دراسة مقارنة في الحديث وعلومه وكتبه

 السنة بيان الله تعالي علي لسان رسوله صلى الله عليه وسلم 

 

بحث نشر في مجلة مركز السيرة والسنة بجامعة قطر 

 

القسم الأول

الحديث وعلومه عند الجمهور

 

 

القسم الثاني

الحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة


مقدمة

      الحمد لله الذى خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ، والحمد لله الذى لا يؤَّدى شكرُ نعمة من نعمه إلا بنعمة منه توجب على مؤدِّى ماضي نعمه بأدائها : نعمة حادثة يجب عليه شكره بها . ولا يبلغ الواصفون كنه عظمته الذى هو كما وصف نفسه وفوق ما يصفه به خلقه .

      أحمده حمداً كما ينبغى لكرم وجهه وعز جلاله ، وأستعينه استعانة من لاحول له ولا قوة إلا به ، وأستهديه بهداه الذى لا يضل من أنعم به عليه ، وأستغفره لما أزلفت وأخرت . استغفار من يقر بعبوديته ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو . وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله([1]).

     وبعد :

 

فهذا هو الجزء الثالث من كتابنا الذى يبين حقيقة الشيعة الاثنى  عشرية ، حيث كان الجزء الأول دراسة مقارنة في عقيدة الإمامة والعقائد التابعة ، وكان الجزء الثانى في التفسير المقارن وأصوله ، وجاء هذا الجزء ليتناول الحديث وعلومه وكتبه ، وقسمت هذا الجزء إلى قسمين :

 

القسـم الأول : في الحديث وعلومه عند الجمهور

القسـم الثانى : في الحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة

 

     والقسم الأول يضم عشرة فصول :

الفصل الأول : وضحت فيه ما جاء في القرآن الكريم بينا لا يحتاج إلى بيان ، وما جعل بيانه للرسول صلى الله عليه وسلم ، فكان الفصل تحت عنوان " بيان الكتاب والسنة " .

والفصل الثانى عنوانه " السنة وحى " ، وقد أثبت هذا .

والفصل الثالث لبيان " اعتصام السلف بالسنة " ، فذكرت من الأخبار الصحيحة ما يبين هذا الاعتصام .

والفصل الرابع عن " تدوين السنة " وبينت فيه أن من السنة المشرفة ما وصلنا مدوناً في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومنها ما دون في عهد الصحابة رضى الله تعالى عنهم والتابعين لهم بإحسان إلى أن بدأ التدوين الرسمى بأمر خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز ـ رضى الله تعالى عنه . ثم جاء عصر التدوين في منتصف القرن الثانى الهجرى ، ووصلنا من كتب القرن الثانى بعض الكتب ، ثم كان القرن الثالث العصر الذهبى لتدوين السنة المطهرة ، وكثير مما دون في القرنين الأول والثانى مما لم يصلنا جاءنا عن طريق ما دون في القرن الثالث .

وفى الفصل الخامس تحدثت عن " الجرح والتعديل " ، فبينت الأسس  العلمية التي قام عليها الجرح والتعديل عند جمهور المسلمين ، ونقلت آراء الأئمة الأعلام ، وما جاء في أول كتب ألفت في هذا الموضوع ، وبينت موقف الجمهور من الفرق المختلفة .

    وفى الفصل السادس نقلت " حوار الإمام الشافعى لفرقة ضلت " حيث أنكرت العمل بالسنة المطهرة ، والاكتفاء بالقرآن الكريم ، وشككت في حجية السنة ، وانتهى الحوار بإبطال شبهات هذه الفرقة ، وتسليم من حاوره الإمام الشافعى بصحة ما قاله الإمام .

    وفى الفصل السابع أشرت إلى ضلال الطاعنين في السنة الذين جاءوا " بعد الإمام الشافعي " ، وعلى الأخص في القرنين الثالث والرابع .

    ولم أرد استقصاء واستيعاب حركات التشكيك والتضليل في كل العصور ، فهذا أمر يطول جداً ، ويكفى فيه النماذج ، ولذلك جعلت الفصل الثامن لما وجد " في عصر السيوطى " ، حيث تحدث الإمام السيوطى عن الطاعنين في عصره من الزنادقة والرافضة ، فألف كتابه " مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة " للرد على هؤلاء الضالين المضلين .

     ثم جعلت الفصل التاسع تحت عنوان " الطاعنون في العصر الحديث " فبينت أصناف هؤلاء الضالين ، ومدى خطر كل طائفة .

      وختمت هذا القسم بالفصل العاشر ، أشرت فيه إلى راوية الإسلام ، وأحفظ من روى الحديث في دهره ، وهو " أبو هريرة " . رضى الله تعالى عنه ، حيث وجدنا المستشرقين ، وتلامذتهم من العلمانيين ، وكذلك الزنادقة والرافضة ، كل هؤلاء الذين أرادوا هدم الإسلام من أساسه أخذوا يطعنون في هذا الصحابى الجليل الذى حفظ لنا سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم وتركت الحديث عنه للبحث الملحق بهذا الجزء ، وهو بحث : السنة بيان الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

      ثم انتقلت إلى القسم الثانى الذى تناول الحديث وعلومه وكتبه عند الشيعة ، ويضم ستة فصول

     في الفصل الأول تحدثت عن " التدوين عند الشيعة " ، فبينت انقسام الشيعة إلى عدة فرق عند موت كل إمام ، وكل فرقة كانت تضع من الأحاديث ما تؤيد به عقيدتها ، وما كانت أية فرقة تستطيع أن تضع أحاديث في إمام لم يولد بعد ، فإنها لا تعلم الغيب مهما زعم الزاعمون من غلاة وزنادقة هذه الفرق . وعند موت الإمام الحسن العسكرى ، وهو الحادى عشر ، ولم يعرف له ولد ، ولم يترك عقبا ، وقسمت تركته ، انقسم الشيعة عندئذ إلى أكثر من عشر فرق ، وكلها وضعت عقيدتها على أساس عدم وجود ولد للحسن العسكرى ما عدا فرقة واحدة مع فرقة الشيعة الاثنى عشرية ، حيث زعمتا أن له عقبا ، وقالت الاثنا عشرية مقالتها في الإمام الثانى عشر ، وهو ما بينته في الجزء الأول من هذا الكتاب .

      انتهيت من هذا الفصل إلى أن جميع الأخبار التي تذكر أسماء الأئمة الاثنى عشر كلها وضعت واختلقت بعد موت الإمام العسكرى ، ووجدت أن الواقع العملى يؤيد ما انتهيت إليه حتى بالنسبة لما يعرف عندهم بالأصول الأربعمائة ، وهى تسبق كتبهم الأربعة التي ألفت في القرنين الرابع والخامس .

     وانتقلت إلى الفصل الثانى ، وعنوانه " الجرح والتعديل عند الشيعة والرافضة " ، وأردت من هذا العنوان أن نفرق بين معتدلى الشيعة وغلاة   الرافضة .

     فمن أوائل الكتب كتاب " علوم الحديث " للحاكم المعروف بتشيعه ، وبالنظر في الكتاب وجدنا الحاكم يتفق مع جمهور المسلمين ، ومثله من الشيعة النسائى صاحب السنن ، وابن عبدالبر ، وغيرهم .

    أما الرافضة ، الذين رفضوا الإمام زيد بن على بن الحسين لثنائه على الشيخين أبى بكر وعمر ،واعترافه بإمامتهما ، هؤلاء الرافضة تأثروا بعقيدتهم الباطلة في الإمامة فربطوا الجرح والتعديل بموقف الرواة من عقيدتهم ، ولذلك جرحوا وفسقوا جمهور الصحابة الكرام ، بل وصل الأمر إلى تكفير خير البشر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أبو بكر الصديق وعمر الفاروق ، وتكفير أمة الإسلام التي اعترفت بإمامتهما واقتدت بسنتهما بعد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكرت من كتب الجرح والتعديل عند هؤلاء الرافضة ما يبين ضلالهم ، بل كفرهم وزندقتهم.

 

      والفصل الثالث تناول " مفهوم السنة عندهم " ، وهو يختلف عما أجمعت عليه الأمة ، حيث إنهم أشركوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره من أئمتهم ، وجعلوا أقوالهم وأفعالهم كالمعصوم صلى الله عليه وسلم دون أدنى فرق ، فهم يرونهم معصومين كالرسول صلى الله عليه وسلم ، سواء أكان من اعتبروه إماماً كبيراً أم صغيراً ، أم لا يزال طفلا في الخرق يلهو ويعبث كما يلهو الأطفال ويعبثون ، فلهوه وعبثه سنة تشريعية ملزمة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم كالقرآن الكـريم  !!  " انظر كيف يفترون على الله الكذب " !!

     والفصل الرابع تحدثت فيه عن " مراتب الحديث " ، وهى عندهم أربعة : الصحيح والحسن والموثق والضعيف ، وكلها مبنية على آرائهم الضالة في الجرح والتعديل .

    والفصل الخامس تحدثت فيه عن " التعارض والترجيح " ، وهو يوضح أسباب ابتعاد هذه الفرقة الضالة عن الأمة الإسلامية ، حيث يرجحون ما خالف الأمة وإن وافق الكتاب والسنة ، ويعتبرون الأخذ بما خالف جمهور المسلمين رشداً ، بل من علامات الإيمان ! وبينت من قبل مفهوم الإيمان والكفر عند هؤلاء الرافضة أتباع عبدالله بن سبأ لعنه الله تعالى ، وسيأتى لهذا مزيد بيان في هذا الجزء والجزء الذى يليه .

    أما الفصل السادس ، وهو الفصل الأخير في هذا القسم فتحدثت فيه عن " الكتب الأربعة " ، أى المعتمدة عندهم ، وهى : الكافى للكلينى ، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق ، والتهذيب والاستبصار للطوسى .

      ولما كان الكافى هو الكتاب الأول عندهم أشبه بصحيح البخارى عند  المسلمين ، وهو يشتمل على الأصول والفروع ، ويقع في ثمانية أجزاء ، أما الكتب الثلاثة الأخرى فتقتصر على الفروع فقط دون الأصول ، فلذلك رأيت أن يكون الحديث أولاً عن الجزء الأول من أصول الكافى ، وثانياً عن الجزء الثانى من أصول الكافى ، وثالثاً عن روضة الكافى ، ثم أخيراً يكون الحديث عن فروع الكافى والكتب الثلاثة الأخرى .

     وهذه الكتب الأربعة كتبت بعد عصر الأئمة الاثنى عشر في ظلمات عقيدتهم الباطلة ، وقد بينت الدراسة ما في هذه الكتب من باطل وزيغ وضلال وعلى الأخص كتابهم الأول حيث سلك الكلينى منهج شيخه على بن إبراهيم القمى في تحريف القرآن الكريم ، وتكفير الصحابة الكرام ، وعلىالأخص أبو بكر وعمر خير البشر بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومن تولاهما ورضى بخلافتهما الراشدة.

      والقارئ لهذا القسم يعجب أشد العجب لوجود مثل هذا الزيغ والضلال والزندقة لفرقة تنتمى إلى الإسلام ، وتبذل أقصى ما تستطيع لنشر هذا الفساد بين المسلمين .

      وبقراءة هذا الجزء بقسميه يبدو واضحاً جلياً بيناً الفرق بين المنهج العلمي للجمهور في الحديث وعلومه ومنهج غلاة الرافضة وزنادقتهم ، ويشترك مع الجمهور معتدلو الشيعة من غير الرافضة .

      ويبقى بعد هذا أصول الفقه وهو ما نتحدث عنه في الجزء الرابع إن شاء الله تعالى .

   "  سبحان ربك رب العزة عما يصفون . وسلام على المرسلين . والحمد لله رب العالمين " .

 

الفصل الأول

بيان الكتاب والسنة

       نزل القرآن الكريم مفرقاً في ثلاث وعشرين سنة ، قال تعالى في سورة الإسراء :  ] وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً[ ([2])

والرسول صلى الله عليه وسلم عندما يقرأ القرآن الكريم على الناس فإنما يقرأ ويبين مراد الله   تعالى . وكان منهج الصحابة رضى الله تعالى عنهم كما قال ابن مسعود " كنا لا نتجاوز عشر آيات حتى نعلم ما بهن ونعمل بهن فتعلمنا العلم والعمل جميعاً " ، وكانوا يأخذون عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يخفى عليهم من هذا العلم .

     وفى العهد المكى الذى نزلت فيه سورة الإسراء نزل قوله تعالى في الآية التاسعة والثمانين من سورة النحل : ]  وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ [ . 

      وفى الآية الرابعة والأربعين من سورة النحل أيضاً نزل قوله عز وجل : ]أنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[ ، فما البيان الذى جاء به القرآن الكريم؟ و ما بيان الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ وما العلاقة بين البيانين ؟

أولاً: من القرآن ما جاء البيان نصا لا يحتاج إلى بيان آخر : كقوله تبارك وتعالى : ] فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  [([3]).

فحرف الواو كما يأتى للجمع قد يأتى للإباحة ، فيحتمل أن يكون المتمتع مخيراً بين صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ، فمنع هذا الاحتمال بمزيد من البيان     " تلك عشرة كاملة " ومثل هذه الآية الكريمة ما يعرف في أصول الفقه : بالمحكم أو المفسر إذا كان التفسير من القرآن الكريم نفسه وهو كثير ، وما كان قطعى الدلالة لا يحتمل التأويل وهو أكثر .

ثانياً : في الآية الكريمة السابقة الذكر ذكر العمرة والحج ، ولكن كيف نؤديهما ؟ وفى قوله عز وجل  ] وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ  [ بيان أن الصلاة مفروضة ، وأن الزكاة مفروضة ولكن ما عدد الصلوات المفروضة ؟ وكيف تؤدى ؟ وما مواقيتها ؟ إلى غير ذلك مما يتعلق بالصلاة ، وكذلك ما يتعلق بالزكاة . كل هذا بينه الله سبحانه وتعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله ـ عز وجل ـ الذكر بإحكام الفرض وترك للرسول صلى الله عليه وسلم بيان ما أنزل . وهذا أمر واضح جلى لا يحتاج إلى وقفة فلا يستطيع أحد أن ينكره .

     ومثل هذا بيان ما كان ظنى الدلالة محتملاً للتأويل : كمطلق يقيد وعام يخصص إلى غير ذلك مما هو معلوم مشهور .

ثالثاً : جاءت السنة المطهرة بما ليس فيه نص من كتاب الله تبارك وتعالى ، وبيان الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو عن الله تعالى ، فقد بين القرآن الكريم وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم " فكل من قبل عن الله فرائضه فى كتابه : قبل عن رسول الله سننه بفرض الله طاعة رسوله على خلقه ، وأن ينتهوا إلى حكمه . ومن قبل عن رسول الله فعن الله قبل لما افترض الله من طاعته . فيجمع القبول لما في كتاب الله ولسنة رسول الله القبول لكل واحد منهما عن الله وإن تفرقت فروع الأسباب التي قبل بها عنهما " ([4]).

     والآيات الكريمة التي تبين وجوب طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنها من طاعة الله عز وجل ، وتحذر من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الآيات كثيرة نكتفى هنا بذكر بعضها .

       القرآن الكريم يأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ويحذر من معصيته .

   قال الله سبحانه وتعالى :

    ] وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا  [ " الحشر : 7 "

    ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ     تَأْوِيلاً [ " النساء : 59 "

    ] وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا [ " الأحزاب : 36 "

     ] مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ  [ " النساء : 80 "

 ]  إِنَّ الذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ  [  " الفتح : 10 "

    ] فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا [  " النساء : 65 " 

     ] لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [     " النور : 63 "

   ] إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ  [    " النور : 51 ، 52 "

       فهذه الآيات الكريمة فرضت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم   : مقرونة بطاعة الله عز وجل ، ومذكورة وحدها ، وحذرت من يعصى أمر رسول الله وحكمت عليه بالضلال المبين وبعدم الإيمان ، فطاعة الرسول الكريم طاعة الله تبارك وتعالى . إذن بيان السنة من بيان كتاب الله العزيز .

السنة وحي

     ولا يكون مثل هذا للرسول صلى الله عليه وسلم  إلا إذا كان معصوماً لا ينطق عن الهوى ، وهو ما بينه القرآن الكريم حيث قال:] وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى  إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [ (3 - 4:النجم ).وقال: ] وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ  [ ( 52 - 53 :  الشورى ) .

     وفى آيتين كريمتين إحداهما تخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم   والأخرى تخاطب المؤمنين جاء البيان بأن الله سبحانه وتعالى أنزل الكتاب والحكمة ،وسيأتى في كلام للإمام الشافعى إثبات أن الحكمة هي السنة ، والآيتان هما قوله تعالى :

 ] وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ  [ ( 113 : النساء) ، وقوله عز وجل : ]  وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ [ (231 : البقرة ) . وإذا كان القرآن الكريم وحياً منزلا أمرنا باتباعه والتعبد به وتلاوته فإن السنة المطهرة من الوحى المنزل الذى أمرنا باتباعه دون التعبد والتلاوة .

      وروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم  ما يبين وجوب طاعته ويحذر من معصيته .

      فقد روى أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجة والحاكم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:" لا ألفين أحدكم متكئـا على أريكته يأتيه الأمر من أمرى ممـا أمـرت به أو نهيت عنه فيقـول لا أدرى ما وجدنـا في كتاب الله اتبعنـاه " وفى رواية لهم أيضـاً " يوشـك أن يقعـد الرجل منـكم على أريكته يحدث بحديثـى فيقـول :

      بينى وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراماً حرمناه . وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله " ([5]) .

      وفى خطبته الشريفة في حجة الوداع حث على التمسك بالكتاب والسنة حيث قال : " وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً أمرا بينا كتاب الله وسنة نبيه ([6]) .

      وروى أبو داود في مراسيله عن حسان بن عطية قال : " كان جبريل رضي الله عنه ينزل على رسول صلى الله عليه وسلم  بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن ، ويعلمه إياها كما يعلمه القرآن " ([7]) .

     وروى الدارمى عن محمد بن كثير عن الأوزاعى عن حسان قال : " كان جبريل ينزل على النبى صلى الله عليه وسلم  بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن  " ([8]) .ورواه الخطيب البغدادى في الكفاية ( ص12 ) بسنده عن حسان بن عطية أيضاً .

اعتصام السلف بالسنة

     كان السلف الصالح متمسكاً بسنة الرسول صلى الله عليه وسلم   تمسكهم بالقرآن الكريم ، فالكل وحى واجب الاتباع .

     ففى صحيح البخارى نجد كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، ومما جاء في هذا الكتاب : " وكانت الأئمة بعد النبى صلى الله عليه وسلم  - يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها ، فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره اقتداء بالنبى صلى الله عليه وسلم  " .

     ويوضح ما سبق ما رواه الإمام الدارمى في باب التورع عن الجواب فيما ليس في كتاب ولا سنة :

     من هذه الروايات أن أبا بكر الصديق - رضى الله تعالى عنه - كان إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله ، فإن وجد فيه ما يقضى بينهم قضى به ، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله في ذلك الأمر سنة قضى به ، فأن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال : أتانى كذا وكذا فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء ؟ فربما اجتمع إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله فيه قضاء فيقول أبو   بكر : الحمد لله الذى جعل فينا من يحفظ عن نبينا . فإن أعياه أن يجد فيه سنة من رسول الله جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم ، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به .

     وموقف الصديق من ميراث الجدة معلوم مشهور حيث توقف " لا أجد لك في كتاب الله شيئاً " إلى أن بلغه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاها السدس .

      من روايات سنن الدارمى أيضاً أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه كتب إلى شريح : إذا جاءك شئ في كتاب الله فاقض به ولا يلتفتـك عنه   الرجـال ، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله فاقض بها ، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به .

      ومنها أن ابن عمر لقى جابر بن زيد فقال له : يا أبا الشعثاء إنك من فقهاء البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية ، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت .

     ومنها أن عبدالله بن مسعود قال : أتى علينا زمان لسنا نقضى ولسنا هناك ، وأن الله قد قدر من الأمر أن قد بلغنا ما ترون ، فمن عرض له قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما في كتاب الله عز وجل ، فإن جاءه ما ليس في كتاب الله فليقض بما قضى به رسول الله ، فإن جاءه ما ليس فى كتاب الله ولم يقض به رسول الله  فليقض بما قضى به الصالحون .

    ومما يبين ما جاء في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيح البخارى ما رواه هو ومسلم وأحمد وغيرهم أن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال : أذكر الله امرأ سمع من النبى صلى الله عليه وسلم في الجنين شيئا ؟ فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال : كنت بين جارتين لى ـ يعنى ضرتين ـ فضربت إحداهما الأخرى بمسطح ، فألقت جنينا ميتا ، فقضى فيه رسول صلى الله عليه وسلم بغرة ، فقال عمر : لو لم أسمع فيه لقضينا  بغيره . وقال غيره : إن كدنا أن نقضى في مثل هذا برأينا .

     وروى الإمام الشافعى بسنده عن سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب قضى في الإبهام بخمس عشرة وإلى التي تليها بعشر ، وفى الوسطى بعشر ، وفى التي تلى الخنصر بتسع ، وفى الخنصر بست .

     ثم قال الشافعى : لما كان معروفاً - والله أعلم - عند عمر أن النبى قضى في اليد بخمسين ، وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع ، نزلها منازلها ، فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف ، فهذا قياس على الخبر .

       فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم ، فيه : أن رسول الله قال : " وفى كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل " صاروا إليه .

       ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم - والله أعلم - حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله .

      وفى الحديث دلالتان :

     أحدهما : قبول الخبر، والآخر : أن يقبل الخبر في الوقت الذى يثبت فيه ، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبرالذى قبلوا .

      ودلالة على أنه لو مضى أيضاً عمل من أحد من الأئمة ثم وجد خبر عن النبى صلى الله عليه وسلم يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله .

     ودلالة على أن حديث رسول الله يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده .

      ولم يقل المسلمون قد عمل فينا عمر بخلاف هذا بين المهاجرين والأنصار ، ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافه ولا غيركم ، بل صاروا إلى ما وجب عليهم من قبول الخبر عن رسول الله وترك كل عمل خالفه .

      ولو بلغ عمر هذا صار إليه ، إن شاء الله كما صار إلى غيره فيما بلغه عن رسول الله ، بتقواه لله ، وتأديتة الواجب عليه ، في اتباع أمر رسول الله وعلمه ، وبأن ليس لأحد مع رسول الله أمر ، وأن طاعة الله فى اتباع رسول الله .

     ثم أيد الإمام الشافعى قوله السابق فروى بسنده أن عمر بن الخطاب كان   يقول : الدية للعاقلة ، ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئا ، حتى أخبره الضحاك ابن سفيان أن رسول الله كتب إليه : أن يورث امرأة أشيم الضبابى من ديته ، فرجع إليه عمر ([9]) .

      ولمكانة السنة عند الصحابة الكرام وجدنا منهم من يرحل لطلب حديث   واحد :

      روى البخارى في الأدب المفرد بسنده عن ابن عقيل ، أن جابر بن عبدالله حدثه أنه بلغه حديث عن رجل من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم ، فابتعت بعيرا ، فشددت إليه رحلى شهرا حتى قدمت الشام ، فإذا عبدالله بن أنيس ، فبعث إليه أن جابرا بالباب . فرجع الرسول فقال : جابر بن عبدالله ؟ فقلت : نعم . فخرج فاعتنقنى . قلت : حديث بلغنى لم أسمعه ، خشيت أن أموت أو تموت .. إلخ ([10]).

       وروى الحميدى في مسنده ( 1 / 189 ) وبسنده عن عطاء بن أبى رباح: خرج أبو أيوب إلى عقبة بن عامر وهو بمصر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يبق أحد سمعه من رسول صلى الله عليه وسلم غيره وغير عقبة . فلما قدم أتى منزل مسلمة بن مخلد الأنصارى وهو أمير مصر ، فأخبر به ، فعجل وخرج إليه   فعانقه ، ثم قال : ما جاء بك يا أبا أيوب ؟ فقال : حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق أحد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم غيرى وغير عقبة ، فابعث من يدلنى على منزله . فقال : فبعث معه من يدله على منزل عقبة ، فأخبر عقبة به ، فعجل فخرج إليه فعانقه وقال : ما جاء بك يا أبا أيوب ؟ فقال حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبق أحد سمعه غيرى وغيرك في ستر المؤمن .

فقال عقبة : نعم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من ستر مؤمنا في الدنيا على خزيه ستره الله يوم القيامة " .

        فقال له أبو أيوب : صدقت ، ثم انصرف أبو أيوب إلى راحلته فركبها راجعاً إلى المدينة فما أدركته جايزة مسلمة بن مخلد إلا بعريش مصر .

       هذان مثلان فيهما من الدلالة ما يكفى ويغنى ، والرحلة في طلب الحديث معلومة مشهورة .

تدوين السنة

       من المعلوم أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم  نهى عن كتابة أحاديثه الشريفة ، وأنه  كذلك أباح ، وأمر بمثل هذه الكتابة ، وبالطبع لا يمكن أن يجتمع النهى والإباحة والأمر مع اتحاد الزمان والأحوال . والمتتبع لهذا يجد أن النهى صدر في أول الأمر حتى لا يختلط شىء بكتاب الله تعالى كما يبدو ، أو لأية حكمة أخرى .

      والصحيح في النهى ينحصر في حديث واحد رواه الإمام مسلم في كتاب الزهد من صحيحه ، تحت باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم ، ورواه   بسنده ، عن أبى سعيد الخدرى ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم   قال : " لا تكتبوا عنى ، ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه ، وحدثوا عنى ولا حرج ، ومن كذب على - قال همام : أحسبه قال متعمداً : فليتبوأ مقعده من النار " .

      وقال الإمام النووى في شرح الحديث الشريف :

      قوله صلى الله عليه وسلم  : " لا تكتبوا عنى غير القرآن ومن كتب عنى غير القرآن فليمحه " قال القاضى : كان بين السلف من الصحابة والتابعين اختلاف كثير في كتابة العلم : فكرهها كثيرون منهم ، وأجازها أكثرهم .

    ثم أجمع المسلمون على جوازها ، وزال ذلك الخلاف . واختلفوا في المراد بهذا الحديث الوارد في النهى ، فقيل هو في حق من يوثق بحفظه ويخاف اتكاله على الكتابة إذا كتب ، ويحمل الأحاديث الواردة بالإباحة على من لايوثق بحفظه ، كحديث " اكتبوا لأبى شاه " ، وحديث صحيفة على رضى الله عنه ، وحديث كتاب عمرو بن حزم الذى فيه الفرائض والسنن والديات ، وحديث كتاب الصدقة ، ونصب الزكاة الذى بعث به أبو بكر رضى الله عنه أنسا رضى الله عنه حين وجهه إلى البحرين ، وحديث أبو هريرة أن ابن عمرو بن العاص كان يكتب ولا أكتب ، وغير ذلك من الأحاديث ، وقيل : إن حديث النهى منسوخ بهذه الأحاديث ، وكان النهى حين خيف اختلاطه بالقرآن ، فلما أمن ذلك أذن في الكتابة . وقيل : إنما نهى عن كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط فيشتبه على القارئ في صحيفة واحدة والله أعلم " ([11]) .

      والأحاديث التي أشار إليها الإمام النووى جاءت بعد حديث النهى عن   الكتابة ، ومن هنا قيل بالنسخ ، ولذلك عندما ورد الحديث في مختصر صحيح مسلم للحافظ المنذرى عقب الشيخ الألبانى بقوله : " هذا منسوخ بأحاديث كثيرة فيها الأمر بكتابة الحديث النبوى " ([12]) . والرامهرمزى الذى ولد في النصف الثانى من القرن الثالث الهجرى ، وتوفى سنة 360 هـ ، تحدث عن التدوين في كتابه المحدث الفاصل بين الراوى والواعى ( ص 363 : 402 ) تحت عنوان " باب الكتاب "  وذكر بإسناده ستة أحاديث . أولها عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : " إن الله تعالى حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين ، وإنها لم تحل لأحد كان قبلى ، وإنما أحلت لى ساعة من نهار ، وأنها لا تحل لأحد كان بعدى ، لا ينفر صيدها ، ولا يختلى شوكها ، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين ، إما أن يفتدى ، وإما أن يقتل فقال العباس : إلا الأذخر يا رسول الله ، فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا ، فقال : " إلا الأذخر " . فقام أبو شاه - رجل من أهل اليمن - فقال : اكتبه لى يا رسول الله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اكتبوا لأبى شاه  " . قال المديد : قلت للأوزاعى : ما قوله اكتبوا لأبى شاه ؟ قال: هذه الخطبة التي سمعها من رسول صلى الله عليه وسلم .

     أما باقى الأحاديث فكلها عن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضى الله تعالى عنهما ، وهى :

1       ـ قلت : يا رسول الله ، أقيد العلم ؟ قال : " نعم " ، قلت : وما تقييده ؟  قال : " الكتاب " .

2       ـ قلت : يا رسول الله ، أكتب ما أسمعه منك ؟ قال " نعم "  قلت : في الغضب والرضا ؟ قال : " نعم ، فإنى لا أقول إلا حقا "

3       ـ قلنا : يا رسول الله ، إنا نسمع منك أشياء لا نحفظها ، أفلا نكتبها ؟ قال: " بلى فاكتبوها " .

4       ـ عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " قيدوا العلم بالكتاب " .

5   ـ قلت : يا رسول الله ، إنى أسمع منك الشئ أفأكتبه ؟ قال : " نعم فاكتبه " قلت : إنك تغضب وترضى ؟ قال : " إنى لا أقول في الرضا والغضب إلا حقا"([13]).

      والحديث الأول ـ حديث أبى هريرة ـ أخرجه الإمام البخارى في كتاب العلم ، باب كتابة العلم ، وفيه أخرج ثلاثة أحاديث أخرى ، أحدها عن أبى جحفة قال : قلت لعلى : هل عندكم كتاب ؟ قال : لا إلا كتاب الله ، أو فهم أعطيه رجل مسلم ، أو ما في هذه الصحيفة . قال : قلت : فما فى هذه الصحيفة ؟ قال : العقل ، وفكاك الأسير ، ولا يقتل مسلم بكافر .

      وأخرج عن أبى هريرة ـ رضى الله عنه قوله : ما من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثاً عنه منى ، إلا ما كان من عبدالله بن عمرو ، فإنه كان يكتب و لا أكتب .

     والحديث الرابع في الباب جاء عن ابن عباس -رضى الله عنهما - قال : لما اشتد بالنبى صلى الله عليه وسلم وجعه قال : " ائتونى أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده " .

      ومن المعلوم المشهور كتابة عبدالله بن عمرو التي أشار إليها أبو هريرة ، وصحيفته " الصادقة " التي أخذها من في رسول الله صلى الله عليه وسلم .

     وفى أحاديث عبدالله بن عمرو من مسند الإمام أحمد نجد أربع روايات صحيحة تثبت هذه الكتابة ، منها قوله : كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أريد حفظه ، فنهتنى قريش ، فقالوا : إنك تكتب كل شىء تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر ، يتكلم في الغضب والرضا ، فأمسكت عن   الكتاب ، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " اكتب ، فوالذى نفسى بيده ما خرج منى إلا حق "([14])

     وفى رواية : " ما خرج منه إلا حق " ([15]).

     وفى رواية ثالثة : " فإنه لا ينبغى لى أن أقول في ذلك إلا حقاً " ([16]).

     وفى الأخيرة من الروايات الصحيحة : ".... فإنى لا أقول فيهما إلا حقا "([17])

       وعقب الشيخ أحمد شاكر على الحديث الأول ببيان صحته ، وذكر ما يتصل بتخريجه ، ثم انتقل للحديث عن الكتابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم    ، فاكتفى بإثبات ما قاله ابن القيم في تعليقه على اختصار المنذرى لسنن أبى داود ، وهو ما يأتى :-

     " قد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم النهى عن الكتابة والإذن فيها . والإذن متأخر ، فيكون ناسخا لحديث النهى ، فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال في غزاة الفتح : اكتبوا لأبى شاه ، يعنى خطبته التي سأل أبو شاه كتابتها ، وأذن لعبدالله بن عمرو في الكتابة ، وحديثه متأخر عن النهى ، لأنه لم يزل يكتب ، ومات وعنده كتابته وهى الصحيفة التي كان يسميها الصادقة . ولو كان النهى عن الكتابة متأخرا لمحاها عبدالله ، لأمر النبى صلى الله عليه وسلم بمحو ما كتب عنه غير القرآن . فلما لم يمحها وأثبتها دل أن الإذن في الكتابة متأخر عن النهى عليها ، هذا واضح والحمد لله .

     وقد صح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال لهم في مرض موته : ائتونى باللوح والدواة والكتف ، لأكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا . وهذا إنما يكون كتابة كلامه بأمره ، وإذنه . وكتب النبى صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم كتابا عظيما ، فيه الديات وفرائض الزكاة وغيرها . وكتبه في الصدقات معروفة مثل كتاب عمر بن الخطاب ، وكتاب أبى بكر الصديق الذى دفعه إلى أنس رضى الله عنه . وقيل لعلى : هل خصكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشئ ؟ فقال : لا والذى فلق الحبة وبرأ النسمة ، إلا ما في هذه الصحيفة ، وكان فيها العقول ، وفكاك الأسير ، وأن لا يقتل مسلم بكافر . وإنما نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن كتابة غير القرآن في أول الإسلام ، لئلا يختلط القرآن بغيره ، فلما علم القرآن وتميز ، وأفرد بالضبط والحفظ ، وأمنت عليه مفسدة الاختلاط ، أذن في الكتابة .

       وقد قال بعضهم : إنما كان النهى عن كتابة مخصوصة ، وهى أن يجمع بين كتابة الحديث والقرآن في صحيفة واحدة ، خشية الالتباس . وكان بعض السلف يكره الكتابة مطلقا . وكان بعضهم يرخص فيها حتى يحفظ ، فإذا حفظ محاها . وقد وقع الاتفاق على جواز الكتابة وإبقائها . ولولا الكتابة ما كان بأيدينا اليوم من السنة إلا أقل القليل   ا . هـ .

      وفى مقدمة ابن الصلاح ( ص 87 ) جاء عنوان : " في كتاب الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده " .

      وقال : " اختلف الصدر الأول - رضى الله عنهم - في كتابة الحديث ، فمنهم من كره كتابة الحديث والعلم ، وأمروا بحفظه ، ومنهم من أجاز ذلك . وممن روينا عنه كراهة ذلك : عمر ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وأبو موسى ، وأبو سعيد الخدرى في جماعة آخرين من الصحابة والتابعين " .

      وذكر حديث أبى سعيد الخدرى ، وقال : " وممن روينا عنه إباحة ذلك أو فعله : على ، وابنه الحسن ، وأنس ، وعبدالله بن عمر ، وعبدالله بن عمرو بن العاص في جمع آخرين من الصحابة والتابعين رضى الله عنهم أجمعين .  ومن صحيح حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الدال على جواز ذلك حديث أبى شاه ... إلخ " .

     ثم قال ( ص 88 ) : " ثم إنه زال ذلك الخلاف ، وأجمع المسلمون على تسويغ ذلك وإباحته ، ولولا تدوينه في الكتب لدرس في الأعصر الآخرة والله   أعلم " ([18]) .

      وفى الباعث الحثيث ( ص 132 ) سلك الحافظ ابن كثير منهج ابن الصلاج ، وذكر قوله فيما رواه عن الصحابة رضى الله تعالى عنهم ، ثم قال : " وقد حكى إجماع العلماء في الأعصار المتأخرة على تسويغ كتابة الحديث وهذا مستفيض شائع ذائع ، من غير نكير " .

      وفى التعليق على ما ذكره الحفاظ بين الشيخ أحمد شاكر أن القول الصحيح هو ما ذهب إليه أكثر الصحابة من جواز الكتابة ، وذكر حديث أبى سعيد في  النهى ، ثم قال : إن النهى منسوخ بأحاديث أخرى دلت على الإباحة ، وذكر عددا من هذه الأحاديث ، وقال :

      " وهذه الأحاديث ، مع استقرار العمل بين أكثر الصحابة والتابعين ، ثم اتفاق الأمة بعد ذلك على جوازها : كل هذا يدل على أن حديث أبى سعيد منسوخ ، وأنه كان في أول الأمر حيث خيف اشتغالهم عن القرآن ، وحين خيف اختلاط غير القرآن بالقرآن . وحديث أبى شاه في أواخر حياة النبى صلى الله عليه وسلم ، وكذلك إخبار أبى هريرة ، وهو متأخر الإسلام ، أن عبدالله بن عمرو كان يكتب ، وأنه هو لم يكن يكتب يدل على أن عبدالله  كان يكتب بعد إسلام أبى هريرة ، ولو كان حديث أبى سعيد في النهى متأخراً عن هذه الأحاديث في الإذن والجواز ، لعرف ذلك عند الصحابة يقينا صريحاً . ثم جاء إجماع الأمة القطعى يعد قرينة قاطعة على أن الإذن هو الأمر الأخير ، وهو إجماع ثابت بالتواتر العملى ، عن كل طوائف الأمة بعد الصدر الأول رضى الله عنهم أجمعين " . ا . هـ

       مما سبق نرى أن تدوين السنة بدأ في حياة الرسول نفسه صلى الله عليه وسلم ، ومنها ما كتب بأمره وبين يديه صلى الله عليه وسلم .

       ومن المعلوم أن الاتجاه العام إلى جمع السنة المشرفة وتدوينها في الدولة الإسلامية إنما كان في عهد خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبدالعزيز رضى الله تعالى عنهم ، وكانت مبايعته بالخلافة في صفر سنة تسع وتسعين ، ووفاته فى رجب سنة إحدى ومائة ، وهذا يعنى أن الجمع كان لكل من المكتوب منها والمحفوظ ، مع مراعاة الإسناد الذى شرفت به وانفردت خير أمة أخرجت للناس . فالجمع إذن لم يكن للمحفوظ وحده ، كما لم يكن لهذا المحفوظ قيمة علمية بغير الإسناد المتصل المرفوع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم .

      قال الجزائرى في توجيه النظر إلى أصول الأثر ( ص 7 : 8 ) .

      قال البخارى في صحيحه فى كتاب العلم : " وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى أبى بكر بن حزم : انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه ، فإنى خفت دروس العلم ، وذهاب العلماء " ، وابو بكر هذا كان نائب عمر بن عبدالعزيز في الإمرة والقضاء على المدينة . روى عن السائب بن يزيد ، وعباد بن تميم ، وعمرو بن سليم الزرقى . وروى عن خالته عمرة ، وعن خالدة ابنة أنس ، ولها صحبة . قال مالك : لم يكن أحد بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبى بكر ابن حزم .. وكتب إليه عمر بن عبدالعزيز أن يكتب له من العلم ما عند عمرة والقاسم فكتبه له . وأخذ عنه معمر ، والأوزاعى ، والليث ، ومالك وابن أبى   ذئب ، وابن إسحق ، وغيرهم . وكانت وفاته فيما قاله الواقدى وابن سعد وجماعة سنة عشرين ومائة ،وأول من دون الحديث بأمر عمر بن عبدالعزيز محمد بن مسلم ابن عبيد الله بن عبدالله بن شهاب المدنى ، أحد الأئمة الأعلام ، وعالم أهل الحجاز والشام . أخذ عن ابن عمر ، وسهل بن سعد ، وأنس بن مالك ، ومحمود بن  الربيع ، وسعيد بن المسيب ،وأبى أمامة ابن سهل ، وطبقتهم من صغار الصحابة وكبار التابعين ، وأخذ عنه معمر ، والأوزاعى ،والليث ، ومالك ، وابن أبى ذئب وغيرهم . ولد سنة خمسين وتوفى سنة أربع وعشرين ومائة . قال عبد الرزاق : سمعت معمرا يقول : كنا نرى أناقد أكثرنا عن الزهرى حتى قتل الوليد بن يزيد فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزائنه يقول من علم الزهرى ، ثم شاع التدوين في الطبقة التي تلى طبقة الزهرى . ولوقوع ذلك في كثير من البلاد وشيوعه بين الناس اعتبروه الأول فقالوا : كانت الأحاديث في عصر الصحابة وكبار التابعين غير مدونة فلما انتشر العلماء في الأمصار وشاع الابتداع دونت ممزوجة بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين .

      وأول من جمع ذلك ابن جريج بمكة ، وابن إسحق أو مالك بالمدينة : والربيع ابن صبيح أو سعيد بن أبى عروبة أو حماد بن سلمة بالبصرة ، وسفيان الثورى بالكوفة والأوزاعى بالشام ، وهشيم بواسط ، ومعمر باليمن ، وجرير بن عبدالحميد  بالرى ، وابن المبارك بخراسان . وكان هؤلاء في عصر واحد ، ولا يدرى أيهم سبق . قال الحافظ ابن حجر : " إن ما ذكر إنما هو بالنسبة إلى الجمع في   الأبواب ، وأما جمع حديث إلى مثله في باب واحد فقد سبق إليه الشعبى ، فإنه روى عنه قال : هذا باب من الطلاق جسيم ، وساق فيه أحاديث".

     وتلا المذكورين كثير من أهل عصرهم إلى أن رأى بعض الأئمة إفراد أحاديث النبى صلى الله عليه وسلم خاصة وذلك على رأس المائتين ، فصنف عبيد الله بن موسى العبسى الكوفى مسندا ، وصنف مسدد البصرى مسندا ، وصنف أسد بن موسى مسندا ، وصنف نعيم بن حماد الخزاعى مسندا ، ثم اقتفى الحفاظ آثارهم : فصنف الإمام أحمد مسندا ، وكذلك إسحاق بن راهويه وعثمان بن أبى شيبة ، وغيرهم . ولم يزل التأليف في الحديث متتابعا إلى أن ظهر الإمام البخارى وبرع في علم الحديث وصار له فيه المنزلة التي ليس فوقها منزلة ، فأراد أن يجرد الصحيح ويجعله في كتاب على حدة ليخلص طالب الحديث من عناء البحث والسؤال ، فألف كتابه المشهور وأورد فيه ما تبين له صحته . وكانت الكتب قبله ممزوجا فيها الصحيح بغيره بحيث لا يتبين للناظر فيها درجة الحديث من الصحة إلا بعد البحث عن أحوال رواته وغير ذلك مما هو معروف عند أهل الحديث ، فإن لم يكن له وقوف على ذلك اضطر إلى أن يسأل أئمة الحديث عنه . فإن لم يتيسر له ذلك بقى ذلك الحديث مجهول الحال عنده ، واقتفى أثر الإمام البخارى في ذلك الإمام مسلم ابن الحجاج . وكان من الآخذين عنه والمستفيدين منه ، فألف كتابه المشهور ، ولقب هذان الكتابان بالصحيحين ، فمعظم انتفاع الناس بهما ، ورجعوا عند الاضطراب إليهما ، وألفت بعدهما كتب لا تحصى ، فمن أراد البحث عنها فليرجع إلى مظان ذكرها .

      هذا وقد توهم أناس مما ذكر آنفا أنه لم يقيد في عصر الصحابة وأوائل عصر التابعين بالكتابة شىء غير الكتاب العزيز ، وليس الأمر كذلك ، فقد ذكر بعض الحفاظ أن زيد بن ثابت ألف كتابا في علم الفرائض ، وذكر البخارى في صحيحه أن عبدالله بن عمرو كان يكتب الحديث... إلخ . ا . هـ

    والتوهم الذى أشار إليه صاحب توجيه النظر أنه ليس له أساس علمى ، وكان المنهج العلمي والواقع العملى يستلزمان إزالة هذا التوهم ، فلم يقف الأمر عند ثبوت الكتابة عن طريق الأخبار الصحيحة ، بل وصل إلينا بعض ما كتب ، وطبع وانتشر : مثال هذا صحيفة همام بن منبه التي كتبها سماعا من راوية الإسلام الأول أبى هريرة رضى الله تعالى عنه ، نقلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، فقد نشرها المجمع العلمي العربى بدمشق ، وطبعت عدة مرات بتحقيق الدكتور محمد حميد الله ، وأخرجها من قبل الإمام أحمد في مسنده ( حـ 2 ص 312 : 318 ) ، وعندما قام الشيخ أحمد شاكر رحمه الله .. بتحقيق وشرح المسند طبع خمسة عشر جزءا ، وتوفى قبل طبع الجزء السادس عشر ، وهو الذى يبدأ بصحيفة همام .

     وفى المسند أيضاً أحاديث كثيرة من صحيفة عبدالله بن عمرو بن العاص ، كما طبع تفسير مجاهد بن جبر ، تلميذ ابن عباس رضى الله عنهم ، وصلة التفسير بالسنة واضحة معلومة .

       بل إن كتب النبى صلى الله عليه وسلم وصلنا كثيرمن نصوصها ، وعثر على بعض النسخ الأصلية التي كتبت في حياته صلى الله عليه وسلم : ففى كتاب الأموال لأبى عبيد - على سبيل المثال - يوجد " باب كتب العهود التي كتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأهل   الصلح " ( ص 244 ) ، ويروى أبو عبيد بإسناده تحت هذا الباب نصوص سبعة كتب ، وفى كتاب الأموال لابن زنجوية يوجد " كتاب العهود التي كتبها رسول   الله ... صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأهل الصلح " ( 2 / 449 ) ، وهو قريب مما ذكره أبو  عبيد .

       وجمع الدكتور محمد حميد الله ما استطاع من كتب الرسول صلى الله عليه وسلم فأثبت نصوصها ، وبين مصادرها ، وذكر ما يوجد من أصولها وعرض صوراً لكتبه صلى الله عليه وسلم إلى كل من : النجاشى ، وهرقل ، والمقوقس ، وكسرى ، وغيرهم([19]).

       بعد هذا كله كيف يبقى أى توهم ، أو أدنى شك في ثبوت الكتابة في عصر الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام من بعده ؟!

      كان الواجب إذن أن يزال هذا التوهم ، ولا يبقى أى شك أو لبس ، ولكن العجيب الغريب أن الأمر زاد واستشرى ، طعنا في السنة المشرفة ، وتشكيكا في صحتها ، والذين تولوا كبره المستشرقون وتلامذتهم الذين اتخذوهم أربابا من دون الله ، والجهلة بمكانة السنة المطهرة وحجيتها وعلومها . وقد صنفت كتب عديدة في الرد على هؤلاء الطاعنين . وحتى لا يطول بنا الحديث عن التدوين أكتفى بالإشارة إلى كتاب واحد وبعض ما جاء فيه ، وذلك هو " دراسات في الحديث النبوى وتاريخ تدوينه " للدكتور محمد مصطفى الأعظمى ، جعل المؤلف الباب الثالث حول كتابة الأحاديث النبوية ( ص 71 : 83 ) ، وانتهى منه إلى نتيجة وهى أن المسلمين كانت قد أصبحت لديهم إمكانيات واسعة تمكنهم من كتابة الأحاديث  النبوية ، ولم يكن ثمة عائق خارجى يقف في وجه تقييد العلم .

       وجعل عنوان الباب الرابع " تقييد الحديث من عصر النبى صلى الله عليه وسلم إلى منتصف القرن الثانى الهجرى على وجه التقريب " ، وهذا الباب يقع في مائتين واثنتين وأربعين صفحة ( 84 : 325 ) ، وقسمه إلى أربعة فصول :

       الفصل الأول لكتابة الصحابة والكتابة عنهم :

        ذكر فيه اثنين وخمسين من الصحابة الذين كتبوا أو كتب عنهم الأحاديث النبوية ، ورد على الشبه التي تشكك فيما انتهى إليه ، وعلى سبيل المثال ذكر أسماء عشرة كتاب كتبوا عن أبى هريرة ، ومنهم همام بن منبه صاحب الصحيفة التي وصلتنا كاملة ، وأشرت إليها من قبل ،وأربعة عشر كتبوا عن جابر بن عبد الله ، وهو نفسه من المؤلفين الأوائل ، وتسعة كتبوا عن ابن عباس ، أما هو فكانت كتبه حمل بعير ، وهكذا .

      والفصل الثانى عنوانه : " تابعيو القرن الأول وكتاباتهم والكتابة عنهم " ، وأثبت من هؤلاء ثلاثة وخمسين .

      والفصل الثالث جعله المؤلف لكتابة صغار التابعين والكتابة عنهم ، وذكر من هؤلاء التابعين تسعة وتسعين .

       أما الفصل الأخير من هذا الباب فكان لكتابة بعض صغار التابعين وأتباع التابعين والكتابة عنهم ، وبلغ عدد من ذكرهم هنا اثنين وخمسين ومائتين .

       وبهذا يتضح بدء الكتابة في عصر النبوة ، واتصالها واتساعها دون توقف حتى ما جاء ما عرف بعصر التدوين في القرن الثانى الهجرى .

      وقبل هذا الباب قال المؤلف (ص 76 ) : " في ضوء دراستنا هذه نستطيع أن نقول أن كل من نقل عنه كراهية كتابة العلم فقد نقل عنه عكس ذلك أيضاً ، ما عدا شخصاً أو شخصين ، وقد ثبت كتابتهم أو الكتابة عنهم ، كما يتضح ذلك بمراجعة الباب الرابع من هذا الكتاب "

     وممن نقل عنهم كراهية كتابة العلم ، وتحدث المؤلف عنهم في هذا الباب ، ليثبت كتابتهم أو الكتابة عنهم :

1 ـ أبو سعيد الخدرى ([20]) .

2 ـ أبو موسى الأشعرى ([21]) .

3 ـ زيد بن ثابت ([22]) .

4 ـ عبدالله بن مسعود ([23]) .

5 ـ عمر بن الخطاب : وقد أفاض في الحديث عنه ، وذكر سبع قضايا نقلت عن عمر وأسىء فهمهما ، واستدل بها على عدم أخذه بالسنة النبوية ، ورد المؤلف على هذا كله ، وذكر من الأدلة ما هو كاف شاف ، ثم تحدث عن جهود عمر لنشر السنة ، وعن كتابته للسنة ([24]).

الجرح والتعديل

      تكفلت كتب علوم الحديث ببيان ما يتصل بالجرح والتعديل ، ولعل أول كتاب ألف في علوم الحديث هو المحدث الفاصل بين الراوى والواعى للرامهرمزى ، المتوفى سنة 360 هـ . ولكن قبل هذا بكثير كان لبعض الأئمة الأعلام ما يتصل بالجرح والتعديل من أحكام عامة ، وبيان لمن تقبل روايتهم ومن ترد وذكر لأسماء كثير من هؤلاء الرواة . وتوسع بعضهم في ذكر هذه الأسماء فيما يعرف بكتب الرجال ، ومن أقدمها وأنفعها ما كتبه الإمام البخارى في تاريخه الكبير ، وفى الضعفاء ، وكان أثره واضحاً  ، وكتاب الجرح والتعديل لابن أبى حاتم المتوفى سنة 327  هـ .

       وكتب علوم الحديث حفظت لنا آراء الأئمة من الجرح والتعديل ، ولكن قبل أن ننظر في هذه الكتب أريد أن أثبت هنا بعض ما جاء في غيرها سابقا لها ، وأكتفى ببعض ما كتبه ثلاثة من الأئمة :

      أولهم الإمام الشافعى ، صاحب كتاب الرسالة ، الذى يعد أول ما صنف في أصول الفقه ، وفى هذا الكتاب ، تحدث الإمام عن خبر الواحد فقال :

      ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا منها : أن يكون من حدث به ثقة في دينه ، معروفا بالصدق في حديثه ، عاقلا لما يحدث به ، عالما بما يحيل معانى الحديث من اللفظ ، وأن يكون ممن يؤدى الحديث بحروفه كما سمع ، لا يحدث به على المعنى ، لأنه إذا حدث به على المعنى وهو غير عالم بما يحيل معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى الحرام ، وإذا أداه بحروفه فلم  يبق وجه يخاف فيه إحالته الحديث ، حافظا إن حدث به من حفظه ، حافظا لكتابه إن حدث من كتابه . إذ شرك أهل الحفظ في الحديث وافق حديثهم ، بريا من أن يكـون مدلسا : يحدث عن من لقى ما لم يسمع منه ، ويحدث عن النبى ما يحدث الثقات خلافه عن النبي. ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه ، حتى ينتهى بالحديث موصولا إلى النبى أو إلى من انتهى به إليه دونه ، لأن كل واحد منهم مثبت لمن حدثه ، ومثبت على من حدث عنه ، فلا يستغنى في كل واحد منهم عما وصفت . (ص 370 : 372 ).

       ثم قال بعد هذا : ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته . وليست تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه ، ولا النصيحة في الصدق ، فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق . فقلنا : لا نقبل من مدلس حديثاً حنى يقول فيه " حدثنى " أو " سمعت " ( ص 379 : 380 ) .

      وقال أيضاً : ومن كثر غلطه من المحدثين ، ولم يكن له أصل كتاب   صحيح ، لم نقبل حديثه ، كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم نقبل شهادته .

     وأهل الحديث متباينون :

      فمنهم المعروف بعلم الحديث ، بطلبه وسماعه من الأب والعم وذوى الرحم والصديق ، وطول مجالسة أهل التنازع فيه . ومن كان هكذا كان مقدما في الحفظ ، إن خالفه من يقصر عنه ، كان أولى أن يقبل حديثه ممن خالفه من أهل التقصير عنه .

      ويعتبر أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ ، وعلى خلاف حفظه بخلاف حفظ أهل الحفظ له .

      وإذا اختلفت الرواية استدللنا عن المحفوظ منها والغلط بهذا ، ووجوه سواه ، تدل على الصدق والحفظ والغلط . ( الرسالة : ص 382 : 383 ) .

      ونأتى بعد الإمام الشافعى إلى الإمام مسلم ، حيث تحدث في مقدمة صحيحه عن حال بعض الرواة وبين طبقاتهم . وبعد أن بين من تقبل أحاديثهم قال ( ص 45 ) : " فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون ، أو عند الأكثر منهم ، فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم " . وسمى بعضهم وقال : " وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد الأخبار ، وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط ، أمسكنا أيضا عن حديثهم .

      وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عرضت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم ، أو لم تكد توافقها . فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث غير مقبوله ولا نستعمله " ( ص : 46 ) .

      ويأتى بعد هذا باب النهى عن الرواية عن الضعفاء ، والاحتياط في تحملها ، ثم باب بيان أن الإسناد من الدين ، وبين فيه وجوب عدم الأخذ إلا عن الثقة الثبت ، ونبه إلى أمر هام حيث روى عن أبى الزناد قوله : " أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ، ما يؤخذ عنهم الحديث ، يقال : ليس من أهله " ([25]).

       وعن يحيى بن سعيد القطان قال : " لم نر الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث " ، وفسر الإمام مسلم هذا بقوله : يجرى الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب .

      وقال النووى في شرحه : معناه ما قاله مسلم أنه يجرى الكذب على ألسنتهم ولا يتعمدون ذلك ، لكونهم لا يعانون صناعة أهل الحديث ، فيقع الخطأ في رواياتهم ولا يعرفونه ، ويروون الكذب ولا يعلمون أنه كذب . وقد قدمنا أن مذهب أهل الحق أن الكذب هو الإخبار عن الشئ بخلاف ما هو : عمدا كان أو سهوا أو غلطا ([26]).

      وفى الكشف عن معايب رواة الحديث أورد مسلم بعض الأخبار التي تذكر أسماء بعض الكذابين والوضاعين ، ومن هؤلاء جابر بن يزيد الجعفى ، وروى عن غير واحد أن جابرا كان يؤمن بالرجعة ، وفسرها النووى بقوله : معنى إيمانه بالرجعة هو ما تقوله الرافضة وتعتقده بزعمها الباطل أن عليا ـ كرم الله وجهه ـ في السحاب ، فلا نخرج - يعنى مع من يخرج من ولده حتى ينادى من السماء : أن اخرجوا معه ، وهذا نوع من أباطيلهم ، وعظيم من جهالاتهم اللائقة بأذهانهم السخيفة وعقولهم الواهية ( ص : 85 ) .

      ومما رواه مسلم أيضاً أن جابرا قال : إن عندى لخمسين ألف حديث ، ما حدثت منها بشئ . ثم حدث يوما بحديث فقال : هذا من الخمسين ألفا ، وفى خبر زاد أنها عن النبى صلى الله عليه وسلم .

      وفى خبر أيضاً قال جابر : عندى سبعون ألف حديث عن أبى جعفر عن النبى صلى الله عليه وسلم كلها .

      وروى عن الإمام سفيان بن عيينه أنه قال : سمعت رجلا سأل جابرا عن قوله - عز وجل :

  ] فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ [ ([27]) ، فقال جابر : لم يجئ تأويل هذه الآية . قال سفيان : وكذب .فقلنا لسفيان : وما أراد بهذا ؟ فقال : لإن الرافضة تقول أن عليا في السحاب ، فلا نخرج مع من خرج من ولده حتى ينادى مناد من السماء ، يريد عليا أنه ينادى : اخرجوا مع فلان . يقول جابر : فذا تأويل هذه الآية ، وكذب ، كانت في إخوة يوسف صلى الله عليه وسلم .

      وروى عن سفيان أيضاً قال : سمعت جابرا يحدث بنحو من ثلاثين ألف حديث ، ما أستحل أن أذكر منها شيئا وأن لى كذا وكذا ([28]).

      ثم ذكر الإمام مسلم عدداً غير قليل ممن لا تقبل روايتهم ([29])، ثم قال:" وأشباه ما ذكرنا من كلام أهل العلم في متهمى رواة الحديث ، وأخبارهم عن معايبهم ، كثير يطول الكتاب بذكره على استقصائه ، وفيما ذكرنا غاية لمن تفهم وعقل مذهب القوم فيما قالوا من ذلك وبينوا . وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث وناقلى الأخبار ، وأفتوا بذلك حين سئلوا ، لما فيه من عظيم الخطر ، إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتى بتحليل أو تحريم ... إلخ .([30])

      وللإمام مسلم في بيان علل الحديث كتاب التمييز :

      بين فيه الدواعى إلى الجرح والتعديل ، ثم أورد باب ما جاء في الترقى في حمل الحديث وأدائه والتحفظ من الزيادة فيه والنقصان ( ص 127 ) . وبعد هذا أخذ يبين علل بعض الأخبار والروايات كالخطأ أو الوهم في الإسناد أو المتن ، أو فيهما معا ، وأشار إلى شىء من التصحيف ، وما يدفعه الأخبار الصحاح ، ثم قال بعد هذا كله ( ص 171 ) :

     " واعلم رحمك الله ، أن صناعة الحديث ، ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة ، لأنهم الحفاظ لروايات الناس ، العارفين بها دون غيرهم ، إذ الأصل الذى يعتمدون لأديانهم السنن والآثار المنقولة ، من عصر إلى عصر من لدن النبى صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا ، فلا سبيل لمن نابذهم من الناس ، وخالفهم في المذهب ، إلى معرفة الحديث ومعرفة الرجال من علماء الأمصار فيما مضى من الأعصار ، من نقال الأخبار وحمال الآثار .

      وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح . وإنما اقتصصنا هذا الكلام لكى ننبه من جهل مذهب أهل الحديث ممن يريد التعلم والتنبه على تثبيت الرجال وتضعيفهم فيعرف ما الشواهد عندهم ، والدلائل التي بها ثبتوا الناقل للخبر من نقله ، أو سقطوا من أسقطوا منهم . والكلام في تفسير ذلك يكثر ، وقد شرحناه في مواضع غير هذا ، وبالله التوفيق ، في كل ما نؤم ونقصد " .

      وبعد الإمامين الشافعى ومسلم نأتى إلى الثالث وهو ابن أبى حاتم في كتابه الجرح والتعديل الذى أشرت إليه من قبل ، حيث جعل لكتابه مقدمة بدأها ببيان مرتبة النبى صلى الله عليه وسلم ، ثم بمعرفة السنة وأئمتها ، ثم تحدث عن التمييز بين الرواة وبيان طبقاتهم ، فقال ( ص 5 : 7 )

   التمييز بين الرواة :  قال أبو محمد : فلما لم نجد سبيلاً إلى معرفة شئ من معانى كتاب الله ولا من سنن رسوله صلى الله عليه وسلم إلا من جهة النقل والرواية ، وجب أن نميز بين عدول الناقلة والرواة وثقاتهم وأهل الحفظ والثبت والإتقان منهم ، وبين أهل الغفلة والوهم وسوء الحفظ والكذب واختراع الأحاديث الكاذبة .

      ولما كان الدين هو الذى جاءنا عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم بنقل الرواة حق علينا معرفتهم ، ووجب الفحص عن الناقلة والبحث عن أحوالهم ، وإثبات الذين عرفناهم بشرائط العدالة والثبت في الرواية مما يقتضيه حكم العدالة في نقل الحديث وروايته ، بأن يكونوا أمناء في أنفسهم ، علماء بدينهم ، أهل ورع وتقوى وحفظ للحديث وإتقان به وتثبت فيه ، وأن يكونوا أهل تمييز وتحصيل لا يشوبهم كثير من الغفلات ، ولا تغلب عليهم الأوهام فيما قد حفظوه ووعوه ، ولا يشبه عليهم بالأغلوطات .

       وأن يعزل عنهم الذين جرحهم أهل العدالة وكشفوا لنا عن عوراتهم في كذبهم وما كان يعتريهم من غالب الغفلة وسوء الحفظ وكثرة الغلط والسهو  والاشتباه ، ليعرف به أدلة هذا الدين وأمناء الله في أرضه على كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهم هؤلاء أهل العدالة ، فيتمسك بالذى رووه ، ويعتمد عليه ،ويحكم به ، وأهل الغفلة والنسيان والغلط ورداءة الحفظ ، فيكشف عن حالهم وينبأ عن الوجوه التي كان مجرى روايتهم عليها ، إن كذب فكذب ، وإن وهم فوهم ، وإن غلط  فغلط ، وهؤلاء هم أهل الجرح فيسقط حديث من وجب منهم أن يسقط حديثه ولا يعبأ به ولا يعمل عليه ،ويكتب حديث من وجب كتب حديثه منهم على معنى الاعتبار ، ومن حديث بعضهم الآداب الجميلة والمواعظ  الحسنة والرقائق والترغيب والترهيب هذا أو نحوه.

              طبقات الرواة : ثم احتيج إلى تبيين طبقاتهم ومقادير حالاتهم وتباين درجاتهم ليعرف من كان منهم في منزلة الانتقاد والجهبذة والتنقيب والبحث عن الرجال والمعرفة بهم - وهؤلاء هم أهل التزكية والتعديل والجرح.

       ويعرف من كان منهم عدلا في نفسه من أهل الثبت في الحديث والحفظ له والإتقان فيه - فهؤلاء هم أهل العدالة . ومنهم الصدوق فى روايته الورع فى دينه الثبت الذى يهم أحياناً وقد قبله الجهابذة النقاد ـ فهذا يحتج بحديثه أيضاً .

      ومنهم الصدوق الورع المغفل الغالب عليه الوهم والخطأ والسهو والغلط فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب ، ولا يحتج بحديثه في الحلال والحرام . 

      ومنهم من قد ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم ـ ممن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال منهم الكذب ، فهذا يترك حديثه ويطرح روايته ويسقط ولا يشتغل به .

     وبعد هذا تحدث ابن أبى حاتم عن الصحابة الكرام فقال ( ص 7 : 8 )

     الصحابة : فأما أصحاب رسول الله فهم الذين شهدوا الوحى والتنزيل وعرفوا التفسير والتأويل . وهم الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونصرته وإقامة دينه وإظهار حقه ، فرضيهم له صحابة وجعلهم لنا أعلاما وقدوة ، فحفظوا عنه صلى الله عليه وسلم ما بلغهم عن الله عز وجل وما سن وشرع وحكم وقضى وندب وأمر ونهى وحظر وأدب ، ووعوه وأتقنوه ، ففقهوا في الدين وعلموا أمر الله ونهيه ومراده - بمعاينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومشاهدتهم منه تفسير الكتاب وتأويله وتلقفهم منه واستنباطهم عنه ، فشرفهم الله عز وجل بما من عليهم وأكرمهم به من وضعه إياهم موضع القدوة ، فنفى عنهم الشك والكذب والغلط والريبة والغمز ، وسماهم عدول الأمة فقال عز ذكره في محكم كتابه : ] وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ  [ ففسر النبى صلى الله عليه وسلم عن الله عز ذكره قوله " وسطا " قال :   عدلا . فكانوا عدول الأمة ، وأئمة الهدى وحجج الدين ونقلة الكتاب والسنة .

       وندب الله عز وجل إلى التمسك بهديهم والجرى على منهاجهم والسلوك لسبيلهم والاقتداء بهم فقال : ] وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى [  الآية ([31]) .

    ووجدنا النبى صلى الله عليه وسلم  قد حض على التبليغ عنه في أخبار كثيرة ، ووجدناه يخاطب أصحابه فيها ، منها أن دعا لهم فقال : نضر الله امرأ سمع مقالتى فحفظها ووعاها حتى يبلغها غيره . وقال صلى الله عليه وسلم في خطبته : فليبلغ الشاهد منكم الغائب . وقال : بلغوا عنى ولو آية وحدثوا عنى ولا حرج .

       ثم تفرقت الصحابة رضى الله عنهم في النواحى والأمصار والثغور وفي فتوح البلدان والمغازى والإمارة والقضاء والأحكام ، فبث كل واحد منهم في ناحيته وبالبلد الذى هو به ما وعاه وحفظه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وحكموا بحكم الله عز وجل ، وأمضوا الأمور على ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأفتوا فيما سئلوا عنه مما حضرهم من جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم  عن نظائرها من المسائل ، وجردوا أنفسهم مع تقدمة حسن النية والقربة إلى الله تقدس اسمه لتعليم الناس الفرائض والأحكام والسنن والحلال والحرام حتى قبضهم الله عز وجل رضوان الله ومغفرته ورحمته عليهم أجمعين .

      وبعد الصحابة قال عن التابعين ( ص 8 : 9 ) .

     التابعون : فخلف بعدهم التابعون الذين اختارهم الله عز وجل لإقامة دينه وخصهم بحفظ فرائضه وحدوده وأمره ونهيه وأحكامه وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم وآثاره ، فحفظوا عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نشروه وبثوه من الأحكام والسنن والآثار وسائر ما وصفنا الصحابة به رضى الله عنهم ، فأتقنوه وعلموه وفقهوا فيه فكانوا من الإسلام والدين ومراعاة أمر الله عز وجل ونهيه بحيث وضعهم الله عز وجل ، ونصبهم له إذ يقول الله عز وجل :  ] وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ  [ " الآية "

     حدثنا عبدالرحمن محمد بن يحيى ، أنا العباس بن الوليد الترسى ، نايزيد بن زريع ، ثنا سعيد ، عن قتادة قوله عز وجل :  ]  وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ  [  التابعين .

       فصاروا برضوان الله عز وجل لهم وجميل ما أثنى عليهم بالمنزلة التي نزههم الله بها عن أن يلحقهم مغمز ، أو تدركهم وصمة ، لتيقظهم وتحرزهم وتثبتهم ، ولأنهم البررة الأتقياء الذين ندبهم الله عز وجل لإثبات دينه وإقامة سنته وسبله ، فلم يكن لاشتغالنا بالتمييز بينهم معنى ، إذ كنا لا نجد منهم إلا إماما مبرزا مقدما في الفضل والعلم ووعى السنن وإثباتها ولزوم الطريقة واحتبائها ، رحمة الله ومغفرته عليهم أجمعين - إلا ما كان ممن ألحق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس  يلحقهم ، ولا هو في مثل حالهم : لا في فقه ولا علم ولا حفظ ولا إتقان ، ولا ثبت ممن ذكرنا حالهم وأوصافهم ومعانيهم في مواضع من كتابنا هذا ، فاكتفينا بها وبشرحها في الأبواب مستغنية عن إعادة ذكرها مجملة أو مفسرة في هذا المكان.

     وفى ص 9 ، 10 جاء الحديث عن أتباع التابعين ومراتبهم :

     أتباع التابعين : ثم خلفهم تابعو التابعين وهم خلف الأخيار وأعلام الأمصار في دين الله عز وجل ، ونقل سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظه وإتقانه ، والعلماء بالحلال والحرام ، والفقهاء في أحكام الله عز وجل وفروضه وأمره   ونهيه ،  فكانوا على مراتب أربع .

    مراتب الرواة : فمنهم الثبت الحافظ الورع المتقن الجهبذ الناقد للحديث - فهذا الذى لا يختلف فيه ويعتمد على جرحه وتعديله ، ويحتج بحديثه وكلامه في   الرجال .

       ومنهم العدل في نفسه ، الثبت في روايته ، الصدوق في نقله ، الورع في دينه  ، الحافظ  لحديثه المتقن فيه ، فذلك العدل الذى يحتج بحديثه ، ويوثق في نفسه .

      ومنهم الصدوق الورع الثبت الذى يهم أحيانا وقد قبله الجهابذة النقاد - فهذا يحتج بحديثه .

      ومنهم الصدوق الورع المغفل ، الغالب عليه الوهم والخطأ والغلط والسهو - فهذا يكتب من حديثه الترغيب والترهيب والزهد والآداب و لا يحتج بحديثه في الحلال والحرام .

      وخامس قد ألصق نفسه بهم ودلسها بينهم ممن ليس من أهل الصدق   والأمانة ، ومن قد ظهر للنقاد العلماء بالرجال أولى المعرفة منهم الكذب - فهذا يترك حديثه ويطرح روايته . انتهى المنقول من كلام ابن أبى حاتم .

      وننتقل بعد هذا إلى كتب علوم الحديث :

      وأولها المحدث الفاصل للرامهرمزى المتوفى سنة 360هـ . ومما جاء في موضوعنا ما أثبته تحت عنوان : " القول فيمن يستحق الأخذ عنه " بدأه بما يبين رأى الإمام مالك حيث قال :

      القول فيمن يستحق الأخذ عنه :

      حدثنا عبدالله بن الصقر السكرى ، ثنا إبراهيم بن المنذر الجزامى ، ثنا    معن - وقال مرة محمد بن صدقة الفدكى أحدهما أو كلاهما - قال : سمعت مالك بن أنس يقول : لا يؤخذ العلم عن أربعة ، ويؤخذ ممن سوى ذلك : لا يؤخذ من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه ، ولا من سفيه معلن بالسفه وإن كان من أروى الناس ، ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما  يحدث . قال الحزامىّ : فذكرت ذلك لمطرف بن عبدالله فقال : ما أدرى ما تقول ، غير أنى أشهد لسمعت مالكا يقول : أدركت ببلدنا هذا - يعنى المدينة - مشيخة لهم فضل وصلاح وعبادة ، يحدثون ، فما كتبت عن أحد منهم حديثا قط . قلت : لم يا عبدالله ؟

       قال : لأنهم لم يكونوا يعرفون ما يحدثون . قال : وقال مالك : كنا نزدحم على باب ابن شهاب ( ص 403 : 404 ) .

       وانتقل المؤلف بعد هذا إلى الإمام الشافعى ، حيث نقل عنه ما ذكرته من  قبل ، ثم قال :

       قال الشافعى : وكان ابن سيرين والنخعى وغير واحد من التابعين يذهبون إلى ألا يقبلوا الحديث إلا عن من عرف .

       قال الشافعى : وما لقيت أحدا من أهل العلم يخالف هذا المذهب  ( ص 405 ) .

         وجاء بعد هذا بآراء آخرين غير مالك والشافعى .

        وبعد الرامهرمزى يأتى كتاب علوم الحديث للحاكم المعروف بتشيعه ، ولكنه لم يكن رافضيا ، ولذلك أترك النقل منه هنا وأبقيه عند الحديث عن الجرح والتعديل عند الشيعة الاثنى عشرية ليتضح الفرق بين الشيعة والرافضة .

        ومن الكتب المتقدمة فى علـوم الحديث الكفاية في علم الروايـة ، لأبى بكر أحمد بن على بن ثابت ، المعـروف بالخطيب البغدادى ، والمتوفــى سنة 463 هـ .

        وتحدث عن الرواية عن أهل الأهواء والبدع فقال ( ص 125 ) :

       والذى يعتمد عليه في تجويز الاحتجاج بأخبارهم اشتهر من قبول الصحابة أخبار الخوارج وشهاداتهم ومن جرى مجراهم من الفساق بالتأويل ، ثم استمرار عمل التابعين والخالفين بعدهم على ذلك لما رأوا من تحريهم الصدق وتعظيمهم الكذب ، وحفظهم أنفسهم عن المحظورات من الأفعال ، وإنكارهم على أهل الريب والطرائق المذمومة ، ورواياتهم الأحاديث التي تخالف آراءهم ويتعلق بها مخالفوهم في الاحتجاج عليهم ، فاحتجوا برواية عمران بن حطان وهو من الخوارج ، وعمرو بن دينار ، وكان ممن يذهب إلى القدر والتشيع وكان عكرمة إباضياً ، وابن أبى نجيح وكان معتزليا ، وعبدالوارث بن سعيد وشبل بن عياد ، وسيف بن  سليمان ، وهشام الدستوائى ، وسعيد بن أبى عروبة وسلام بن مسكين ، وكانوا قدرية وعلقمة بن مرثد ، وعمرو بن مرة ، ومسعر بن كدام ، وكانوا مرجئة ، وعبيد الله بن موسى وخالد بن مخلد ، وعبد الرزاق بن همام وكانوا يذهبون إلى التشيع ، في خلق كثير يتسع ذكرهم ، دوّن أهل العلم قديما وحديثاً رواياتهم واحتجوا بأخبارهم فصار ذلك كالإجماع منهم ، وهو أكبر الحجج في هذا الباب وبه يقوى الظن في مقاربة الصواب .

باب ذكر بعض المنقول

      عن أئمة أصحاب الحديث في جواز الرواية عن أهل الأهواء والبدع قد اسلفنا الحكاية عن أبى عبد الله الشافعى في جواز قبول شهادة أهل الأهواء غير صنف من الرافضة خاصة ، ويحكى نحو ذلك عن أبى حنيفة إمام أصحاب الرأى وأبى يوسف القاضى .

      وبعد هذا ذكر عدة روايات منها :

      بسنده عن حرملة بن يحيى قال : سمعت الشافعى يقول : لم أر أحدا من أهل الأهواء أشهد بالزور من الرافضة ( ص : 126 ) .

      وعن أبى يوسف قال : أجيز شهادة أهل الأهواء أهل الصدق منهم إلا الخطابية والقدرية الذين يقولون أن الله لا يعلم الشئ حتى يكون .

     وعن ابن المبارك قال : سأل أبو عصمة أبا حنيفة : ممن تأمرنى أن أسمع الآثار ؟ قال : من كل عدل في هواه إلا الشيعة ، فإن أصل عقيدتهم تضليل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم  ، ومن أتى السلطان طائعا ، أما إنى لا أقول إنهم يكذبونهم أو يأمرونهم بما لا ينبغى ولكن وطأوا لهم حتى انقادت العامة بهم . فهذان لا ينبغى أن يكونا من أئمة المسلمين ( ص : 126 ) .

     وعن عبدالرحمن بن مهدى قال : من رأى رأيا ولم يدع إليه احتمل ، ومن رأى رأيا ودعا إليه فقد استحق الترك ( ص : 127 ) .

     وقيل لأحمد بن حنبل : يا أبا عبدالله سمعت من أبى قطن القدرى ؟

     قال : لم أره داعية ، ولو كان داعية لم اسمع منه .

     قلت ـ أى الخطيب البغدادى : إنما منعوا أن يكتب عن الدعاة خوفا أن تحملهم الدعوة إلى البدعة والترغيب فيها على وضع ما يحسنها كما حكينا في الباب الذى قبل هذا عن الخارجى التائب قوله : كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا ( ص : 128 ) .

     وعن أبى داود قال : ليس في أصحاب الأهواء أصح حديثا من الخوارج ، ثم ذكر عمران بن حطان ، وأبا حسان الأعرج ( ص : 130) .

حوار الإمام الشافعي لفرقة ضلت

       إذا كان السلف الصالح متمسكاً بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم   تمسكهم بكتاب الله العزيز ، فإن فرقة شذت في عصر الإمام الشافعى فردت سنة رسول صلى الله عليه وسلم  ، ورأت أنها لا تقوم على الكتاب الذى أنزله الله تبياناً لكل شئ . وأشار الإمام الشافعى إلى هذه الفرقة ، وذكر حواره مع واحد منها في كتاب جماع العلم في الجزء السابع من كتابة الأم .

       وقد بدأ الإمام كتاب جماع العلم بقوله :

       لم أسمع أحداً نسبه الناس أو نسب نفسه إلى علم يخالف في أن فرض الله عز وجل اتباع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، والتسليم لحكمه ، بأن الله عز وجل لم يجعل لمن بعده إلا اتباعه ، وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وأن سواهما تبع لهما ، وأن فرض الله تعالى علينا وعلى من بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واحد ، لا يختلف في أن الفرض والواجب قبول الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا فرقة سأصف قولها إن شاء الله تعالى .

      ثم قال رحمه الله وجزاه خيراً :

باب حكاية قول الطائفة التي ردت الأخبار كلها

       قال الشافعى رحمه الله تعالى :

      قال لى قائل يُنسب إلى العلم بمذهب أصحابه ..

      وذكر الشافعى قوله بأن القرآن نزل تبياناً لكل شىء ، بلسان عربى مبين ، وأن الأحاديث تعتمد على من يجوز عليهم الكذب ، والخطأ ، والنسيان ، والغلط .

      فبين الإمام أن السنة وحى ، لا يمكن الاستغناء عنها ؛ فلا يستقيم أمر الدين بغيرها ، ولا نعرف أحكام العبادات والمعاملات وغيرها إلا بها . وأنه يحتـاط فى قبولها أكثر مما يحتاط فى قبول الأقوال التى تستباح بها الدماء والأموال والأعراض . واستمر الإمام فى حواره الممتع المقنع حتى اهتدى ذاك الضال . وهذا الحوار نقلته تاماً فى بحث " السنة بيان الله على لسان رسوله " وهو ملحق بهذا الجزء ، ولذلك أكتفى به ، وأحيل عليه .

بعد الإمام الشافعى

     هذا هو حوار الإمام الشافعى الذى هدى من حاوره بعد ضلال ، ولكن هداية هذا الرجل لا تعنى عدم ضلال الطائفة . ويأتى القرن الثالث ، الذى توفى الإمام الشافعى في العام الرابع من بدايته ، ليكون العصر الذهبى لجمع السنة وتنقيتها وتدوينها ، حيث دون مسند الإمام أحمد ، والصحيحان ، وكتب السنن الأربعة ، وغيرها من الكتب الآخرى : كسنن سعيد بن منصور ، والدارمى ، ومسانيد إسحاق بن راهويه ، وبقى بن مخلد ، والبزار ، وأبى يعلى .

     غير أن ذاك القرن ضم أيضاً من حاول هدم السنة المطهرة .

     ننظر مثلا إلى كتاب تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة المتوفى سنة 276 هـ . فنراه جعل كتابه في الرد على أعداء أهل الحديث ، والجمع بين الأخبار التي ادعوا عليها التناقض والاختلاف ، والجواب عما أوردوه من الشبه على بعض الأخبار المتشابهة أو المشكلة بادئ الرأى . ولا يكتفى ابن قتيبة بالرد على الشبه ، وبيان سوء فهم من أثاروا تلك الشبه ، وإنما يتحدث عن الأشخاص أنفسهم الذين أثاروها حتى يعرف القارئ سبب عدائهم لأهل الحديث .

      فيذكر منهم النظام ويقول : وجدنا النظام شاطرا من الشطار ، يغدو على سكر ، ويروح على سكر ، ويبيت على جرائرها ، ويدخل في الأدناس ، ويرتكب الفواحش والشائنات ... إلخ

     وذكر أن النظام خرج على إجماع الأمة ، وطعن في أبى بكر وعمر وعلى وابن مسعود وأبى هريرة ، ثم عقب ابن قتيبة بعد هذا بقوله : هذا هو قولـه أى       النظام - في جلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضى عنهم ، كأنه لم يسمع بقول الله عز وجل في كتابه الكريم " محمد رسول الله والذين معه " إلى آخر السورة ، ولم يسمع بقول الله عز وجل في كتابه الكريم " محمد رسول الله والذين معه " إلى آخر السورة ، ولم يسمع بقوله تعالى  ] لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ[   ([32]) .

      وبعد حديثه عن النظام ، ورده عليه يقول : ثم نصير إلى قول أبى هذيل العلاف فنجده كذابا أفاكا ... إلخ وهكذا استمر ابن قتيبة في كتابه .

     وكان أسوأ وأشد خطرا من هؤلاء الذين تحدث عنهم الرافضة الذين اتخذوا لأنفسهم سنة خاصة تختلف عن مفهوم السنة عند الأمة ، فأشركوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم في العصمة ووجوب الاتباع أشخاصاً اعتبروهم أئمة طائفتهم ، ووضعوا الأخبار في ظلمات هذا المفهوم ، وفى ظلماته أيضاً كتبوا في الجرح والتعديل .

     شهد القرن الثالث ثلاثة من كتب التفسيرهي تفاسير العسكرى والقمى والعياشى التي تحدثنا عنها من قبل في الجزء الثانى ، وبالرجوع إليها وجدنا أنها تطعن في خير الناس : صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رضى الله عنهم ورضوا عنه ، وتذكر أن القرآن الكريم حرف نصا ومعنى ، وجاء الطعن والقول بالتحريف في روايات مفتريات اعتبروها صحيحة بمقياسهم .

     وألف كتاب رابع وهو الكافى للكلينى تلميذ القمى ، واعتبر هذا الكتاب الكتاب الأول في الحديث عندهم ، وعندما قرأته وجدت صاحبه قد ضل ضلالاً بعيداً ، ووضع من المفتريات ما لايستطيع أن يتصوره أى مسلم ، وسيأتى الحديث عنه بالتفصيل .

     وعندما رجعت لكتب الجرح والتعديل عندهم وجدت آثار هذه الظلمات : فصاحب الكتاب الرابع ثقة الإسلام ! وشيخه ليس ثقة فحسب ، بل كل من وثقهم وروى عنهم فهم ثقات ، ولا يعتبر الحديث صحيحا إلا إذا كان الرواة كلهم جميعا من طائفتهم ، والجرح عندهم سيئ للغاية ، وسيتضح هذا جليا في الفصول التالية .  

 

 

*****

في عصر السيوطي

           وفى هذه العجالة التي لاتهدف إلى الحصر والاستقصاء ، ننتقل من القرن الثالث إلى القرن التاسع ، فنرى الإمام السيوطى يؤلف كتابا تحت عنوان " مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة " ، وبين سبب تأليف كتابه فقال : اعلموا - يرحمكم الله - أن من العلم كهيئة الدواء ، ومن الأراء كهيئة الخلاء ، لا تذكر إلا عند داعية الضرورة ، وإن مما فاح ريحه في هذا الزمان وكان دارساً - بحمد الله تعالى - منذ أزمان ، وهو أن قائلا رافضيا زنديقا أكثر في كلامه أن السنة النبوية والأحاديث المروية - زادها الله علواً وشرفاً - لا يحتج بها ، وأن الحجة في القرآن خاصة ، وأورد على ذلك حديث " وما جاءكم عنى من حديث فاعرضوه على القرآن ، فإن وجدتم له أصلاً فخذوا به وإلا فردوه " ([33])

  ([34])  هكذا سمعت الكلام بجملته منه ، وسمعه منه خلائق غيرى ، فمنهم من لايلقى لذلك بالاً ، ومنهم من لايعرف أصل هذا الكلام ، ولا من أين جاء ، فأردت أن أوضح للناس أصل ذلك ، وأبين بطلانه ، وأنه من أعظم المهالك .

      فاعلموا - رحمكم الله - أن من أنكر حديث النبى صلى الله عليه وسلم  - قولا كان أو فعلاً بشرطه المعروف في الأصول - حجة كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى ، أو مع من يشاء الله من فرق الكفرة .

       روى الإمام الشافعى - رضى الله عنه - يوما حديثا ، وقال أنه صحيح ، فقال له قائل : أتقول به يا أبا عبدالله ؟ فاضطرب وقال : يا هذا ! أرأيتنى خارجا من كنيسة ؟ أرأيت في وسطى زنارا ؟ أروى حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم          ولا أقول به ؟

      وأصل هذا الرأى الفاسد أن الزنادقة وطائفة من الرافضة ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنة والاقتصار على القرآن ، وهم في ذلك مختلفو المقاصد ، فمنهم من كان يعتقد أن النبوة لعلى ، وأن جبريل - رضي الله عنه - أخطأ في نزوله إلى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيراً ، ومنهم من أقر للنبى صلى الله عليه وسلم بالنبوة ، ولكن قال : إن الخلافة كانت حقا لعلى ... إلخ .  

       ثم قال السيوطى بعد ذلك : وهذه آراء ما كنت استحل حكايتها ، لولا ما دعت إليه الضرورة من بيان أصل هذا المذهب الفاسد الذى كان الناس في راحة منه من أعصار .

      وقد كان أهل هذا الرأى موجودين بكثرة في زمن الأئمة الأربعة فمن بعدهم ، وتصدى الأئمة الأربعة وأصحابهم في دروسهم ومناظراتهم للرد عليهم ، وسأسوق إن شاء الله جملة من ذلك والله الموفق ([35]) .

     والكتاب طبع في ستين ومائة صفحة ، فارجع إليه .

تعقيب

    قد يقال : كيف ذكر السيوطى أن الرافضة تنكر الاحتجاج بالسنة وعندها أربعة كتب معتمدة في السنة ؟

      والجواب أن الرافضة أرادوا هدم السنة المشرفة التي بين أيدى المسلمين حتى لا يبقى إلا كتبهم التي يتداولونها فيما بينهم والتي وضعت لتأييد عقيدتهم الباطلة كما سيتضح من دراستها ، والله تعالى أعلم .

    ومنهم من جعل عقله حكما لرفض أحاديث صحت سندا ومتنا ، بل في أرقى مراتب الصحاح ، كالأحاديث الثابتة المتعلقة بالغيبيات مثل الجنة والنار ، وعلامات الساعة ، والملائكة والجن . ومن المعلوم أن النقل الصحيح لا يتعارض مع العقل السليم ، ولكن كيف نقيس الغائب على الشاهد ،وكيف نحكم العقل في أمور لا نعرف شيئا عنها إلا بالنقل الصحيح ؟ فمتى ثبت النقل لزم التسليم . أحيانا ترى جاهلا مغروراً يقف أمام حديث متفق عليه ويقول : هذا مرفوض عقلا ! وكان عليه أن يسأل نفسه : أكان البخارى ومسلم وأحمد وغيرهم بلا عقول ؟ بل أعاشت الأمة أربعة عشر قرناً بغير عقل حتى جاء بعقله ليستدرك عليها ؟

     ومن أسوأ الطاعنين في عصرنا المستشرقون ، وأشد منهم خطراً تلامذتهم المقلدون التابعون لهم : والمستشرقون طعنوا في القرآن الكريم نفسه كما أشرت من قبل ، أما السنة فقد أنكروا وجود سنة يتصل سندها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ،وقالوا بأن أقصى اتصال الأسانيد ينقطع ويتوقف عند نهاية القرن الأول .

     ومعنى ذلك أن السنة بحسب زعمهم تعتبر اختراعاً من اختراعات المسلمين المتأخرين ، أرادوا أن يثبتوا أحكاما فنسبوها للرسول صلى الله عليه وسلم . ثم لم ينسوا أن يطعنوا فيمن كان لهم دور كبير في السنة ، فمثلا طعنوا في أبى هريرة الصحابى الجليل رضى الله عنه ، الذى روى عنه أكثر من ثمانمائة من الصحابة والتابعين ، وهو كما قال الشافعى " أثبت من روى الحديث فى دهره " . وطعنوا في ابن شهاب الزهرى ، الإمام الحجة الثبت ، أول من استجاب لعمر بن عبدالعزيز في جمع السنة ... وهكذا .

      ثم ظهر اتجاه آخر عندهم ، اعتبره بعضهم هدما للفكر الاستشراقى ، ولذلك ثاروا على القائلين به ، مع أنه في النهاية يصل إلى البهتان نفسه .

      ويقوم هذا الاتجاه الخبيث على الاعتراف أولا بأن السنة لها أصل ، وذلك حتى يضلل جهلة المسلمين بالتظاهر بأنه لا ينكر وجود أصل للسنة ، ولكن بعد هذا الاعتراف تأتى محاولة الهدم ، فيقولون : إن المدارس الإسلامية الأولى لم تستطع أن تحدد ما يعتبر من أقوال محمد وما لا يعتبر من أقواله ، لأن السند لم يكن معروفا عندهم ، فكانت كلمة سنة تعنى الرأى المقبول لدى جمهور علماء   المدرسة ، ثم نسبوا هذه الأقوال المقبولة لدى المدرسة إلى الصحابة حتى تكون أكثر قبولا ، ثم نسبوها بعد ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ([36]). 

       ومعنى هذا أنهم يريدون أن يصلوا في النهاية إلى التشكيك في السنة كلها.

      هؤلاء القوم لا يعرفون الإسناد ، فكتبهم المقدسة ذاتها بغير إسناد ، ولذلك فهى محرفة مزورة ، ولكن لا شك أنهم قرءوا عن جمع السنة وتنقيتها ، وشروط رجال الحديث ، وعرفوا أن الأمة الإسلامية فاقت الخلق جميعا بهذا الإسناد ، ولكن ماذا تنتظر من مستشرق يهودى أو صليبى حاقد على الإسلام وأهله ، مريد هدمه ما استطاع إلى ذلك سبيلاّ ؟

      فلا تنتظر من أعداء الإسلام إلا مثل هذه المحاولات . وإن كنا مطمئنين تماما إلى أنهم لن يصلوا إلى ما يريدون  ، فالله عز وجل لم يترك حفظ القرآن الكريم كما ترك غيره للأحبار والرهبان فضيعوه ، وإنما تعهد بحفظه   ] إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [ ، كما تعهد ببيانه  ] إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ  [ ، ومن تمام حفظ القرآن الكريم حفظ السنة المطهرة ، وهى المبينة له .

أبو هريرة رضى الله تعــالي عنه

     في عصرنا وجدنا المستشرقين من الصليبيين والصهيونيين ، ومعهم العلمانيون والرافضة ، يجترءون على راوية الإسلام الأول سيدنا أبى هريرة - رضى الله تعالى عنه وأرضاه .

     وهؤلاء جميعا ليس بينهم وبين الصحابى الجليل عداء خاص ، وإنما العداء للسنة المشرفة التى كان الصحابى الجليل أحفظ من رواها في دهره كما قال الإمام الشافعى ، والعداء للإسلام نفسه ، فلا يقوم بغير السنة المطهرة

      وفى المؤتمر الثانى لجمعية إحياء التراث الإسلامى الذى عقد بالكويت في شوال سنة 1405 ، وخصص للسنة المطهرة ، ألقيت محاضرة عن منزلة السنة وشبهات حول الحديث ، وبعد المحاضرة ظهر أثر حملات التشكيك في أسئلة الحاضرين ، وظهرت الحيرة فيما يتصل بهذا الصحابى الجليل .

     ولا أستطيع هنا أن أقدم ترجمة له ، فسيرته العطرة أفردها أكثر من عالم في كتاب أو أكثر ، ويكفى ذكر بعض الحقائق من باب الذكرى ، فإنها تنفع المؤمنين ، حتى يعرف القارئ الكريم من قال فيهم الإمام ابن خزيمة " إنما يتكلم في أبى هريرة لدفع أخباره من قد أعمى الله قلوبهم فلا يفهمون معانى الأخبار ".

     وما أريد أن أثبته هنا كتبته في بحث " السنة بيان الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم " . وهذا البحث نشر في مجلة مركز السيرة والسنة بجامعة قطر ، ثم رأيت أن ألحقه بهذا الجزء الثالث ، وبذلك يمكن الرجوع إليه ، ولا حاجة للتكرار .

التدوين عند الشيعة

     تحدثنا من قبل عن تدوين السنة المطهرة ، وأثبتنا أن التدوين بدأ في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ثم تتابع التدوين بعد ذلك وظل متصلا دون توقف حتى جاء ما عرف بعصر التدوين في القرن الثانى الهجرى .

     وكتب السنة التي بين أيدينا يرجع بعضها إلى القرن الأول الهجرى ، ووصلنا الكثير مما دون في القرن الثانى ، أما القرن الثالث فيعتبر العصر الذهبى لتدوين السنة المشرفة .

      والفرق التي ظهرت في تاريخ الإسلام ، ولها عقائد خاصة بها ، لم تظهر كتبها إلا بعد استقرار عقائدها ، ووضوحها لدى معتنقيها . وهذا أمر بدِهى ، أن الكتب إنما توضع لتأييد هذه العقائد ، والدعوة لها ، فلابد أن تسبق العقائد هذه الكتب .

       بل إن هناك مرحلة تلى العقائد وتسبق الكتب ، وهى وضع الأخبار وتناقلها والاحتجاج بها قبل أن تجمع في كتاب ، وقبل أن يوضع كتاب مرة واحدة .

      فبالنسبة للشيعة مثلا وجدنا بعد موت كل إمام حدوث تفرق جديد ، فكانت كل فرقة تحتج بأخبار تؤيد ما انتهت إليه في تلك المرحلة ، إلى أن تصل إلى الإمام الأخير الذى تستقر عنده آراؤها ، وما كانت أى فرقة لتضع أخباراً في إمام إلا بعد ولادته ، لأنها لا تعلم الغيب في واقع الأمر ، وإن زعم منها من زعم أنه يعلم مثل هذا العلم .

     وللبيان أثبت بعض ما جاء في كتاب من كتب الشيعة أنفسهم ، وهو كتاب فرق الشيعة للحسن بن موسى النوبختى ، وسعد بن عبدالله القمى ، والاثنان عاشا في القرن الثالث ، وأدركا بداية القرن الرابع .

     

      يبين الكتاب تفرق الشيعة بعد موت الإمام جعفر الصادق ، ومما جاء فيه : لما توفى أبو عبدالله بن محمد ، افترقت بعده شيعته ست فرق وكانت وفاته بالمدينة في شوال سنة ثمان وأربعين ومائة ، وهو ابن خمس وستين سنة ، وكان مولده في سنة ثلاث وثمانين ، ودفن في القبر الذى دفن فيه أبوه وجده في البقيع ، وكانت إمامته أربعا وثلاثين سنة إلا شهرين ، وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبى بكر بن قحافة .

      ففرقة منها قالت : إن جعفر بن محمد حى  لم يمت ، ولا يموت حتى يظهر ويلى أمر الناس ، وهو القائم المهدى ، وزعموا أنهم رووا عنه أنه قال : إن رأيتم رأسى قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوا فإننى أنا صاحبكم ، وأنه قال لهم : إن جاءكم من يخبركم عنى أنه مرضنى وغسلنى وكفننى ودفننى فلا تصدقوه ،فإنى صاحبكم ، صاحب السيف ، وهذه الفرقة تسمى الناووسية ، وسميت بذلك لرئيس لهم من أهل البصرة يقال له فلان بن فلان الناووس .

      وفرقة  زعمت : أن الإمام بعد جعفر ابنه إسماعيل بن جعفر، وأنكرت موت إسماعيل في حياة أبيه ، وقالوا : كان ذلك على جهة التلبيس من أبيه على الناس ، لأنه خاف فغيبه عنهم ، وزعموا : أن إسماعيل لا يموت حتى يملك الأرض ، ويقوم بأمور الناس ، وأنه هو القائم لأن أباه أشار إليه بالإمامة بعده ، وقلدهم ذلك له ، وأخبرهم أنه صاحبهم والإمام لا يقول إلا الحق ، فلما أظهر موته علمنا أنه قد صدق ، وأنه القائم لم يمت . وهذه الفرقة هي الإسماعيلية الخالصة . وأم إسماعيل وعبدالله ابنى جعفر بن محمد هي فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن على بن أبى طالب . وأمها أسماء بنت عقيل بن أبى طالب .

      وفرقة ثالثة زعمت : أن الإمام بعد جعفر هو ابنه محمد بن إسماعيل بن جعفر ، وأمه أم ولد ، وقالوا إن الأمر كان لإسماعيل في حياة أبيه ، فلما توفى قبل أبيه جعل جعفر بن محمد الأمر لمحمد بن إسماعيل ، وكان الحق له ، ولا يجوز غير ذلك لأن الإمامة لا تنتقل من أخ إلى أخ بعد الحسن والحسين ، ولا تكون إلا في الأعقاب ، ولم يكن لأخوى إسماعيل عبدالله وموسى في الإمامة حق ، كما لم يكن لمحمد بن الحنفية فيها حق مع على بن الحسين . وأصحاب هذه المقالة يسمون المباركية ، برئيس لهم كان يسمى المبارك مولى إسماعيل بن جعفر .

      فأما الإسماعيلية الخالصة فهم الخطابية أصحاب أبى الخطاب محمد بن أبى زينب الأسدى الأجدع . وقد دخلت منهم فرقة في فرقة محمد بن إسماعيل ، وأقروا بموت إسماعيل بن جعفر في حياة أبيه ، وهم الذين خرجوا في حياة أبى عبدالله جعفر بن محمد فحاربوا عيسى بن موسى بن محمد بن عبدالله بن العباس ، وكان عاملا على الكوفة ، فبلغه عنهم أنهم أظهروا الإباحات ، ودعوا إلى نبوة " أبى الخطاب " ، وأنهم مجتمعون في مسجد الكوفة قد لزموا الأساطين يرون الناس أنهم لزموها للعبادة ، فبعث إليهم رجلا من أصحابه في خيل ورجال ليأخذهم ويأتيه   بهم ، فامتنعوا عليه وحاربوه ، وكانوا سبعين رجلاً ، فقتلهم جميعاً فلم يفلت منهم إلا رجل واحد أصابته جراحات فسقط بين القتلى فعد فيهم ، فلما جن الليل خرج من بينهم فتخلص ، وهو أبو سلمة سالم بن مكرم الجمال الملقب بأبى خديجة . وذكر بعد ذلك أنه قد تاب ورجع ، وكان ممن يروى الحديث ، فحارب عيسى محاربة شديدة بالحجارة والقصب والسكاكين التي كانت مع أتباعه ، وجعلوا القصب مكان الرماح ، وقد كان أبو الخطاب قال لهم : قاتلوهم فإن قصبكم يعمل فيهم عمل الرماح والسيوف ، ورماحهم وسيوفهم وسلاحهم لايضركم ولا يعمل فيكم ، ولا يحتك في أبدانكم ، فجعل يقدمهم عشرة عشرة للمحاربة ، فلما قتل منهم نحو ثلاثين رجلا  ، قالوا له ياسيدنا ، ما ترى ما يحل بنا  من القوم ؟ وما ترى قصبنا لا يعمل فيهم ولا يؤثر ، وقد يكسر كله ، وقد عمل سلاحهم فينا وقتل من ترى منا ؟ فذكر رواة العامة أنه قال لهم إن كان قد بدا لله فيكم فما ذنبى ؟

      وقال رواة الشيعة أنه قال لهم : يا قوم قد بليتم وامتحنتم ، وأذن في قتلكم وشهادتكم ، فقاتلوا على دينكم واحسابكم ، ولا تعطوا بلدتكم فتذلوا مع أنكم لا تتخلصون من القتل ، فموتوا كراما أعزاء واصبروا فقد وعد الله الصابرين أجراً عظيما ، وأنتم الصابرون . فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم ، وأسر أبو الخطاب ، فأتى به عيسى بن موسى ، فأمر بقتله فضربت عنقه في دار الرزق  على شاطئ الفرات وأمر بصلبه وصلب أصحابه فصلبوا ، ثم أمر بعد مدة بإحراقهم فأحرقوا ، وبعث برءوسهم إلى المنصور ، فأمر بها فصلبت على باب مدينة بغداد ثلاثة أيام ، ثم أحرقت .

      فلما فعل ذلك قال بعض أصحابه : إن أبا الخطاب لم يقتل ، ولا قتل أحد من أصحابه ، وإنما لبس على القوم وشبه عليهم ، وإنما حاربوا بأمر أبى عبدالله جعفر ابن محمد ، وخرجوا متفرقين من أبواب المسجد ولم يرهم أحد ، ولم يجرح منهم أحد ، وأقبل القوم يقتل بعضهم بعضا على أنهم يقتلون أصحاب  أبى الخطاب  ، وإنما يقتلون أنفسهم ، حتى جن عليهم الليل ، فلما أصبحوا نظروا في القتلى فوجدوهم كلهم منهم ، ولم يجدوا من أصحاب أبى طالب قتيلا ولا جريحا ، ولا وجدوا منهم أحدا . وهذه الفرقة هي التي قالت : إن أبا الخطاب كان نبياً مرسلاً ، أرسله جعفر بن محمد ، ثم إنه صيره بعد ذلك حين حدث هذا الأمر من الملائكة - لعن الله من يقول هذا . ثم خرج بعد ذلك من قال بمقالته من أهل الكوفة وغيرهم إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر بعد قتل أبى الخطاب ، فقالوا بإمامته وأقاموا  عليها .

      وصنوف الغالية افترقوا بعده على مقالات كثيرة ، واختلفوا في رئاسات أصحابهم ومذاهبهم ، حتى تراقى بعضهم إلى القول بربوبيته ، وأن الروح التي صارت في آدم ومن بعده من أولى العزم من الرسل صارت فيه .

      وقالت فرقة منهم : إن روح جعفر بن محمد تحولت عن جعفر في أبى الخطاب ، ثم تحولت بعد غيبة أبى الخطاب في محمد بن إسماعيل بن جعفر ، ثم ساقوا الإمامة على هذه الصفة في ولد محمد بن إسماعيل  .

      وتشعبت منهم فرقة من المباركية ممن قال بهذه المقالة ، تسمى القرامطة ، وإنما سميت بهذا برئيس لهم من أهل السواد من الأنباط كان يلقب بقرمطويه ، وكانوا في الأصل على مقالة المباركية ثم خالفوهم وقالوا لا يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم وآله إلا سبعة أئمة : على بن أبى طالب وهو إمام رسول ، والحسن والحسين ، وعلى بن الحسين ، ومحمد بن على ، وجعفر بن محمد ، ومحمد بن إسماعيل بن جعفر وهو الإمام القائم المهدى ، وهو رسول . وزعموا  أن النبى صلى الله عليه وسلم وآله انقطعت عنه الرسالة في حياته في اليوم الذى أمر فيه بنصب على بن أبى طالب رضي الله عنه للناس بغدير خم ، فصارت الرسالة في  ذلك اليوم إلى أمير المؤمنين   وفيه ، واعتلوا في ذلك بخبر تأولوه ، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله : من كنت مولاه فعلى مولاه ، وأن هذا القول منه خروج من الرسالة والنبوة ، وتسليم منه ذلك لعلى بن أبى طالب بأمر الله عز وجل ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم وآله بعد ذلك صار مأموما لعلى بن أبى طالب ، محجوجا به ، فلما مضى على رضي الله عنه صارت الإمامة في الحسن ، ثم صارت من الحسن في الحسين ، ثم صارت في على بن الحسين ، ثم في محمد بن على ، ثم كانت في جعفر بن محمد ، ثم انقطعت عن جعفر في حياته فصارت في إسماعيل بن جعفر كما انقطعت الرسالة عن محمد صلى الله عليه وآله في حياته . ثم إن الله عز وجل بدا له في إمامة جعفر وإسماعيل فصيرها في محمد بن إسماعيل ، واعتلوا في ذلك بخبر رووه عن جعفر بن محمد أنه قال : ما رأيت مثل بداء لله في إسماعيل ، وزعموا أن محمد بن إسماعيل حى               لم يمت وأنه غائب مستتر في بلاد الروم ، وأنه القائم المهدى ، ومعنى القائم   عندهم أنه عندهم أنه يبعث بالرسالة ، وبشريعة جديدة ينسخ بها شريعة محمد صلى الله عليه وآله ، وأن  محمد بن إسماعيل من أولى العزم ، وأولو العزم عندهم سبعة : " نوح ، وإبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم ، وعلى رضي الله عنه ، ومحمد بن إسماعيل " على معنى أن السموات سبع ، وأن الأرضين سبع ، وأن الإنسان بدنه سبع : يداه ورجلاه ، وظهره ، وبطنه ، وقلبه ، وأن رأسه سبع : عيناه وأذناه ، ومنخراه ، وفمه وفيه لسانه وفمه بمنزلة      صدره الذى فيه   قلبه ، والأئمة سبع كذلك وقلبهم محمد بن إسماعيل ، واعتلوا في نسخ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم وآله وتبديلها ، بأخبار رووها عن أبى عبدالله جعفر بن محمد أنه قال : لو قام قائمنا علمتم القرآن جديداً  " وأنه قال : إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود  غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء " ، ونحو ذلك من أخبار القائم ، وزعموا أن الله تبارك وتعالى جعل لمحمد بن إسماعيل جنة آدم ، ومعناها عندهم الإباحة للمحارم وجميع ما خلق في الدنيا ،وهو قول الله عز وجل] وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا [   (البقرة : 35 ) يعنى محمد بن إسماعيل وأباه إسماعيل ، ] وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ  [  (البقرة : 35 ) أى موسى بن جعفر بن محمد ،وولده من بعده ، ومن ادعى منهم الإمامة ، وزعموا أن محمد بن إسماعيل هو خاتم النبيين الذى حكاه الله عز وجل في كتابه ، وأن الدنيا اثنتا عشرة جزيرة في كل جزيرة حجة ، وأن الحجج اثنا عشر ، ولكل حجة داعية ، ولكل داعية يد ، يعنون بذلك أن اليد رجل له دلائل وبراهين يقيمها كدلائل الرسل ، ويسمون الحجة الأب ، والداعية الأم ، واليد الابن يضاهئون قول النصارى في ثالث ثلاثة ، أن الله الأب والمسيح الابن ، وأمه مريم ، فالحجة الأكبر هو الرب ، وهو الأب ، والداعية هي الأم ، واليد هو    الابن - كذب العادلون بالله وضلوا ضلالا بعيداً  ، وخسروا  خسرانا مبينا . وزعموا أن جميع الأشياء التي فرضها الله تعالى على عباده ، وسنها نبيه صلى الله عليه وسلم   وآله ، وأمر بها ظاهر وباطن ، وأن جميع ما استعبد الله به العباد في الظاهر من الكتاب والسنة ، أمثال مضروبة ، وتحتها معان هي بطونها ، وعليها العمل ، وفيها النجاة ، وأن ما ظهر منها هي التي نهى عنها ، وفى استعمالها الهلاك والشقاء وهى جزء من العقاب الأدنى ، عذب الله بهم قوما ، وأخذهم به ليشقوا بذلك ، إذ لم يعرفوا الحق ، ولم يقوموا به ولم يؤمنوا .

     وهذا أيضاً مذهب عامة أصحاب أبى الخطاب - ومع ذلك استحلوا استعراض الناس بالسيف وسفك دمائهم ، وأخذ أموالهم ، والشهادة عليهم بالكفر والشرك على مذهب البيهسية والأزارقة من الخوارج ، في قتل أهل القبلة وأخذ أموالهم والشهادة عليهم بالكفر ، واعتلوا في ذلك بقول الله تعالى عز وجل ]  فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ  [ ( التوبة : 5 ) قالوا : إن قتلهم يجب أن يكون بمنزلة نحر الهدى وتعظيم شعائـر الله ، وتأولوا في ذلك قـول الله   ] ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوب [(الحج : 32) . ورأوا سبى النساء وقتل الأطفال ، واعتلوا في ذلك بقول الله تبارك وتعالى ] لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا  [  ( نوح : 26 ) ، وزعموا أنه يجب عليهم أن يبدأوا بقتل من قال بالإمامة ممن ليس على قولهم ، وخاصة من قال بإمامة " موسى بن جعفر " وولده من بعده ، وتأولوا في ذلك قول الله تعالى  ]قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً [  ( التوبة : 123) ، فالواجب أن يبدأوا بهؤلاء ثم بسائر الناس ، وعددهم كثير إلا أنه لا شوكة لهم ولا قوة ، وكانوا كلهم بسواد الكوفة واليمن أكثر ، ونواحى البحر واليمامة وما والاها ، ودخل فيهم كثير من العرب فقووا بهم وأظهروا أمرهم ، ولعلهم أن يكونوا زهاء مائة ألف .

      وقالت الفرقة الرابعة من أصحاب أبى عبدالله جعفر بن محمد : إن الإمام بعد جعفر ابنه محمد ، وأمه أم ولد يقال لها حميدة ، وهو موسى وإسحق بنو جعفر بن محمد لأم واحدة . وتأولوا في إمامته خبرا ، وزعموا أن بعضهم روى لهم أن محمد بن جعفر دخل ذات يوم على أبيه وهو صبى صغير ، فدعاه أبوه فعدا إليه فكبا في قميصه ، ووقع لحر وجهه ، فقام إليه جعفر وقبله ، ومسح التراب عن وجهه ، ووضعه على صدره ، وقال : سمعت أبى يقول : إذا ولد لك ولد يشبهنى ، فسمه باسمى ، فهو شبيهى وشبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وعلى سنته ، فجعل هؤلاء الإمامة في محمد بن جعفر ، وفى ولده من بعده . وهذه الفرقة تسمى  السميطية ، وتنسب إلى رئيسهم يقال له " يحيى بن أبى السميط " ، وقال بعضهم هم الشميطية لأن رئيسهم كان يقال له يحيى بن أبى شميط .

        والفرقة الخامسة منهم قالت : الإمامة بعد جعفر في ابنه عبدالله بن جعفر الأفطح ، وذلك أنه كان عند مضى جعفر أكبر ولده سنا ، وجلس مجلس أبيه بعده ، وادعى الإمامة بوصية أبيه ، واعتلوا أى الأفطحية بحديث يروونه عن أبيه وعن جده أنهما قالا : الإمامة في الأكبر من ولد الإمام : فمال إلى عبدالله والقول بإمامته جل من قال بإمامة أبيه ، غير نفر يسير عرفوا الحق وامتحنوا عبدالله بالمسائل في الحلال والحرام والصلاة والزكاة والحج وغير ذلك فلم يجدوا عنده علما ، وهذه الفرقة القائلة بإمامة عبدالله بن جعفر هي " الفطحية"  وسموا بذلك لأن عبدالله كان أفطح الرأس ، وقال بعضهم كان أفطح الرجلين ، وقال بعض الرواة أنهم نسبوا إلى رئيس لهم من أهل الكوفة يقال له عبدالله بن فطيح . ومال إلى هذه الفرقة عامة مشايخ الشيعة وفقهائها ، ولم يشكوا في أن الإمامة في عبدالله بن جعفر وفى ولده من بعده .

     فلما مات عبدالله ولم يخلف ذكراً ، ارتاب القوم واضطربوا وأنكروا الروايات الكثيرة عن على بن الحسين ومحمد بن على وجعفر بن محمد من أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسنين ، ولا تكون إلا في الأعقاب وأعقاب الأعقاب إلى انقضاء الدنيا ، فرجع عامة الفطحية عن القول بإمامته سوى قليل منهم ، إلى القول بإمامة موسى بن جعفر . وقد كانت جماعته من شيعة عبدالله قد رجعوا في حياته عن إمامته لروايات وقفوا عليها رووها عن جعفر أنه قال " إن الإمامة بعدى في ابنى موسى ، وأنه دل عليه ، وأشار إليه ، وأعلمهم في عبدالله أمورا لا يجوز أن تكون في الإمام ولا يصلح من كانت فيه للإمامة ، وروى بعضهم أن جعفر قال لموسى : يابنى إن أخاك سيجلس مجلسى ويدعى الإمامة بعدى فلا تنازعه ولا تتكلمن فإنه أول أهلى الذين لحقوا بى .

      فلما توفى عبدالله رجعت شيعته عن القول به ، وثبتت طائفة على القول بإمامته ثم بإمامة موسى بن جعفر من بعده . وعاش عبدالله بعد أبيه سبعين يوما أو نحوها .

       وقالت الفرقة السادسة منهم : إن الإمام هو موسى بن جعفر بعد أبيه ، وانكروا إمامة عبدالله ، وخطأوه في فعله وجلوسه مجلس أبيه وادعائه الإمامة . هذا هو التفرق الذى حدث بعد موت الإمام جعفر الصادق .

       وأضيف هنا ما جاء في الكتاب عن تفرق الشيعة بعد الإمام الحادى عشر ، وهو الحسن العسكرى :

       قال المؤلفان في بيان هذا التفرق :

      وتوفى ولم ير له خلف ولم يعرف له ولد ظاهر ، فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمه ، وهى أم ولد يقال لها عسفان ، ثم سماها أبوه حديثا ، فافترق أصحابه من بعده فرقا :

     ففرقة منها قالت : إن الحسن بن على حى لم يمت ، وإنما غاب ، وهو   القائم ، ولا يجوز أن يموت الإمام ولا ولد له ، ولا خلف معروف ظاهر ، لأن الأرض لا تخلو من إمام ، وقد ثبتت إمامة الحسن بن على ، والرواية قائمة أن للقائم غيبتين فهذه الغيبة إحداهما ، وسيظهر ويعرف ثم يغيب غيبة أخرى ، وذهبوا في ذلك إلى بعض مذاهب الواقفة على موسى بن جعفر . وإذا قيل لهذه الفرقة : ما الفرق بينكم وبين الواقفة ؟ قالوا إن الواقفة أخطأت في الوقوف على موسى لما ظهرت وفاته لأنه توفى عن خلف قائم أوصى إليه وهو الرضا رضي الله عنه ، ولأنه رحمه الله عليه توفى عن بضعة عشر ذكرا ، كل إمام ظهرت وفاته كما ظهرت وفاة آبائه وله خلف ظاهر معروف فهو ميت لا محالة ، وإنما القائم المهدى الذى يجوز الوقوف على حياته من ظهرت له وفاة عن غير خلف ، فيضطر شيعته إلى الوقوف عليه إلى أن يظهر ، لأنه لا يجوز موت إمام بلا خلف ، فقد صح أنه  غاب .

      وقالت الفرقة الثانية : إن الحسن بن على مات وعاش بعد موته ، وهو القائم المهدى ، واعتلوا في ذلك برواية اعتلت بها فرقة من واقفة موسى بن جعفر رووها عن جعفر بن محمد ، أنه قال : إنما سمى القائم قائما لأنه يقوم بعدما يموت ، فالحسن بن على قد مات ولا شك في موته ، ولا خلف له ، ولا وصى موجود ، فلا شك أنه القائم ، وأنه حى بعد الموت ، لأن الأرض لا تخلو من حجة ظاهر ، فهو رضي الله عنه غائب مستتر ، وسيظهر ويملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا . وإنما قالوا إنه حى بعد الموت ، وأنه مستتر خائف لأنه لا يجوز عندهم أن تخلو الأرض من حجة قائم على ظهرها ، عدل حى ظاهر أو خائف مغمور ، للخبر الذى روى عن على بن أبى طالب رضي الله عنه أنه قال في بعض خطبه : " اللهم إنك لا تخلى الأرض من حجة لك ظاهر أو مغمور ، لئلا تبطل حججك وبيناتك " . فهذا دليل على أنه عاش بعد موته . وليس بين هذه الفرقة والفرقة التي قبلها فرق أكثر من أن هذه صححت موت الحسن بن على رضي الله عنه ، وأن الأولى قالت إنه غاب وهو حى وأنكرت موته ، وهذه أيضاً شبيهة بفرقة من الواقفة على موسى بن جعفر رضي الله عنه . وإذا قيل لهم : من أين قلتم هذا ، وما دليلكم عليه ، رجعوا إلى تأول الروايات .

      وقالت الفرقة الثالثة : إن الحسن بن على توفى ولا عقب له ، والإمام بعده أخوه ، جعفر ، وإليه أوصى الحسن ، ومنه قبل جعفر الوصية وعنه صارت إليه الإمامة . فلما قيل لهم إن الحسن وجعفر ما زالا متهاجرين متصارعين متعاديين طول زمانهما ، وقد وقفتم على صنايع جعفر ومخلفى الحسن ، وسوء معاشرته له في حياته، ولهم من بعد وفاته في اقتسام مواريثه ، قالوا : إنما ذلك بينهما في الظاهر ، فأما في الباطن فكانا متراضيين ، متصافيين ، لا خلاف بينهما ، ولم يزل جعفر مطيعا له ، سامعا منه ، فإذا ظهر فيه شىء من خلافه فعن أمر الحسن ، فجعفر وصى الحسن ، وعنه أفضت إليه الإمامة . ورجعوا إلى بعض قول الفطحية في عبدالله وموسى وزعموا أن موسى بن جعفر إنما كان إماما بوصية أخيه عبدالله إليه ، وعن عبدالله صارت إليه الإمامة  لا عن أبيه ، وأقروا بإمامة عبدالله بن جعفر وثبوتها بعد إنكارهم لها وجحودهم إياها ، وأوجبوا فرضها على أنفسهم ليصححوا بذلك مذهبهم . وكان رئيسهم والداعى لهم إلى ذلك رجل من أهل الكوفة من المتكلمين يقال له على الطاحى الخزار ، وكان مشهورا في الفطحية ، وهو ممن قوى إمامة جعفر وأمال الناس إليه ، وكان متكلما محجاجا ،وأعانته على ذلك أخت الفارس بن حاتم بن ماهويه القزوينى ، غير أن هذه أنكرت إمامة الحسن بن على رضي الله عنه ، وقالت إن جعفرا أوصى أبوه إليه لا إلى الحسن .

      وقالت الفرقة الرابعة : إن الإمام بعد الحسن هو جعفر ، وأن الإمامة صارت إليه من قبل أبيه ، لا من قبل أخيه محمد ولا من قبل الحسن . ولم يكن محمد  إماما ، ولا الحسن أيضاً ، لأن محمدا توفى في حياة أبيه ، وتوفى الحسن ولا عقب له ، وكان مدعيا مبطلا ، والدليل على ذلك أن الإمام لا يموت حتى يوصى ويكون له خلف ، والحسن قد توفى ولا وصى له ، ولا ولد ، فادعاؤه الإمامة باطل ، والإمام لا يكون من لا خلف له ظاهر معروف مشار إليه ، ولا يجوز أيضاً أن تكون الإمامة في الحسن وجعفر لقول أبى عبدالله جعفر بن محمد وغيره من آبائه صلوات الله عليهم أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام ، فدلنا ذلك على أن الإمامة لجعفر ، وأنها صارت إليه من قبل أبيه لا من قبل أخويه .

      أما الفرقة الخامسة : فإنها رجعت إلى القول بإمامة محمد بن على المتوفى في حياة أبيه ، وزعمت أن الحسن وجعفر ادعيا ما لم يكن لهما ، وأن أباهما لم يشر إليهما بشىء من الوصية والإمامة . ولا روى عنه في ذلك شىء أصلا ، ولا نص عليهما بشىء يوجب إمامتهما ، ولا هما في موضع ذلك وخاصة جعفر : فإن فيه خصالا مذمومة ، وهو بها مشهور ، ولا يجوز أن يكون مثلها في إمام عدل . وأما الحسن فقد توفى ولا عقب له ، فعلمنا أن محمدا كان الإمام ، قد صحت الإشارة من أبيه إليه ، والحسن قد توفى ولا عقب له ، ولا يجوز أن يموت إمام بلا خلف ، ثم رأينا جعفر في حياة الحسن وبعد مضيه ، ظاهر الفسق ، غير صائن لنفسه ، معلنا بالمعاصى ، وليس هذا صفة من يصلح للشهادة على درهم ، فكيف يصلح لمقام النبى صلى الله عليه وسلم وآله ، لأن الله عز وجل لم يحكم بقول شهادة من يظهر الفسق والفجور ، فكيف يحكم له بإثبات الإمامة مع عظم فضلها وخطرها وحاجة الخلق إليها . وإذ هي السبب الذى يعرف به دينه ويدرك رضوانه ، فكيف تجوز في مظهر الفسق ، وإظهار الفسق لا يجوز تقية ، هذا ما لايليق بالحكيم عز وجل ، ولا يجوز أن ينسب إليه تبارك وتعالى ، فلما بطل عندنا أن تكون الإمامة تصلح لمثل جعفر ، وبطلت عمن لا خلف له ، لم يبق إلا التعلل بإمامة أبى جعفر محمد بن على أخيهما ، إذ لم يظهر منه إلا الصلاح والعفاف ، وإن له عقبا قائما معروفا ، مع ما كان من أبيه من الإشارة بالقول مما لا يجوز بطلان مثله ، فلابد من القول بإمامته وأنه القائم المهدى ، أو الرجوع إلى القول ببطلان الإمامة أصلا ، وهذا مما لايجوز.

       وقالت الفرقة السادسة : إن لحسن بن على ابنا سماه محمدا ، ودل      عليه ، وليس الأمر كما زعم من ادعى أنه توفى ولا خلف له ، وكيف يكون إمام قد ثبتت إمامته ووصيته ، وجرت أموره على ذلك ، وهو مشهور عند الخاص والعام ، ثم توفى ولا خلف له ، ولكن خلفه قائم وولد قبل وفاته بسنين ، وقطعوا على إمامته وموت الحسن ، وأن اسمه محمد ، وزعموا أن أباه أمر بالاستتار في حياته مخافة عليه ، فهو مستتر خائف في تقية من عمه جعفر وغيره من أعدائه وأنها إحدى غيباته ، وأنه هو الإمام القائم  ، وقد عرف في حياة أبيه ونص عليه ، ولا عقب لأبيه غيره ، فهو الإمام لا شك فيه .

       وقالت الفرقة السابعة : بل ولد للحسن ولد بعده بثمانية أشهر ، والذين ادعوا له ولدا في حياته كاذبون مبطلون في دعواهم ، لأن ذلك لو كان ، لم يخف كما لم يخف غيره ، ولكنه مضى ولم يعرف له ولد ، ولا يجوز أن يكابر في مثل ذلك ويدفع العيان والمعقول والمتعارف . وقد كان الحبل فيما مضى قائماً ظاهراً ثابتا عند السلطان ، وعند سائر الناس ، وامتنع من قسمة ميراثه من أجل ذلك ، فقد ولد له ابن بعد وفاته بثمانية أشهر ، وقد كان أمر أن يسمى محمداً . وأوصى بذلك وهو مستور لا يرى . واعتلوا في تجويز ذلك وتصحيحه بخبر يروى عن أبى الحسن الرضا رضي الله عنه ، أنه قال : ستبتلون بالجنين في بطن أمه والرضيع ، فهذا   هو .

       وقالت الفرقة الثامنة : أنه لا ولد للحسن أصلاً ، لأنا قد امتحنا ذلك وطلبناه بكل وجه وفتشنا عنه سرا وعلانية وبحثنا عن خبره في حياة الحسن بكل سبب فلم نجده ولو جاز لنا أن نقول في مثل الحسن بن على وقد توفى ولا ولد له ظاهر معروف أن له ولدا مستوراً لجازت مثل هذه الدعوى في كل ميت عن غير خلف ، ولجاز مثل ذلك في النبى صلى الله عليه وآله ، أن يقال خلف ابنا نبيا رسولا ، ولجاز أن تدعى الفطحية أن عبدالله بن جعفر بن محمد خلف ولدا ذكرا إماما ، وأن أبا الحسن الرضا رضي الله عنه خلف ثلاثة بنين غير أبى جعفر ، أحدهم الإمام ، لأن مجىء الخبر بوفاة الحسن بلا عقب ، كمجىء الخبر بأن النبى صلى الله عليه وسلم وآله لم يخلف ذكرا من صلبه ولا خلف عبدالله بن جعفر ابنا ولا كان للرضا أربعة بنين ، فالوالد قد بطل لا محالة . ومع ذلك فهناك حبل قائم ... فإنه لا يجوز أن يمضى الإمام ولا خلف له فتبطل الإمامة وتخلو الأرض من الحجة .

      واحتج أصحاب الولد على هؤلاء بالخبر الذى روى عن جعفر أن القائم يخفى على الناس حمله وولادته ، وقالوا أنكرتم علينا أمرا وقلتم بمثله قلتم إن هناك حبلا قائما . فإن كنتم اجتهدتم في طلب الولد فلم تجدوه فأنكرتموه لذلك فقد طلبنا معرفة الحبل وتصحيحه أشد من طلبكم ، واجتهدنا فيه أشد من اجتهادكم ، فاستقصينا  في ذلك غاية الاستقصاء فلم نجده ، فنحن في الولد لذلك أصدق   منكم ، لأنه قد يجوز في العقل والعادة والتعارف أن يكون للرجل ولد مستور لا يعرف في الظاهر ثم يعرف بعد ذلك ويصح نسبه .

      وقال المنكرون : الأمر الذى ادعيتموه منكر شنيع ينكره عقل كل عاقل ، ويدفعه التعارف والعادة مع ما فيه من كثرة الروايات الصحيحة عن الأئمة الصادقين ، أن الحبل لا يكون أكثر من تسعة أشهر ، وقد مضى للحبل الذى ادعيتموه سنون ، وأنكم على قولكم بلا صحة ولا بينة .

       وقالت الفرقة التاسعة : إن الحسن بن على قد صحت وفاته كما صحت وفاة آبائه بتواطؤ الأخبار التي لايجوز تكذيب مثلها ، وكثرة المشاهدين لموته وتواتر ذلك عن الولى له والعدو ، وهذا ما لا يجب الارتياب فيه ، وصح بمثل هذه الأسباب أنه لا خلف له فلما صح عندنا الوجهان ثبت أنه لا إمام بعد الحسن ابن على ، وأن الإمامة انقطعت وذلك جائز في المعقول والقياس والتعارف ، كما جاز أن تنقطع النبوة بعد محمد ، فلا يكون بعد محمد صلى الله عليه وسلم وآله نبى ، فكذلك جاز أن تنقطع الإمامة لأن الرسالة والنبوة أعظم خطراً وأجل والخلق إليها أحوج ، والحجة بها ألزم ، والعذر بها أقطع ، لأن معها البراهين الظاهرة والأعلام   الباهرة ، ومع ذلك فقد انقطعت ، فكذلك يجوز أن تنقطع الإمامة . واعتلوا في ذلك بخبر يروى عن الصادق أن الأرض لا تخلو من حجة ، إلا أن يغضب الله على أهل الأرض بمعاصيهم ، فيرفع عنهم الحجة إلى وقت ، فهذا عندنا ذلك الوقت ، والله يفعل ما يشاء ، وليس في قولنا هذا بطلان الإمامة . وهذا أيضاً جائز من وجه آخر كما جاز أن لا يكون قبل النبى صلى الله عليه وسلم وآله فيما بينه وبين عيسى رضي الله عنه نبى ، ولا وصى ، ولما رويناه من الأخبار أنه كانت بين الأنبياء فترات ، ورووا ثلاثمئة سنة وروى مائتا سنة ، ليس فيها نبى ولا وصى ، وقد قال الصادق رضي الله عنه : إن الفترة هي الزمان الذى لا يكون فيه رسول ولا إمام ، والأرض اليوم بلا حجة ، إلا أن يشاء اللع فيبعث القائم من آل محمد صلى الله عليه وسلم وآله ، فيحيى الأرض بعد موتها ، كما بعث محمداً صلى الله عليه وسلم وآله على حين فترة من الرسل ، فجدد ما درس من دين عيسى ودين الأنبياء قبله صلى الله عليهم ، فكذلك يبعث القائم إذا شاء عز وجل والحجة علينا إلى أن يبعث القائم - وظهوره : الأمر والنهى المتقدمان والعلم الذى في أيدينا مما خرج عنهم إلينا ، والتمسك بالماضى ، مع الإقرار بموته ، كما كان أمر عيسى رضي الله عنه ونهيه ، وما خرج من علمه واعلم أوصيائه ، والتمسك بالإقرار بنبوته وبموته ، والإقرار بمن ظهر من أوصيائه ، حجة على الناس قبل ظهور نبينا صلى الله عليه وسلم وآله .

     وهذه الفرقة لا توجب قيام القائم ، ولا خروج مهدى ، وتذهب في ذلك إلى بعض معانى البداء .

     وقالت الفرقة العاشرة : إن محمد بن على ، الميت في حياة أبيه ، كان الإمام بوصية من أبيه ، وإشارته ودلالته ونصه على اسمه وعينه ، ولا يجوز أن يشير إمام قد ثبتت إمامته وصحت على غير إمام ، فلما حضرت الوفاة محمدا لم يجز أن يوصى ولا يقيم إماما ، ولا يجوز له أن يوصى إلى أبيه ، إذ إمامة أبيه ثابتة عن جده ولا يجوز أيضاً أن يأمر مع أبيه وينهى ويقيم من يأمر معه ويشاركه . وإنما ثبتت له الإمامة بعد مضى أبيه ، فلما لم يجز إلا أن يوصى فقد أوصى إلى غلام لأبيه صغير كان في خدمته يقال له نفيس ، وكان عنده ثقة أمينا ، ودفع إليه الكتب والوصية ، وأمره إذا حدث به حدث الموت أن يؤدى ذلك كله إلى أخيه جعفر ، ما فعل الحسين بن على بن أبى طالب رضي الله عنه ، لما خرج إلى الكوفة ، فقد دفع كتبه والوصية وما كان عنده من السلاح وغيره إلى أم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم وآله واستودعها ذلك كله ، وأمرها أن تدفعه إلى على بن الحسين الأصغر إذا رجع إلى المدينة ، فلما انصرف على بن الحسين من الشام إليها ، دفعت إليه جميع ذلك ، وسلمته له ، فهذا  بتلك المنزلة في الإمامة لجعفر بوصية " نفيس " إليه عن محمد أخيه ، فإن نفيسا لما خاف على نفسه لما علم أهل الدار قصته وأحسوا بأمره وحسدوه ، ونصبوا له وبغوه الغوائل ، وخشى أن تبطل الإمامة وتذهب الوصية دعا جعفرا وأوصى إليه ، ودفع إليه جميع ما استودعه أخوه الميت في حياة أبيه ، ودفع إليه الوصية على نحو ما أمره ، وهكذا ادعى جعفر أن الإمامة صارت إليه من قبل محمد أخيه ، لا من قبل أبيه وهذه الفرقة تسمى النفيسية .

       وقالت فرقة من النفيسية أنكروا إمامة الحسن رضي الله عنه : لم يوص أبوه إليه ، ولا غير وصيته إلى محمد ابنه ، وهذا عندهم جائز صحيح ، فقالوا بإمامة جعفر من هذا الوجه وناظروا عليها . وهذه الفرقة تتقول على أبى محمد الحسن بن على رضي الله عنه تقولا شديداً ، وتكفره وتكفر من قال بإمامته ، وتغلو في القول في جعفر ، وتدعى أنه القائم ، وتفضله على أمير المؤمنين على ابن أبى طالب رضي الله عنه وتقدمه على الحسن والحسين وجميع الأئمة ، وتعتل في ذلك : أن القائم أفضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله . وأخذ نفيس ليلا وألقى في حوض كان في الدار كبير فيه ماء كثير ، فغرق فيه فمات وهذه الفرقة هي النفيسية الخالصة .

      وقالت الفرقة الحادية عشرة منهم : لما سئلوا عن ذلك وقيل لهم ما تقولون في الإمام : أهو جعفر أم غيره ؟ قالوا : لا ندرى ما نقول في ذلك أهو من ولد الحسن أم من إخوته فقد اشتبه علينا الأمر ولسنا نعلم أن للحسن بن على ولدا أم   لا ، أم الإمامة صحت لجعفر أم لمحمد ، وقد كثر الاختلاف ، إلا أنا نقول إن الحسن بن على كان إماما مفترض الطاعة ثابت الإمامة ، وقد توفى رضي الله عنه وصحت وفاته ، وأن الأرض لا تخلو من حجة ، ونحن نتوقف ولا نقدم على القول بإمامة أحد بعده إذ لم يصح عندنا أن له خلفا وخفى علينا أمره حتى يصح لنا الأمر  ويتبين ، ونتمسك بالأول كما أمرنا أنه إذا هلك الإمام ، ولم يعرف الذى بعده فتمسكوا بالأول حتى يتبين لكم الآخر ، فنحن نأخذ بهذا ونلزمه ، ولا ننكر إمامة أبى محمد ، ولا ننكر موته ، ولا نقول إنه رجع بعد موته ، ولا نقطع على إمامة أحد من ولد غيره ولا ننتميه حتى يظهر الله الأمر إذا شاء ويكشفه ويبينه لنا ، وهذه الفرقة لا تثبت لجعفر بن على إمامة أحد من ولده ولا من غيره ، بوجه من الوجوه ولا تثبت إمامة إمام إلا بوصية أبيه إليه ، ووصية ظاهرة ، ولم تثبت لجعفر وصية ظاهرة ولا باطنة ، وكل إمام اختلف المؤتمون به في مخرج إمامته ممن هي ، وممن أوصى إليه ، ومن أقامه فهى باطلة لا تثبت ، وأصحاب جعفر يختلفون في إمامة جعفر ومخرجها ، فبعضهم يقول إنها له بوصية أبيه إليه وإقامته ، وبعضهم يدعيها له من قبل أخيه محمد الميت في حياة أبيه ، وبعضهم يدعيها له عن أخيه .

      وقالت الفرقة الثانية عشرة : منهم وهم الإمامية : ليس القول كما قال هؤلاء كلهم ، بل الله عز وجل في الأرض حجة من ولد الحسن بن على بن محمد ابن على الرضا ، وأمر الله بالغ ، وهو وصى لأبيه قائم بالأمر بعده هاد للأمة مهدى على المنهاج الأول والسنن الماضية ، ولا تكون الإمامة في الأخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام ولا يجوز ذلك ، ولا تكون إلا في عقب الحسن بن على بن محمد إلى فناء الخلق وانقطاع أمر الله ونهيه ورفعه التكليف عن عباده متصلا ذلك ما اتصلت أمور الله . ولو كان في الأرض رجلان ، لكان أحدهما الحجة ، ولو مات أحدهما لكان الآخر الحجة ما اتصل أمر الله ، ودام نهيه في عباده وتكليفه قائما في خلقه . ولا يجوز أن تكون الإمامة في عقب من لم تثبت له إمامة ، ولم تلزم العباد به حجة ممن مات في حياة أبيه ، ولا في ولده ولا في وصى له من أخ ولا غيره ، ولو جاز ذلك لصح مذهب أصحاب إسماعيل بن جعفر ابن محمد ولثبتت إمامة ابنه محمد بن إسماعيل بعد مضى جعفر بن محمد ، وكان من قال بها من المباركية والقرامطة محقا مصيبا في مذهبه ، وهذا الذى ذكرناه هو المأثور عن الأئمة الصادقين مما لا دفع له بين هذه العصابة من الشيعة الإمامية ، ولا شك فيه عندهم ولا ارتياب لصحة مخرج الأخبار المروية فيه وقوة أسبابها ، وجودة أسانيدها وثقة ناقليها . ولا يجوز أن تخلو الأرض من حجة ، ولو خلت ساعة لساخت الأرض ومن عليها ولا يجوز شئ من مقالات هذه الفرق كلها ، فنحن متمسكون بإمامة الحسن بن على ، مقرون بوفاته ، معترفون بأن له خلفا من صلبه ، وأن خلفه هو الإمام من بعده ، حتى يأذن الله عز وجل له فيظهر ويعلن أمره ، كما ظهر وعلن أمر من مضى قبله من آبائه ، إذ الأمر  لله تبارك وتعالى  يفعل ما يشاء ، ويأمر بما يريد من ظهور وخفاء ، ونطق وصموت ، كما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم وآله في حال نبوته بترك إظهار أمره ، والسكوت والإخفاء من أعدائه والاستتار وترك إظهار النبوة التي هي أجل وأعظم وأشهر من الإمامة ، فلم يزل كذلك سنين إلى أن أمره بإعلان ذلك ، وعند الوقت الذى قدره تبارك وتعالى ، فصدع بأمره وأظهر الدعوة لقومه ، ثم بعد الإعلان بالرسالة ، وإقامة الدلائل المعجزة والبراهين الواضحة اللازمة بها الحجة وبعد أن كذبته قريش وسائر الخلق من عرب وعجم ، وما لقى من الشدة ولقيه أصحابه من المؤمنين ، أمرهم بالهجرة إلى الحبشة ، وأقام هو مع قومه حتى توفى أبو طالب فخاف على نفسه وبقية أصحابه ، فأمره الله عند ذلك بالهجرة إلى المدينة ، وأمره بالاختفاء في الغار والاستتار من العدو ، فاستتر أياما ، خائفا مطلوبا ، حتى أذن الله له وأمره بالخروج ، وكما قال أمير المؤمنين رضي الله عنه : اللهم إنك لا تخلى الأرض من حجة لك على خلقك ظاهراً معروفا ، أو خافياً مغموداً كيلا تبطل حجتك وبيناتك . وبذلك أمرنا ، وبه جاءت الأخبار الصحيحة المشهورة عن الأئمة الماضين ، وليس للعباد أن يبحثوا عن أمور الله ويقفوا أثر ما لا علم لهم به ، ويطلبوا إظهاره ، فستره الله عليهم وغيبه عنهم وقال الله عز وجل لرسوله  ] وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ  [         ( الإسراء : 36 ) ، فليس يجوز لمؤمن ولا مؤمنة طلب ما ستره الله ، ولا يجوز ذكر اسمه ولا السؤال عن مكانه حتى يؤمر بذلك ، إذ هو رضي الله عنه مغمود خائف مستور بستر الله تعالى ، وليس علينا البحث عن أمره ، بل البحث عن ذلك وطلبه محرم ولا يحل ، لأن في طلب ذلك وإظهار ما ستره الله عنا وكشفه وإعلان أمره والتنويه باسمه معصية لله والعون على سفك دمه رضي الله عنه ودماء شيعته وانتهاك حرمته ، أعاذ الله من ذلك كل مؤمن ومؤمنة برحمته وفى ستر ذلك والسكون عنه حقنها وصيانتها وسلامة ديننا والانتهاء إلى أمر الله وأمر وأئمتنا وطاعتهم . وفقنا الله وجميع المؤمنين بطاعته ومرضاته بمنه ورأفته ، ولا يجوز لنا ولا لأحد من المؤمنين أن يختار إماما برأيه ومعقوله واستدلاله ، وكيف يجوز هذا وقد حظره الله جل وتعالى على رسله وأنبيائه وجميع خلقه ، فقال في كتابه إذ لم يجعل الاختيار إليهم في شىء من ذلك  ] وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ  [ ( الأحزاب : 36 ) ، وقال  ] وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ  [( القصص : 68 ) ، وإنما اختيار الحجج والأئمة إلى الله عز وجل وإقامتهم إليه فهو يقيمهم ويختارهم ويخفيهم إذا شاء ويظهرهم ويعلن أمرهم إذا أراد ويسترهم إذا شاء فلا يبديهم ، لأنه تبارك وتعالى أعلم بتدبيره في خلقه وأعرف بمصلحتهم ، والإمام أعلم بأمور نفسه وزمانه وحوادث أمور الله   منا . وقد قال أبو عبدالله الصادق رضي الله عنه : " وهو ظاهر الأمر ، معروف المكان ، لا ينكر نسبه ولا تخفى ولادته وذكره شائع مشهور في الخاص والعام : من سمانى باسم فعليه لعنة الله " ولقد كان الرجل من شيعته يلقاه في الطريق فيحيد عنه ولا يسلم عليه تقية ، فإذا لقيه أبو عبدالله شكره على فعله وصوب له ما كان منه وحمده عليه ، وذم من تعرف إليه وسلم عليه وأقدم عليه بالمكروه من الكلام . وكذلك وردت الأخبار عن أبى إبراهيم موسى بن جعفر رضي الله عنه من منع تسميته مثل ذلك ، وكان أبو الحسن الرضا يقول : لو علمت ما يريد القوم منى لأهلكت نفسى عندى بما لايوثق دينى ، بلعب الحمام والديكة وأشباه ذلك ، هذا كله لشدة التستر من الأعداء ولوجوب فرض استعمال التقية فكيف يجوز في زماننا هذا ترك استعمال هذا مع شدة الطلب وجور السلطان وقلة رعايته لحقوق أمثالهم ، ومع ما لقى رضي الله عنه من " صالح بن وصيف " لعنه الله ، وحبسه إياه ولأهل بيته ، والأمر بقتله ، وطلب الشيعة ، وما نالهم منه من الأذى والتعنت ، وتسميته من لم يظهر خبره ولا اسمه وخفيت ولادته . وقد رويت أخبار كثيرة : أن القائم تخفى على الناس ولادته ويخمل ذكره ولا يعرف اسمه ولا يعلم مكانه ولا يعرف إلا أنه لا يقوم حتى يظهر ويعرف أنه إمام ابن إمام ، ووصى ابن وصى ، يؤتم به قبل أن يقوم ، ومع ذلك فإنه لابد من أن يعلم أمره ثقاته وثقات أبيه ، وإن قالوا ، لأن الإشارة بالوصية من إمام إلى إمام بعده لا تصح ولا تثبت إلا بشهود عدول من خاصة الأولياء أقل ذلك شاهدان فما فوقهما ، إلا أن لا يكون للإمام الماضى إلا ولد واحد فيستغنى بذلك عن الإشارة إليه على ما يروى عن أبى جعفر محمد بن الرضا . ومع هذا فإن الرضا لم يدع الإشارة إليه ، والوصية والإشهاد على ذلك لأنه لابد منه ، إذ السنة جارية من رسول الله بذلك ، ومن الأئمة من بعده ، وإذ قد فعله أمير المؤمنين بالحسن وفعله الحسن بالحسين مع وصية رسول الله وإشارته إليه أن الإمامة في عقب الحسن بن محمد ما اتصلت أمور الله ولا ترجع إلى أخ ،  ولا عم ، ولا ابن عم ، ولا ولد ولد مات أبوه في حياة جده  ، ولا يزول عن ولد الصلب ، ولا يكون أن يموت إمام إلا ولد له لصلبه وله ولد . فهذه سبيل الإمامة ، وهذا المنهاج الواضح والفرض الواجب اللازم الذى لم يزل عليه الإجماع من الشيعة الإمامية الصحيحة التشيع عليه ، وعلى ذلك كان إجماعنا إلى يوم مضى الحسن بن على رضوان الله عليه .

      وقالت الفرقة الثالثة عشرة : مثل مقالة الفطحية ، والفقهاء منهم أهل الورع والعبادة ، مثل عبدالله بن بكير بن أعين ونظرائه ، فزعموا : أن الحسن بن على توفى ، وأنه كان الإمام بعد أبيه بوصية أبيه إليه ، وأن جعفر بن على هو الإمام بعده ، كما كان موسى بن جعفر إماما بعد عبدالله بن جعفر ، للخبر الذى روى : أن الإمامة فى الأكبر من ولد الإمام إذا مضى ، وأن الخبر الذى روى عن الصادق رضي الله عنه : أن الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام صحيح لا يجوز غيره ، وإنما ذلك إذا كان للماضى خلف من صلبه فإنها لا تخرج منه إلى أخيه ، بل تثبت في خلفه ، وإذا توفى ولا خلف له رجعت إلى أخيه ضرورة ، لأن هذا معنى الحديث عندهم ، وكذلك قالوا في الحديث الذى روى : أن الإمام لا يغسله إلا إمام ، وأن هذا عندهم صحيح لا يجوز غيره ، وأقروا أن جعفر بن محمد رضي الله عنه غسله موسى ، وادعوا أن عبدالله أمره بذلك لأنه كان الإمام بعد عبدالله ، فلذلك جاز أن يغسله موسى ، فهذه الأخبار بأن الإمام لا يغسله إلا الإمام صحيحة جائزة على هذا الوجه ، فهؤلاء الفطحية الخلص الذين يجيزون الإمامة في أخوين إذا لم يكن الأكبر منهما خلف ولدا ، والإمام عندهم " جعفر بن على " على هذا التأويل ضرورة ، وعلى هذه الأخبار والمعانى التي وصفناها ...

      مما سبق نلاحظ ما يأتى :-

1        ـ عندما وقفت الناوسية عند الإمام الصادق ، واعتبرته القائم المهدى ، بدأت في وضع الأخبار التي تؤيد عقيدتها ، ولم تستطع أن تقوم بهذا قبل موته .

2         ـ والإسماعيلية الخالصة قامت بمثل هذا بالنسبة لإسماعيل بن جعفر .

3      ـ والمباركية جعلت الإمامة لمحمد بن إسماعيل بن جعفر ، ويذكر التاريخ تفرقها بعد ذلك لعدة فرق ، ومنهم القرامطة الذين زعموا أن محمد بن إسماعيل هو خاتم النبيين ، واستباحوا المحارم وجميع ما خلقه الله !! ومع وضوح كفرهم استدلوا بما يؤيد عقيدتهم .

4         ـ والفرقة الرابعة التي قالت بإمامة محمد بن جعفر ، وفى ولده من  بعده ، وضعت من الأخبار ما يدل على إمامته ، ولم تستطع أن تضع ما ينص على أسماء من يأتى بعده .

5      ـ والفرقة الخامسة وضعت أيضاً من الأخبار ما يدل على إمامة عبدالله بن جعفر ، ولم تستطع أن تضع ما ينص على أسماء من يأتى بعده . فلما مات ولم يخلف ذكرا حدث التفرق المذكور ، وأنكر القوم ما أنكروا من الروايات ، ووضعوا روايات جديدة تتفق مع العقيدة الجديدة ، وانظر مثلا إلى هذه الرواية:

     قال جعفر لموسى :  " يا بنى إن أخاك - يقصد عبدالله - سيجلس مجلسى ، ويدعى الإمامة بعدى ، فلا تنازعه ولا تتكلمن ، فإنه أول أهلى الذين لحقوا بى " .

    فهذه الرواية التي ذكرت للاستدلال على إمامة موسى بن جعفر لم توضع قبل موت عبدالله بن جعفر ، لأن الوضاعين من هؤلاء الشيعة لم يكونوا يعرفون من الذى سيموت قبل الآخر . 

6         ـ  والفرقة السادسة التي قالت بإمامة موسى بن جعفر بعد أبيه صارت بعد وفاته خمس فرق .

      ولعل في هذا ما يكفى لبيان ما أردت بيانه .

      فالشيعة الاثنا عشرية التي نتحدث عنها كانت انبثاقا من إحدى الفرق الخمس السابقة ، وخمس الفرق كلها كانت إحدى الفرق الست السابقة . وكل فرقة من الفرق الخمسة افترقت بعد ذلك عدة فرق . وإذا واصلنا المسيرة نجد أن الشيعة اتباع الحسن العسكرى - الإمام الحادى عشر عند الاثنى عشرية - انقسمت  بعد موته إلى ما يقرب من عشرين فرقة ، وكل فرقة تضع من الأخبار ما يؤيد عقيدتها الجديدة ، ولا يمكن وضع هذه الأخبار قبل وفاة الإمام .

 

      ونلحظ أن كل هذه الفرق أكدت أن الحسن العسكرى لا خلف له ما عدا فرقة مع فرقة الإمامية .

 

      ومعنى هذا أن الشيعة الاثنى عشرية لم تبدأ في وضع الأخبار التي تتصل بالاثتى عشر إماما إلا بعد الحسن العسكرى  ، أى  في النصف الثانى من القرن الثالث . وبعد هذا تبدأ مرحلة الكتب .

       والواقع العملى يؤيد ما بينته هنا ، فكتب الحديث الأربعة المعتمدة عندهم أولها ظهر في القرن الرابع ، وهو الكافى ، ثم جاء بعده باقى الكتب .

الأصول الأربعمائة

      قال مؤلف كتاب " دراسة حول الأصول الأربعمائة "  ص 7 :

      بلغ الرواة عنه أى الإمام الصادق أربعة آلاف رجل ، وانصرفت طائفة كبيرة من هؤلاء لضبط ما رووه عن الإمام سماعاً في كتاب خاص في مواضيع الفقه والتفسير والعقائد وغيرها ، وقد اصطلح التاريخ الشيعى على تسمية هذه الكتب بالأصول ، كما حصرها في أربعمائة أصل ، وهذا ما نعنيه بالأصول الأربعمائة . ا . هـ

       وتحدث المؤلف بعد هذا مباشرة عن الاختلاف حول تحديد مفهوم الأصل ، ثم ذكر أسماء أصحاب الأصول ، ولكن عددهم لم يبلغ الثمانين ، ثم قدم دراسة حول الأصول بصفة عامة ، ثم تعريفاً مقتضباً للأصول الموجودة كاملة ، أو الموجود قسم منها ، وبلغ العدد ثمانية وعشرين .

       وانتهى بعد ذلك إلى نتيجة البحث فقال :-

       " وقد توصلنا من هذا البحث إلى النتائج التالية " :

أولاً : أن الأصل مما اصطلح عليه علماء الشيعة في القرن الخامس الهجرى .

ثانياً : أن المحدثين ذكروا في تحديد مفهوم الأصل أقوالاً كانت في الغالب مجرد حدس وتخمين كما صرح بذلك السيد محسن الأمين .

     وأن لكلمة الأصل معنيين :

الأول : المعنى الاصطلاحي وهو عبارة عن الحاوى للحديث المروى سماعاً من الإمام الصادق ( ع ) غالبا ومن تأليف رواته (ع ) وقد استشهدنا لذلك بنصوص المتقدمين ، وأن أغلب من ذكرهم الطوسى والنجاشى في أصحاب الأصول هم من أصحاب الإمام الصادق ( ع ) ودراسة الأصول الموجودة .

الثانى : المعنى اللغوى بمعنى المصدر والمرجع كما في عصرنا وذلك حيث تستعمل في غير كتب الحديث من العلوم المختلفة أو تستعمل قبل القرن الخامس الهجرى .

ثالثاً : تحديد زمن التأليف بعصر الإمام الصادق ( ع ) أى من روى عنه ( ع ) وينافى ذلك أن يروى عن أبيه الباقر ( ع ) أو ابنه الكاظم ( ع ) .

رابعاً : إن أريد من الأصل مفهومه اللغوى فأصول أحاديث الشيعة عدداً ستة آلاف وستمائة تقريباً .

     وإن أريد مفهومه الاصطلاحى المذكور فلا يزيد على المائة عددا والمذكور منها في فهرستى الطوسى والنجاشى لا تزيد على نيف وسبعين أصلاً .

خامساً : أن أعيان الأصول قد أهملت نظراً لاحتواء الكتب الأربعة وجوامع الحديث لهذه الأصول وغيرها من مصادر أحاديث الشيعة ، ولأجل ذلك استغنى المحدثون عن الأصول بأعيانها لوجود مضامينها ورواياتها في هذه الكتب المتأخر تأليفها زمناً عن زمن تأليف الأصول ولم أقف – حسب تتبعي – للأصول التي ذكرها الشيخ الطوسى على اكثر من ثلاثة أصول موجودة اليوم ، ومن الكتب التي وصفت بأنها أصول على أكثر من سبعة وعشرين كتاباً ، وعسانى أوفق للاطلاع عليها في المستقبل .

      ويقول الشهيد الثانى بهذا الصدد : كان قد استقر أمر الإمامية على أربعمائة مصنف سموها أصولاً فكان عليها اعتمادهم ، وتداعت الحال إلى أن ذهب معظم تلك الأصول ولخصها جماعة في كتب خاصة تقريبا على المتناول ، وأحسن ما جمع منها الكافى والتهذيب والاستبصار ومن لا يحضره الفقيه . انتهى كلام المؤلف.

       ولو صح كلامه فإنه يعنى أن التدوين كان للآراء والاجتهادات الفقهية وغيرها ، كما كان للأحاديث التي رواها الإمام الصادق ، والشيعة يرون أن كل ما صدر عنه يعتبر من السنة ، ولكن الإمام الصادق نفسه لا يمكن أن يرى العصمة لنفسه أو حق التشريع ، ويندر أن يوجد في عصره من يرى عصمته إلا الغلاة .

      فما يصح نقله عن الإمام الصادق لا يختلف عما ثبت عن الأئمة الأربعة : أبى حنيفة ومالك والشافعى وأحمد ، وغيرهم من الأئمة الأعلام إلا فيما نراه من الاختلاف بين هؤلاء الأئمة المجتهدين أنفسهم . أما ما يدون في عصر الإمام الصادق افتراء عليه فإن الافتراء لا يتجاوز عصره والعصور السابقة ، ولا يمكن أن يتصل بمن يأتى بعده مما يعد في علم الغيب . ولسنا هنا في حاجة إلى دراسة هذه الأصول ، أو البحث عن أصحابها ، ولكن الذى يعنينا هو أن ما يخص الشيعة الاثنى عشرية لم يظهر في هذا العصر حتى  يدون ، ولذا عجبت كل العجب من عنوان أحد هذه الأصول ، وقد ذكره المؤلف في ص 47 ، والعنوان :

     " مقتضب الأثر في الأئمة الاثنى عشر " ! ... ومن غير الممكن على الإطلاق أن يوضع هذا العنوان فى عصر الإمام الصادق ، فما كان أحد في وقته يعرف أسماء من يأتى بعده ، حيث لا يعلم الغيب إلا الله ، ولكن يمكن أن يوضع هذا العنوان بعد الإمام الحادى عشر ، وتنسب الأقوال المفتراة إلى الصادق أو غيره ، هذا هو الواقع الذى يمكن أن يكون . فلو نسب هذا العنوان إلى من عاش في عصر الصادق فإن هذا يعنى أن واضع العنوان يفتري على من عاش في عصر الإمام .

        وعلى كل حال بعد قراءة العنوان جاء ما يلي :

       " تأليف أحمد بن محمد بن عياش الجوهرى ، المتوفى سنة 401 هـ " .

       إذن عاش المؤلف بعد الإمام الحادى عشر ، بل بين وفاة كل منهما قرن ونصف ، فهذا هو الذى يتفق مع ما سبق بيانه .

 

الجرح والتعديل عند الشيعة والرافضة

      رأينا من قبل الجرح والتعديل عن الجمهور ، والموقف من الرواية عن أهل البدع ، وما يتصل بالعدالة والضبط .

      والصحابة الكرام ، خير أمة أخرجت للناس ، شهد لهم ربهم عز وجل وكفى بالله شهيدا ، وشهد لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم ، وما أعظمها من شهادة !  ولذلك فهم ليسوا في حاجة إلى شهادة بعد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وعدالتهم أمر معلوم مسلم به عند جمهور المسلمين . ومن طعن فيهم ممن ينتسب إلى الإسلام كاد أن يخرج عن الملة إن لم يكن قد خرج بالفعل . وتبعاً للجرح والتعديل عند الفرق يحكم على   الأحاديث ، وتؤلف الكتب .

      وقبل أن أبين الجرح والتعديل عند سلف عبدالحسين ، وأثر هذا في كتبهم التي قال إنها مقدسة ، وصحاح متواترة ، أردت أن أوضح موقف الحاكم ـ كما جاء في كتابه معرفة علوم الحديث ، وهو شيعى لكنه غير رافضى ، حتى لا نخلط بين موقف الشيعة وموقف الرافضة .

      تحدث الحاكم عن أصح الأسانيد فقال ( ص 55 ) :

      إن أصح أسانيد أهل البيت : جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن على إذا كان الراوى عن جعفر ثقة .

     وأصح أسانيد الصديق : إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن أبى بكر .

     وأصح أسانيد عمر : الزهرى عن سالم عن أبيه عن جده .

     وأصح أسانيد المكثرين من الصحابة لأبى هريرة : الزهرى عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة ، ولعبدالله بن عمر مالك عن نافع عن ابن عمر ، ولعائشة  عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ، عن القاسم بن محمد ابن أبى بكر ، عن عائشة .   

      سمعت أبا بكر أحمد بن سلمان الفقية يقول : سمعت جعفر بن أبى عثمان الطيالسى يقول : سمعت يحيى بن معين يقول : عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة ترجمة مشبكة بالذهب .

      ومن أصح الأسانيد أيضاً محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب بن زهرة القرشى عن عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد القرشى عن عائشة .

     وأصح أسانيد عبدالله بن مسعود : سفيان بن سعيد الثورى عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم بن يزيد النخعى عن علقمة بن قيس النخعى عن عبدالله بن مسعود .

     وأصح أسانيد أنس : مالك بن أنس عن الزهرى عن أنس .

     وأصح أسانيد المكيين : سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر .

     وأصح أسانيد اليمانيين : معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة .

    ومما ذكره الحاكم نرى أنه لا يختلف عن جمهور المسلمين في نظرته للصحابة الكرام ، وفى التوثيق بصفة عامة على خلاف ما نراه عند الرافضة .

      وفى ص 56 يقول : إن أوهى أسانيد أهل البيت : عمرو بن شمر ، عن جابر الجعفى ، عن الحارث الأعور ، عن على .

     وفى ص 63 تحدث عن معرفة فقه الحديث فقال :  " فأما فقهاء الإسلام ، أصحاب القياس والرأى والاستنباط والجدل والنظر ، فمعروفون في كل عصر وأهل كل بلد . ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هذا الموضع فقه الحديث عن أهله ليستدل بذلك على أن أهل هذه الصنعة من تبحر فيها لا يجهل فقه الحديث ، إذ هو نوع من أنواع هذا العلم .

      فمن أشرنا إليه من أهل الحديث محمد بن مسلم الزهرى " وذكر الحاكم بإسناده بعد هذا عن مكحول قال : " ما رأيت أحداً أعلم بسنة ماضية من    الزهرى " .

     وفى ص 240 بدأ الحديث عن النوع التاسع والأربعين فقال : " هذا النوع من هذه العلوم معرفة الأئمة الثقات المشهورين من التابعين وأتباعهم ممن يجمع حديثهم للحفظ والمذاكرة ، والتبرك بهم وبذكرهم من الشرق إلى الغرب "  .

      وأول من ذكرهم من هؤلاء الأئمة الإمام الزهرى . وفى عصرنا وجدنا الرافضة والمستشرقين لهدف واحد خبيث يطعنان في هذا الإمام الجليل . ومن الأئمة الأعلام الذين ذكرهم : الإمام سفيان الثورى ( ص 245 ) ، وسيأتى في نماذج من الجرح والتعديل ما قاله الرافضة في هذا الإمام .

      ومستدرك الحاكم معروف مشهور ، وسبق الإشارة إليه ، غير أنه جمع الصحيح والحسن والضعيف والموضوع .

     وممن عرف بالتشيع كذلك النسائى ، صاحب السنن ، أحد الكتب الستة المعتمدة عند جمهور المسلمين ، و عبدالرزاق صاحب المصنف ، وابن عبدالبر ، صاحب الكتب الكثيرة النافعة . ( انظر منهاج السنة لابن تيمية ج 7 ص 13 ، 373 )  ، ومنهج هؤلاء في الجرح والتعديل يعتبر من منهج الجمهور .

     أما أسلاف عبدالحسين فإن منهجهم تأثر بعقيدتهم في الإمامة ، فكما رفضوا الخلافة الراشدة للشيخين وذى النورين ، رفضوا ما ثبت عنهم من أخبار ، وطعنوا فيهم وفيمن لم يقل بقول عبدالله بن سبأ في الوصى بعد النبى ، ولذلك طعنوا وجرحوا من شهد لهم ربهم عز وجل والرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم . وفى ظلمات هذه الجهالة ألفت كتبهم .

نماذج من الجرح والتعديل

        الجرح والتعديل عند هؤلاء القوم – كما رأينا – يرتبط بعقيدتهم الباطلة في الإمامة ، ووضعت كتبهم – كما سنرى – لتأييد هذه العقيدة . وكتب الرجال عندهم طعنت في خير جيل عرفته البشرية وجرحت صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ورضى عن الصحابة الكرام البررة . ولم يسلم من الطعن إلا من اشتهر في التاريخ بولائه لعلى ابن أبى طالب . وقولهم بعصمة الأئمة جعلهم لا ينظرون إليهم على أنهم رواة ثقات بل جعلوهم مصدرا للتشريع ، فأقوالهم سنة واجبة الاتباع كسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دون أدنى فرق ، وأشرت إلى هذا من قبل . وسأكتفى هنا ببيان بعض النماذج مما جاء في كتب الرجال عندهم . وأصول هذه الكتب الرجالية خمسة هي : رجال البرقى ، ورجال الكشى ، ورجال الشيخ الطوسى ، وفهرسته ، ورجال النجاشى . وقد رجع إلى هذه الأصول وغيرها عبدالله الماماقانى في كتابه " تنقيح المقال في علم الرجال " . والمؤلف يلقبونه بالعلامة الثانى آية الله ، أما علامتهم الأول فهو ابن المطهر الحلى الذى رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية . كما أشرت من قبل ، وكتاب تنقيح المقال من أكبر الكتب حجماً ومكانة عندهم .

      وإليك بعض النماذج مما جاء في هذا الكتاب .

1         ـ على بن ابى طالب :

      أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام ، مناقبه وفضائله لا يسع البشر عدها وإحصاءها ، قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربى . وقد ورد أنه لو كان البحر مداداً ، والأشجار أقلاماً وأوراق الأشجار قرطاساً ، والجن والإنس كتاباً ، لما أحصوا مناقبه !! ( جـ 2 ص 264 ) .

2        ـ محمد بن أبى بكر بن أبى قحافة:

      جليل القدر عظيم المنزلة من خواص على رضي الله عنه وحوارييه . أتته النجابة من قبل أمه أسماء بنت عميس لا من قبل أبيه . من أنجب النجباء ، من أهل بيت سوء . بايع أمير المؤمنين على البراءة من أبيه ، ومن الخليفة الثانى ، وقال له : أشهد أنك إمام مفترض الطاعة ، وأن أبى في النار ... إلخ .

     ( انظر ترجمته في ملحق الجزء الثانى ص 57 ، 58  وينسب الرافضة هذه الأقوال للإمامين الباقر والصادق ، وحاشاهما - رضى الله تعالى عنهما - أن ينطقا بمثل هذا الكفر الذى لا يقوله إلا عبدالله بن سبأ وأمثاله وأتباعه )

3        ـ عبدالله بن عمر بن الخطاب العدوى خليفة العامة :

      بالغت العامة في مدحه ، ومن لاحظ ترجمته المتفرقة وأمعن النظر فيها لم يعتمد على خبره ... إلخ  ( 2/ 201 )

4        ـ عبدالله بن عمرو بن العاص :

     كان كأبيه في الرأى والنفاق ، والكذب على الله ورسوله ، والخروج مع معاوية بصفين ، وكفى بذلك جرحا ... إلخ ( 2 / 200، وفى ترجمته أخذ الرافضى يلعنه ويلعن أباه ! ) .

5        ـ عبدالرحمن بن عوف :

     في ترجمته اتهام له ولذى النورين عثمان بن عفان - رضى الله تعالى   عنهما ، وفى نهاية الترجمة قال : لا أعتمد على روايته ، لأن من خان في الأصول لا يوثق به في الفروع ( 2/146 : 147 )

6        ـ خالد بن الوليد :

     تعاقد مع أبى بكر على قتل على رضي الله عنه ، ثم ندم أبو بكر خوفاً من الفتنة ، سماه العامة سيف الله ، والأحق بتسميته سيف الشيطان ... زنديق ، أشهر من كفر إبليس في العداوة لأهل البيت .. إلخ . ( اقرأ ترجمته 1 / 394 تجد هذا الكفر والضلال والمفتريات وغيرها ) .

7        ـ أنس بن مالك :

      جاء في ترجمته أنه كان من المنحرفين عن على رضي الله عنه ، الكاتمين لمناقبه حباً للدنيا ، فدعا عليه بالعمى فكف بصره ، وأنه كان يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ! .   ( انظر أكاذيب وأباطيل هؤلاء الرافضة في ترجمته 1 /154 : 155 ) .

8        ـ النعمان بن بشير :

      كان منحرفا عن على رضي الله عنه ، وعدواً له ، فزندقته لا شك فيها .. إلخ  ( 3 / 272 ، وفى الترجمة غير هذا من التكفير واللعن لهذا الصحابى الجليل ولغيره من الكرام البررة ) .

9        ـ معاذ بن جبل :

  في ترجمته أنه مالأعدو الله أبا بكر وعمر ، على ولى الله على بن أبى  طالب ، والبشرى بالنار له ولأبى بكر وعمر وأبى عبيدة وسالم ، وأن الصحابة هلكوا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم - إلا أربعة .. إلى غير ذلك مما لا يصدر إلا عن الكفار والضالين . ( انظر هذا الضلال في ترجمته 3 / 220 : 221 ).

10    ـ سفيان الثورى :

    إذا كان هؤلاء القوم قد طعنوا وكفروا خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم الصحابة الكرام ،وخيرهم جميعا الشيخان الصديق والفاروق ، رضى الله تعالى عنهم جميعاً ، إذا كان الأمر قد انحط إلى هذا الدرك الأسفل ، فلا نعجب بعد هذا إذا طعنوا في أئمة المسلمين بعد الصحابة .

       ففى ترجمة الإمام سفيان الثورى يذكرون أكاذيب ينسبونها إلى الإمام الصادق افتراء على الله تعالى وعلى الصادق رضى الله عنه ، ثم يعقبون عليها بما يأتى :

        يتبين أمران :-

    أحدهما : أن سفيان الثورى كذاب خبيث مدلس معاند يهودى ، قد آثر دنياه على آخرته على علم منه بذلك بنص الصادق .

    والآخر : أن مذهب العامة ـ أى جمهور المسلمين ـ مبنى على الأكاذيب !! من بدايته إلى نهايته ، أعاذنا الله تعالى من ذلك ، ولا جمع الله بيننا وبينهم في الدنيا ولا الآخرة . ( انظر 2/37 : 38 ) .

     وبعــــــد ....

      فلعل هذه التراجم ـ مع قلتها ـ كافية لبيان منهج الرافضة في الجرح والتعديل ، واجترائهم على الله عز وجل ، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعلى الصحابة الكرام ، وعلى أئمة المسلمين سواء أكانوا من أهل البيت الأطهار أم من غيرهم . وإذا جئنا إلى التطبيق العملى فإنا نرى هذا المنهج مطبقا في كتبهم التي قال عنها الرافضى عبدالحسين إنها مقدسة ، متواترة صحيحة ، وما هي إلا هدم للإسلام أصوله وفروعه ، وامتداد لمآرب عبدالله بن سبأ .

      وفى الجزء الرابع في خاتمة الكتاب سنجد مثل هذه التراجم عندما نتحدث عن أبى القاسم الخوئى المرجع الأعلى للشيعة في العراق ، وعن كتابه معجم رجال الحديث ، مما يبين استمرار غلو الرافضة وزندقتهم حتى عصرنا إلا من عصم ربى من معتدلى الشيعة غير الرافضة .

مفهوم السنة عندهم

       قال أحد علمائهم المعاصرين :-

      " السنة في اصطلاح الفقهاء : قول النبى أو فعله أو تقريره " ثم قال : " أما فقهاء الإمامية بالخصوص - فلما ثبت لديهم أن المعصوم من آل البيت يجرى قوله مجرى قول النبى ، من كونه حجة على العباد واجب الاتباع - فقد توسعوا في اصطلاح السنة إلى ما يشمل قول كل واحد من المعصومين أو فعله أو تقريره ، فكانت السنة باصطلاحهم : قول المعصوم أو فعله أو تقريره .

     والسر في ذلك أن الأئمة من آل البيت - عليهم السلام - ليسوا هم من قبيل الرواة عن النبى والمحدثين عنه ، ليكون قولهم حجة من جهة أنهم ثقات في الرواية ، بل لأنهم هم المنصوبون من الله تعالى على لسان النبى لتبليغ الأحكام الواقعية ، فلا يحكون إلا عن الأحكام الواقعية عند الله تعالى كما هي ، وذلك من طريق الإلهام كالنبى من طريق الوحى أو من طريق التلقى من المعصوم قبله كما قال مولانا أمير المؤمنين رضي الله عنه : علمنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ألف باب من العلم ينفتح لى من كل باب ألف باب .([37]) 

  

      وعليه فليس بيانهم للأحكام من نوع رواية السنة وحكايتها ، ولا من نوع الاجتهاد في الرأى والاستنبـاط من مصـادر التشريـع بل هم أنفسـهم مصـدر للتشريع ، فقولهم ( سنة ) لا حكاية السنة . وأما ما يجىء على لسانهم أحياناً من روايات وأحاديث عن نفس النبى صلى الله عليه وسلم ، فهى إما لأجل نقل النص عنه كما يتفق في نقلهم لجوامع كلمه ، وإما لأجل إقامة الحجة على الغير ، وإما لغير ذلك من الدواعى .

      وأما إثبات إمامتهم ، وأن قولهم يجرى مجرى قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهو بحث يتكفل به علم الكلام " ([38]) .

      وما أظننا بحاجة إلى بيان أثر الإمامة هنا ، فهى أوضح من أن يطال فيها الحديث ، فجعلوا الإمام كالنبى المرسل : العصمة لهم جميعاً ، والسنة قول المعصوم أو فعله أو تقريره يستوى في هذا أن يكون المعصوم هو الرسول الكريم وأن يكون أحد أئمة الجعفرية . ولذلك رأينا من قبل أنهم جعلوا للإمام ما للنبى المصطفى من بيان القرآن الكريم وتقييد مطلقة ، وتخصيص عامة . ورأينا كذلك أن الإخباريين منعوا العمل بظاهر القرآن الكريم لأنهم لا يستمدون شريعتهم إلا مما ورد عن أئمتهم . وحتى يكون الإمام مصدراً للتشريع قائماً بذاته جعل له الإلهام مقابلاً للوحى بالنسبة للرسول ـ صلى الله عليه وسلم .

       وهذا العالم الجعفرى ـ مع شططه ـ يمثل جانب الاعتدال النسبى ، فقد رأينا غيره يذهب إلى بقاء الوحى مع الأئمة وإن لم ينزل بقرآن جديد . وما ذكره هذا العالم لا يصح إلا بما أشار إليه في الفقرة الأخيرة من إثبات إمامة الأئمة ، وأن قولهم  يجرى مجرى قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو ما أثبتنا خلافه في الجزء الأول .


 

مراتب الحديث

        الإخباريون من الجعفرية ـ وهم قلة قليلة ـ لا علم لهم بمصطلح   الحديث ، فهم يتلقون بالقبول كل ما ورد عن أئمتهم في كتب الحديث المعتمدة عندهم ، بل يرون تواتر " كل حديث وكلمه بجميع حركاتها وسكناتها الإعرابية والبنائية وترتيب الكلمات والحروف " ([39]) وكتب الحديث هذه أربعة ظهرت في القرنين الرابع والخامس ، وأصحابها يرون صحة ما أثبتوا في كتبهم .

       والجعفرية الاثنا عشرية ظلوا قرابة ثلاثة قرون بعد ظهور هذه الكتب لا يفترقون كثيراً عن النزعة الإخبارية ، فأول من وضع مصطلح الحديث وبين مراتبه عندهم هو الحسن بن المطهر الحلى الملقب بالعلامة الذى توفى سنة 726 هـ ([40]).

       والحديث عند جمهور الجعفرية ينقسم إلى متواتر وأخبار آحاد . وأثر عقيدتهم الباطلة يظهر في المتواتر باشتراطهم " أن لا يكون ذهن السامع مشوباً بشبهة أو تقليد يوجب نفى الخبر ومدلوله " ([41]) وندرك الأثر هنا عندما نراهم  يقولون : " بهذا الشرط يندفع احتجاج مخالفينا في المذهب على انتفاء النص على أمير المؤمنين رضي الله عنه - بالإمامة " ([42]) فإذا ما نقل بالتواتر أن الرسول صلى الله عليه وسلم  لم ينص على إمامة أحد من بعده فالاتهام يوجه إلى السامعين ، وبذلك يصلون إلى هدفهم بعدم حجية هذا النقل . وعلى العكس من هذا نراهم يذهبون إلى تواتر حديث الثقلين والغدير ([43]) .  

      فعقيدة الإمامة توجههم في رفض الأخذ بالتواتر أو رفع غيره إلى مرتبته ، ما دام الخبر متعلقاً بهذه العقيدة .

     وأخبار الآحاد عندهم تنقسم إلى أربع مراتب ، هي أصول الأقسام وإليها يرجع كل تقسيم آخر ، وهذه المراتب هي : الصحيح ، والحسن ، والموثق ، والضعيف . فأما الصحيح عندهم فهو " ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الإمامى عن مثله في جميع الطبقات حيث تكون متعددة " ([44]).

      وزاد بعضهم في التعريف أن يكون العدل ضابطاً ، ورأى صاحب مقباس الهداية أن قيد العدل يغنى عن ذلك ، فمن ليس ضابطا فليس بعدل ([45]) أى أنهم متفقون على أن شروط الصحة هي :-

  1. اتصال السند إلى المعصوم بدون انقطاع .

  02 أن يكون الرواة إماميين في جميع الطبقات .

  03 وأن يكونوا كذلك عدولا ضابطين .

       وأثر الإمامة هنا يبدو إلى جانب تحديد المعصوم - في اشتراط إمامية الراوى ، فالحديث لا يرقى لمرتبة الصحيح ما لم يكن الرواة من الجعفرية الاثنى عشرية في جميع الطبقات .

      وأول واضع لأقسام الحديث عندهم يوضح سبب هذا الاشتراط بقوله : " لا تقبل رواية الكافر ، وإن علم من دينه التحرز عن الكذب ، لوجوب التثبت عند الفاسق ، والمخالف من المسلمين ، إن كفرناه فكذلك ، وإن علم منه تحريم الكذب - خلافاً لأبى الحسن لاندراجه تحت الآية ، وعدم علمه لا يخرجه عن الاسم ، ولأن قبول الرواية تنفيذ الحكم على المسلمين ، فلا يقبل كالكافر الذى ليس من أهل   القبلة . احتج أبو الحسن بأن أصحاب الحديث قبلوا أخبار السلف كالحسن البصرى وقتادة وعمر بن عبيد ، مع علمهم بمذهبهم ، وإنكارهم على من يقول بقولهم ، والجواب المنع من المقدمتين ، ومع التسليم فنمنع الإجماع عليه وغيره ليس بحجة . والمخالف غير الكافر لا تقبل روايته أيضاً لاندراجه تحت اسم الفاسق " ([46]) .

      ويقول الماماقانى ([47]) : " الموافق للتحقيق هو أن العدالة لا تجامع فساد العقيدة وأن الإيمان شرط في الراوى " . ويقول أيضاً : " وهو الذى اختاره العلامة في كتبه الأصولية وفاقاً للأكثر لقوله تعالى :-

] إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا [([48]) ولا فسق أعظم من عدم الإيمان ، والأخبار الصريحة في فسقهم بل كفرهم لا تحصى كثرة " .

      يستفاد مما سبق : أن الإيمان شرط في الراوى ، وخبر الفاسق يجب التأكد من صحته ، وغير الجعفرى كافر أو فاسق ، فخبره لا يمكن بحال أن يكون صحيحاً ، وهنا لا يبدو أثر الإمامة فحسب بل يظهر التطرف والغلو والزندقة .

     ويأتى بعد الصحيح : الحسن : ، وهو " ما اتصل سنده إلى المعصوم بإمامى ممدوح مدحاً مقبولا معتداً به ، غير معارض بذم ، من غير نص على عدالته ، مع تحقق ذلك في جميع مراتب رواة طريقة ، أو في بعضها . ([49]) 

     ويستفاد من هذا النص أنهم يشترطون للحسن :

1.       اتصال السند إلى المعصوم بدون انقطاع .

2.       أن يكون جميع الرواة إماميين .

3.       وأن يكون ممدوحين مدحاً مقبولاً معتداً به ، دون معارضة بذم ، وبالطبع الذم غير المقبول لا يعتد به .

4.       ألا ينص على عدالة الراوى ، فلو كان الرواة عدولاً لأصبح الحديث صحيحا كما عرفنا من دراستنا للصحيح .

5.     تحقق ذلك في جميع مراتب رواة طريقه ، أو في بعضها . يفهم من هذا أن جميع الرواة غير ثابتى العدالة ، أو بعضهم كذلك والآخرين عدول ، فالمعروف أن الحديث يحمل على أدنى مرتبة في الرواة - فلو فقد شرطا آخر غير العدالة لما أصبح حسناً .

      ويقول صاحب ضياء الدراية ( ص 24 ) :

      " ألفاظ المدح على ثلاثة أقسام " :

·         ما له دخل في قوة السند ، مثل صالح وخير .

·         ما له دخل في قوة المتن لا في السند ، مثل فهيم وحافظ .

·         ما ليس له دخل فيهما ، مثل شاعر وقارئ .

     فالأول يفيد في كون السند حسنا أو قويا ، والثانى ينفع في مقام الترجيح ، والثالث لا عبرة له في المقامين ، بل هو من المكملات " .

  ويقول عن الجمع بين القدح والمدح ( الصفحة ذاتها ) :

" القدح بغير فساد المذهب قد يجامع المدح لعدم المنافاة بين كونه ممدوحاً من   جهة ، ومقدوحاً من جهة أخرى " .

     وأثر عقيدة الإمامة في هذا النوع يبدو فيما يأتى :

1.       اشتراط إمامية الراوى .

2.       قبول رواية الإمامى غير ثابت العدالة ، ورفض رواية غير الإمامى كائناً من كان ، وبالغاً ما بلغ من العدالة والتقوى والورع .

3.       قبول رواية الإمامى الممدوح المقدوح أحياناً بشرط ألا يكون القدح بفساد المذهب ، وفساد المذهب يعنى الخروج عن الخط الجعفرى : فهذا قدح لا يغتفر ([50]).

     ويأتى بعد الحسن الموثق ، وهو : " ما اتصل سنده إلى المعصوم بمن نص الأصحاب على توثيقه ، مع فساد عقيدته ، بأن كان من أحد الفرق المخالفة  للإمامية ، وإن كان من الشيعة ، مع تحقق ذلك في جميع رواة طريقه أو بعضهم مع كون الباقين من رجال الصحيح " ([51]).

      وهذا التعريف يفيد اشتراط ما يأتى :

1.       اتصال السند إلى المعصوم .

2.       أن يكون الرواة غير إماميين ، ولكنهم موثقون من الجعفرية على وجه الخصوص .

3.       أو يكون بعضهم كذلك ، والآخرون من رجال الصحيح ، حتى لا يدخله ضعف آخر ، فيكفى أن دخل في الطريق من ليس بإمامى .

     وأثر عقيدة الإمامة هنا يبدو فيما يأتى :-

1.       جعل الموثق بعد الصحيح والحسن لوجود غير الجعفرية في السند .

2.       التوثيق لا يكون إلا من الجعفرية أنفسهم ، ولذلك قال صاحب ضياء     الدراية : ([52])  " توثيق المخالف لا يكفينا ، بل الموثق عندهم ضعيف عندنا ، والمدار في الموثق إنما هو توثيق أصحابنا " .

     ويوضح المامقانى توثيق أصحابه بقوله :

     " يمكن معرفة غير الإمامى الموثق بأن يكون الإمام قد اختاره لتحمل الشهادة أو أدائها ، في وصية ، أو وقف ، أو طلاق ، أو محاكمة ، أو نحوها ، أو ترحم عليه أو ترضاه ، أو أرسله رسولاً إلى خصم له أو غير خصمه ، أو ولاه على وقف أو على بلدة ، أو اتخذه وكيلاً ، أو خادماً ملازماً ، أو كاتباً ، أو أذن له في الفتيا والحكم أو أن يكون من مشايخ الإجازة ([53]) أو تشرف برؤية الإمام الثانى عشر الحجة المنتظر أو نحو هذا " ([54]) .

     فالتوثيق إذن لا يخرج عن النطاق الجعفرى الاثنى عشرى .

3.       مع هذا النوع من التوثيق لا يدخل السند مع الموثقين إلا رجال الصحيح ، وعلى الرغم من ذلك يبقى هذا القسم في المرتبة الثالثة .

     وبعد الموثق يأتى : الضعيف ، وهو " ما لم يجتمع فيه شرط أحد الأقسام السابقة ، بأن اشتمل طريقة على مجروح بالفسق ونحوه ، أو على مجهول الحال ، أو ما دون ذلك كالوضاع " ([55]) .

      وفى الحديث عن الصحيح رأينا كيف أنهم اعتبروا غير الجعفرى كافراً أو فاسقاً فروايته ضعيفة غير مقبولة . ولا تقبل من غير الجعفرى إلا من نال توثيق الجعفرية .

     وعلى هذا الأساس يرفضون الأحاديث الثابتة عن الخلفاء الراشدين الثلاثة وغيرهم من أجلاء الصحابة ، والتابعين ، وأئمة المحدثين والفقهاء ، ما داموا لا يؤمنون بعقيدة الإمامية الاثنى عشرية . فالروايات التي يدخل في سندها أى من هؤلاء الصديقين الصالحين الأئمة الأعلام الأمناء ، تعتبر روايات ضعيفة في نظر هؤلاء القوم الذين لا يكادون يفقهون حديثا ([56]) .

التعارض والترجيح

       روى الكلينى في أصول الكافى عن عمر بن حنظلة قال :

    " سألت أبا عبدالله عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان ، وإلى القضاة ، أيحل ذلك ؟ قال : من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت ، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتاً ، وإن كان حقاً ثابتاً له ، لأنه أخذه بحكم الطاغوت ، وقد أمر الله أن يكفر به قال تعالى : ] يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ[ ([57]) قلت : فكيف يصنعان ؟ قال ينظران إلى ما كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا ، وعرف أحكامنا ، فليرضوا به حكماً فإنى قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما استخف بحكم الله وعلينا رد ، والراد علينا الراد على الله وهو على حد الشرك بالله .

     قلت : فإن كان كل رجل اختار رجلاً من أصحابنا ، فرضيا أن يكون الناظرين في حقهما ، واختلفا فيما حكما ، وكلاهما : اختلفا في حديثكم ؟

    قال : الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر .

    قال - قلت فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا ، لا يفضل واحد منهما على الآخر ؟

     قال : ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذى حكما به المجمع عليه من أصحابك فيأخذ به من حكمنا . ويترك الشاذ الذى ليس بمشهور عند أصحابك .

     قلت : فإن كان الخبران عنكما ([58]) مشهورين  قد رواهما الثقات عنكم ؟

     قال : ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة ، وخالف العامة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة .

     قلت : جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفاً حكمه من الكتاب والسنة ، ووجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة والآخر مخالفاً لهم بأى الخبرين يؤخذ ؟

     قال : ما خالف العامة ففيه الرشاد .

    فقلت : جعلت فداك ، فإن وافقهما الخبران جميعاً ؟

      قال : ينظر إلى ما هم إليه أميل ، حكامهم وقضاتهم ، فيترك ، ويؤخذ بالآخر .

      قلت : فإن وافق حكامهم الخبران جميعاً ؟

    قال : إذا كان ذلك فأرجه حتى تلقى إمامك ، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات ([59]) . 

     هذه الرواية يسميها الجعفرية الرافضة مقبولة ابن حنظلة ، وفى باب الترجيح عندهم هى " العمدة في الباب ، المقبولة التي قبلها العلماء بأن راويها صفوان بن يحيى الذى هو من أصحاب الإجماع ، أى الذين أجمع العصابة على تصحيح ما يصح عنهم : كما رواها المشايخ الثلاثة في كتبهم " ([60]) .

      ويقول المظفر : " من الواضح أن موردها التعارض بين الحاكمين ، لا بين الراويين ، ولكن لما كان الحكم والفتوى في الصدر الأول يقعان بنص الأحاديث ، لا أنهما يقعان بتعبير من المحاكم أو المفتى كالعصور المتأخرة استنباطاً من الأحاديث تعرضت هذه المقبولة للرواية والراوى ، لارتباط الرواية بالحكم . ومن هنا استدل بها على الترجيح للرواية المتعارضة " ([61]) .

     ثم يقول بعد بيان انحصار دليل مخالفة العامة في هذه المقبولة : والنتيجة أن المستفاد من الأخبار أن المرجحات المنصوصة ثلاثة : الشهرة وموافقة الكتاب والسنة ومخالفة العامة . وهذا ما استفاده الشيخ الكلينى في مقدمة الكافى ([62]).

      وهذه المقبولة التي اعتبرت العمدة في باب الترجيح  بصفة عامة ، والدليل الوحيد على مخالفة العامة ـأى جمهور المسلمين ـ بصفة خاصة ، أقول : هذه المقبولة مرفوضة من وجهة نظرنا لما يأتى :

1.      أنها اعتبرت كل حاكم أو قاض غير جعفرى اثنى عشرى طاغوتاً أمرنا أن نكفر به بنص القرآن الكريم .

2.       أنها اعتبرت أخذ الحق الثابت سحتاً ما دام أخذه عن طريق هؤلاء الحكام والقضاة .

3.       أنها جعلت حكم الحكم الجعفرى الرافضى كحكم الله تعالى ، ومن لم يقبله فكأنما أشرك بالله سبحانه .

4.       أنها تدعو إلى مخالفة جمهور المسلمين حتى عند ظهور موافقتهم للكتاب والسنة .

      فالإمام الصادق أعمق إيماناً ، وأرفع شأنا من أن يصدر منه هذه الجهالة ، وإنما تصدر هذه الرواية عن غال ، يفترى على الأئمة ، يريد لأمة الإسلام أن تفترق ولا تتحد .

      وبعد هذا نرى أثر عقيدة الإمامة في باب الترجيح عند الجعفرية يظهر فيما يأتى :

 1. جعلوا المشهور عندهم مقدما على غيره ، حتى قدموه على ما وافق الكتاب والسنة ، فالمشهور الجعفرى المخالف للكتاب والسنة مقدم على غيره الموافق للكتاب والسنة .

      ثم " إنهم لا يزالون يقدمون المشهور على غيره ولو كان راوى الغير أعدل وأصدق " ([63]) وهذا مما جعل غلاة الجعفرية يسيرون إلى أهدافهم من طريق ممهد ، ولنضرب لهذا مثلا لعله كاف لما أردنا توضيحه .

    صاحب كتاب " فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب " قال عن الروايات التي يرى أنها تثبت - على حد افترائه - تحريف القرآن الكريم :" الأخبار الدالة على ذلك تزيد على ألفى حديث ، وادعى استفاضتها جماعة كالمفيد، والمحقق والداماد ، والعلامة المجلسى وغيرهم " ([64]) فهذه روايات جعفرية مشهورة مستفيضة ، فلما تعارضت مع كتاب الله تعالى : حيث أخبر سبحانه بأنه الحافظ لكتابه العزيز ولا تبديل لكلماته ، حرفوا معناه كما رأينا من قبل في الجزء الثانى ، فهؤلاء القوم لم يناقضوا أنفسهم هنا ، فهم غلاة في المبدأ وغلاة في التطبيق . ولكن الذين يمثلون جانب الاعتدال النسبى عند الجعفرية أبوا أن يهدم الإسلام من أساسه فرفضوا الأخذ بهذه الروايات ، وكان عليهم إذن أن يغيروا المبدأ حتى لا يناقضوا أنفسهم عند التطبيق . فهم يتفقون مع الغلاة في تقديم المشهور ، واختلفوا معهم عندما جاء المشهور الجعفرى لتقويض البناء الإسلامى .

2. جعلوا من المرجحات مخالفة العامة ، أى عامة المسلمين ، فما خالف الأمة الإسلامية أولى بالقبول عندهم مما وافقهم ، استناداً إلى المقبولة المرفوضة فهى مستندهم الوحيد ، وهى التي تزعم أن الإمام الصادق قال : ما خالف العامة ففيه الرشاد .

     ولعل هذا من أخطر المبادئ التي جعلت بين الجعفرية الرافضة وسائر الأمة الإسلامية هوة ـ سحيقة عميقة ـ فابتعد الجعفرية كثيراً عن الخط الإسلامى الصحيح ، لأنهم استقروا " على تقديم مخالف العامة على موافقهم ، من غير ملاحظة المرجحات السندية وجوداً وعدماً ، حتى لو كان الخبر مستفيضاً يحملونه على التقية عند التعارض " ([65]) .

    والحمل على التقية هنا يعنى أن الخبر في ذاته لا يحمل قرائن التقية لأنهم يقولون : " الذى يكون من الشرائط لحجية الخبر هو أن لا يكون في الخبر قرائن التقية بحيث يستفاد من نفس الخبر أنه صدر تقية ، والذى يكون مرجحاً ، مجرد المخالفة والموافقة للعامة من دون أن يكون في الخبر الموافق قرائن  التقية " ([66]) .  

      وهم يعودون بهذا المبدأ الهدام إلى عصر الصحابة الكرام : فيقولون : " بأن الرشد في خلافهم ، وأن قولهم في المسائل مبنى على مخالفة أمير المؤمنين  رضي الله عنه فيما يسمعونه منه " ([67]) .

     ثم يقولون : " التعليل بأن الرشد في خلافهم محتمل لوجوه :

    الأول  - أن يكون إصابة الواقع غالباً في مخالفتهم ، فهم غالباً في ضلالة وبعد عن الواقع .

    والثانى - أن يكون نفس مخالفتهم رشداً ، فالمخالفة لهم حسن ذاتاً .

    والثالث - أن يكون ذلك من جهة صدور الخبر الموافق تقية ، فيكون الأخذ بالخبر المخالف رشداً من باب تمامية وجه صدوره بخلاف الموافق " ([68]) .

     وبعد : فإنا لا نعجب عندما ينفث غلاة الجعفرية الرافضة وزنادقتهم سمومهم بمثل هذه الأقوال ، ولكن لا ندرى كيف يصبح هذا المبدأ مقبولا عند الجعفرية جميعاً ؟ وكنا ننتظر ، من معتدليهم نسبياً ودعاة التقريب منهم ، أن يقفوا موقفاً يتفق مع اعتدالهم الظاهرى ، ودعوتهم للتقريب بين المذاهب الإسلامية .

     ونضرب مثلا هنا - والأمثلة جد كثيرة - يبين كيف تمكن واضعو هذا المبدأ من توجيه المذهب الجعفرى وجهة بعيدة عن أمة الإسلام في كثير من الأحكام ، وبالطبع على غير أساس من الحق ، والمثل هو ما رواه الكلينى :

  " عن زرارة بن أعين ، عن أبى جعفر قال : سألته عن مسألة فأجابنى ، ثم جاءه رجل فسأله عنها فأجابه بخلاف ما أجابنى ، ثم جاء رجل آخر فأجابه بخلاف ما أجابنى وأجاب صاحبى ، فلما خرج الرجلان قلت يا بن رسول الله ، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان ، فأجبت كل واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه ، فقال : يا زرارة : إن هذا خير لنا ، وأبقى لنا ولكم ، ولو اجتمعتم على أمر واحد لصدقكم الناس علينا ، ولكان أقل لبقائنا وبقائكم " ([69]).

      فهنا إذن ثلاث فتاوى تعطى أحكاماً مختلفة لمسألة واحدة ، ولا أساس لهذا الاختلاف سوى عدم اجتماع الشيعة على حكم واحد ، حتى لا يكشف أمرهم ، فيصبحوا عرضة للقتل . ولكن هذه الفتاوى عند الجعفرية الاثنى عشرية سنة ومصدر تشريع ، فعند الترجيح يؤخذ بما خالف الأمة الإسلامية ، ويترك ما   وافقها ، حتى إذا كان المتروك موافقاً للكتاب والسنة : على أن هذا ما حضره زرارة ويمكن أن يأتى آخرون ، فتكثر الروايات ، وتختلف الأحكام بغير دليل شرعى ، والترجيح لما خالف جمهور المسلمين .

 

الكتب الأربعة

      للجعفرية الاثنى عشرية كتب كثيرة تروى عن الرسول -صلى الله عليه وسلم وكذلك عن أئمتهم ، ولكن الذى يعنينا هنا الكتب المعتمدة لديهم ، فغير المعتد ليس بحجة لهم أو عليهم .

      وهذه الكتب المعتمدة أربعة :

     أولها ( الكافى ) لأبى جعفر محمد بن يعقوب الكلينى ، الملقب بحجة الإسلام وثقته ، المتوفى سنة 329 هـ .

    والثانى ( فقيه من لا يحضره الفقيه ) لمحمد بن بابويه القمى ، الملقب  بالصدوق ، المتوفى سنة 381 هـ .

    والآخران هما ( التهذيب ) و ( الاستبصار ) ، وكلاهما لمحمد بن الحسن الطوسى شيخ الطائفة ، المتوفى سنة 460 هـ .

    والكافى له المقام الأعلى عند الجعفرية ، يقول عبدالحسين المظفر في مقدمته لأصول الكافى : " ولما كان البحث يدور حول كتابنا هذا ، فقد عرفت ما سجله على صفحاته مؤلفه من الأحاديث التي يبلغ عددها زهاء سبعة عشر ألف حديث ، وهى أول موسوعة إسلامية  استطاع مؤلفها أن يرسم بين دفتيها مثل هذا العدد من الأحاديث ، وقد كلفته هذه المجموعة أن يضحى من عمره عشرين سنة قضاها في رحلاته متنقلا من بلدة إلى أخرى ، لا يبلغه عن أحد مؤلف ، أو يروى حديثا ، إلا وشد الرحال إليه ، ومهما كلفه الأمر فلا يبرح حتى يجتمع به ، ويأخذ عنه ، ولذلك تمكن من جمع الأحاديث الصحيحة . وهذه الأحاديث التي جاءت في الكافى جميعها ذهب المؤلف إلى صحتها ، ولذلك عبر عنها بالصحيحة " ([70]) .

 

      ويقول : " ويعتقد بعض العلماء أنه عرض على القائم رضي الله عنه ( يعنى الإمام الثانى عشر ) فاستحسنه وقال : كاف لشيعتنا " ([71]) .

     " وقد اتفق أهل الإمامة ، وجمهور الشيعة على تفضيل هذا الكتاب ، والأخذ به والثقة بخبره ، والاكتفاء بأحكامه . وهم مجمعون على الإقرار بارتفاع درجته وعلو قدره ، على أنه القطب الذى عليه مدار روايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان إلى اليوم ، وعندهم أجل وأفضل من جميع أصول الأحاديث " ([72]) .

       فلا خلاف إذن بين الجعفرية حول مكانة الكافى ، ولكنا ذكرنا من قبل أن مراتب الحديث المعروفة عند متأخرى الجعفرية ظهرت على يد علامتهم الحلى ، أى بعد الكلينى بقرابة أربعة قرون ، والكلينى يذهب إلى أن كل ما جمعه في الكافى صحيح ، فماذا يعنى بالصحيح هنا ؟

      يوضح هذا أحد كتابهم فيقول : " إن الصحيح عند المتقدمين هو الذى يصح العمل به والاعتماد عليه ، ولو لم يكن من حيث سنده مستوفياً للشروط التي ذكرناها ، والصحيح في عرف المتأخرين هو الجامع لتلك الشروط " ([73]) .

      ثم يقول بعد حديث عن الكلينى وكتابه : " المتحصل من ذلك أن الذين اعتمدوا على الكافى ، واعتبروا جميع مروياته حجة عليهم فيما بينهم وبين الله سبحانه ، هؤلاء لم يعتمدوا عليها إلا من حيث الوثوق والاطمئنان بالكلينى الذى اعتمد عليها ، وكما ذكرنا فإن وثوق الكلينى بها لم يكن مصدره بالنسبة إلى جميعها عدالة الرواة ، بل كان في بعضها من جهة القرائن التي تيسر له الوقوف عليها نظراً لقرب عهده بالأئمة عليهم السلام ، ووجود الأصول المختارة في عصره .

     هذا بالاضافة إلى عنصر الاجتهاد والذى يرافق هذه البحوث في الغالب . يؤيد ذلك أن الكلينى نفسه لم يدع بأن مرويات كتابه كلها من الصحيح المتصل سنده بالمعصوم بواسطة العدول ، فإنه قال في جواب من سأله تأليف كتاب جامع يصح العمل به ، والاعتماد عليه ، قال : وقد يسر لى الله تأليف ما سألت ، وأرجو أن يكون بحيث توخيت . وهذا الكلام منه كالصريح في أنه قد بذل جهده في جمعه وإتقانه ، معتمدا على اجتهاده وثقته بتلك المجاميع والأصول الأربعمائة التي كانت مرجعاً لأكثر المتقدمين عليه ، ومصدراً لأكثر مرويات كتابه " ([74]) .

       ويقول الحسنى أيضا : " والشئ الطبيعى أن تتضاءل تلك الثقة التي كانت للكافى - على مرور الزمن بسبب بعد المسافة بين الأئمة عليهم السلام وبين الطبقات التي توالت مع الزمن بمجئ دور العلامة الحلى :  انفتح باب التشكيك في تلك الروايات على مصراعيه بعد أن صنف الحديث إلى الأصناف الأربعة ، فتحرر العلماء من تقليد المتقدمين فيما يعود إلى الحديث ، وعرضوا مرويات الكافى وغيره على أصول علم الدراية وقواعده ، فما كان منها مستوفياً للشروط المقررة أقروا العمل به والاعتماد عليه ، وردوا ما لم تتوفر فيه الشروط المطلوبة . وعلى هذا الأساس ، توزعت أحاديث الكافى التي بلغت ستة عشر  ألف حديث ومائة وتسعة وتسعين حديثاً على النحو التالي :

       الصحيح منها خمسة آلاف واثنان وسبعون حديثاً ، والحسن مائة وأربعة وأربعون حديثاً ، الموثق ألف ومائة وثمانية وعشرون حديثاً ، القوى ([75]) ثلاثمائة وحديثان والضعيف تسعة آلاف وأربعمائة وخمسة وثمانون حديثاً ([76]) .     

     ومما تجدر الإشارة إليه أن اتصاف هذا المقدار من روايات الكافى بالضعف لا يعنى سقوطها بكاملها عن درجة الاعتبار ، وعدم جواز الاعتماد عليها في أمور الدين ، ذلك لأن وصف الرواية بالضعف من حيث سندها ، وبلحاظ ذاتها لا يمنع من قوتها من ناحية ثانية كوجودها في أحد الأصول الأربعمائة ، أو بعض الكتب المعتبرة ، أو موافقتها للكتاب والسنة ، أو لكونها معمولاً بها عند العلماء وقد نص أكثر الفقهاء أن الرواية الضعيفة إذا أشتهر العمل بها والأعتماد عليها تصبح كغيرها من الروايات الصحيحة وربما تترجح عليها في مقام التعارض ([77]) .

      والكافى يقع في ثمانية أجزاء تضم الأصول والفروع : فالأصول وهى التي تتصل بالعقائد ، تقع في الجزأين الأول والثانى . والفروع في الفقه تقع في خمسة أجزاء ، أما الجزء الأخير وهو الروضة ، فيقول عنه الدكتور حسين على   محفوظ : لما أكمل الكلينى كتابه هذا ، وأتم رد مواده إلى فصولها ، بقيت زيادات كثيرة من خطب أهل البيت ، ورسائل الأئمة وآداب الصالحين وطرائف الحكم وألوان العلم مما لاينبغى تركه ،فألف هذا المجموع الأنف ، وسماه ( الروضة ) لأن الروضة منبت أنواع الثمر ، ومعدن ألوان الزهر . والروضة على كل حال مرجع قيم وأصل شريف ... إلخ ([78])  .

     هذا هو الكافى ، الكتاب الأول عند الجعفرية ، أما الكتب الثلاثة الأخرى فإنها تقتصر على الروايات المتصلة بالأحكام الفقهية ، أى أنها تلتقى مع الفروع من الكافى . ولذلك عندما نبحث عن أثر عقيدة الإمامة في الكتب الأربعة سندرس أولاً الأصول مع الروضة ، ثم نجعل الفروع من الكافى مع بقية الكتب الأربعة . وأصحاب هذه الكتب سبق الحديث عنهم في الجزء الثانى عندما عرضنا ما دار بين الجعفرية حول تحريف القرآن الكريم ونقصه ، فالغلاة الضالون الذين ذهبوا إلى وقوع التحريف والنقص استندوا إلى روايات من الكافى كتلك التي ذكرها زاعماً نسبتها إلى الإمام الصادق وهى " إن القرآن الذى جاء به جبرئيل رضي الله عنه إلى   محمد - صلى الله عليه وسلم سبعة عشر ألف آية " ، أى أن أكثر من عشرة آلاف آية أسقطت من كتاب الله تعالى : وكذلك ألصقت التحريف بكثير من آى القرآن الكريم ، كما استندوا إلى روايات مشابهة جاءت في غير الكافى كما بينا . وعندما بحثنا عن الغلاة الضالين الذين قاموا بحركة التشكيك في كتاب الله تعالى وجدنا القول عندما ضاق انحصر في على بن إبراهيم القمى الذى تحدثنا عنه وعن تفسيره وفى تلميذه الكلينى ، وكلما اتسع أضيف إليهما غيرهما ، أى الكلينى من أوائل الغلاة الذين قادوا حركة التضليل والتشكيك في كتب الله العزيز . وعندما بحثنا عمن تصدى لهذه الحركة الضالة وجدنا الصدوق والطوسى من الأوائل الذين سبقوا إلى هذا الفضل ([79]) والإشارة هنا إلى ما سبق الحديث عنه تغنى عن الخوض في هذا الموضوع خوضا نجتنبه قدر الإمكان إلا ما دعت الضرورة إليه ، فالكافى مملوء بهذا الضلال المضل ، وعلى الأخص في الأصول والروضة ، وهى الأجزاء التي  نبدأ الآن الحديث عنها ، وبيان ما بها من ضلال وزيع تأثراً بعقيدة الرفض   الباطلة ، وبما نادى به ابن سبأ  اللعين .

أولا : الجزء الأول من أصول الكافى

     عندما ننظر فى الجزء الأول من أصول الكافى نجد أن أكثر من ثلثيه يقع تحت عنوان   ( كتاب الحجة ) ، قال الكلينى فى خطبة الكافى " ووسعنا قليلاً كتاب الحجة ، وإن لم نكمله على استحقاقه لأنا كرهنا أن نبخس حظوظه كلها ، وأرجو أن يسهل الله  ـ جل وعز ـ إمضاء ما قدمنا من النية ، إن تأخر الأجل صنفنا كتاباً أوسع وأكمل منه ، نوفيه حقوقه كلها " ( ص 9) .

        والكتاب كما يبدو من عنوانه يتعلق بالحجة أى الإمام ، فالكتاب نفسه إذن أثر من آثار عقيدة الإمامة الباطلة ! وننظر فى أبواب كتاب الحجة هذا فنرى " باب الفرق بين الرسول والنبي والمحدث " ( ص 167 ) .

       والرواية الأولى : عن زرارة قال : سألت أبا جعفر عن قول الله عز وجل وكان " رسولاً نبياً " ما الرسول وما النبي ؟ قال النبي الذي يرى في منامه ، ويسمع الصوت ولا يعاين الملك . والرسول الذي يسمع الصوت ، ويرى في المنام ويعاين الملك . قلت " الإمام ما منزلته ؟ قال : يسمع الصوت                       ولا يرى ، ولا يعاين الملك ، ثم تلا هذه الآية  ] وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ [ولا محدث([80]) .

     وضم الباب ثلاث روايات أخرى ([81]) .

     وذكر الكلينى بعد هذا ثلاث روايات بأن " الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حتى يعرف " .

     وفى " باب أن الأرض لا تخلو من حجة " ( ص 178 –179 ) ذكر الكلينى ثلاث عشرة رواية منها :

    عن أبى عبدالله : أن الأرض لا تخلو إلا وفيها إمام كيما إن زاد المؤمنون شيئاً ردهم وإن نقصوا شيئاً أتمه لهم ([82]) .

    وعنه : أن الله أجل وأعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل .

    وعنه أيضاً : لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت .

    وعن أبى جعفر : لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله .

    وفى " باب أنه لو لم يبق فى الأرض إلا رجلان لكان أحدهما الحجة "         ( 179-180) ذكر خمس روايات منها :     " عن أبى عبدالله : لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام وقال : إن آخر من يموت الإمام لئلا يحتج أحد على الله عز وجل – أنه تركه بغير حجة لله عليه ".    وذكر الكلينى أربع عشرة رواية فى " باب معرفة الإمام والرد إليه " ( ص 180-185) منها :

  " عن أبى حمزة عن أبى جعفر قال : إنما يعبد الله من يعرف الله فأما من لايعرف الله فإنما يعبده هكذا ضلالاً .

     قلت : جعلت فداك فما معرفة الله ؟ قال : تصديق الله عز وجل ، وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم ، وموالاة على والائتمام به وأئمة الهدى والبراءة إلى الله عز وجل من عدوهم ، هكذا يعرف الله عز وجل " ([83]) .

     وعن أبى عبدالله : " كان أمير المؤمنين إماماً ثم كان الحسن إماما ثم كان الحسين إماماً ، ثم كان على بن الحسين إماماً ثم كان محمد بن على إماماً ، من أنكر ذلك كان كمن أنكر معرفة الله تبارك وتعالى : ومعرفة الرسول صلى الله عليه وسلم " ([84]) .

      وترى الكلينى بعد هذا يحرف معانى بعض آي القرآن الكريم ليؤيد ما سبق وليصل إلى الافتراء بأن أصحاب الثلاثة ضلوا أى أصحاب الخلفاء الراشدين الثلاثة.

    وفى " باب فرض طاعة الأئمة " يذكر سبع عشرة رواية ، منها ما نسبه للإمام الصادق : " نحن الذين فرض الله طاعتنا ، لا يسع الناس إلا معرفتنا ، ولا يعذر الناس بجهالتنا من عرفنا كان مؤمناً ، ومن أنكرنا كان كافراً ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالاً " ([85]) .

     وفى " باب فى أن الأئمة شهداء الله عز وجل على خلقه " ( ص 190 - 191) يذكر خمس روايات ويحرف معانى بعض آيات القرآن الكريم ، ليجعل أئمة الجعفرية الرافضة هم الشهداء على الناس .

    وفى " باب أن الأئمة هم الهداة " ( 191 - 192) يذكر أربع روايات ، ويحرف معنى الآية السابعة من سورة الرعد " إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ"   فيؤول كلمة هاد بأنها الإمام على ، ثم أئمة الشيعة الجعفرية من بعده .

      وفى " باب أن الأئمة ولاة أمر الله وخزنة علمه " ( ص 192-193) يذكر ست روايات منها:

     عن أبى جعفر عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال تبارك وتعالى : " استكمال حجتى على الأشقياء من أمتك من ترك ولاية على والأوصياء من بعدك ، فإن فيهم سنتك وسنة الأنبياء من قبلك ، وهم خزانى على علمى من بعدك " . ثم قال الرسول : " لقد أنبأنى جبريل رضي الله عنه بأسمائهم وأسماء آبائهم " .

     وفيها : " عن أبى عبدالله إن الله عز وجل خلقنا فأحسن خلقنا وصورنا فأحسن صورنا وجعلنا خزانه فى سمائه وأرضه ، ولنا نطقت الشجرة ، وبعبادتنا عبدالله عز وجل ، ولولانا ما عبدالله " .

    وفى " باب أن الأئمة خلفاء الله عز وجل فى أرضه وأبوابه التى منها يؤتى "   ( ص 193-194) يذكر الكلينى ثلاث روايات ويذكر أن الأئمة المراد من قول الله تعالى : ] وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ [  ( 55: النور ) .

     وفى " باب أن الائمة نور الله عز وجل " ( ص 194-196) يذكر هذه الروايات : عن أبى خالد الكابلى ، عن أبى جعفر : ] فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا [  ([86]) .

     قال : يا أبا خالد ، النور والله نور الأئمة من آل محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ، وهم والله نور الله الذى أنزل ، وهم نور الله فى السموات والأرض . والله يا أبا خالد لنور الإمام فى قلوب المؤمنين أنور من الشمس المضيئة بالنهار ، وهم والله ينورن قلوب المؤمنين ، ويحجب الله عز وجل نورهم عمن يشاء فتظلم قلوبهم ، والله يا أبا خالد لا يحبنا عبد ويتولانا حتى يطهر الله قلبه ، ولا يطهر الله قلب عبد حتى يسلم لنا ويكون سلماً لنا ، فإذا كان سلماً لنا سلمه الله من شديد الحساب ، وآمنه من فزع يوم القيامة  الأكبر " .

     وعن أبى عبدالله فى تفسير النور فى ( الآية 157) من الأعراف " النور في هذا الموضع على أمير المؤمنين والأئمة " .

     وعن أبى جعفر فى ] نُورًا تَمْشُونَ بِهِ [ ( الحديد : 28) يعنى إماماً       تأتمون به.

         وعن صالح بن سهل الهمدانى قال : قال أبو عبدالله فى قول الله      تعالى :] اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ[. فاطمة عليها السلام     ] فِيهَا مِصْبَاحٌ [الحسن ]  الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ [الحسين ] الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ [ فاطمة كوكب درى بين نساء أهل الدنيا ]  يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ     مُّبَارَكَةٍ [ إبراهيم رضي الله عنه ]  لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ  [ لا يهودية ولا نصرانية   ] يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ [يكاد العلم ينفجر بها ]  وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ [ إمام منها بعد إمام ] يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء [يهدى الله للأئمة من يشاء ]وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ [ ([87]) .

      قلت :  ] أَوْ كَظُلُمَاتٍ[ قال  : الأول وصاحبه  ] يَغْشَاهُ مَوْجٌ [الثالث    ] مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ  [الثانى  ]  بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ [ معاوية لعنه الله وفتن بين أمية ] إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ[ المؤمن فى ظلمه فتنتهم ] لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا [ إماماً من ولد فاطمة عليها السلام ]فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ[ إمام يوم القيامة([88]) .

     وقال فى قوله تعالى ] يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم [([89]) أئمة المؤمنين يوم القيامة تسعى بين يدي المؤمنين وبأيمانهم حتى ينزلوهم منازل أهل الجنة . وعن على بن جعفر عن أخيه موسى مثله .

    وعن أبى الحسن ] يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ [ ، ([90]) قال : يريدون ليطفئوا ولاية أمير المؤمنين بأفواههم ... " والله متم نوره : والله متم الإمامة ، والإمامة هي النور وذلك قوله عز وجل : ] فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا[([91]) قال : النور هو الإمام .

      وفى " باب أن الأئمة هم أركان الأرض " (196-198) يروى الكاينى : عن أبى عبدالله : ما جاء به على آخذ به ، وما نهى عنه أنتهى عنه ، جرى له من الفضل مثل ما جرى لمحمد - صلى الله عليه وسلم ، ولمحمد - صلى الله عليه وسلم - الفضل على جميع من خلق الله عز وجل ، المتعقب عليه في شىء من أحكامه كالمتعقب على الله وعلى  رسوله ، والراد عليه في صغيرة أو كبيرة على حد الشرك بالله . كان أمير المؤمنين باب الله الذى لا يؤتى إلا منه ، وسبيله الذى من سلك بغيره هلك ، وكذلك يجرى لأئمة الهدى واحداً بعد واحد ، جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بأهلها ، وحجته البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى ، وكان أمير المؤمنين كثيراً ما يقول : أنا قسيم الله بين الجنة والنار ، وأنا الفاروق الأكبر ، وأنا صاحب العصا والميسم ، ولقد أقرت لى جميع الملائكة والروح والرسل بمثل ما أقروا به لمحمدرضي الله عنه ، ولقد حملت على مثل حمولته وهى حمولة الرب ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعى فيكسى ، وأدعى فأكسى ، ويستنطق وأستنطق فأنطق على حد منطقه ، ولقد أعطيت خصالاً ما سبقنى إليها أحد قبلى : علمت المنايا والبلايا والأنساب ، وفصل الخطاب ، فلم يفتنى ما سبقنى ، ولم يعزب عنى ما غاب عنى ، أبشر بإذن الله وأؤدى عنه ، كل ذلك من الله مكننى فيه بعلمه ([92]).           

     وذكر الرواية السابقة أيضاً بطريق آخر ، وذكر مضمونها بطريق ثالث ، وفيها أن الأئمة " جعلهم الله أركان الأرض أن تميد بهم ، والحجة البالغة على من فوق الأرض ومن تحت الثرى " .

      ثم ذكر رواية مماثلة عن أبى جعفر ، وفيها أن الإمام علياً قال : " وإنى لصاحب الكرات ([93]) ودولة الدول ، وإنى لصاحب العصا والميسم ، والدابة التي تكلم الناس " .

    وفى  " باب نادر جامع في فضل الإمام وصفاته "  ( ص 198-205) يذكر الكلينى فيما يرويه : إن الإمامة خص الله عز وجل بها إبراهيم الخليل رضي الله عنه بعد النبوة ... فلم تزل في ذريته يرثها بعض عن بعض قرنا فقرنا حتى ورثها الله تعالى النبى صلى الله عليه وسلم فقال جل وتعالى ] إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ[ ([94]) فكانت له خاصة فقلدها صلى الله عليه وسلم علياً بأمر الله تعالى على رسم مما فرض الله . فصارت في ذريته الأصفياء الذين آتاهم الله العلم والإيمان بقوله تعالى ] وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ [([95])  فهى في ولد على خاصة إلى يوم القيامة ، إذ لا نبى بعد محمد ، فمن أين يختار هؤلاء الجهال الإمام المطهر من الذنوب ، والمبرأ من العيوب ، المخصوص بالعلم الموسوم بالحلم ، نظام الدين ، وعز المسلمين ، وغيظ المنافقين ، وبوار الكافرين . الإمام واحد دهره ، لا يدانيه أحد ، ولا يعادله عالم ، ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ولا نظير ، مخصوص بالفضل كله من غير طلب منه ولا اكتساب ، بل اختصاص من المفضل الوهاب ، فمن ذا الذى يبلغ معرفة الإمام ، أو يمكنه اختياره .. راموا إقامة الإمام بعقول حائرة ناقصة ، وآراء  مضلة ، فلم يزدادوا منه إلا بعداً ، قاتلهم الله أنى يؤفكون ، ولقد راموا صعباً ، وقالوا إفكاً وضلوا ضلالاً بعيداً ، ووقعوا في الحيرة ، إذ تركوا الإمام عن بصيرة ، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين .

      رغبوا عن اختيار الله واختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم  ، وأهل بيته إلى اختيارهم ، والقرآن يناديهم ] وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ[ ([96])  وقال عز وجل : ] وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [ ([97]) وقال : ] مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ [إلى ] إِن كَانُوا صَادِقِينَ [([98]) .

      وأن العبد إذا اختاره الله عز وجل لأمور عباده شرح صدر لذلك ، وأودع قلبه ينابيع الحكمة ، وألهمه العلم إلهاماً ، فلم يعى بعده بجواب ، ولا يحير فيه عن الصواب ، فهو معصوم مؤيد موفق مسدد ، قد أمن من الخطايا والزلل والعثار .

     وفى " باب أن الأئمة ولاة الأمر وهم الناس المحسودون الذين ذكرهم الله عز وجل " ( ص 205 - 206 ) يذكر الكلينى خمس روايات منها :

     إن الإمام الباقر سئل عن قول الله تعالى : ] أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ [ ([99]) فكان جوابه : ] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً [