى بلغ ما بلغ وطلع ، ونحن على وعد من الله تعالى حيث قال عز أسمه  وعد الله الذين أمنوا  وتلا الآية منجز وعده وناصر جنده . ومكان القيم بالأمر في الإسلام مكان النظام من الخرز فإن أنقطع النظام تفرق الخرز ، ورب متفرق لم يجتمع ، والعرب اليوم وإن كانوا قليلاً فهم كثيرون بالإسلام عزيزون بالاجتماع ، فكن قطباً ، واستدر الرحى بالعرب وأصلهم دونك نار الحرب ، فإنك إن شخصت من هذه الأرض أنتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات

-------------------------

( 1 )  آية  وعد الله الذين منكم وعملوا الصالحات ليستخلفهم في الأرض  .

( 2 ) تقدم في هامش ص 58 أن المرتضى أعان أخاه الرضى على توسيع الخطب والأقوال المنسوبة لأمير المؤمنين كرم الله وجهه ، وأنهما كانا يعمدان إلى الخطبة القصيرة المأثورة عن أمير المؤمنين فيزيدان عليها من هوى الشيعة ما تواتيهما عليه القريحة من ذم الصحابة أو دس العقائد الملتوية . ففي نهج البلاغة الكثير من كلام الإمام ، ولكن فيه الأكثر من دسائس المرتضى والرضى .

أهم إليك مما بين يديك . إن الأعاجم إن ينظروا إليك غداً يقولوا : هذا أصل العرب فإذا قطعتموه أسترحتم ، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك . فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله سبحانه وتعالى هو أكرم لمسيرهم منك ، وهو أقدر على تغيير ما يكرهه . وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة ، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة )) أنتهى بلفظه . فتدبر فقد أرتفع الإشكال واتضح الحال والحمد لله رب العالمين .

          ومنها قوله تعالى  قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولى بأسٍ شديد تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجراً حسناً ، وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذاباً أليماً  المخاطب بهذه الآية بعض القبائل ممن تخلف عن الرسول  في غزوة الحديبية لعذر بارد وشغل كاسد ، وقد أجمع الفريقان أنه لم يقع بعد نزول هذه الآية إلا غزوة تبوك ، ولم يقع فيها إلا القتال ولا الإسلام ، فتعين الغير ، والداعى ليس جناب الرسول عليه الصلاة والسلام لا محالة ، فلابد أن يكون خليفة من الخلفاء الثلاثة الذين وقعت الدعوة في عهدهم كما في عهد الخليفة الأول لمانعى الزكاة اولاً وأهل الروم آخراً ، وفي عهد الخليفة الثاني والثالث كما لا يخفى على المتتبع . فقد صحت خلافة الصديق لأن الله تعالى وعد وأوعد ، ورتب كلا على الإطاعة والمعصية . فهلا يكون ذلك المطاع المنقاد له بالوجود إماماً ؟ المنصف يعرف ذلك . وقد تخبط ابن المطهر الحلى وقال : يجوز أن يكون الداعى الرسول عليه الصلاة والسلام في تلك الغزوات التى وقع فيها القتال ، ولم ينقل لنا . وإذ فتح هذا الباب يقال كذلك : يجوز عزل الأمير بعد الغدير ونصب ابي بكر وتحريض الناس على أتباعه ، ولم ينقل لنا . فأنظر وتعجب . وقال بعضهم : الداعى هو الأمير ، فقد دعا إلى قتال الناكثين والقاسطين والمارقين . ويقال فيه : إن قتل الأمير إياهم لم يكن لطلب الإسلام بل لا نتظام أحوال الإمام ، ولم ينقل في العرف القديم والجديد أن يقال لإطاعة الإمام
(( إسلام )) ولمخالفته (( كفر )) . ومع هذا نقل الشيعة روايات صحيحة عن النبي  في حق الأمير أنه قال : إنك يا على تقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله . وظاهر أن المقاتلة على تأويل القرآن لا تكون إلا بعد قبول تنزيله ، وذلك لا يعقل بدون الإسلام ، بل هو عينه ، فلا يمكن المقاتلة على التأويل على الإسلام بالضرورة وهو ظاهر .

ومنها قوله تعالى  يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم  مدح الله تعالى في هذه الآية الكريمة الذين قالوا المرتدين بأكمل الصفات وأعلى المبرات ، وقد وقع ذلك من الصديق وأنصاره بالإجماع ، لأن ثلاث فرق قد أرتدوا في آخر عهده  : الأولى بنو مدلج قوم اسود العنسى ذى الخمار الذى ادعى النبوة في اليمن وقتل على يد فيروز الديلمى ، الثانية بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب المقتول في أيام خلافة الصديق على يد وحشى ، الثالثة بنو أسد قوم طليحة بنى خويلد المتنبي ولكنه آمن بعد ان أرسل النبي  خالداً وهرب منه إلى الشام . وقد أرتد في خلافة الصديق سبع فرق : بنو فرازة قوم عيينة بن حصن ، وبنو غطفان قوم قرة بن سلمة ، وبنو سليم قوم ابن عبد ياليل ، وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة ، وبعض بنى تميم قوم سجاج بنت المنذر ، وبنو كندة قوم أشعث بن قيس الكندى ، وبنو بكر في البحرين . وأرتدت فرقة في زمن عمر t والتحقت بالنصارى إلى الروم . وقد استأصل الصديق كل فرقة وأزعجهم واستردهم إلى الإسلام كما أجمع عليه المؤرخون كافة . ولم يقع للأمير ذلك ، بل كان متحسراً على ما هنالك ، وكم قال (( أبتليت بقتال أهل القبلة )) كما رواه الإمامية ، وتسمية منكرى الإمامة مرتدين مخالفة للعرف القديم والحديث . على أن المنكر للنص غير كافر ( 1 ) كما قال الكاشى وصاحب الكافى ، وأنظر إلى ما قال الملا عبد الله ( 2 ) صاحب ( إظهار الحق ) ما نصه : (( فإن قيل ( 3 ) فإن لم يكن النص الصريح ثابتاً كما في باب خلافة الأمير فالإمامية كاذبون ، وإن كان لزم أن يكون جماعة الصحابة مرتدين والعياذ بالله تعالى ، أجيب : إن إنكار النص الذى هو موجب للكفر إنما هو اعتقاد أن الأمر المنصوص باطل وإن كذبوا في ذلك التنصيص رسول الله  ، حاشا . أما لو تركوا الحق مع علمهم بوجوبه للأغراض الدنيوية وحب الجاه فيكون ذلك من الفسوق والعصيان لا غير )) ثم قال (( فالذين أتفقوا على خلافة الخليفة الأول لم يقولوا إن النبي  نص عليها لأحد أو قال بما لا يطابق الواقع فيها ، معاذ الله ، بل منهم من أنكر بعض الأحيان تحقق النص ، وأول بعضهم كلام الرسول  تأويلاً بعيداً )) أنتهى كلامه . وأيضاً قال الأمير في بعض خطبه المروية عنه عندهم (( أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل )) وأيضاً قد منع السب كما تقدم ، وسب المرتد غير منهى عنه . قطعنا النظر وسلمنا أن الأمير قال المرتدين ، فالمقاتل لهم زمن الخليفة الأول شريك في المدح ايضاً ، وإلا لزم الخلف

---------------------------

( 1 ) أي عند الشيعة . والمؤلف يخاطبهم في هذا الكتاب باسلوبهم وعقليتهم وأدلتهم وبالمسلمات عندهم .

( 2 ) هو المشهدي الشيعي الذى تقدم ذكره في ص 126 وسيأتى في ص 144 .

( 3 ) أى إذا قال أهل السنة .

لعموم من في الشرط والجزاء كما تقرر في الأصول . والمقاتل هو ( 1 ) وأنصاره لا الأمير ، إذ لم يدافع أحداً منهم ولا عساكره ، إذ هم ( 2 ) غير موصوفين بما ذكر ، فلكم (( أنبئت بسراً قد أطلع اليمن ، وإنى والله لا أظن هؤلاء القوم سيدالون منكم ( 3 ) باجتماعهم على باطلهم وتفركم عن حقكم . وبمعصيتكم إمامكم في الحق ، وطاعتهم إمامهم في الباطل . وبأدائهم الأمانة إلى أصحابهم . وخيانتكم ، وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم . فلو أئتمنت أحدكم على قعب لخشيت أن يذهب بعلاقته . اللهم قد مللنهم وملونى وسئمتهم وسئمونى ، فأبدلنى خيراً منهم وأبدلهم بي شراً منى . اللهم مث قلوبهم كما يماث الملح بالماء . لوددت والله لو أن لى بكم ألف فارس من بنى فراس بن غنم :

          هنالك لو دعوت أتـاك منهم              فروارس مثل أرمية الحميم

          ويقول في خطبة أخرى : أحمد الله على ما قضى من أمر ، وقدر من فعل ، وعلى ابتلائى بكم ايتها الفرقة التى إذا أمرت لم تطع ، وإذا دعوت لم تدب . ثم قال بعد كلام : وإنى لصحبتكم قال وبكم غير كثير ألخ . والنهج مملوء من أمثال هذه الكلمات ، ومحشو من مثل هذه الشكايات . فأنظر هل يمكن تطبيق الأوصاف القرآنية على هؤلاء الأقوام ( 4 ) وهل يجتمع النقيضان ( 5 ) ! وكلام الله كاذب ، أم كلام الإمام ؟ وأيضاً يستفاد من سياق الآية وسباقها أن فتنة المؤمنين وتقويهم ، ولإزالة خوفهم من المرتدين وفتنتهم ، ولم تنته مقالات الأمير إلا إلى الضد كما لا يخفى .

          هذا وبقيت ىيات كثيرة وأدلة غزيرة تركناها أكتفاء بما ذكرناه ، واعتماداً على أن المنصف يكفيه ما سطرناه .

          وأما أقوال العترة فمنها ما أورده المرتضى في ( نهج البلاغة ) عن أمير المؤمنين من كتابه الذى كتبه إلى معاوية وهو : أما بعد فإن بيعتى يا معاوية لزمتك وأنت بالشام ، فإنه بايعنى القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ، وعلى ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ولا للغائب أن يرد ، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله رضا ، فإن خرج منهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه فإن آبى قاتلوه على

------------------------

( 1 ) أى الخليفة الأول .

( 2 ) أى عساكر الأمير كرم الله وجهه .

( 3 ) أى سيعطيهم الله الغلبة عليكم .

( 4 ) يعنى الأوصاف الواردة في الأية  فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه . أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ….  .

( 5 ) أى ذم أمير المؤمنين شيعته وجنده ، والوصف القرآني الوارد في الآية .

أتباعه غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى . ومنتهى ما أجاب الشيعة عن أمثال هذه انه من مجاراة الخصم ودليل الزامى ، وهو تحريف لا ينبغي لعاقل ، ولا يليق بفاضل ، إذ فيه غفلة وإغماض عن أطراف الكلام الزائدة على قدر الإلزام ، إذ يكفى فيه بيعة أهل الحل والعقد كما لا يخفى . وأيضاً الدليل الإلزامى مسلم عند الخصم ، ومعاوية لا يسلم ما ذكر ويرشدك إلى ذلك كتبه إلى الأمير كما هو مذكور عند الإمامية وغيرهم ، فمذهبه كما يظهر منها أن كل مسلم قرشى مطلقاً إذا كان قادراً على تنفيذ الأحكام وإمضاء الجهاد وحماية حوزة الإسلام وحفظ الثغور ودفع الشرور وبايعه جماعة من المسلمين من أهل العراق أو من أهل الشام أو من المدينة المنورة فهو الإمام . وإنما لم يتبع الأمير لاتهامه له بقتله عثمان ( 1 ) وحفظ أهل الجور والعصيان ، وكان يعتقده قادراً على تنفيذ الأحكام وأخذ القصاص الذى هو من عمدة أمور شريعة سيد الأنام وذلك بزعمه ومقتضى فهمه . ومن أجلى البديهات أن بيعة المهاجرين والأنصار التى لم تكن خافية على معاوية قط لو حبسها معتداً بها لم يذكر في مجالسه ومكاتيبه قوادح الأمير ، بل خطأ تلك البيعة أيضاً بالصراحة كما هو معروف من مذهبه على ما لا يخفى على الخبير . فما ذكر في مقابلته من بيعة المهاجرين والأنصار دليل تحقيقى مركب من المقدمات الحقة فيثبت المطلوب .

          ومنها ( 2 ) ما في ( النهج ) أيضاً عن الأمير (( لله بلاد ابي بكر لقد قوم الأود ، وداوى العلل ، وأقام السنة ، وخلف البدعة ، وذهب نقى الثوب ، قليل العيب ، أصاب خيرها واتقى شرها ، أدى لله طاعة واتقاه بحقه ، رحل وتركهم في طريق متشعبة لا يهتدى فيها الضال ، ولا يستيقن المهتدى )) . وقد حذف الشريف صاحب النهج حفظاً لمذهبه لفظ (( أبي بكر )) وأثبت بدله (( فلان)) وتأبي الأوصاف إلا أبا بكر ، ولهذا الإبهام أختلف الشراح فقال البعض هو ابو بكر وبعض هو عمر ورجح الأكثر الأول وهو الأظهر فقد وصفه من الصفات بأعلى مراتبها ، فناهيك به وناهيك بها . وغاية ما أجابوا أن مثل هذا المدح كان من الإمام لاستجلاب قلوب الناس لاعتقادهم بالشيخين أشد الاعتقاد ، ولا يخفى على المنصف أن فيه ( 3 ) نسبة الكذب لغرض دنيوى مظنون الحصول ، بل كان اليأس منه ( 4 ) وفي الحديث الصحيح (( إذا مدح الفاسق غضب الرب )) ، وأيضاً أية ضرورة تلجئه إلى هذه التأكيدات والمبالغات ؟ وكان يكفيه أن يقول : لله بلاد فلان قد جاهد الكفر والمرتدين ، وشاع بسعيه الإسلام ، وقام عماد المسلمين ، ووضع الجزية ، وبنى

--------------------------

( 1 ) أى وجودهم في نطاق حكمه دون أن يقام عليهم الحد الشرعي .

( 2 ) من أقوال العترة .

( 3 ) أى في هذا التعليل البارج من الشيعة .

( 4 ) أى إلا عن أعتقاد بصدق ما يقوله .

المساجد ، ولم تقع في خلافته فتنة ولا بقى فيها معاند . ونحو ذلك . وفرق بين هذا والسلوك في هاتيك المسالك . وأيضاً في هذا المدح العظيم الكامل تضليل الأمة وترويج للباطل ، وذلك محال من المعصوم ( 1 ) ، بل كان الواجب عليه بيان الحال لمن بين يديه بموجب الحديث الصحيح ( 2 )

(( أذكروا الفاجر بما فيه يحذره الناس )) فأنظر وأنصف . وأجاب بعض الإمامية أن المراد من (( فلان )) رجل من الصحابة مات في عهد النبي   واختار هذا القول الراوندى ، وأنظر هل يمكن لغيره  في زمنه الشريف تقويم الأود ، ومداواة العلل وإقامة السنة وغيرها ؟ وهل يعقل أن رجلاً مات وترك الناس فيما ترك والنبي  موجود بنفسه وذاته الأنيسة ؟ سبحانك هذا بهتان عظيم وزور جسيم . وقال البعض : غرض الإمام من هذه العبارة توبيخ عثمان والتعريض به ، فإنه لم يذهب على سيرة الشيخين . وفيه : أما اولا فالتوبيخ يحصل بدون هذه الكذبات فما الحاجة إليها ؟ وأما ثانياً فسيرة الشيخين إن كانت محمدودة فقد ثبتت إمامتها وإلا فالتوبيخ (( أنا الغريق فما أخشى من البلل )) . ومنها ما نقله على ابن عيسى الأربلى الأثنا عشرى ( 3 ) في كتابه ( كشف الغمة في معرفة الأئمة ) أنه (( سئل الإمام أبو جعفر عن حلية السيف هل تجوز ؟ فقال : نعم ، قد حلى أبو بكر الصديق سيفه بالفضة . فقال الراوى : أتقول هذا ؟ فوثب الإمام عن مكانه فقال : نعم الصديق ، نعم الصديق ، فمن لم يقل له الصديق فلا صدق الله قوله في الدنيا والآخرة )) ومن الثابت أن مرتبة الصديقية بعد النبوة ، ويشهد لها القرآن ، والآيات كثيرة ، منها قوله تعالى  فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً  ولا أقل من كونها صفة مدح فوق الصالح ، وإذا قال المعصوم ( 4 ) في رجل أنه صالح أرتفع عنه أحتمال الجور والفسق والظلم والغضب ، وإلا لزم الكذب وهو محال ، فكيف يعتقد فيه غضب الإمامة وتضييع حق الأمة ؟ ولعمرك المعتقد داخل في عموم هذا الدعاء ، ويكفيه جزاء . وغاية ما أجابوا أنه (( تقية )) وانت تعلم ان وضع السؤال يعلم منه أن السائل شيعي ، فلم التقية منه وهذا التأكيد ؟ وبعضهم أنكر هذا الكلام ، والنسخ شاهدة لنا وإن لم يوجد في البعض فالبعض الآخر كاف ، والنسخ كثيرة والروايات في هذا الباب أكثر والله أعلم .

---------------------------

( 1 ) نذكر القارئ بان المؤلف يجارى القوم بما فيه إلزام لهم مما يعتقدونه ويسلمون بصحته .

( 2 ) أورد ابن الدبيع الشيباني هذا الحديث في كتابه ( تمييز الطيب من الخبيث ، فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث ) ص 16 طبعة مصر سنة 1347 متابعاً شيخه الشمس السخاوى في كتاب ( المقاصد الحسنة ) وقال أخرجه أبو يعلى وغيره ، ولا يصح ( أى لا يبلغ درجة الصحة ) . وأورده العجلونى في ( كشف الخفا والالباس ) من رواية أبن ابي الدنيا وابن عدى والطبراني والخطيب من حديث معاوية بن أبي حيدة ، ثم نقل قول ابن الدبيع إنه لا يصح . والإمام أحمد لم يثبت هذا الحديث في أحاديث معاوية بن أبي حيدة التى أوردها في أوائل الجزء الخامس من مسنده الطبعة الأولى .

( 3 ) من صناديد متعصبي الشيسعة في القرن السابع الهجرى ، له ترجمة في روضات الجنات ص 386 الطبعة الثانية .

( 4 ) أي في اعتقاد الخصم .

ولنذكر بعض الأدلة المأخوذة من الكتاب وأقوال العترة الأنجاب مما يوصل إلى المطلوب بأدنى تأمل :

الأول أن الله تعالى ذكر جماعة الصحابة الذين كانوا حاضرين حين انعقاد خلافة أبي بكر الصديق وممدين له وناصرين له في أمور الخلافة ملقباً لهم في مواضع من تنزيله قال تعالى  أولئك هم الفائزون  وقال تعالى  رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك هم الصادقون  وقال تعالى  حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان  فإجماع مثل هؤلاء الأقوام على منشأ الجور والآثام محال وإلا لزم الكذب وهو كما ترى .

الثاني أن الله تعالى وصف الصحابة y بقوله عز اسمه  حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان  فكيف يرتكبون ذلك فيلزم الخلف وهو محال .

الثالث أن الله تعالى قال في المهاجرين  أولئك هم الصادقون  بعد قوله سبحانه  للفقراء المهاجرين  الآية وجميعهم قائلون بخلافة الصديق ، ولو لم تكن حقة لزم الخلف في الآية وهو محال .

الرابع أن جماعة كثيرين من الصحابة قد وقع اتفاقهم على خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه وكل ما يكون متفقاً عليه لجماعة الأمة فهو حق وخلافة باطل بما ذكره الرضى في ( نهج البلاغة ) مروياً عن الأمير في كلام له (( إلزموا السواد الأعظم فإن يد الله على الجماعة وإياكم والفرقة فإن الشاذ من الناس للشيطان كما أن الشاذ من الغنم للذئب )) .

الخامس أن قوماً جاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقتلوا آباءهم وأبناءهم وإخوانهم وأقاربهم ولم يراعوا حقهم نصرة لله تعالى ورسوله  وقد حضروا هذه البيعة ولم يخالفوا فلا بليق بهم ما نسب وكيف يرضى بذلك العاقل .

السادس أن أمير المؤمنين لما سئل عن أحوال الصحابة الماضين وصفهم بلوازم الولاية وقال كما في ( نهج البلاغة ) : (( كانوا إذا ذكروا الله صمت أعينهم حتى تبل جباههم ومادوا كما يميد الشجر يوم الريح العاصف خوفاً من العقاب ورجاء للثواب )) وقال أيضاً (( كان أحب اللقاء إليهم لقاء الله وإنهم يتقلبون على مثل الجمر من ذكر معادهم )) فالانكار من هؤلاء والإصرار على مخالفة الله والرسول  من المحالات .

السابع ما ذكر في الصحيفة الكاملة للسجاد من الدعاء لهم ومدح متابعيهم ولا احتمال للتقية في الخلوات وبين يدي رب البريات ونصه (( اللهم وأوصل إلى التابعين لهم بإحسان الذين يقولون  ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان  خير جزائك الذين قصدوا سمتهم وتحروا وجهتهم ومضوا في قفو أثرهم والائتمام بهداية منارهم يدينون بدينهم على شاكلتهم لم يتهم ريب في قصدهم ولم يختلج شك في صدورهم )) إلى آخر ما قال فالاصرار من هؤلاء الأخبار على كتمان الحق وتجويز الظلم والجور على عترة سيد الخلق  لا يقول به عاقل ولا يفوه به كامل .

الثامن ما أورده الكليني في الكافي في باب السبق إلى الإيمان (1) بروايات أبي عمرو الزبيري عن أبي عبدالله  أنه قال (( قلت له إن الإيمان درجات ومنازل يتفاضل المؤمنون فيها عند الله . قال نعم . قلت صفة لي رحمك الله حتى أفهمه ، قال : إن الله سبق بين المؤمنين كما يستبق بالخيل يوم الرهان ثم فضلهم على درجاتهم في السبق إليه فجعل كل امرئ منهم على درجة سبقه ولا ينقصه فيها من حقه ولا يتقدم مسبوق سابقاً ولا مفضول فاضلاً تفاضل بذلك أوائل الأمة وأواخرها . ولو لم يكن للسابق إلى الإيمان فضل على المسبوق إذا للحق آخر هذه الأمة وأولها نعم ولتقدموهم إذ لم يكن لمن سبق إلى الإيمان على من أبطأ عنه ولكن بدرجات الإيمان قدم الله السابقين وبالأبطاء عن الإيمان أخر الله المؤخرين لأنا نجد من المؤمنين من الآخرين من هو أكثر علماً من الأولين وأكثرهم صلاة وصوماً وحجاً وزكاة وجهاداً وإنفاقاً ولو لم تكن سوابق يفضل الله بها المؤمنين لكان الآخرون بكثرة العمل متقدمين على الأولين ولكن أبي الله عز وجل أن يدرك آخر درجات الإيمان أولها ويقدم فيها من أخر الله أو يؤخر فيها من قدم الله . قلت : أخبرني عما ندب الله عز وجل المؤمنين إليه من الاستباق إلى الإيمان . فقال : قول الله عز وجل  سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله  وقوله تعالى  السابقون السابقون أولئك المقربون  وقوله تعالى  والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان y ورضوا عنه  فبدأ بالمهاجرين على درجة سبقهم ثم ثني بالأنصار ثم ثلث بالتابعين لهم بإحسان فوضع كل قوم على قدر درجاتهم ومنازلهم عنده ثم ذكر ما فضل الله به أولياءه بعضهم على بعض فقال عز من قائل  تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم فوق بعض درجات  الآية وقال تعالى   ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض  وقال تعالى  انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض  وقال تعالى  وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً  إلى آخر الحديث وقال في آخره (( فهذا ذكر درجات الإيمان ومنازله عند الله عز وجل )) . فقد علم من هذا الحديث أن المهاجرين والأنصار كانوا في أعلى الدرجات من الإيمان ولم يصل غيرهم إلى ما وصلوا لقوله تعالى   أولئك

----------------------

( 1 ) ص 164 طبعة إيران سنة 1278 .

المؤمنون حقاً  وقوله تعالى  لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل  الآية فكيف يصدر ممن كانوا كذلك الإصرار على مالا يرضاه الله تعالى من المسالك ؟

التاسع أن الأمير كرم الله تعالى وجهه قد مدح الشيخين ودعا لهما حسبما ثبت عند الفريقين وقد نقل شراح نهج البلاغة كتاب الأمير إلى معاوية وقد قال فيه بعد ما ذكر أبا بكر وعمر (( لعمري إن مكانيهما لعظيم وإن المصاب بهما لجرح في الإسلام شديد رحمها الله تعالى وجزاهما بأحسن ما عملا )) فكيف يتصور صدور مثل ذلك عن المعصوم لو كانا غاصبين ظالمين ؟! معاذ الله من ذلك ، ونسأله سبحانه العصمة عما يعتقده أولئك .

هذا والكتب ملأى من أمثال هذه العبارات والأدلة القطعيات . وفيما ذكر كفاية لمن حلت بقلبه الهداية . والسلام على من اتبع الهدى ، وخشى عواقب الردى .

وههنا كلام مفيد شريف ، وبحيث رائق لطيف : أعلم أن الشيعة أستدلوا على إثبات إمامة الأمير بلا فصل بدلائل كثيرة وتحقق بعد الفحص والتفتيش في كتبهم أن أكثرها قائمة في غير محل النزاع ، وأنها مسروقة من أهل السنة . وتحقيق ذلك أن دلائلهم في هذا المطلب ثلاثة أقسام : الأول الآيات والأحاديث الدالة على فضائل الأمير وأهل البيت ، وقد أستخرجها أهل السنة في مقابلة الخوارج والنواصب الذين تجاسروا على الأمير t ونسبوا إليه ما هو برئ منه ، وذكروها في معرض الرد عليهم . والشيعة قد أوردوا تلك الدلائل في إثبات إمامة الأمير t بلا فصل ، وقصدوا بذلك الرد على أهل السنة . ولما جاء المتأخرون وقد أخذوا من اهل السنة والمعتزلة شيئاً من علم الأصول والكلام وحصل لهم نوع ما من الملكة والقدرة على الخصام ، غيروا الأدلة التى كانت هدفاً للأعتراضات والأسئلة وأصلحوها بزعمهم بعض المقدمات ، وزيادة ما أشتهوه من موضوع الروايات ، وما دروا أن ذلك زاد في الفساد ، وأبطل لهم المقصود والمراد ، ورجعوا إلى ما فروا منه ، ووقعوا فيما أنهزموا عنه ، وأكثر دلائلهم من هذا القبيل .

الثاني الدلائل الدالة على إمامة الأمير بكونه خليفة بالحق وإماماً بالإطلاق في حين من الآحيان ، وقد أقامها ايضاً أهل السنة في مقابلة المذكورين المنكرين لإمامته ، وما يستفاد منها إلا كون الأمير مستحقاً للخلافة الراشدة بلا تعيين وقت ولا تنصيص باتصال زمانها بزمان النبوة أو أنفصاله عنه . ولا ينبغي لأهل السنة أن يتصدوا لرد هذه الدلائل وجوابها فإنها عين مذهبهم .

الثالث الدلائل الدالة على إمامته بلا فصل مع سلب أستحقاق الإمامة عن غيره من الخلفاء الراشدين ، وهذه الحقيقة مختصة بمذهب الشيعة ، وهم منفردون باستخراجها ، وهي مخدوشة المقدمات كلها ، بحيث يكذب مقدماتها الثقلان : الكتاب ، والعترة . فنحن نذكر في هذه الرسالة بعضها من القسمين الأولين ، ونبين القسم الأخير بالاستيعاب والاستيفتاء ، وننبه فيها على منشأ الغلط وموقعه لتعلم حقيقة دلائلهم .

ولا يخفى أن مقدمات تلك الدلائل ومبادئها لابد أن تكون مسلمة الثبوت عند أهل السنة ، إذ الغرض من إقامتها إلزامهم ، فعلى هذا إما أن تكون تلك الدلائل من لآيات الكتاب والأحاديث المتفق عليها أو الدلائل العقلية المأخوذة من المقدمات المسلمة عند الفريقين ، أو من مطاعن الخلفاء الثلاثة التى يوردونها .

وأما المطاعن فسيأتى الكلام عليها في باب مفرد .

أما الأيات فمنها قوله تعالى  إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهو راكعون  تقرير أستدلالهم بهذه الأية ما يقولون من أن أهل التفسير أجمعوا على نزولها في حق الأمير ( 1 ) إذ أعطى السائل خاتمه في حالة الركوع ( 2 ) وكلمة ( إنما ) مفيدة للحصر ، ولفظ ( الولى ) بمعنى المتصرف في الأمور . وظاهر أن المراد ههنا التصرف العام في جميع المسلمين المساوى للإمام بقرينه ضم ولايته إلى ولاية الله ورسوله فثبتت إمامته وأنتفت إمامة غيره للحصر المستفاد وهو المدعى . أجاب عنه أهل السنة بوجوه : الأول النقض بأن هذا الدليل كما يدل على نفى إمامة الأئمة المتقدمين كما قرر يدل كذلك على سلب الإمامة عن الأئمة المتأخرين بذلك التقرير بعينه ، فلزم أن السبطين ومن بعدهما من الأئمة الأطهار لم يكونوا أئمة . فلو كان استدلال الشيعة هذا يصح لفسد تمسكهم بهذا الدليل ، إذ لا يخفى أن حاصل هذا الاستدلال بما يفيد في مقابلة أهل السنة مبنى على كلمة الحصر ، والحصر كما يضر أهل السنة يكون مضراً للشيعة ايضاً ، لأن إمامة الأئمة المتقدمين والمتأخرين كلهم تبطل به البتة . ومذهب أهل السنة وإن بطل بذلك لكن مذهب أهل الشيعة أزداد في البطلان أكثر منه ، فإن لأهل السنة نقصان الأئمة الثلاثة ، وللشيعة نقصان أحد عشر إماماً ، ولم يبق إماماً سوى الأمير . ولا يمكن أن يقال الحصر

----------------------------

( 1 ) دعوى الإجماع باطلة . وقد روى ابن جرير الطبرى ( 6 : 186 ) عن ابن أسحاق عن والده اسحاق بن يسار أنها نزلت في عبادة بن الصامت t لبراءته من حلف بنى قينقاع لما حاربوا النبي  فمشى عبادة إلى النبي  وخلع بنى قينقاع وتبرأ إلى الله ورسوله من حلفهم وولايتهم ، ففيه نزلت الآية لأنه قال : أتولى الله ورسوله والذين أمنوا .

( 2 ) قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية : (( وأما قوله  وهم راكعون  فقد توهم بعض الناس أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله ويؤتون الزكاة  أى في حال ركوعهم ، ولو كان كذلك لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره لأنه ممدوح ، وليس الآمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أهل الفتوى . وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثراً عن على بن أبي طالب أن هذه الأية نزلت فيه ، وذلك أنه مر به سائل في حال ركوعه فأعطاه خاتمه ( وبعد أن أستعرض روايات من يروى ذلك قال : ) وليس يصح شئ منها بالكلية لضعف اسانيدها وجهالة رجالها . ثم نقل عن الطبرى أن عبد الملك سأل أبا جعفر  عن هذه الأية : من الذين آمنوا ؟ قال أبو جعفر : الذين آمنوا . قلنا : بلغتا أنها نزلت في علي بن ابي طالب . قال : علي من الذين آمنوا . فإذا كان محمد الباقر وهو حفيد على بن أبي طالب يقول هذا ، فمن الفضول التزيد عليه لشهوة تحميل الآية مالا تحتمله من تجريح خلافة المسلمين ، وإيذاء علي بن أبي طالب في إخوانه الذين عاش ومات على محبتهم وولا يتهم .

إضافى بالنسبة إلى من تقدمه ، لأنا نقول : إن حصر ولاية من أستجمع هذه الصفات لا يفيد إلا إذا كان حقيقياً ، بل لا يصح لعدم أستجماعها فيمن تأخر عنه كما لا يخفى .

وإن أجابوا عن هذا النقص بأن المراد حصر الولاية في جنابه في بعض الأوقات – يعني في وقت إمامته لا وقت إمامة السبطين ومن بعدهما – قلنا فمذهبنا أيضاً هذا أن الولاية العامة محصورة فيه وقت إمامته لا قبله وهو زمن خلافة الخلفاء الثلاثة . فإن قالوا أن الأمير لو لم يكن في عهد الخلفاء الثلاثة صاحب ولاية عامة يلزمه نقص بخلاف وقت إمامة السبطين فإنه لم يكن حياً لم تصر إمامة غيره موجبة للنقص في حقه ، لأن الموت دافع لجميع الأحكام الدنيوية . قلنا : هذا استدلال آخر غير ما هو بالآية ، لأن مبناه على مقدمتين : الأولى أن كون صاحب الولاية العامة في ولاية الأخر ولو في وقت من الأوقات نقص له ، الثانية أن صاحب الولاية العامة لا يلحقه نقص بأى وجه وأى وقت كان . وهاتان المقدمتان أنى تفهمان من الآية ؟ وتسمى هذه الصنعة في عرف المناظرة فراراً ، بأن ينتقل من دليل إلى دليل آخر من غير أنفصال المناقشة في مقدمات الدليل الأول فراراً أو إثباتاً . سلمنا وأغمضنا عن هذا الفرار أيضاً ، ولكن نقول : إن هذا الاستدلال أيضاً منقوض بالسبطين ، فإنهما في زمن ولاية المير لم يكونا مستقلين بالولاية بل كانا في ولاية الآخر وايضاً منقوض بالأمير في عهد النبي  كان كذلك فلا نقض لصاحب الولاية العامة بكونه في بعض الأوقات في ولاية الآخر ، ولو كان نقصاً بالغرض للحق صاحب الولاية العامة أيضاً فبطل الاستدلال الذى فروا إليه بجميع المقدمات .

الجواب الثاني ذكره الشيخ إبراهيم الكردى وغيره من اهل السنة أن ولاية الذين آمنوا غير مرادة في زمان الخطاب البتة بالإجماع ، لأن زمن الخطاب عهد النبي  والإمامة نيابة للنبوة بعد موت النبي ، فلما لم يكن زمن الخطاب مراداً لابد أن يكون ما أريد به زماناً متأخراً عن موت النبي  ، ولا حد للتأخير سواء كان أربع سنين أو بعد أربع وعشرين ، فقام هذا الدليل في غير محل النزاع ولم يحصل منه مدعى الشيعة وهو كون إمامة الأمير بلا فصل . وهذا بالنظر الإجمالى ، وإن نظرنا في مقدمات هذا الدليل بالتفصيل منعنا أولاً إجماع المفسرين على نزولها فيما قالوا ، بل أختلف علماء التفسير في سبب نزول هذه الآية فروى أبو بكر النقاش صاحب التفسير المشهور ( 1 ) عن محمد الباقر  أنها نزلت في المهاجرين والأنصار . وقال قائل نحن سمعنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب قال الإمام : هو منهم . يعنى أن أمير المؤمنين داخل أيضاً في

-----------------------

( 1 ) لعله أبو بكر محمد بن زياد المقرئ الموصلى المعروف بابن النقاش ، له كتاب ( الموضح ) في التفسير توفى سنة 351 .

المهاجرين والأنصار ومن جملتهم ( 1 ) وهذه الرواية أوفق بلفظ (( الذين )) وصيغ الجمع في صلات الموصول وهي : (( يقيمون )) الصلاة ، و (( يؤتون )) الزكاة ، وهم (( راكعون )) . وروى جمع من المفسرين عن عكرمة أنها نزلت في شأن أبي بكر ، ويؤيد هذا القول الآية السابقة الواردة في قتال المرتدين . وأما القول بنزولها في حق علي بن أبي طالب ورواية قصة السائل وتصدقه بالخاتم في حالة الركوع فإنما هو الثعلبي فقط وهو متفرد به ( 2 ) ولا يعد المحدثون أهل السنة روايات الثعلبي قدر شعيرة ، ولقبوه بحاطب ليل ، فإنه لا يميز بين الرطب واليابس ، وأكثر رواياته في التفسير عن الكلينى عن أبي صالح ( 3 ) ، وهي ما يروى في التفسير عندهم . وقال القاضى شمس الدين ابن خلكان في حال الكلينى : إنه كان من أتباع عبدالله بن سبأ الذى كان يقول : إن علي بن أبي طالب لم يمت وإنه يرجع إلى الدنيا وينتهى بعض روايات الثعلبي إلى محمد بن مروان السدى الصغير وهو كان رافضياً غالياً يعلمونه من سلسلة الكذب والوضع . وأورد صاحب ( لباب التفسير ) أنها نزلت في شأن عبداة ابن الصامت ( 4 ) إذ تبرأ من حلفائه الذين كانوا هوداً على رغم عبدالله بن أبي وخلافه فإنه لم يتبرأ منهم ولم يترك حمايتهم وطلب الخير لهم . وهذا القول أنسب بسياق الآية فإن سياقها  يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء  لأن هذه الأية بعد تلك الآية . وقال جماعة من المفسرين إنها نزلت في حق عبداللع بن سلام . ونقول ثانياً : إن لفظ (( الولي )) تشترك فيه المعاني الكثيرة : المحب ، والناصر ، والصديق ، والمتصرف في الأمر . ولا يمكن أن يراد من اللفظ المشترك معنى معين إلا بقرينه خارجة ، والقرينة ههنا من السباق يعني ما سبق هذه الآية فهو مؤيد لمعنى الناصر ، لأن الكلام في تقوية قلوب المؤمنين وتسليتها وإزالة الخوف عنها من المرتدين ، والقرينة من السياق – يعني ما بعد هذه الآية – معينة لمعنى المحب والصديق وهو قوله تعالى  يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا  الآية المذكورة ، لأن أحداً لم يتخذ اليهود والنصارى والكفار أئمة لنفسه ، وهم ما أتخذ بعضهم بعضاً إماماً ، وكلمة (( إنما )) المفيدة للحصر تقتضى هذا المعنى ايضاً لأن الحصر إنما يكون فيما يحتمل اعتقاد الشركة والتردد والنزاع

---------------------------

( 1 ) وقد تقدم في هامش الصفحة 139 رواية أخرى لمحمد بن جرير الطبري عن محمد الباقر بهذا المعنى .

( 2 ) قال شيخ الإسلام ابن تيميه في رسالة ( مقدمة أصول التفسير ) ص 39 طبع المطبعة السلفية عند تنبيه على تفسير الرافضة هذه الآية بأن المراد بها علي بن أبي طالب : (( ويذكرون الحديث الموضوع بإجماع أهل العلم وهو تصدقه بخاتمه في الصلاة )) . فالقصة إذن مكذوبة على كتاب الله من أصلها بإجماع أهل العلم ، وليست هذه بأول دسائسهم ولا بأخرها .

( 3 ) وكلاهما من صناديد التشيع .

( 4 ) وهذا ما نقلناه آنفاً عن الطبري من رواية محمد بن غسحاق عن أبيه عن عبادة t .

من المظان ، ولم يكن بالإجماع وقت نزول هذه الآية تردد ونزاع في الإمامة وولاية التصرف ، بل كان في النصرة والمحبة . وثالثاً إن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب ، وهي قاعدة أصولية متفق عليها بين الفريقين ، فمفاد الآية حصر الولاية العامة لرجال معدودين داخل فيهم الأمير أيضاً لأن صيغ الجمع وكلمة (( الذين )) من الفاظ العموم أو مساوية لها باتفاق الإمامية كما ذكره المرتضى في ( الذريعة ) وابن المطهر الحلى في ( النهاية ) ، فحمل الجمع على الواحد متعذر ، وحمل العام على الخاص خلاف الأصل ولا يصح ارتكابه بلا ضرورة . فإن قالت الشيعة إن الضرورة متحققة ههنا إذ التصدق على السائل في حالة الركوع لم يقع من أحد غيره ( 1 ) قلنا أين ذكرت في هذه الآية هذه القصة بحيث يكون مانعاً من حمل الموصول وصلاته على العموم ؟ بل جملة  وهم راكعون  معطوفة على الجمل السابقة ، وصلة للموصول ، أى الذين هم راكعون ، أو حال من ضمير يقيمون الصلاة . وأيا ما كان معنى الركوع فهو الخشوع لا الركوع الاصطلاحي . فإن قالت الشيعة حمل الركوع على الخشوع حمل لفظ على غير المعنى الشرعي في كلام الشارع وهو خلاف الأصل ، قلنا : لا نسلم ، كيف والركوع بمعنى الخشوع مستعمل في القرآن ايضاً كقوله تعالى  وأركعي مع الراكعين  مع أن الركوع الاصطلاحي لم يكن بالإجماع في صلاة من قبلنا من أهل الشرائع ، وقوله تعالى  وخر راكعاً  وظاهر أن الركوع المصطلح ليس فيه خرور وسقوط بل هو انحناء مجرد ولا يمكن الخرور مع تلك الحالة بخلاف الخشوع . وقوله تعالى  وإذا قيل لهم أركعوا لا يركعون  ، ولا يخفى أن المقصود من الآمر ليس مجرد الانحناء الذى هو ركوع اصطلاحي . ولما كان الخشوع معنى مجازياً متعارفاً لهذا اللفظ جاز حمله عليه بلا ضرورة أيضاً كما هو مقرر في محله . وأيضاً نقول حمل  يؤتون الزكاة  علي تصدق بالخاتم على السائل كحمل لفظ الركوع على غير معناه الشرعي ، فما هو جوابكم فيه فهو جوابنا في الركوع ، بل ذكر الركوع بعد إقامة الصلاة مؤيد لنا ومرجح لتوجيهنا حتى لا يلزم التكرار ، وذكر الزكاة بعد إقامة الصلاة مضر لكم إذ في عرف القرآن حيثما وقعت الزكاة مقرونة بالصلاة يكون المراد منها زكاة مفروضة لا التصدق مطلقاً . ولو حملنا الركوع على معناه الحقيقي لكان مع ذلك حالا من ضمير (( يقيمون )) الصلاة أيضاً وعاماً لجميع المؤمنين لأنه أحتراز عن صلاة اليهود الخالية عن الركوع ، وفي هذا التوجيه غاية اللصوق بالنهي عن موالاة اليهود الوارد بعد هذه الآية . وأيضاً لو كان حالا من  يؤتون الزكاة  لما بقى صفة مدح ، بل يوجب في مفهوم  يقيمون الصلاة  قصوراً بيننا ، إذ المدح والفضيلة في صلاة كونها خالية

---------------------------

( 1 ) بل ولم يقع منه ايضاً بإجماع أهل العلم .

عما لا يتعلق بها من الحركات ، لأن مبناه على السكون والوقار سواء كانت تلك الحركات قليلة او كثيرة ، غاية الأمر أن الكثيرة مفسدة للصلاة دون القليلة ولكن تورث قصوراً في معنى إقامة الصلاة البتة ، ولا يجوز حمل كلام الله تعالى على التناقض والتخالف ، ومع هذا لا دخل لهذا القيد بالإجماع لا طرداً ولا عكساً في صحة الإمامة ، فيتعلق حكم الإمامة بهذا القيد يلزم منه اللغو في كلام البارى تعالى كما يقال مثلاً إنما يليق بالسلطنة من بينكم من له ثوب احمر ، ولو تنزلنا عن هذه كلها لقلنا : إن هذه الآية إن كانت دليلاً لحصر الإمامة في الأمير تعارضها الآيات الأخر في ذلك ، فيجب الاعتداد بها ، كما يجب على الشيعة أيضاً أعتبار تلك المعارضات في إثبات الأئمة الأطهار الآخرين ، والدليل إنما يتمسك به غذ سلم عن المعارض ، وتلك الآيات المعارضات هي الآيات الناصة على خلافة الخلفاء الثلاثة المحررة فيما سبق . ومن العجائب أن صاحب ( إظهار الحق ( 1 ) ) قد أبلغ سعيه الغاية القصوى في تصحيح هذا الاستدلال بزعمه ، وليست كلماته في هذا المقام إلا قشوراً بلا لب بالمرة ، فمن جملة ما قال : إن الأمر بمحبة الله ورسوله يكون بطريق الوجوب والحتم لا محالة ، فالآمر بمحبة المؤمنين وولايتهم المتصفين بتلك الصفات المذكورة ايضاً بطريق الوجوب ، إذ الحكم في كلام واحد موضوعه متحداً ومحموله متحداً أو متعدداً ومتعاطفاً فيما بينهما ، لا يمكن أن يكون بعضه واجباً وبعضه مندوباً ، إذ لا يجوز أخذ اللفظ في استعمال واحد بالمعنيين ، فبهذا المقتضى تصير مودة المؤمنين وولايتهم المتصفين بتلك الصفات واجبة ايضاً ، وتكون مودتهم ثالثة لمودة الله ورسوله الواجبة على الإطلاق بدون قيد وجهة ، فلو أخذ أن المراد بالمؤمنين المذكورين كافة المسلمين وكل الأمة باعتبار أن من شأنهم الاتصاف بتلك الصفات لا يصح ، لأن معرفة كل منهم يكون متعذراًَ لكل واحد من المكلفين فضلاً عن مودتهم ( 2 ) ، وأيضاً قد تكون المعاداة لمؤمن بسبب من الأسباب مباحة بل واجبة . فالمراد به يكون المرتضى ( 3 ) أنتهى كلامه . وهو كما ترى يدل على مقدار فهم مدعية ، إذ مع تسليم مقدماته أين اللزوم بين الدليل والمدعى ؟ وأى استلزام له بالمطلوب ؟ لأن الحاصل على تقدير تعذر مودة الكل ثبوت مودة البعض مطلقاً لا معيناً فكيف يتعين أن يكون الأمير مراداً بذلك البعض ؟ لأن هذا التعيين وهو المتنازع فيه لم يثبت بعد بدليل ، ولا يثبت بهذه المقدمات المذكورة بالضرورة ، وثبوت ذلك لا يستلزم ثبوت المتعين ، فاستنتاج المتعين بدليل منتج للمطلق لا يكون

------------------------------

( 1 ) هو ملا عبد الله المشهدى الذى تكرر النقل عنه في ص 126 و ص 130 .

( 2 ) وبهذا المنطلق الشيعي السخيف تبطل أخوة المؤمنين بالإسلام المنصوص عليها في آية  إنما المؤمنون أخوة  وبيطل كل ما يترتب عليها من حقوق والتزامات وآداب وتعاون . لأن معرفة كل أخ مسلم لكل أخ مسلم متعذرة لكل واحد فيصبح هذا النص القرآنى وهذا القانون الإسلامي لغواً في قياسهم

( 3 ) أي سيدنا على دون سائر المؤمنين .

إلا جهلاً وحماقة ظاهرة . نعم يريدون بهذه الترهات ترويج دعاويهم عند الجهلة السفهاء ، وللناقش تلك المقدمات فنقول : لا يخفى على من له أدنى تأمل أن موالاة جميع المؤمنين من جهة الإيمان عامة بلا قيد ولا جهة ، وإنها في الحقيقة موالاة لإيمانهم دون ذواتهم ، ولو أنه يباح أو يجب عداوة بعض لبعض بسبب من الأسباب لم يكن للموالاة الإيمانية مضرة اصلا لاختلاف الجهة . ونحن نحكم الشيعة في هذه المسألة : إن أهل مذهبهم يتحابون فيما بينهم بجهة التشيع ، وتلك المحبة عامة بدون قيد وجهة ، ومع هذا قد يتباغضون ويعادى بعضهم بعضاً للمعاملات الدنيوية ، فهل تبقى موالاة التشيع بحالها أو لا ؟ فهموا من هذه الآية كون هذا المعنى محذوراً ومحالاً لأمكن لهم أن يغمضوا اعينهم عن القرآن كله ، وما يقولون في هذه الآية  والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله  وأمثالها ؟ ولو كانت الموالاة الإيمانية لجميع المؤمنين العامة للمطيع والعاصى ثالثة لمحبة الله ولرسوله فأية استحالة عقلية تلزمها ؟ نعم إنما المحذور كون أنواع الموالاة الثلاثة في مرتبة واحدة في الاصالة ، وليس الآمر كذلك ، إذ محبة الله تعالى هي أصل ، ومحبة رسوله بالتبع والمحمول العامة للمؤمنين يتبع التبع ، لم يبق بينها مساواة اصلاً ، واتحاد القضية في الموضوع والمحمول ههنا ليس متحققاً ، أما عدم الاتحاد في المحمول فظاهر ، وأما في الموضوع فلأن ما يصدق عليه وصفه بالأصالة غير ما يصدق عليه وصفه بالتبعية بناء على أن الولاية من الأمور العامة ، كما بين آنفاً ، بل غرضه منه ترهيب عوام أهل السنة بمحض التكلم باصطلاح أهل الميزان ( 1 ) لئلا يقدحوا في كلامه وليت\حترزوا عن القدح بظن أنه منطقى ، ولهذا قال هو متنبهاً على قبحه (( أو متعدداً ومتعاطفاً )) ولكن لم يفهم من هذا القدر أن هذه المقدمة القائلة بوجوب المولاة في صورة التعدد والعطف تكون ممنوعة ، لأن العطف موجب للتشريك في الحكم لا في جهة الحكم مثاله من العقليات : إنما الموجود في الخارج الواجب والجوهر والعرض . ومن الشرعيات قوله تعالى  قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني  مع أن الدعوى على الرسول واجبة وعلى غيره مندوبة ولهذا قال الأصوليون : القرآن في النظم لا يوجب القرآن في الحكم وعدوا هذا النوع من الاستدلال في المسالك المردودة وإن تنزلنا عن هذا أيضاً فالأظهر أن اتحاد نفس وجوب المحبة ليس محذوراً وإنما المحذور الاتحاد في الرتبة والدرجة في الأصالة والتبعية وهو غير لازم وأيضاً قد جعل محبة المؤمنين من حيث الإيمان موقوفة على معرفة كل فرد منهم بخصوصه وليست كل كثرة

------------------

( 1 ) علم الميزان هو علم المنطق .

تمنع أن تلاحظ بعنوان الوحدة ولو كانت غير متناهية فضلاً عن غيرها مثلاً إذا قلنا : كل عدد هو نصف مجموع حاشيتيه إما فرد وإما زوج ففي هذا الحكم وقع التوجه إلى جميع مراتب الأعداد إجمالاً ولا شبهة أن مراتبها غير متناهية وفي قولنا : كل حيوان حساس وقع الحكم على جميع أفراد الحيوان مع أن أنواعه بأسرها غير معلومة لنا فضلاً عن الأوصاف والأشخاص فلا شعور لهذا القائل بالملاحظة الإجمالية التي تكون حاصلة للصبيان والعوام ولا يفرق بين العنوان والمعنون ولو لم يقبل هذه التقريرات ولم يضع إليها لكونها من العلم المعقول فنسأل عن المسلمات الدينية ونقول : إن ترك الموالاة من الكفار بل عداوتهم كلهم أجمعين من حيث الكفر واجبة أم لا ؟ فإن اختار الشق الأول يلزمه ذلك المحذور بعينه إذ معرفة كل منهم غير حاصلة فضلاً عن عداوتهم وإن آثر الشق الثاني فكيف يثبت عداوة يزيد وابن زياد وأمثالهما ؟ وبماذا يجيب عن الآيات القرآنية مع أن فرقة المؤمنين يكون معرفتهم وامتيازهم من جهة الإيمان حاصلة وأنواع الكفر ليست معلومة أصلاً حتى يمكن لنا أن نميز أنواع الكفار فضلاً عن أشخاصهم ؟ وأيضاً منقوض بوجوب موالاة العلوية الداخلة في اعتقادهم ومعرفة أشخاصهم وأعدادهم مع انتشارهم في مشارق الأرض ومغاربها التي ليس تعذرها أقل من تعذر موالاة المؤمنين عموماً . ومن جملة ما قال إنه يظهر من بعض أحاديث أهل السنة أن بعض الصحابة التمسوا من الرسول  الاستخلاف كما ذكر في مشكاة المصابيح عن حذيفة قال : (( قالوا يا رسول الله لو استخلفت ؟ قال : لو استخلفت عليكم فعصيتموه عذبتم ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه وما أقرأ كم عبد الله فأقرأوه )) رواه الترمذي وهكذا استفسروا منه  عن الحرى بالإمامة عن علي قال : (( قيل يا رسول الله من يؤمر بعدك ؟ قال : إن تؤمروا أبا بكر تجدوه أميناً في الدنيا راغباً في الآخرة وإن تؤمروا عمر تجدوه قوياً أمينا لا يخاف في الله لومة لائم وإن تؤمروا علياً ولاأراكم فاعلين تجدوه هادياً مهدياً يأخذ بكم الصراط المستقيم )) رواه أحمد ، وهذا الالتماس والاستفسار يقتضي كل منهما وقوع التردد في حضرته  عند نزول الآية فلم يبطل مدلول (( إنما )) انتهى كلامه . ولا يخفى على العاقل ما فيه من الضعف والخروج عن الجادة إذ محض السؤال والاستفسار لا يقتضي وقوع التردد . نعم لو وقع النزاع فيما بينهم بعد المشاورة في تعيين ولي الأمر وبيانه  لهم لتحقق مدلول (( إنما )) بأن ما وفرق ما بينهما . وعلى تقدير تسليم التردد من أين لنا العلم بكونه قبل نزول الآية أو بعده ولو كان قبل النزول فهل هو متصل أو منفصل ؟ ولو كان متصلاً فهل اتصاله اتفاقي أو سببي للنزول ؟ وليس للاحتمالات دخل في أسباب النزول لأنه ليس بأمر عقلي فلا يمكن إثباته إلا بخبر صحيح . على أنه لم يذكر أحد من مفسري الفريقين كون التردد سبباً للنزول فقد علم أنه لم يكن متصلاً وهكذا الحال لو كان بعد نزول الآية والظاهر أن الحديث الوارد ينافي كلمة (( إنما )) لأن جوابه  حين الاستفسار عمن يليق للخلافة فكأنه قال إن استحقاق ثابت لكل من هؤلاء الثلاثة البررة الكرام ولكن أشار  إلى تقديم الشيخين بتقديمهما في الذكر فالسؤال والجواب منه  ينافيان كون (( إنما )) في الآية مفيدة حصر الخلافة في المرتضى كرم الله تعالى وجهه وإلا فإن كانت الآية متقدمة يلزم الرسول للقرآن وإن كانت مؤخرة كون القرآن مكذوباً للرسول  ولا يمكن أن يدعي ههنا أن أحدهما ناسخ للآخر لأن كلا من الحديث والآية من باب الإخبار الذي لا يحتمل النسخ وأيضاً لا يعلم المتقدم منهما والعلم بتأخر الناسخ شرط في النسخ فحينئذ إذا لم يمكن الجمع بينهما لا يعمل بهما معاً فإن قالوا : إن الحديث من أخبار الآحاد فلا يصح التمسك به في مسألة الإمامة نقول وكذلك لا يجوز التمسك به في إثبات التردد والنزاع أيضاً ومع هذا فإن التمسك بالآية موقوف على ثبوت التردد والنزاع فتمسك الشيعة بهذه الآية كان باطلاً أيضاً لأن التمسك بالآية التي تتوقف دلا لتها على خبر الواحد لا يجوز في مسألة الإمامة أيضاً قال  في الحديث الأول إن الاستخلاف ترك الأصلح في حق الأمة فلو كانت آية  إنما وليكم الله  دالة على الاستخلاف الذي هو ترك الأصلح لزم صدور من الله تعالى وهو محال فالحديث الأول أيضاً لتمسكهم بهذه الآية في هذا الباب .

          ومنها (1) قوله تعالى  إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً  قالت الشيعة في تقرير الاستدلال بهذه الآية : إن المفسرين ( أجمعوا ) على نزول هذه الآية في حق عل وفاطمة والحسن والحسين y وهي تدل عل عصمتهم دلالة مؤكدة وغير المعصوم لا يكون إماماً .

ولا يخفى أن المقدمات المذكورة ههنا مخدوشة كلها :

أما الأولى : - فكون ( إجماع المفسرين ) على ذلك ممنوعاً روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها نزلت في نساء النبي  . وروى ابن جرير عن عكرمة أنه كان ينادي في السوق : إن قوله تعالى  إنما يريد الله ليذهب  الآية نزلت في نساء النبي  . والظاهر من ملاحظة سياق الآية وسباقها إنما هو هذا لأن أولها  يا نساء النبي لستن كأحد من النساء  إلى قوله  والحكمة  خطاب للأزواج المطهرات وأمر ونهي لهن فذكر حال الآخرين بجملة معترضة بلا قرينة ولا رعاية نكتة ومن غير تنبيه على انقطاع كلام سابق وافتتاح كلام جديد مخالف لوظيفة البلاغة التي هي أقصى الغاية في كلام الله تعالى فينبغي أن يعتقد تنزهه عن
       -----------------------

( 1 ) أي من الأدلة القرآنية التي تغالط الشيعة في أنها تدل على النص بالإمامة لما يذهبون إليه . وقد تقدم أول هذه الأدلة في ص 139 .

تلك المخالفة . وإضافة البيوت إلى الأزواج في قوله  بيوتكن  تدل على أن المراد من  أهل البيت  في هذه الآية إنما هو الأزواج المطهرات ، إذ بيته  لا يمكن أن يكون غير ما يسكن فيه أزواجه من البيوت وقال عبد الله المشهدي الشعي : إن كون البيوت جمعاً في بيوتكن وإفراد أهل البيت يدل على أن بيوتهن غير بيت النبي  ولو كن أهل البيت لو قع الكلام : أذكرن ما يتلى في بيتكن . انتهى كلامه . ولا يخفى ركاكة هذا الكلام وفساده لأن إفراد البيت في أهل البيت الذي هو اسم جنس ويجوز إطلاقه على كثير وقليل إنما هو باعتبار إضافته للنبي  فإن بيوت الأزواج المطهرات كلهن باعتبار هذه الإضافة بيت واحد وكون البيوت جمعاً في (( بيوتكن )) باعتبار إضافتها إلى الأزواج المطهرات اللائى كن متعدداته . وما قال هذا القائل بعد ذلك لا يبعد أن يقع بين المعطوف والمعطوف عليه فاصل وإن طال كما وقع قوله تعالى  قال أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل  ثم قال بعد تمام هذه الآية  وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة  قال المفسرون  وأقيموا الصلاة  عطف على  أطيعوا  انتهى كلامه . فهو أرك وأسخف من كلامه السابق فإن وقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بأجنبى من حيث الإعراب الذي يتعلق بوظيفة النحاة يجوز بلا شبهة ولكن لا يضرنا لأن المغايرة ووقوع الأجنبى باعتبار موارد الآيات اللاحقة والسابقة تلزم فيما نحن فيه وهذا هو المنافي للبلاغة لا ذلك وما نقل عن بعض المفسرين من أن أقيموا الصلاة معطوف على أطيعوا الرسول فهو صريح الفساد إذ وقع لفظ وأطيعوا الرسول بعد أقيموا الصلاة أيضاً بالعطف فلزم عطف الشيء على نفسه إذ لا احتمال للتأكيد أصلاً لوجود حرف العطف . ثم قال كلاماً أشد ركاكة من الأول وذلك قوله (( إن بين الآيات مغايرة إنشائية وخبرية ، لأن آية التطهير جملة ندائية وخبرية وما قبلها وما بعدها من الأمر والنهي جمل إنشائية وعطف الإنشائية على الخبرية لا يجئ فإنه ممنوع )) ألا ترى أن آية التطهير ليست جملة ندائية بل النداء وقع بينهما وهو قوله سبحانه  أهل البيت  وعلى تقدير كونها ندائية كيف تكون خبرية لأن النداء من أقسام الإنشاء دون الخبر كما لا يخفى ومع هذا أين حرف العطف في آية التطهير ؟ كيف وهي تعليل للأمر بالإطاعة في قوله تعالى  وأطعن الله ورسوله  ووقوع تعليل الإنشائية بالخبرية في كل القرآن والأحاديث الشريفة وكلام البلغاء مشهور ، مثل : اضرب زيداً إنه فاسق أطعني يا غلام إنما أريد أكرمك . وإن أراد عطف  واذكرن  فما عطف عليه وهو  أطعن  و  قرن  والأوامر الأخر السابقة كلها جمل إنشائية فلا يلزم عطف الخبر على الإنشائية . ومن هنا قلة ممارسة علمائهم لعلم العربية وأما إيراد ضمير جمع المذكر في  عنكم  فبملاحظة لفظ الأهل ، فإن العرب تستعمل صيغ التذكير في المؤنث التي يلاحظونها بلفظ التذكير إذا أرادوا التعبير عنها بتلك الملاحظة وهذه قاعدة لهم في محاوراتهم وقد جاء هذا الاستعمال في التنزيل أيضاً كقوله تعالى خطاباً لسارة امرأة الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام  أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد  وقوله  قال لأهله امكثوا  حكاية لخطاب موسى  لامرأته وما روى في سنن الترمذي والصحاح الأخر أن النبي  دعا هؤلاء الأربعة وأدخلهم في عباءة ودعا لهم بقوله (( اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً )) وقالت أم سلمة : أشركني فيهم أيضاً ، قال (( أنت على خير وأنت على مكانك )) فهو دليل صريح على أن نزولها كان في حق الأزواج فقط وقد أدخل النبي  هؤلاء الأربعة y بدعائه المبارك في تلك الكرامة ولو كان نزولها في حقهم لما كانت الحاجة إلى الدعاء ، ولم كان رسول الله  يفعل تحصيل الحاصل ؟ ومن ثمة يجعل أم سلمة شريكة في هذا الدعاء وعلم في حقها هذا الدعاء تحصيل الحاصل ؟ ولكن ذهب محققو أهل السنة إلى أن هذه الآية وإن كانت واقعة في حق الأزواج المطهرات فإنه بحكم (( العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب )) داخل في بشارتها هذه جميع أهل البيت وكان دعاؤه  في حق هؤلاء الأربعة نظراً إلى خصوص السبب ويؤيده ما ورد في الرواية الصحيحة للإمام البيهقي من مثل هذه المعاملة بالعباس وأبنائه أيضاً ويفهم منه أنما كان غرضه  بذلك أن يدخل جميع أقاربه في لفظة (( أهل البيت )) الواردة في خطاب الله تعالى : أخرج البيهقي عن أبي أسيد الساعدي قال : قال رسول الله  للعباس بن عبد المطلب (( يا أبا الفضل لا ترم منزلك أنت وبنوك غداً حتى آتيك فإن لي بكم حاجة )) فانتظروه حتى جاء بعد ما أضحى فدخل عليهم فقال : السلام عليكم فقالوا : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته . قال : كيف أصبحتم ؟ قالوا : بخير نحمد الله . فقال لهم : تقاربوا . فزحف بعضهم إلى بعض حتى إذا أمكنوا اشتمل عليهم بملاءة ثم قال (( يا رب هذا عمي وصنو أبي وهؤلاء أهل بيتي استرهم من النار كسترى إياهم بملاءتي هذه )) قال فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت وقالت : آمين آمين آمين . وروى ابن ماجه أيضاً هذا الحديث مختصراً ، والمحدثون الآخرون أيضاً رووا هذه القصة بطرق متعددة في اعلام النبوة . وما قال عبدالله المشهدي المذكور (( إن البيت بيت النبوة ، ولا شك في ان ( أهل البيت لغة شامل الأزواج بل للخدام من الإماء اللاتى يسكن في البيت ايضاً ، وليس المراد هذا المعنى اللغوى الوسعة بالاتفاق ، فالمراد من أهل البيت خمسة ىل العبا الذين خصصهم حديث الكنساء )) أنتهى كلامه ، وفيه أن المعنى اللغوي لو كان مراداً بهذه الوسعة لا يلزم محذور إلا ذلك العموم في العصمة الثابتة عند الشيعة بهذه الآية ، ولما لم يتفق أهل السنة مع الشيعة في فهم العصمة من هذه الاية لم يتفقوا معهم في نفي هذا العموم ، ولتخصيص أهل السنة العصمة بالرسول أبدلت الخمسة بالأربعة فتدبر . وأيضاً عدم كون المعنى اللغوي مراداً بهذه الوسعة من أجل أن القرائن الدالة من الأيات السابقة واللاحقة معينة للمراد ، وأيضاً يخصص العقل هذا اللفظ باعتبار العرف والعادة بمن يسكنون في البيت لا بقصد الانتقال ، ولم يكن التحول والتبدل والتحول بانتقالهم من ملك إلى ملك في الهبة والبيع والإجازة والإعتاق ، وإنما يدل التخصيص فائدة أخرى ظاهرة وهي ههنا دفع مظنة عدم كون هؤلاء الأشخاص في أهل البيت نظراً إلى أن المخاطبات فيها هن الأزواج فقط . واما الثانية فلأن دلالة هذه الأية على العصمة مبنية على عدة ابحاث : أحدها كون كلمة  ليذهب عنكم الرجس  أى محل لها من الأعراب : مفعول له ليريد أو مفعول به ؟ الثاني معنى (( أهل البيت )) ما هو ؟ الثالث أي مراد من (( الرجس )) . وفي هذه المباحث كلام كثير محله كتب التفاسير . وبعد اللتيا والتي إن كان ليذهب مفعول به وأهل البيت منحصرين في هؤلاء الأربعة والمراد من الرجس مطلق الذنوب فدلالة الآية على العصمة غير مسلمة بل هي تدل على عدمها إذ لا يقال في حق من هو طاهر أني أريد أن أطهره ضرورة امتناع تحصيل الحاصل . وغاية ما في الباب أنهم محفوظون من الذنوب بعد تعليق الإرادة بإذهابها ، قد ثبت ذلك بالآية على أصول أهل السنة لا على أصول مذهب الشيعة ، لأن وقوع مراد الله لزم إرادته تعالى عندهم ، فرب أشياء يريد الله وقوعها ويمنعه الشيطان من أن يوقع ذلك ! ولو كانت إفادة معنى العصمة مقصودة لقيل هكذا : إن أذهب عنكم الرجس أهل البيت الآية . وأيضاً لو كانت هذه الكلمة مفيدة للعصمة ينبغي أن يكون الصحابة لا سيما الحاضرين في غزوة بدر قاطبة معصومين لأن الله تعالى قال في حقهم في مواضع من التنزيل  ولعكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون  وقال  ليطهركم به وليذهب عنكم رجس الشيطان  وظاهر أن إتمام النعمة في الصحابة كرامة زائدة بالنسبة إلى ذينك اللفظين ، ووقوع هذا  الاتمام أدل على عصمتهم ، لأن إتمام النعمة لا يتصور بدون الحفظ عن المعاصي وشر الشيطان . فليتأمل فيه تأملاً صادقاً لتظهر فيه حقيقة الملازمة وبيان وجهها وبطلان اللازم مع فرض صدق المقدم ، فالتخصيصات المحتملة في لفظ وإذهاب الرجس صارت هباءً منثوراً .

أما الثانية فلأن (( غير المعصوم لا يكون إماماً )) مقدمة باطلة يكذبها الكتاب وأقوال العترة . سلمنا ، ولكن ثبت من هذا الدليل صحة إمامة الأمير ، أما كونه إماماً بلا فصل فمن أين ؟ إذ يجوز أن أحداً من السبطين يكون إماماً قبله ولا محذور فيه ، والتمسك بالقاعدة التى لم يقل بها أحد دليل العجز ، إذ المعترض لا مذهب له .

          ومنها ( 1 ) قوله تعالى  قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى  فإنها لما نزلت قالوا : يا رسول الله من قرابتك الذين وجب علينا مؤدتهم ؟ قال : على وفاطمة وأبناؤها . فذكر الشيعة في تقديرها مقدمات فاسدة مؤيدة لمطلبهم وهي (( أهل البيت واجبوا المحبة ، وكل من كان كذلك فهو واجب الإطاعة ، فعلى واجب الإطاعة وهو معنى الإمام . وغير علي لا تجب فلا تجب إطاعته )) .

وأجيب عن هذا القياس الفاسد بأن المفسرين أختلفوا في المراد من هذه الآية أختلافاً فاحشاً ، فالطبراني والإمام أحمد رويا عن ابن عباس هكذا ، ولكن ردهما المحدثون بأن سورة الشورى بتمامها مكية ، ولم يكن هنالك الإمامان الحسن والحسين ، وما كانت فاطمة رضي الله تعالى عنها متزوجة بعلى t . وقد وقع في سند هذه الرواية بعض الغلاة من الشيعة ولعله حرف ذلك . والذى رواه البخارى عن ابن عباس أن القربى من بينه وبين النبي  قرابة ، وجزم قتادة والسدى الكبير وسعيد بن جبير بأن معنى الآية : لا أسألكم على الدعوة والتبليغ من أجر إلا المودة لأجل قرابتى بكم ، وهذه الرواية أيضاً في صحيح البخارى عن ابن عباس ، ومذكورة بالتفصيل أن قريشاً لم يكن بطن من بطونهم إلا وقد كان للنبي  قرابة بهم ، فيذكرهم تلك القرابة وأداء حقوقها بطلبه منهم لا أقل من ترك إيذائه وهو ادنى مراتب صلة الرحم ، فالاستثناء منقطع وقد أرتضى جمع من المفسرين المتأخرين كالإمام الرازى وغيره بهذا المعنى ، لأن المعنى الأول ليس مناسباً لشأن النبوة بل هو من شيعة طالب الدنيا بأن تفعل شيئاً ويسأل على ذلك ثمرة لأولاده وأقاربه ، ولو كان للأنبياء مثل هذه الأغراض لم يبق فرق بينهم وبين أهل الدنيا ويكون ذلك موجباً لتهمتهم فيلزم نقص الغرض من بعثتهم . وأيضاً المعنى الأول مناف لقوله تعالى  قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ، وإن أجرى إلا على الله  وقوله تعالى  أم تسألهم أجراً فهم من مغرم مثقلون  وقوله تعالى  وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين  وغير ذلك من الآيات . وأيضاً حكى الله في سورة الشعراء عن أنبيائه المذكورين فيها نفى سؤال الأجر ، فلو سأل خاتم الأنبياء أجراً من الأمة تكون مرتبته دون مرتبة أولئك الأنبياء ، وهو خلاف الإجماع . وثانياً لا نسلم الكبرى وهي (( كل واجب المحبة فهو واجب الإطاعة )) وكذا لا نسلم هذه المقدمة (( كل واجب الإطاعة صاحب الإمامة التى هي بمعنى الرياسة العامة )) . فأما الأول فلأنه لو كان وجوب المحبة مستلزماً لوجوب الإطاعة يلزم أن يكون جميع العلويين واجبي الإطاعة ، لأن شيخهم ابن بابويه ذكر في كتاب ( الإعتقادات ) أن الإمامية (( أجمعوا )) على وجوب محبة

--------------------------

( 1 ) أى من الاستدلالات القرآنية في مغالطات الشيعة .

العلوية . وأيضاً يلزم أن تكون سيدتنا فاطمة رضي الله عنها إمامة بهذا الدليل ، وهو خلاف الإجماع . وأيضاً يلزم كون من هؤلاء الأربعة إماماً في عهد النبي  ، والسبطين إمامين في زمن خلافة الأمير ، وهو باطل بالاتفاق . وأما الثاني فلأن كل واجب الإطاعة لو كان صاحب الخلافة الكبرى يلزم أن يكون كل نبي في زمنه صاحب الخلافة الكبرى ، وهذا أيضاً باطل ، لأن شموئيل  كان نبياً واجب الإطاعة وكان طالوت صاحب الزعامة الكبرى بنص الكتاب .

وثالثاً لا نسلم أنحصار وجوب المحبة في الأشخاص الأربعة المذكورين ، بل يجب في غيرهم ايضاً : روى الحافظ أبو طاهر السلفى في مشيخته عن أنس قال : قال رسول الله  (( حب أبي بكر وشكره على كل أمتى )) . وروى ابن عساكر عنه نحوه . ومن طريق آخر عن سهل بن سعد الساعدى نحوه . وأخرج الحافظ عن عمر بن محمد بن خضر الملا في سيرته عن النبي  قال : (( إن الله تعالى فرض عليكم حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، كما فرض عليكم الصلاة والزكاة والصوم والحج )) وروى ابن عدى عن أنس عن النبي  أنه قال (( حب أبي بكر وعمر من الإيمان وبغضهما كفر )) وروى الترمذي أنه أتي بجنازة رجل إلى رسول الله  فلم يصل عليه وقال (( إنه كان يبغض عثمان ، فأبغضه الله )) . وهذه الروايات لم يسلمها الشيعة لكونها في كتب أهل السنة فيثبت وجوب محبة الخلفاء الثلاثة بقوله تعالى  يحبهم ويحبونه  فإنه نزل في حق المقاتلين لأهل الردة بالإجماع ، والخلفاء الثلاثة كانوا سادة أولئك المجاهدين وقادتهم ، ومن كان الله يحبه فهو واجب المحبة . على أن قياسهم بعد تسليم صحة مقدماته لا يستلزم النتيجة المذكورة جزماً ، لأن صغراه (( أهل البيت واجبو المحبة )) وكبراه (( وكل واجب المحبة واجب الإطاعة )) وبعد ترتيبها على الشكل الأول حصلت النتيجة هذه (( أهل البيت واجبو الإطاعة )) لا تلك النتيجة . وهذه النتيجة عامة ، وثبوت العام لا يستلزم ثبوت الخاص بخصوصه ، والنتيجة العامة المذكورة ليست مطلوبة للمستدل ولا مدعاة بل محتملة له ، والمطلوبة غير حاصلة من الدليل فالتقريب غير تام . ولو فرضنا الاستلزام لا يحصل مدعاه أيضاً لأن كون الأمير إماماً بلا فصل غير حاصل من الدليل ، والحاصل كونه إماماً مطلقاً وهو غير مدعاه فلا يتم تقريبه أيضاً .

ومنها آية المباهلة ، وطريق تمسكهم بها أن قوله تعالى  فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم  ألخ ، لما نزل خرج النبي  من منزله محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن ، وفاطمة تمشى خلفه ، وعلي خلفها ، وهو يقول : إذا أنا دعوت فأمنوا . فقد علم بذلك أن المراد بأبنائنا الخمس الحسن والحسين وبأنفسنا الأمير ، وإذا صار الأمير نفس الرسول . وظاهر أن المعنى الحقيقى مستحيل ، فالمراد كونه مساوياً له ، فمن كان مساوياً لنبي الزمان فهو أفضل وأولى بالتصرف بالضرورة من غيره ، لأن المساوى للأفضل الأول ى بالتصرف يكون مثله ، فيكون إماماً ، إذ لا معنى للإمام إلا الأفضل الأولى بالتصرف .

وفي هذا التمسك خلل بوجوه : الأول – أنا لا نسلم أن المراد بأنفسنا الأمير ، بل المراد نفسه  ، وما قاله علماؤهم في إبطاله (( إن الشخص لا يدعو نفسه )) فكلام مستهجن ، إذ قد شاع وذاع في العرف القديم والجديد أن يقال دعته نفسه إلى كذا ، ودعوت نفسي إلى كذا ، فطوعت له نفسه قتل أخيه ، وأمرت نفسي ، وشاورت نفسي ، إلى غير ذلك ، من الإستعمالات الصحيحة الواقعة في كلام البلغاء ، فكان معنى  ندع أنفسنا  نحضر أنفسنا . وأيضاً لو قررنا الأمير من قبل النبي لمصداق  أنفسنا  فمن نقرره من قبل الكفار لمصداق  أنفسكم  في أنفس الكفار مع انهم مشتركون في صيغة (( ندعو )) ولا معنى لدعوة النبي إياهم وأبناءهم بعد قوله  تعالوا  . فعلم أن الأمير داخل في الأبناء حكماً ، كما أن الحسنين داخلان في الأبناء كذلك لأنهما ليسا بابنين حقيقة ، ولأن العرف يعد الختن من غير ريبة في ذلك . وأيضاً قد جاء لفظ (( النفس )) بمعنى القريب والشريك في النسب والدين كقوله تعالى  يخرجون أنفسهم من ديارهم  أى أهل دينهم ،  ولا تلمزوا أنفسكم  ،  لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً  فلما كان للأمير أتصال بالنبي  وسلم في النسب والقرابة والمصاهرة واتحاد في الدين والملة وكثرة المعاشرة والألفة بحيث قال في حقه (( على منى وأنا من علي )) وهذا غير بعيد ، فلا يلزم المساواة كما لا يلزم في الأيات المذكورة .

الثاني – أه لو كان المراد مساواته في جميع الصفات يلزم أشتراكه في خصائص النبوة وغيرها من الأحكام الخاصة به ، وهو باطل بالإجماع لأن التابع دون المتبوع . وأيضاً لو كانت الآية دليلاً لإمامته لزم كون الأمير لإماماً في زمنه  وهو باطل بالاتفاق ، وإن قيدوا بوقت دون وقت فالتقيد لا دليل عليه في اللفظ فلا يكون مفيداً للمدعى ، إذ هو غير متنازع فيه ، لأن أهل السنة يثبتون أيضاً إمامة الأمير في وقت دون وقت فلم يكن هذا الدليل قائماً في محل النزاع أيضاً.

ومنها قوله تعالى  إنما أنت منذر ، ولكل قوم هاد  قالت الشيعة في تقرير الاستدلال بها : ورد في الخبر المتفق عليه عن ابن عباس عن النبي  أنه قال (( أنا المنذر وعلى الهادى )) ولا يخفى ضعفه لأن هذه رواية الثعلبي ، ولا اعتبار لمراوياته في التفسير ( 1 ) فكيف يستدل بها على الإمامة ؟ وعلى تقدير الصحة فلا دلالة لهذه الآية على إمامة الأمير ونفيها عن غيره أصلاً ، لأن كون رجل (( هادياً )) لا يستلزم أن يكون (( إماماً )) ولا نفى الهداية عن الغير ، وإن دل بمجرد الهداية على الإمامة تكون الإمامة المصطلحة لأهل السنة وهي بمعنى القدوة في الدين مرادة ، وهو غير محل النزاع ، قال الله تعالى  وجعلناهم أئمة يدهون بأمرنا لما صبروا  وقال
 ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر  إلى غير ذلك .

ومنها قوله تعالى  وقفوهم إنهم مسئولون  قالت الشيعة في الاستدلال بها : روى عن أبي سعيد الخدرى مرفوعاً أنه قال : وقفوهم إنهم مسئولون عن ولاية على بن أبي طالب . ولا يخفى أن نحو هذا التمسك في الحقيقة بالروايات لا بالآيات ، وهذه الرواية واقعة في فردوس الديلمى الجامع للأحاديث الضعيفة الواهية ، ومع هذا قد وقع سندها الضعفاء ، والمجاهيل الكثيرون بحيث سقطت عن قابلية الاحتجاج بها ، لا سيما في هذه المطالب الأصولية . ومع هذا فإن نظم الكتاب مكذب لها ، لن هذا الحكم في حق المشتركين بدليل  وما كانوا يعبدون من دون الله  والكفار والمشركون يكون السؤال لهم أولاً عن الشرك وعبادة غير الله تعالى لا عن ولاية علي ! وأيضاً نظم الكتاب يدل على أن السؤال يكون لهم بمضمون هذه الجملة الإستفهامية

 مالكم لا تناصرون ؟  توبيخاً وزجراً لا عن شئ أخر . ولهذا أجمع القراء على ترك الوقف على  مسئولون  ولئن سلمنا صحة الرواية وفك النظم القرآني يكون المراد بالولاية المحبة ، وهي لا تدل على الزعامة الكبرى التى هي محل النزاع . ولو كانت الزعامة الكبرى مرادة أيضاً لم تكن هذه الرواية مفيدة للمدعى ، لأن مفاد الآية وجوب اعتقاد إمامة الأمير في وقت من الأوقات وهو عين مذهب أهل السنة ، وقد أورد الواحدى في تفسيره هذه الرواية وفيها المتن هكذا عن ولاية علي وأهل البيت ، وظاهر أن جميع أهل البيت لم يكونوا أئمة عند الشيعة ، فتعين عند الشيعة ، فتعين حمل الولاية على المحبة إذ الولاية لفظ مشترك ويتعين أحد المعنيين أو المعاني
---------------------------

( 1 ) تقدم في ص 142 أن الثعلبي حاطب ليل . وقد نبه شيخ الإسلام ابن تيميه في ص 15 من رده على البكرى على طائفة من المفسرين الذين لا يميزون بين الصحيح والضعيف والغث والسمين وذكر أسماءهم وأولهم الثعلبي ثم قال : (( فهؤلاء لا يعرفون الصحيح من السقيم . ولا لهم خبرة بالمروى المنقول ، ولا لهم خبرة بالرواة النقلة ، بل يجمعون فيما يروون بين الصحيح والضعيف ، ولا يميزون بينهما ، لكن منهم من يروى الجميع ويجعل العهدة عل الناقل كالثعلبي ألخ ))

للمشترك بالقرائن الخارجية ، وبالجملة إن السؤال عن محبة الأمير وإمامته قائل به أهل السنة ولا نزاع فيه بين الفريقين ، وإنما النزاع في ان الأمير كان إماماً بلا فصل ولم يكن أحد من الصحابة مستحقاً للإمامة ، ولا مساس لهذه الآية بهذا المطلب ، فالتقريب غير تام .

ومنها  السابقون السابقون أولئك المقربون  قالت الشيعة : روى عن ابن عباس مرفوعاً أنه قال : السابقون ثلاثة ، فالسابق إلى موسى يوشع بن نون ، والسابق إلى عيسى صاحب ياسين ، والسابق إلى محمد  علي بن أبي طالب t . ولا يخفى أن هذا أيضاً تمسك بالرواية ، ومدار إسناد هذه الرواية على أبي الحسن الأشقر وهو ضعيف الإجماع ، قال العقيلى : وهو شيعي متروك الحديث ، ولا يبعد أن يكون هذا الحديث موضوعاً إذ فيه من إمارات الوضع أن صاحب ياسين لم يكن أول من آمن بعيسى بل برسله كما يدل عليه نص الكتاب ، وكل حديث يناقض مدلول الكتاب في الأخبار والقصص فهو موضوع كما هو المقرر عند المحدثين . وأيضاً أنحصار السباق في ثلاثة رجال غير معقول فإن لكل نبي سابقاً بالإيمان به لا محالة . وبعد اللتيا والتى أية ضرورة أن يكون كل سابق صاحب الزعامة الكبرى وكل مقرب إماماً ؟ وأيضاً لو كانت هذه الرواية صحيحة لكانت مناقضة للأية صراحة ، لأن الله تعالى قال في حق السابقين  ثلة من الأولين وقليل من الآخرين  والثلة هو الجمع الكثير ولا يمكن ان يطلق على الأثنين جمع ولا على الواحد قليل أيضا ، فعلم أن المراد بالسبق من الآية عرفى أو إضافى شامل للجماعة الكثيرة لا حقيقي بدليل أن الآية الأخرى  السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار  والقرآن يفسر بعضه بعضاً . وأيضاً ثبت بإجماع أهل السنة والشيعة أن أول من آمن حقيقة خديجة t