لماذا اتخذ مشايخ الطائفة الأوائل موقفا سلبيا من الاجتهاد وولاية الفقيه؟

حاول الأخ محمد منصور ان يستشد ببعض اقوال العلماء السابقين التي تشير الى جواز تنفيذ الحدود او تطبيق بعض المجالات السياسية كدليل على قولهم بنظرية ولاية الفقيه ، بينما كانوا يتخذون في الحقيقة موقفا عاما مضادا لولاية الفقيه وحتى الاجتهاد
وقد بدات مسيرة الثورة الشيعية منذ زمن بعيد من أجل التحرر من النظريات المكبلة للتحرك واقامة الدولة في عصر الغيبة
وقد بدأت مسيرتهم تدريجيا وخطوة خطوة حتى قالوا في العصر الحديث بنظرية ولاية الفقيه ولا يزال بعض العلماء حتى اليوم يترددون بالقول بها
حاول الاستاذ محمد منصور ان يستنبط من بعض اقوالهم المتفرقة نظرية متكاملة بينما لو القى نظرة عامة على مختلف اقوالهم ونظرياتهم لأدرك انهم كانوا يعيشون في أزمة نظرية لم يتحرروا منها الا مؤخرا
وقد تتبعت تطور الفكر السياسي الشيعي في عصر الغيبة خطوة خطوة وبابا بابا ووجدت ان جوهر الأزمة كان يكمن في نظرية الامامة ووجود الامام الثاني عشر الغائب الذي يحق له وحده اقامة التشريع والتنفيذ والقضاء ولم يقل الشيعة بجواز هذه الأمور الا بعد صعوبة او استحالة الوصول الى الامام المعصوم فتخلوا عمليا عن نظرية الامامة والانتظار وأجازوا لأنفسهم القيام بمهام الامامة التشريعية والتنفيذية واقامة الدولة في هذا العصر باسم النيابة العامة للفقهاء عن الامام المهدي الغائب
وهنا تكمن حقيقة الثورة الشيعية الكبرى

لماذا اتخذ مشايخ الطائفة الأوائل موقف سلبيا

من الاجتهاد وولاية الفقيه

الموقف السلبي من الاجتهاد
وقد رفض أولئك العلماء الذين التزموا بنظرية  التقية والانتظار) اي بديل للامام المعصوم الغائب (المهدي المنتظر) ، حتى لو كان فقيها عادلا ، وذلك لأنهم كانوا يحرمون الاجتهاد والعمل بالقياس والأدلة الظنية ، ويشترطون حصول العلم اليقين بأحكام الدين من أهل البيت (ع) ، وذلك عبر الأخبار الواردة عنهم . وقد روى القاسم بن العلاء ( وكيل الامام المهدي في آذربايجان) رواية عن الامام علي بن الحسين يقول فيها:· ان دين الله عز وجل لا يصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقاييس الفاسدة ولا يصاب الا بالتسليم ، فمن سلم لنا سلم ومن اقتدى بنا هدي ، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك ، ومن وجد في نفسه شيئا مما نقوله او نقضي به حرجا فقد كفر بالذي انزل السبع المثاني والقرآن العظيم ، وهو لا يعلم وقد نقلها الشيخ الصدوق في كتابه إكمال الدين) ./ص324/
وألّف سهل النوبختي ، في القرن الثالث الهجري ، كتابين في ابطال القياس) و (نقض اجتهاد الرأي) . كما كتب ابن أخته الحسن بن موسى النوبختي كتابا في نفس الموضوع وكتابا آخر في خبر الواحد والعمل به) وكل هذه الكتب تدور في مجال العمل بالأخبار ، ولم تتجاوز لكي تفتح باب (الاجتهاد) على مصراعيه لكي يشمل القياس او القياس العلمي واستنباط روح الشريعة الإسلامية واستحداث المسائل الجديدة.
و روى الكليني في الكافي ) حديثا عن الامام الصادق جاء فيه :· المداومة على العمل في أتباع الآثار والسنن ، وان قلّ ، أرضى لله وانفع عدة في العاقبة من الاجتهاد في البدع واتباع الأهواء . ونقل النعماني ابن ابي زينب في تفسيره) حديثا عن الامام الصادق جاء فيه:· واما الرد على من قال بالاجتهاد ، فانهم يزعمون ان كل مجتهد مصيب ... على انهم لا يقولون انهم مع اجتهادهم أصابوا معنى حقيقة الحق عند الله عز وجل لأنهم في حال اجتهادهم ينتقلون عن اجتهاد الى اجتهاد . ومن هنا اقتصر العلماء الأوائل على رواية الأخبار ، ولم يعرفوا معنى الاجتهاد بالمعنى المتعارف عليه اليوم . وبالرغم من محاولة العماني وابن جنيد الاسكافي فتح باب الاجتهاد في القرن الرابع ، الا ان الجو العام كان يرفض اي نوع من الاجتهاد ، وذلك انسجاما مع نظرية (الامامة الإلهية ) التي تحصر العمليتين : التشريعية والتنفيذية في (الأئمة المعصومين المعينين من قبل الله ) .
وقد أدى الموقف السلبي من الاجتهاد ، الى حدوث أزمة في التشريع عند المدرسة (الامامية - الاخبارية) واشتدت هذه الأزمة مع انقطاع اي الاتصال بالامام الغائب في ظل (الغيبة الكبرى) ومع ذلك فقد استمر (الاماميون - الاخباريون) بالالتزام بنظرية (التقية والانتظار) في مجال التشريع ، لأنهم كانوا يحصرون ذلك في (الامام المعصوم ) الغائب .
وقد اتخذ عبد الرحمن بن قبة من الحديث النبوي الذي يقول  اني تارك فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا : كتاب الله وعترتي أهل بيتي.. ألا وانهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض ) دليلا على حتمية علم اهل البيت بالكتاب وعلم الدين كله ، واستنتج ضرورة التمسك بهم واخذ العلم منهم فقط . /اكمال الدين ج1 ص94-95/
كما اعتمد الشيخ الصدوق ( توفي 381 هـ ) على ذلك الحديث وأكد ان علم اهل البيت علم يقيني يكشف عن مراد الله عز وجل كعلم رسول الله (ص) وليس علما قائما على الاستخراج والاستنباط والاستدلال . (3) ونفى الصدوق إمكانية معرفة تأويل القرآن بالاستنباط لأي أحد غير اهل البيت ./ المصدر ص64و100/
وهكذا حصر الشيخ المفيد أدلة جميع الأحكام في منابع ثلاثة هي : الكتاب والسنة واقوال الأئمة من اهل البيت (ع) . /الاختصاص 280/
و أنكر المفيد على أوائل المجتهدين (العماني وابن جنيد) اشتغالهم عن حمل الآثار بالرأي والاستحسان وهجرانهم من أمر الله تعالى بصلته ، واخذ معالم الدين عنه وعن عترة نبيه . /المسائل الصاغانية 46/ وألّف المفيد كتابين في الرد على أستاذه ابن الجنيد الذي كان يحاول (الاجتهاد) .
وأكد السيد المرتضى في الشافي): بطلان الاجتهاد ، واستدل على ذلك بأن الاجتهاد في الشريعة هو طلب غلبة الظن فيما لا دليل عليه ، والظن لا مجال له في الشريعة ، ولا يصح ان يطلب في الظن تحريم شيء منها او تحليله ، لأن الشريعة مبنية على ما يعلمه الله تعالى من مصالحنا التي لا عهد لنا فيها ولا عادة ولا تجربة. وقال: · ان الاجتهاد والقياس لا يثمران فائدة ولا ينتجان علما ، فضلا عن ان تكون الشريعة محفوظة بهما . /ج1ص169/وقد شكى الشيخ الطوسي في مقدمة المبسوط) من قلة رغبة هذه الطائفة في الاجتهاد ، وترك عنايتهم به ، لأنهم ألفوا الأخبار وما رووه من صريح الألفاظ ، حتى ان مسألة لو غيّر ألفاظها وعبر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منها ، وقصر فهمهم عنها. ولكنه قال في تلخيص الشافي) :· اما القياس وأخبار الآحاد والاجتهاد ، فقد بينا .. انه لا يجوز التعبد به ، واما رجوع العامي الى العالم ، فعندنا انه لا يجوز ان يقلد غيره ، بل يلزمه طلب العلم من الجهة التي تؤدي الى العلم ، ولو أجزنا ذلك لم يشبه أمره أمر الامام ، لأنه انما جاز ذلك من حيث لم يكن حاكما فيه بل لزمه تقليد العالم والعمل به . /ج1ص240/
وبالرغم من ممارسة العلامة الحلي ( توفي 762) للاجتهاد في كثير من أبواب الفقه ، الا انه نفى الحجية عن القياس ، ورفض الاعتماد على أخبار الآحاد ، وقال : انها لا تصلح لإفادة الشريعة ، لقوله تعالى  ان الظن لا يغني من الحق شيئا) . /الالفين 65/
واشترط الحلي :· العلم بالأحكام يقينا لا ظنا بالاجتهاد ، لأن المصيب واحد ، وقد تتعارض الأدلة وتتساوى الإمارات ويستحيل الترجيح بلا مرجح ، وتتساوى أحوال العلماء بالنسبة الى المقلدين ، فلا بد من عالم بالأحكام يقينا لا ظنا بالإمارة ، ليرجع اليه من يطلب العلم ويطلب الصواب يقينا . /ص20/
وقال :· ان تحصيل الأحكام الشرعية في جميع الوقائع من الكتاب والسنة وحفظها .. لا بد له من نفس قدسية تكون العلوم الكسبية بالنسبة اليها كفطرية القياس ، معصومة عن الخطأ ، ولا يقوم غيرها مقامها في ذلك ، اذ الوقائع غير متناهية ، والكتاب والسنة متناهيان ، ولا يمكن ان تكون هذه النفس لسائر الناس .. فتعين ان تكون لبعضهم وهو الامام . /ص17/
وقال:· الوقائع غير محصورة.. والكتاب والسنة لا يفيان بها .. فلا بد من امام منصوب من قبل الله تعالى من الزلل والخطأ يعرفنا الأحكام ويحفظ الشرع لئلا يترك بعض الأحكام ان يزيد فيها عمدا وسهوا او يبدلها ./ص 18/
وانطلاقا من هذا الفكر الامامي الرافض للاجتهاد والمجتهدين شنَّ الميرزا محمد امين الاسترابادي ( توفي سنة 1036) في الفوائد المدنية) حملة شعواء ضد أنصار المدرسة الاجتهادية الأصولية التي راجت في الدولة الصفوية وقال:· ان الروايات التي ذكرها قدماء أصحابنا الإخباريين كالشيخين الأعلمين الصدوقين والامام ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني ، كما صرح به في اوائل كتاب (الكافي) وكما نطق به في : باب حرمة الاجتهاد والتقليد ، وفي وجوب التمسك بروايات العترة الطاهرة (ع) المسطورة في تلك الكتب المؤلفة بأمرهم . /ص40/وقال :· الصواب عندي مذهب قدمائنا الإخباريين وطريقتهم.. اما مذهبهم فهو: ان كل ما تحتاج اليه الامة الى يوم القيامة عليه دلالة قطعية من قبله تعالى ، حتى ارش الخدش ، وان كثيرا مما جاء به (ص) من الأحكام وما يتعلق بكتاب الله او سنة نبيه (ص) من نسخ او تقييد وتخصيص وتأويل مخزون عند العترة الطاهرة (ع) وان القرآن في الأكثر ورد على وجه التعمية بالنسبة الى أذهان الرعية ، وكذلك كثير من السنن النبوية ، وانه لا سبيل لنا فيما لا نعلمه من الأحكام النظرية الشرعية ، أصلية كانت او فرعية ، الا السماع من الصادقين (عليهما السلام) وانه لا يجوز استنباط الأحكام النظرية من ظواهر كتاب الله ولا ظواهر السنن النبوية ، ما لم يعلم أحوالهما من جهة اهل الذكر (عليهم السلام) بل يجب التوقف والاحتياط فيهما.
وان المجتهد في نفس أحكامه تعالى ان اخطأ كذب على الله وافترى ، وان أصابه لم يؤجر ، وانه لا يجوز القضاء ولا الإفتاء الا بقطع ويقين ، ومع فقده يجب التوقف ، وان اليقين المعتبر فيهما قسمان: يقين متعلق بأن هذا حكم الله في الواقع ، ويقين متعلق بأن هذا ورد عن معصوم ، فانهم (عليهم السلام) جوزوا لنا العمل به قبل ظهور القائم (عليه السلام) وان كان وروده في الواقع من باب (التقية) ولم يحصل لنا منه ظن بما هو حكم الله تعالى في الواقع ، والمقدمة الثانية متواترة معنى عنهم . /ص47-48/
المطلب الثاني:
الموقف السلبي من ولاية الفقيه
كان من البديهي بعد قول الامامية بحرمة الاجتهاد في ظل (الغيبة) ان يتخذوا موقفا سلبيا من نظرية (ولاية الفقيه) وذلك لفقدان شرط العلم الإلهي والعصمة في العلماء والمجتهدين.
واذا كان بعض العلماء قد مال ، منذ بداية القرن الخامس الهجري ، الى فتح باب الاجتهاد شيئا فشيئا ، فان الموقف العام للعلماء الأوائل ، وربما لبعض العلماء حتى اليوم ، ظل سلبيا من مسألة  ولاية الفقيه) وقيام الفقهاء بتشكيل الدولة في (عصر الغيبة) فقد كان الفكر الامامي القديم اخباريا يرفض الاجتهاد ، وقد رفض نظرية (ولاية الفقيه) لأنها تقوم على الاجتهاد ، والاجتهاد من مختصات الأئمة المعصومين ،
وكان الموقف السلبي الذي اتخذه اولئك العلماء يبتني على امرين :
الأول: هو الإيمان باشتراط العصمة والعلم الإلهي والنص في الامام (اي الحاكم او الرئيس) والايمان بوجود الامام المعصوم العالم المنصوص عليه من قبل الله وغيبته ( وهو المهدي المنتظر محمد بن الحسن العسكري) .
الثاني: الايمان بحرمة الاجتهاد وحرمة تصدي غير المعصوم المعين من قبل الله ، للامور السياسية .
و من هنا فقد رفض المتكلمون (الاماميون) الأوائل دعوة المعتزلة والشيعة الزيدية الذين لم يكونوا يشترطون العصمة الإلهية ولا النص في الامام ، الى تبني نظرية (ولاية الفقيه) ، خاصة في ظل (الغيبة الكبرى) التي لا صلة فيها بينهم وبين الامام الغائب ، ولكن الالتزام بنظرية  الامامة والتقية والانتظار) منعهم من قبول ذلك ، استنادا الى فقدان الفقيه للعصمة والتعيين من الله ، وتعارض نظرية (ولاية الفقيه) مع نظرية (الامامة الالهية) . ودار نقاش حامٍ بين الطرفين حول الموضوع ، وقد نقله الشيخ الصدوق في مقدمة كتابه اكمال الدين) حيث نقل مقتطفات من كتاب (الاشهاد) لأبي زيد العلوي ، وكتاب علي بن احمد بن بشار حول الغيبة وولاية الفقيه ، ورد الشيخ عبد الرحمن بن قبة عليهما . وقد استند ابن قبة في رفضه لنظرية  ولاية الفقيه) على رفضه للاجتهاد ، وحتمية وجود العالم المفسر للقرآن الكريم من اهل البيت ، واستنتج ضرورة اشتراط العصمة في الامام . /ص94-95/
وكان الشيخ ابن قبة ( توفي حوالي 350هـ ) قد طالب الزيدية بالعودة الى موضوع النص والشورى بعد وفاة رسول الله مباشرة ، فان ثبت هناك بالنص ، فان الخلافة والإمامة لا بد ان تثبت بالنص في كل زمان ، وقال:· اذا ذكروا الحجة الصحيحة فننقلها الى الامام في كل زمان ، لأن النص ان وجب في زمن وجب في كل زمان ، لأن العلل الموجبة له موجودة ابدا . /ص124/
ولما كانت الشورى المباشرة بعد الرسول باطلة في نظر الزيدية والامامية ، فقد استصحب عبد الرحمن بن قبة بطلانها في كل العصور ، ومنها بطلانها في (عصر الغيبة) وأجاب بذلك عن سؤال الزيدية من الامامية : لماذا لا تقيمون الحكومة في عصر الغيبة؟ لأن ذلك يتطلب خروجا على النص وعودة الى نظام الشورى الباطل في نظره. ورفض الشيخ ابن قبة إقامة اية حكومة في عصر الغيبة حتى تحت قيادة الفقهاء العدول ، وقال:· ليس يقوم عندنا مقام الامام الا الامام . /ص75/
وقد خاطب عبد الرحمن بن قبة الشيعة الزيدية والمعتزلة الذين عرضوا على الشيعة الاثني عشرية نظرية (ولاية الفقيه) قائلا :· اننا نرضىمن اخواننا بشيء واحد ، وهو ان يدلونا على رجل من العترة .. لا يستعمل الاجتهاد والقياس في الأحكام السمعية ، ويكون مستقلا كافيا حتى نخرج معه ، فان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة على قدر الطاقة وحسب الإمكان ، والعقول تشهد ان تكليف مالا يطاق فاسد ، والتغرير قبيح . /ص118/
و أضاف الشيخ الصدوق في مجال رفضه لنظرية (ولاية الفقيه) القائمة على الاجتهاد :· ان الامامة لا يتم أمرها الا بالعلم بالدين والمعرفة بأحكام رب العالمين ، وأئمة الزيدية قائلون في التأويل - اعني تأويل القرآن - على الاستخراج ، وفي الأحكام على الاجتهاد والقياس ، وليس يمكن معرفة تأويل القرآن بالاستنباط .. وفيه أشياء لا يعرف المراد منها الا بتوقيف ، مثل الصلاة والزكاة والحج.
فان قال قائل منهم : لم ينكر ما كان سببه ان يعرف بالتوقيف قد وقفه الله ورسوله عليه ، وما كان سبيله ان يستخرج فقد وكل الى العلماء وجعل بعض القرآن دليلا على بعض ، فاستغنينا بذلك عمن تدعون من التوقيف والموقف؟
قيل له : لا يجوز ، لتعدد الاحتمالات في الآية الواحدة ، وليس يجوز ان يكون للمتكلم الحكيم كلاما يحتمل مرادين متضادين .. انه لا بد للقرآن من مترجم يعلم مراد الله تعالى فيخبر به ونفى الصدوق إمكانية معرفة تأويل القرآن بالاستنباط لأي أحد غير الأئمة من اهل البيت . /ص100/
وقال السيد المرتضى في : (الشافي): · لا بد من كون امام معصوم في كل زمان ، لأن أدلة الشرع من كتاب وسنة لا تدل بنفسها ، لاحتمالها عدة وجوه ، ولذلك اختلفوا في معناها مع اتفاقهم في كونها دلالة ، فلا بد من مبيّن عرف معناها اضطرارا من الرسول او من امام سواه .. ( وقال ): لسنا نقول ان جميع أدلة الشرع محتملة غير دالة بنفسها ، بل فيها ما يدل اذا كان ظاهره مطابقا لحقائق اللغة .. ولا شبهة ان جميع أدلة الشرع ليست بهذه الصفة ، لأنا نعلم ان في القرآن متشابها وفي السنة محتملا ، وان العلماء من اهل اللغة قد اختلفوا في المراد بهما ومالوا في مواضع الى طريقة الظن والأولى ، فلا بد والحال هذه من مبيّن للمشكل ومترجم للغامض يكون قوله حجة كقول الرسول (ص) .. فلا بد من امام مؤدٍ لترجمة النبي (ص) مشكل القرآن وموضح عما غمض عنا من ذلك ، فقد ثبتت الحاجة الى الامام ./ الشافي ج1ص303-304/
وقد رفض الشيخ الطوسي نظرية ولاية الفقيه اعتمادا على ضرورة علم الامام (اي الحاكم الاسلامي) بجميع أحكام الدين علما يقينيا قاطعا ، وقبح ولاية الفاقد للعلم . /تلخيص الشافي ج1 ص236/
ورفض فكرة اعتماد الامام على الاجتهاد ، او الاخبار ، او استفتاء العلماء ، او التوقف فيما لا يعلمه حتى يتبين له الحكم الشرعي بأحد طرق العلم ، واشترط حصول العلم الإلهي للامام ، وشكك بصحة الطرق الظنية كالقياس والاجتهاد وكونها طريقا للعلم الإلهي المطلوب في الامام .
كما رفض فكرة تقليد الحكام للعلماء ، لعدم جواز التقليد أساسا ، او لعدم جواز التقليد لخصوص الحكام ، وضرورة حصول العلم اليقيني لديهم ، وهو ما لا يمكن الا في (الأئمة المعصومين ) . /ج1ص240/
وهكذا رفض الشيخ الطوسي ان يكون الحاكم مجتهدا او مقلدا للمجتهدين ، واشترط ان يكون حاصلا على العلم من الله ، بالرغم من ان الطوسي ومن قبل استاذيه المرتضى والمفيد كانوا قد فتحوا باب الاجتهاد ومارسوه .. ولكنهم لم يرتقوا بشرعيته الى درجة صياغة نظرية دستورية تعتمد على ولاية الفقيه بدلا من الامام المعصوم ، حتى في عصر الغيبة الذي لم يكن بمقدور الشيعة فيه التوصل الى الامام الغائب والتعاون معه على إقامة حكومة في الارض .
وبالرغم من انهم كانوا يعيشون في ظل الدولة البويهية الشيعية الا انهم لم يستطيعوا انتاج نظرية عصرية سياسية تلبي متطلبات الحياة ، وأصروا على تكريس نظرية (الانتظار) السلبية وترديدها في مختلف كتبهم الفكرية والفقهية .
كما رفض العلامة الحلي بشدة نظرية ولاية الفقيه ، حيث قال في الألفين) :· الوقائع غير محصورة ، والكتاب والسنة لا يفيان بها ، فلا بد من امام منصوب من قبل الله تعالى ، من الزلل والخطأ يعرفنا الاحكام ويحفظ الشرع لئلا يترك بعض الأحكام او يزيد فيها عمدا او سهوا او يبدلها . /ص18/
وقال:· المطلوب من الرئيس.. العلم بالأحكام يقينا لا ظنا بالاجتهاد . /ص20/
ولما كان المجتهد يعتمد على الظن فلم يسمح العلامة الحلي له بتولي القيادة العامة بالطبع ، ومع ان العلامة وسائر علماء الحلة كانوا يقولون بنيابة الفقيه عن (الامام المهدي) في بباب الخمس ، ويمارسون بعض مهام الامامة ، او يؤيدون الحكام الذين كانوا يمارسون دور الامام .. فان الحليين ظلوا - بصورة عامة - يلتزمون بنظرية التقية و الانتظار .
و بالرغم من قيام الدولة الصفوية في القرن العاشر الهجري ، وتأييد الشيخ علي الكركي لها فقد كان هنالك في (النجف) تيار قوي يعارض قيام الدولة الصفوية كما يرفض بشدة نظرية (النيابة العامة) ويتمسك بنظرية (الانتظار) كلازمة من لوازم نظرية (الامامة الإلهية) ويرى في المحاولة الصفوية - الكركية انقلابا على أهم أسس النظرية الامامية ، من حيث اشتراط العصمة والنص في الامام (الرئيس) واستلابا واغتصابا لدور الامام المعصوم (المهدي المنتظر الغائب) . وكان يقود ذلك التيار الشيخ ابراهيم القطيفي ، الذي أفتي بحرمة صلاة الجمعة خلافا للشيخ الكركي الذي أفتى بإباحتها . و ألف رسالة خاصة في حرمة الخراج في الرد على الشيخ الكركي ، اسماها  السراج الوهاج لدفع عجاج قاطعة اللجاج ) وأيده في ذلك المقدس الاردبيلي ( توفي 993ه ) الذي كتب (تعليقات على خراجية المحقق الثاني) .
وبالرغم من قول الشيخ محمد حسن النجفي في (جواهر الكلام) بدرجة كبيرة من الولاية للفقيه ، الا انه نفى إمكانية النيابة عن (الامام المهدي ) في الثورة وتأسيس الدول والحكومات ، وقال في كتاب القضاء:· لم يأذنوا (الأئمة) لهم (للفقهاء) في زمن الغيبة ببعض الأمور التي يعلمون عدم حاجتهم اليها كجهاد الدعوة المحتاج الى سلطان وجيوش وامراء ونحو ذلك مما يعلمون قصور اليد فيها عن ذلك ونحوه ، والا ظهرت دولة الحق (وخرج الامام المهدي).
وتوصل النجفي من خلال تحليله ذلك الى ضرورة الانتظار في عصر الغيبة.. عصر التقية، وعدم جواز إقامة الدولة الإسلامية ، بل عدم إمكانيتها.

أحمد الكاتب

بسم الله الرّحمن الرحيم

أولا : أمّا ما كتبته أعلاه فما هو نتيجة الإحتطاب الليلي عندك وأنا على علم أن الأخ العزيز والأستاذ الجليل محمد منصور سيرد عليك .

ثانيا : أكرر أسئلتي عليك .

1- هل الروايات التي ذكرتها لك والتي تثبت وجود الإمام المهدي عليه السلام ، ووجود ابن للإمام الحسن العسكري عليه السلام صحيحة عند علماء وفقهاء الشيعة الإمامية أم لا ؟

2- هل روايات الإثنى عشر في كتب أهل السّنة صحيحة عندهم أم لا ؟

أرجو منك يا أيها الأستاذ الجليل والمنظر المحترم أن تجاوب على هذين السؤالين أولا

للأسف أنك عندما تفحم في جبهة تخوضها وينتصر عليك فيها تفتح جبهة أخرى وهكذا دواليك ، ولكن اعلم أنه عندما ينتصر عليك في جميع الجبهات التي تفتحها ولم تجد جبهة جديدة يكون عندها أمامك خياران الأول : الإقرار بالهزيمة وانتصار عليك والتسليم للطرف الآخر أو المكابرة ورفض الحق وفي كلا الخيارين تكون نتيجة نظريتك الشورى في سلـــــــــ ...........

التلميذ

------------------
مدافع عن الحقيقة

التلميذ
عضو

بسم الله الرحمن الرحيم


هذه المقالة التي نشرتها اليوم لها علاقة بهذا الموضوع الذي كتبه "الكاتب" ويعتبر رقم (1)

وسوف أوافيك برد مفصل على هذه المقالة غدا أنشاء الله وهو يعتبر الرد الثاني:-


أ ـ

ادعى الكاتب ان معنى الانتظار للامام المستتر الغائب عند الامامية هو تحريم العمل السياسي وتحريم السعي لإقامة الدولة الاسلامية في عصر الغيبة، واعترض على النواب الاربعة بعدم العمل والنشاط السياسي، بل ادعى ان من لوازم الايمان بوجود الامام المعصوم حرمة اقامة الدولة الاسلامية في غيبته.
والذي تخيله ونسبه للامامية أراجيفاً وزوراً كعادته فيما ينسبه أو حاول فهمه من كلمات علماءهم مع عدم إلمامه بالمصطلحات والبحوث العلمية!!.
فإن الانتظار عند الامامية معناه هو الاعتقاد بان الامام الثاني الحي المستتر لابد من ظهوره ليملأ الارض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا، كما بشّر بذلك النبي (ص) في روايات الفريقين المتواترة، لا أن الانتظار عندهم بمعنى توقف حركة المؤمن عن اداء الوظائف الشرعية والمسؤوليات الدينية الملقاة على عاتقه وعلى عاتق عموم المؤمنين.
فليس الانتظار يساوي التوقف والجمود والتسيب بل الاعتقاد بالفرج الإلهي بظهور المصلح الاعظم لكل تاريخ البشرية كما وعد بذلك القرآن في الآيات التي أشرنا اليها سابقا واشار اليها الشيخ الاصفي في مقالته التي تقدم عرضها في ساحة الحوار.
فعقيدة الانتظار بمعنى الاعتقاد بظهور المهدي من ذرية الرسول عقيدة كل المسلمين لا الامامية خاصة وان انكر الكاتب هذه الضرورة الاسلامية.
واذا تبين معنى الانتظار لدى الامامية فاي تلازم بين الاعتقاد بامامة الثاني عشر الحي وبين الجمود وتعطيل القوى، بل العكس هو الصحيح فإن الاعتقاد بوجود الامام الثاني عشر المعصوم الحي المراقب للاوضاع عن كثب وقرب مع ما يقوم به (ع) من وظائف إلهية عبر المنظومة السرية من الاوتاد والابدال والنجباء والسياح، وانه سيظهر للاصلاح الشامل لعموم ارجاء الكرة الارضية، هذا الاعتقاد باعث للأمل ومزيل لليأس من الاصلاح في الوضع السياسي والاجتماعي، ومحفز وموجب للشعور بالمسؤولية أكثر للاعتقاد بإن الارادة الالهية لم تلق الحبل على غاربه ولم تجعل البشرية سائبة، بل ارادة الربّ نافذة فيهم حاكمة.


ب ـ

ونسب الكاتب زوراً الى متكلمي الامامية القول بحرمة اقامة الدولة الاسلامية في عصر الغيبة وأنهم اصرّوا على التمسك بموقف الانتظار حتى خروج المهدي (عج).
ولا أدري لم يتعامى عن ما نقلته في الرد السابق الذي اشار الكاتب نفسه اليه من اقوال وفتاوى المفيد والمرتضى والطوسي وغيرهم من مشروعية إقامة الحكم الاسلامي للفقيه المأذون من قبل الامام المعصوم، في الحكم بين الناس والقضاء بينهم واقامة الحدود والتعزيرات ووجوب إعانة المؤمنين له على ذلك.
وسبب الخبط لدى الكاتب ـ كعادته في المباحث التخصصية ـ هو خلطه بين مسألة اقامة الحكم والدولة الاسلامية نيابية عن المعصوم في عصر الغيبة وبين مسألة إمامة غير المعصوم، كإمامة دينية بديلة عن المعصوم وفي رتبته ودرجته من ناحية الصلاحيات الشرعية والقانونية والاعتقادية، فنقل كلمات علماء الامامية التي هي المسألة الثانية ـ التي هي مسألة اعتقادية بالدرجة الاولى وفقهية في الفقه السياسي بالدرجة الثانية ـ نقلها في المسألة الأولى التي هي فقهية بحتة وان اعتمدت على جذر اعتقادي، وبعبارة أخرى.
أن المسالة الاولى طابعها فقهي في أقامة الحكم الاسلامي كوظيفة عامة شرعية في فروع الدين.
والمسألة الثانية طابعها كلامي اعتقادي كوظيفة اعتقادية من أصول الدين.
وبعبارة ثالثة أذكرها كي لا يلتبس الحال على الكاتب في مثل هذه المباحث التخصصية التي تحتاج الى مؤونة عمق علمي إذ هي من أمّ المباحث الاعتقادية وأمّ المباحث الفقهية في باب الفقه السياسي.
إن المسألة الاولى هي بناء النظام السياسي كفعل جارحي تدبيري.
والمسألة الثانية هي في كون الامامة سفارة إلهية ووساطة بين الله وخلقه ليست من نمط النبوة بل تابعة لها ووصاية إلهية وخلافة عهدية من الله تعالى. أحد شؤونها وشعبها إدارة الحكم في النظام السياسي الاجتماعي، فارجو أن قد اتضح الفرق لدى الكاتب بين المسألتين فلا يعاود الخلط بينهما، ويحصل اجترار للكلام والحوار حول هذه النقطة،
انبه الكاتب إلى مسائل أخرى من ذيول المسألة الاولى ذكرها علماء الامامية كمسألة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر الاجتماعي والسياسي من اقامة الحدود والقضاء والتعزيرات والامور الحسبية العامة ذكروها في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكروا ان إقامتها في عصر الغيبة موكول للفقيه الجامع للشرائط المأذون من المعصوم الغائب المستتر نيابة عنه كما دلت على الاذن الروايات المعتبرة، ومن الواضح أن القضاء أحد الاجنحة الثلاثة لجسم الدولة والنظام السياسي او اقامة الحدود والتعزيرات يمثل وزراة الداخلية والامن العام في الدولة، مضافا الى تبعية وزارة أخرى للقضاء في اصطلاح الفقهاء كوزارة الاحوال الشخصية والاوقاف ونحوها وكمسألة أن الجهاد الدفاعي تحت رعاية وصلاحية الفقيه المأذون عن المعصوم، هذه المسألة بمثابة وزارة الدفاع فما الذي بقي من أجهزة الحكم والنظام السياسي غير سائغ عند علماء الامامية في عصر الغيبة نيابة عن المعصوم، وكمسألة تولي ولاية عن السلطان الجائر كوزير أوقاضي أو والي في منطقة ونحو ذلك وقد سوّغه علماء الإمامية، تحت مجوّز قانوني وهو إذن المعصوم (ع) الذي دلّت عليه روايات معتبرة، شريطة مطابقة العمل الذي يقوم به للموازين الشرعية، وهذه المسألة نحو من المشاركة السياسية للفقيه في الحكم والنظام السياسي وقد ذكرها كافة علماء الشيعة من المتقدمين الى عصرنا الحاضر، كما هو الحال في المسائل السابقة أيضاً الا قليل او نادر.

وإليك قائمة بكلمات المتكلمين وفقهاء الامامية في المسألة الاولى وذيولها من المسائل الاخرى التي اشرنا اليها:

1 ـ قال الصدوق في كتاب المقنع ((باب الدخول في أعمال السلطان)) ثم روى روايات عديدة عن الائمة المعصومين (ع) متضمنة لإذنهم في المشاركة في الحكم والنظام السياسي مع القوى الاخرى الحاكمة غير الشرعية، شريطة اتباع الموازين الشرعية في القيام بمهام الحكم.

2 ـ قال المفيد في كتابه اوائل المقالات فصل: القول في معاونة الظالمين والأعمال من قبلهم…، وإن معاونة الظالمين على الحق وتناول الواجب لهم جائز وأحوال واجب وأما معونتهم على الظلم والعدوان فمحظور لا يجوز مع الاختيار. وأما التصرف في الاعمال: فإنه لا يجوز الا لمن اذن له امام الزمان، وعلى ما يشترط عليه في الفعال، وذلك خاص لأهل الامامة دون من سواهم…
وقال المفيد في كتاب المقنعة باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر… فاما اقامة الحدود فهو الى سلطان الاسلام المنصوب من قبل الله تعالى، وهم ائمة الهدى من آل محمد (ع) أو من نصبوه لذلك من الامراء والحكام. وقد فوضوا النظر فيه الى فقهاء شيعتهم مع الامكان. فمن تمكن من اقامتها… وكذلك ان استطاع اقامة الحدود على من يليه من قومه فقد لزمه اقامة الحدود عليهم، فليقطع سارقهم وليجلد زانيهم، ويقتل قاتلهم. وهذا فرض متعين على من نصبه المتغلب لذلك على ظاهر خلافته له أو الامارة من قبله على قوم من رعيته، فيلزمه اقامة الحدود وتنفيذ الاحكام والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار ومن يستحق ذلك من الفجار، ويجب على اخوانه المؤمنين معاونته على ذلك اذا استعان بهم، فلاحظ بقية عبارته في كتاب المقنعة ـ حيث فصل فيها مبسوطاً كيفية مشاركة الفقيه القوى الاخرى غير الشرعية في الحكم في الصور والفروض المختلفة.

3 ـ قال الشريف المرتضى في كتاب رسائل الشريف المرتضى مسألة في الولاية من قبل السلطان الجائر… الكلام في الولاية من قبل المتغلب وهي على ضروب واجب ـ وربما تجاوز الواجب الى الالجاء ـ ومباح وقبيح ومحظور، فاما الواجب: فهو ان يعلم المتولى أو يغلب على ظنه بامارات لائحة انه يتمكن بالولاية من اقامته الحق ودفع باطل وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ولولا هذه الولاية لم يتم شيء من ذلك فيجب عليه الولاية لوجوب ما هي سبب اليه وذريعة الى الظفر به… فلاحظ تمام كلامه.. فترى انه يفتى بوجوب اقامة الحكم الاسلامي مع القدرة على اتباع الموازين الشرعية.

4 ـ قال الشيخ الطوسي في كتاب النهاية فأمّا اقامة الحدود فليس يجوز لأحد اقامتها الا لسلطان الزمان المنصوب من قبل الله تعالى أو من نصبه الامام لاقامتها… وقد رخص في حال قصور أيدي ائمة الحق وتغلب الظالمين.. ومن استخلفه سلطان ظالم على قوم وجعل إليه اقامة الحدود جاز له ان يقيمها عليهم على الكمال ويعتقد انه انما يفعل ذلك بإذن سلطان الحق لا بإذن سلطان الجور ويجب على المؤمنين معونته وتمكينه من ذلك…
ثم بسط الكلام في ذلك في الفروض والصور المختلفة فتراه يوجب اقامة الحكم الاسلامي نيابة عن المعصوم في عصر الغيبة مع التمكن.

5ـ قال ابن براج في كتاب المهذب باب خدمة السلطان… وأما السلطان الجائر فلا يجوز لأحد أن يتولى شيئا من الامور من قبله لا أن يعلم أو يغلب على ظنه انه اذا تولى ولاية من جهته تمكن من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر… ثم بسط الكلام في ذلك.

6 ـ قال ابو حمزة الديلمي في كتاب المراسم (المتوفى 448) في باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر (اقامة الحدود… فأما القتل والجراح في الانكار فإلى السلطان أو من يأمره السلطان فان تعذر الامر لمانع، فقد فوّضوا عليهم السلام الى الفقهاء اقامة الحدود والاحكام بين الناس بعد أن لا يتعدوا واجبا ولا يتجاوزوا حدا، وامروا عامة الشيعة بمعاونة الفقهاء على ذلك).
قال ابن ادريس الحلي في كتاب السرائر في باب الامر بالمروف والنهي عن المنكر وأما الحكم بين الناس والقضاء بين المختلفين فلا يجوز أيضا الا لمن أذن له سلطان الحق في ذلك، وقد فوضوا ذلك الى فقهاء شيعتهم المأمونين المحصلين الباحثين عن مآخذ الشريعة الديانين القيمين بذلك.

7ـ قال المحقق الحلي في الشرائع: يجوز للفقهاء العارفين إقامة الحدود في حال غيبة الامام كما لهم الحكم بين الناس مع الامن من ضرر سلطان الوقت ويجب على الناس مساعدتهم على ذلك. ولا يجوز ان يتعرض لاقامة الحدود ولا للحكم بين الناس الا عارف بالاحكام مطلع على مآخذها عارف بكيفية ايقاعها على الوجوه الشرعية.

8 ـ قال العلامة الحلي في كتابه ارشاد الاذهان: كتاب الامر بالعروف والنهي عن المنكر والفقيه الجامع لشرائط الافتاء وهي العدالة والمعرفة بالاحكام الشرعية ادلتها التفصيلية . اقامتها، والحكم بين الناس بمذهب اهل الحق ويجب على الناس مساعدته على ذلك.

9ـ قال الشهيد في الدروس في كتاب الحسبة: والحدود والتعزيرات الى الامام ونائبه ولو عموما فيجوز حال الغيبة للفقيه الموصوف بما يأتى في القضاء إقامتها مع المكنة، ويجب على العامة تقويته ومنع المتغلب عليه مع الامكان ويجب عليه الافتاء مع الأمن، وعلى العامة المصير إليه والترافع في الاحكام.

10ـ ونظيره قال الشهيد الثاني في المسائل في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

11ـ ونظيره قال المحقق الركي في جامع المقاصد في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

12ـ وغيرهم من فقهاء الشيعة في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وغيرهم من علماء الامامية فكل هذه التصريحات ارجو أن تصكّ أذن الكاتب كي لا يفتري على طائفة اسلامية كبيرة بالزور، فهم يرون وجوب الحكم الاسلامي في عصر الغيبة نيابة عن المعصوم سواء بالمشاركة مع القوى الاخرى أو بنحو الانفراد والاستقلال مع التمكن من ذلك. وأما مع عدم القدرة من ذلك فاللازم التقية وهي بمعنى العمل التكتيكي المرحلي في جو الإرهاب السلطوي كي لا تمكنّ السلطة الظالمة من استئصال المؤمنين.
فالتقية عند الامامية خطة عمل تحت الستار والخفاء عن السطح كي لا تبيدهم سلطات الجور، لا بالمعنى السلبي الجمودي التعطيلي للقوى والمسؤوليات الاجتماعية السياسية.


ج ـ

اتضح مما تقدم ان ما نقله الكاتب من كلمات علماء الامامية انما هي في المسألة الثانية الاعتقادية في الامامة كسفارة إلهية أحد شؤونها الحكم السياسي، وأن الكاتب اشتبه عليه مصطلح الامامة الذي هو في المسألة الثانية مع مصطلح القيادة في تدبير الحكم السياسي ولو نيابة عن المعصوم في المسألة الاولى وحيث أن أهل السنة يعبرون في المسألة الاولى بالامامة، وقع الخلط بسبب ذلك ولا يؤاخذ الجاهل بالاصلاح لكن يؤاخذ بتقحمه ما لا خبرة له فيه.

كما أن ما ذكره من روايات وعبائر للشيخ النعماني والصدوق وغيرهم من علماء الامامية من لزوم التقية حتى خروج المهدي (عج) بعضها في مورد المسائل الثانية التي عرفت انها اعتقادية يترتب عليها مسألة فقهية في الحكم السياسي وبعضها في صدد بيان للتقية كتكتيك مرحلي في اسلوب العمل السياسي والفردي، وبعضها في ثواب الصبر والاستقامة على العقيدة في ظروف الظلم والقهر، لا بمعنى الجمود والتوقف عن حركة النشاط، وبعضها في صدد تحذير الشيعة عن الحركات الثورية الفاشلة تخطيطا في عصر الائمة (ع) وبعضها في النهي عن البيعة لغير المعصوم، بمنطق إيجاد البيعة لشرعية حكم الذي بويع من دون إذن المعصوم (ع).


د ـ

إن مرجعية فقهاء الشيعة لم تنقطع منذ عهد الباقر والصادق (ع) واستمرت الى الغيبة الصغرى والكبرى الى عصرنا الحاضر كما اشرنا إلى ما في رجال الكشي والنجاشي وكتاب القضاء من كتاب الوسائل المتضمن للشواهد التاريخية على ذلك، والمرجعية الشيعية حسب أدبيات السياسة الاكاديمية في العصر الحديث التي أجرت البحوث التعليلية حول المرجعية الشيعية أنها حكومة بما للحكومة من معنى واجزاء وفقرات غاية الأمر ليست هي حكومة علنية رسمية، لكنها حكومة في المنفى أو حكومة تحت الستار البارد، فهي تمارس القضاء (القوى القضائية في الدولة) والأمن والجهاد (وزارة الدفاع) والتبليغ والدعوى الدينية (وزارة الثقافة) وتوزيع الحقوق الشرعية في المصارف المقررة لها (وزارة المالية) والتدريس الديني لطلاب العلوم الدينية ولعامة الناس (وزارة التعليم) وغير ذلك من انشطة الدولة، كما ان المرجعية الشيعية لا تعرف الحدود الجغرافية بل تتسع رقعتها بحسب التواجد الشيعي في أقطار العالم.

والاقتصار في تصوير الحكومة في النظام السياسي في المجتمع على الحكومة الرسمية جهل بألف باء على السياسية وبالأدبيات السياسية العلمية فانه من المقرر في الادبيات السياسية في هذا العصر أن كل قوة ذات نفوذ اجتماعي تمارس نفوذها على التيار التابع لها من الناس هي شكل من اشكال الحكومة في النظام السياسي الاجتماعي، ومن ثمّ لا تحكم الدول والبلدان في شتى اقطار العالم حكومة واحدة التي هي الرسمية في القطر الواحد، وانما هناك توازن قوى بين حكومات متعددة على القطر الارضي الواحد، ولا أرى هذه المرة إلا وقد غفل وجهل مثل هذه البحوث التعليلية التخصصية.

------------------
البحراني

محمد منصور

قلت لقد وقع الشيعة الامامية في أزمة كبرى في عصر الغيبة ورفضوا في البداية اقامة الحكومة الاسلامية لأنها من أعمال الامام المعصوم الذي لا يحق لغيره القيام بذلك وذكرت لك أقوال ابن قبة والشيخ الصدوق والسيد المرتضى والعلامة الحلي وغيرهم من العلماء الذين لم يكونوا يفرقون بين النظرية العقائدية والموقف الفقهي حيث كانوا يعتقدون ان الحكومة من عمل الامام ولا يقوم مقام الامام الا الامام وأي تنازل عن شرط العصمة او النص والتعيين سوف يلغي نظرية الامامة ويجعلها في زمان دون زمان ، وكان أمام الشيعة خياران لا ثالث لهما اما التمسك بنظرية الامامة وانتظار الامام الغائب الذي كان في السابق يعني الجلوس والانتظار السلبي المطلق ، واما القول بضرورة اقامة الدولة واختيار الامام من قبل الامة وتفسير معنى الانتظار بصورة إيجابية التفافية كما فعل الدكتور على شريعتي ومفكرو الثورة الاسلامية الحديثة ، وقد اختار الشيعة بعد طول انتظار الخيار الثاني وغلفوه بنظرية النيابة العامة التي افترضوها افتراضا .
لقد كان الشيخ حسين الحلي المرشح للمرجعية بعد السيد محسن الحكيم يرفض العمل السياسي ويقول للسيد مهدي الحكيم الذي يقول في مذكراته انه كان ينهاهم عن العمل السياسي ويطالبهم بترك الأمور للامام المهدي الذي يعرف متى يظهر.
ولو بحثت في أسباب سيطرة حزب البعث وصدام على السلطة في العراق لوجدته في عقول معظم علماء الحوزة الذين ثبطوا الشهيد الصدر عن العمل السياسي في الستينات ودفعوه للانسحاب من حزب الدعوة بعد تأسيسه والاستقالة منه وقولهم: كل راية ترفع قبل ظهور المهدي فهي راية ضلالة وصاحبها طاغوت ، حيث لم يكن عمل المراجع يقتصر بصورة عامة ما عدا فئة قليلة منهم الا على الإفتاء وأخذ الحقوق الشرعية .
نعم كانت هناك مسيرة طويلة للتحرر من فكر الانتظار والشروط المثالية الصعبة او المستحيلة للإمامة من النص والعصمة والتعيين من قبل الله . وقد رجح علماء الشيعة أخيرا صوت العقل على صوت الأحاديث الضعيفة ونظريات المتكلمين الوهمية وفرضياتهم الخيالية وقالوا بولاية الفقيه او نظرية الشورى وولاية الامة على نفسها.
لقد كان هناك رأيان للشيعة الامامية الاثني عشرية وموقفان من مسألة الدولة في عصر الغيبة ، واذا أحببت ان تطلع على آرائهم بالتفصيل او تنظر الى مسيرة التطور الطويلة فاقرأ الجزء الثالث من كتابي: تطور الفكر السياسي الشيعي في عصر الغيبة ، الذي أورد فيه عملية التطور جيلا بعد جيل وبابا بعد باب.

أحمد الكاتب

الرد رقم ( 2 )

بسم الله الرحمن الرحيم

الرد على الكاتب في مقاله أن المشايخ الاوائل موقفهم سلبي من ولاية الفقيه والاجتهاد، وما ذكرنا من الرد السابق على الآثار السلبية للاعتقاد بالامامة هو في الحقيقية رد أيضا لأكثر ما ذكرهفي مقالة أن المشايخ.


1 ـ

قال الكاتب ان ما نقلته من كلمات علماءالامامية هو لبعضهم وبعض اقوالهم لا كلها ومن هذا تدليس واضح فان ما ذكرته هو لأهم اعلام الامامية المتقدمين ولغيرهم أيضاً وقد أشرت إلى مظان كلمات البقية منهم في كتبهم الفقهية في باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر أو باب الحسبة، فالقول بجواز إقامة الحكم الاسلامي هو تحول مشهور علماء الامامية المتقدمين، بل قد نقلنا عبائر أكثرهم
المعبرة بلفظ وجوب ذلك مع تمكن الفقيه ووجوب معاونة الناس له.


2 ـ


قال الكاتب ان تجويزهم للحدود والقضاء وللتطبيق في بعض المجالات السياسية بينما موقفهم مضاد لولاية الفقيه.
وقوله هذا تدليس آخر، ولا أدري ماذا ينفع الكاتب تعصبه على النسبة المخالفة للواقع، فإن ذلك لن يوصله الى الوعي بالحقيقية بل يصده عنها، وخسران الحقيقة أمر فادح أخطر من تلبية نزعات النفس واللجاج.
وعلى كل حال فقد شرحت في الرد السابق أن الحدود والتعزيرات التي جوّزها بل أوجب أقامتها مشهور علماء الامامية المتقدمون إلى يومنا هذا يساوي في
مصطلح تركيب الدولة في العصر الحديث وزارات تنفيذية، متعددة كوزارة الداخلية والأمن (الشرطة)، كما ان القضاء الذي أوجب إقامته مشهور علماء الامامية المتقدمين الى يومنا هذا ـ وقد نقلنا كلماتهم في الرد السابق ـ هو عبارة عن ثلث جهاز الدولة والحكم في العصر الحديث، لان الدولة تتشكل من اجهزة ثلاثة هي قوة القضاء وقوة التنفيذ وتتشكل من الوزارات وقوة التشريع وهي المجالس النيابية التشريعية:

فإذا أوجبوا اقامة القضاء فقد اوجبوا اقامة ثلث جهاز الدولة، وهل يعقل ايجابهم لذلك من دون وجوب جهاز الدولة؟ هذا بضميمة ما تقدم من عينية وجوب اقامة الحدود والتعزيرات لوزارة الداخلية والامن، هذا مضافا الى ان القضاء يشمل وزارة تنفيذية أيضاً كوزارة الاحوال الشخصية ووزارة العقارات لانه فيه توثيق لاسانيد المملوكات إلى غير ذلك من لواحق القضاء التي تمثل العديد من الوزارات التنفيذية.

فكيف يوجبون ذلك ويسند اليهم الكاتب حرمة ذلك؟
وقد أوضحت له في الرد السابق أن تحريم الإدعاء لمقام الامامة الالهية كأمر اعتقادي يترتب عليه امر فرع عملي من صلاحية اقامة الحكم لا ربط له، ولا ينافي تجوزيهم بل ايجابهم لاقامة الحكم النيابي عن المعصوم.
كما أن تصريحهم بوجوب إقامة الحكم والمعروف ودفع المنكر ووجوب الدفاع وأن صلاحيته بيد الفقيه يساوي وزارة الدفاع ووزارة الثقافة والاعلام ووزارة التربية والتعليم.
ولعل الكاتب لا يعرف مؤدى الالفاظ والمصطلحات الفقهية التقليدية في علم فقه الشريعة.
وما هو الموازي لها في عناوين اجزاء وفقرات الحكم في الدولة في العصر الراهن.
لكن كان اللازم عليه الاستعانة واستشارة خبراء في الفقه وعلم القانون كي يعينوه على دراسة الفكر الشيعي السياسي، إذ ليس التنظير السياسي الفقهي يمكن قراءته بادوات ثقافية فكرية من الأدب الصحفي بل لابد في قراءته من الاستعانة بادوات
وموازين علم القانون.
ولا يحتمل أن الكاتب يدعى التخصص في علم القانون وإن إدعى كونه فرد في تنظيم سياسي معارض سابقا أو كاتب في مجلة ونحو ذلك ولكن هذا غير مؤهل للبحث القانوني التحليلي للمواد القانونية.
ولا يشفع لدعوى ذلك دعوى التتبع لكل باب باب وخطوة خطوة للفكر الشيعي، فإنه من دون إداة لفهم المواد، ماذا يفيد السير السطحي مرورا على رسم نقوش الالفاظ مع أنه بان من الرد الذي ذكرناه السابق عدم معرفة الكاتب بمظان هذاالبحث الفقهي من الفقه السياسي، وانه اين يبحث في أبواب الفقه ولذلك لم يتطرق اليه الكاتب في
مقالاته السابقة ولا في كتابه تطور الفكر السياسي لدى الشيعة، لم يتطرق اليه من قريب ولا من بعيد، وهو معذور لانه فوق طاقته وفوق مستوى اطلاعه!!
والعلوم لا يتمكن منها بالأمنية، بل لابد من مكابدة الدراسة التخصصية وجهد الليالي.
وإلا فمن يجهل ممن لديه أدنى ثقافة قانونية أن اقامة القضاء ووزارة الدفاع (الجهاد الدفاعي) ووزارة التعليم (التبليغ الديني) ووزارة الداخلية (الحدود والتعزيرات) والوزارت الاخرى (قبول الولاية ولو في حكومة الآخرين والسلاطين التي جوّزها مشهور علماء الامامية المتقدمين الى يومنا هذا بل أوجبوها اذا تمكن من اقامة الحق، وهي نوع من المشاركة في الحكم السياسي، أن كل ذلك ليس ايجاباً للحكم السياسي في النظام الاجتماعي بل قد أوجبوا الافتاء وهو يساوي القوة التشريعية، بل نضيف الى قائمة العلماء الذين ذكرنا اسماءهم:-

1 ـ ثقة الاسلام الكليني في كتاب الكافي وهو من علماء الامامية في الغيبة
الصغرى أي النصف الثاني من القرن الثالث والنصف الاول من القرن الرابع، قد ذكر
في كتابه في ابواب القضاء الروايات الدالة على تصدي فقهاء الشيعة للقضاء نيابة
عن المعصوم وذكر ايضاً روايات المشاركة السياسية في نظام الحكم مع الآخرين تحت
عنوان قبول ولاية السلطان الظالم عند التمكن من مطابقة الحق. وذكر روايات اقامة
الحدود والتعزيرات أيضاً.

2 ـ ابو القاسم محمد بن جعفر بن قولويه افقه الشيعة في زمانه استاذ الشيخ المفيد كما ذكر النجاشي في رجاله فقد وقع في طريق العديد من روايات الفقه السياسي أي تجوير القضاء لفقهاء الشيعة نيابة عن المعصوم وفي طريق روايات بقية
المسائل المتقدمة، ومن المعلوم لدى أهل التخصص أن فتوى مسلك الراوي الفقهية ليستعلم من الروايات التي يرويها.

3 ـ استاد الشيخ الصدوق محمد بن الحسن بن الوليد القمي فقد وقع في طريق روايات تلك المسائل والابواب.


4 ـ بقية مشايخ الفقهاء والرواة الذين وقعوا في طرق روايات تلك المسائل المسوغة لتصدي فقهاء الشيعة للحكم نيابة عن المعصوم.
كما نضيف في المقام ان ايجاب مشهور علماء الامامية للفتوى المساوية للقوة التشريعية للقضاء لاينحصر بالقوة القضائية بل يشمل المحكمة الدستورية أيضاً
وهي أعلى جهة ذات صلاحية قانونية في الدولة العصرية والتي تهيمن على العلاقة بين القوى الثلاث القضائية والتشريعية والتنفيذية. ولا ادري هل ان الكاتب يفطن إلى البيان القانوني الشارح لكيفية شمول تجويز الفتوى والقضاء لمقام المحكمة
الدستورية وموقعها القانوني؟ أم لا يفطن لذلك وسأدع شرح ذلك إلى مقالات لاحقة لأترقب ما الذي سيلهج به الكاتب بعد مواجهته لهذا البحث التحليلي القانوني.


ادعى الكاتب ان ما نقلته هو بعض اقوالهم لا كلها وان بقية اقوالهم تعطي نظرية متكاملة لنظريتهم للازمة التي لم يتحرروا منها، ولا أدري هل أن الخلط بين المسألة الاعتقادية هي الامامة الالهية والتي أحد شؤونها الحكم السياسي ومسألة إقامة الحكم السياسي في النظام الاجتماعي نيابة عن المعصوم وهي مسألة فقهية في ابواب السياسية في الفقه، هو تكامل في معرفة النظرية؟ مع أن كلماتهم في المقامين متناسق غير متضارب كما أوضحناه في الرد السابق في المقام.

وكيف يصوّر وينطق بلسانه لفظة أزمة ويعيشها علماء الامامية وهم يبيّنون كمال السلامة والاتساق بين عقيدتهم بالامامة كعهد من الله تعالى للامام الثاني عشر ونيابة للفقهاء عنه في الحكم السياسي تابعين له في التقنين والموازين المتّبعة في الحكم كما رسمها هو لهم وفي كافة الظروف سواء في ظرف الاقتدار على الانفراد بالحكم أو في ظرف المشاركة مع الاطراف الاخرى في الحكم أو في ظرف الحكومة الباردة غير الرسمية تحت الستار كما أوضحنا ذلك في حقيقة المرجعية الشيعية في ادبيات السياسة الاكاديمية في العصر الحديث بل هي حقيقة كل قوى ذات نفوذ في
المجتمع ذات اتباع، أوضحناه في الرد السابق رقم (1).
والذي أراه أن الكتاب قد اشتبه عليه صور الحالات المختلفة التابعة للظروف الخارجية الزمانية والسياسية التي تعيشها الامة الاسلامية والطائفة الشيعية بالخصوص فإنه قد تمرّ بعض الظروف التي لا يتمكن فيها علماء الامامية وفقهاء الشيعة من إقامة الحكم السياسي بشكل مستقل بل بنحو المشاركة مع الاطراف الاخرى كما في العديد من القرون السابقة أو ظروف أخرى قاهرة لا تسمح لهم بإقامة الحكم ولو بنحو المشاركة فتراهم يقتصرون على النفوذ والحكومة من وراء الستار وهي المعروفة بجهاز المرجعية الدينية الذي ظل متصلاً طوال القرون منذ عهد الباقر والصادق (عليهما السلام) حتى يومنا الحاضر، بنحو النيابة طوليا عن الامام المعصوم سواء في الافتاء والذي يساوي القوة التشريعية والقضاء (القوة القضائية) والولاية (القوة التنفيذية).

واختلاف توفر القدرة الخارجية التابعة للظروف
المحيطة لا يؤثر في التنظير القانوني الذي يقرره علماء الإمامة وفقهاء الشيعة.

إذ التنظير القانوني وحلوله المختلقة لا دخل له بتحقق الظرف المناسب أو غير المناسب، كما لا ربط له بمهارة الفقيه في صنع الظروف الملائمة والبراعة في بنائها وعدم ذلك، نظير الحال في القوانين الوضعية البشرية فان التنظير القانوني لا ربط له بكفاءات المجري للقانون ومهاراته، لا سيما على العقيدة الامامية إذ الفقيه نائبا لا حاكما بالاصالة، إذ الحاكم بالاصالة في طولية بعد الله ورسوله هو الامام المعصوم المتوفر على الكفاءة العلمية القصوى (العلم اللدني) والأمانة العلمية القصوى (العصمة).

فما يراه الكاتب أو غيره من اختلاف ادوار فقهاء الشيعة في الحكم السياسي في الدول المختلفة فهو راجع إلى إختلاف الظروف واختلاف كفاءات أشخاص الفقهاء أو اختلاف وجهة نظرتهم ورؤيتهم الموضوعية تجاه الظروف المعاشة، لا الى الاختلاف في التنظير القانوني.

مضافاً الى اختلاف شاكلة هيكلية جسم الدولة وأدواتها من قرن إلى قرن الى ما نشاهده حاليا من تشكيلة جهاز الحكم.


قال الكاتب أن علماء الامامية المتقدمين يخصصون اقامة الحكم السياسي بالامام المعصوم لأن اقامة الحكم السياسي يحتاج الى صلاحية التشريع والتنفيذ
والقضاء وأن هذه المهام الثلاثة من مختصات الامام المعصوم (ع).

ولأن الحال يلتبس على الكاتب مرة بعد اخرى كلما يجول في بحوث القانون فلا بد أن أذكر له الشرح القانوني بالرسم الحديث فلعلّه يمكنه الخروج مما إستعصى عليه فهمه من تلك البحوث.

فليعلم ان الدولة العصرية تنشأ على أساس دستوري يتضمن مواداً ثم ان هذا الدستور حيث اشتمل على مواد قانونية فلا بد أن تُبنى المواد القانونية ومنظومة تلك المواد على اساس فلسفة حقوقية كما هو محرر في علم القانون الاكاديمي في
الجامعات الحديثة، ومبرهن عليه في ذلك العلم وفي العلوم الإنسانية والعقلية، وفلسفة الحقوق تبنى وترسى على فلسفة الرؤية للكون، هل هي إلهية وأن الأصل هو الخالق؟ أم مادية وأن الأصل هي المادة فيكون الانسان الفرد بالتالي هو المحور لمنظومة الحقوق ومشجراتها.

فالبنية الاولى هي فلسفة الرؤية الكونية وهي تساوي العقيدة، عقيدة التوحيد أو عقيدة المادة هي الأصل ثم تبنى البنية الثانية على ضوء الاولى وطولياً، وهي صياغة الحقوق بنحو العموم وهي تساوي النبوة والشريعة في عقيدة التوحيد في
البنية الاولى، أو الفلاسفة البشريين وفلاسفة الحقوق في العلوم الانسانية في عقدية اصالة المادة في المذاهب المادية العلمانية النظرية الاخرى في البنية الاولى.
ثم تبنى البنية الثالثة وهي صياغة القوانين الدستورية ومواده وهي تساوي تفاصيل الشريعة والنبوة وتتبعها وتليها الامامة الالهية بتوسط العلم اللدني والعهد الإلهي (اني جاعل في الارض خليفة… وعلم آدم الاسماء كلها)، (اني جاعلك
للناس اماما)، (وجعلناهم ائمة يهدون بامرنا)، (وجعلناهم ائمة وأوحينا إليهم فعل الخيرات) ـ في عقيدة التوحيد في البينة الاولى أو تساوي مجالس خبراء وضع القانون أو مجالس تأسيس الدستور في مدارس التقنين البشري في القوانين الوضعية المبتنية على عقيدة أصالة المادة ونحو ذلك في البنية الاولى، وهما حاليا مدرستان:-

القانون، الانجلوساسكوني الذي يعتمد على أصول قانونية يفرع على ضوءها.

والقانون التجريبي الذي يتخذ من التجربة التي يواجهها القانوني أو القاضي، مصدر للقوانين والتقنين.

وفي هذه المنطقة أي البنية الثالثة تختلف مدرسة أهل البيت (عليهم السلام ليس مع
المدارس البشرية الاخرى المادية والغربية فحسب بل تختلف مع مدرسة أهل السنة حيث أنهم يرون أن للفقيه حق صياغة وتأسيس القوانين الأمّ الدستورية في نظام الحكم السياسي الاجتماعي أو في نظام العبادات الفردي ونظام الاحوال الفردية، وإن لم
يؤسسه الله تعالى وينشأه عن طريق إبلاغ النبي الرسول (ص) ومن بعده إبلاغ الامام المعصوم عن النبي بطريق العلم اللدني غير المقتصر على طريق الحسّ، فأهل السنة يرون للفقيه أو الحاكم غير المعصوم الحق في سنّ قوانين دستورية يبتدعها من رأيه وبحسب ما يتوصل إليه فكره وذهنه فيقسّمون البدعة إلى الاحكام الخمسة فبعضها حسن أو لازم، ويطلقون على هذا الفعل وهو صياغة متن القوانين الدستورية في الانظمة المتقدمة ـ الاجتماعي والفردي والعبادي ـ اسم الاجتهاد، بينما لا يرى الشيعة ذلك للفقيه بل يخصّونه بالنبي والامام المعصوم وهما مبلغان عن الله تعالى طوليا فالنبي عن الله والامام عن النبي، ويقولون إن حق التشريع بمعنى سنّ وانشاء واعتبار وتقنين القوانين الدستورية الأمّ هي من حق الله تعالى (ان الحكم الا الله)، (والله أحكم الحاكمين)، وان الله اعلم بمصالح العباد ومفاسدهم وما يضرهم في كل زمان ومكان وهو محيط بكل الظروف والاجيال إلى يوم القيامة وما بعدها من نشآت (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)، (يا أيها الذين امنوا لا تقدموا بين يدي
الله ورسوله واتقوا الله ان الله سميع عليم) الحجرات / 7 ،(قل اتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الارض)الحجرات / 16 فالله الخبير الحكيم العليم لا يعجزه وضع برنامج قانوني لاينقص عن الشمولية والاتقان والكمال لكل الاوضاع البشرية بحسب المكان والزمان والمتغير الى يوم القيامة وقد قال تعالى لنبيه (ص) (قل ما اسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين) ص / 86 ولذلك لم يكن الرسول يتقدم على الوحي في سنّ الاحكام الكلية الدستورية كما في سورة المجادلة (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي الى الله والله يسمع تحاوركما ان الله سميع بصير) المجادلة /1.
فلم يتقدم (ص) على وحي الله في البت في قضية ظهار الرجل لتلك المرأة الشاكية لحالها عند رسول الله (ص) وقال تعالى (اتبع ما أوحي اليك من ربك) الانعام / 106 ،(واتبع ما يوحى اليك واصبر حتى
يحكم الله وهو خير الحاكمين) يونس / 109 وقال تعالى (ولا اقول لكم اني ملك ان اتبع الا ما يوحى إلي) الانعام / 50 ،(قل لا اتبع اهواءكم قد ظلت اذا وما انا من المهتدين) الانعام / 56 ،(قل أنما أتبع ما يوحى إلي من ربي) الاعراف / 203 (ان
اتبع الا ما يوحي إليّ وما أنا الا نذير مبين) الاحقاف / 9.
فالرسول تابع مسلم لربه والامام المعصوم تابع مسلم لرسول الله 0ص) والشيعة
تابعة مسلمة لائمتهم (ع) وهذه التبعية ليست قصور ولا جهالة ولا عماية بل هي كمال وعلم وبصيرة وهداية لأننا نعتقد أن الله تغالى غير متناه العلم والمخلوق الممكن مهما بلغ علمه فلن يقايس ببعض العلم الابوبري ، (أفمن يهدي الى الحق أحق
أن يتبع أم من لا يهدّي الا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون، وما يتبع اكثرهم الا ظنا ان الظن لا يغني من الحق شيئاً ان الله عليم بما يفعلون، وما كان هذا القرآن ان يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين) يونس / 37، وقال تعالى (ولا تتبع اهواءهم عما جاءك من الحق) المائدة / 48 ،(فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى) ص / 26 (واتبعوا
أحسن ما أنزل اليكم من ربكم) الزمر / 55 (ولئن اتبعت اهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير)[ البقرة / 120 (ولو اتبع الحق اهواءهم لفسدت السموات والارض ومن فيهن) المؤمنون / 71 (ثم جعلناك على شريعة من الامر
فاتبعها ولاتتبع اهواء الذين لا يعلمون انهم لن يغنوا عنك من الله شيئا وان الظالمين بعضهم اولياء بعض والله ولي المتقين[ الجاثية / 19 ]قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) آل عمران / 31 (اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء) الاعراف / 3 (ان يتبعون الا الظن وما تهوى الانفس) الجم / 23 (وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) الانعام / 153 ،وقد قال تعالى عن دينه وكتابه وشريعته (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء)النحل / 89 (ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذين بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) يوسف / 11. وقال (وما فرطنا في الكتاب من شيء) الانعام / 38 ما نقصنا في الكتاب من علم شيء.

فالكتاب العزيز فيه تبيان كل شيء وتفصيل لكل شيء، نعم ليس في ظاهر القرآن يتوصل الى ذلك، فلا بد من وجود من يستطيع استخراج ذلك من الكتاب والا لانتقض الغرض والحكمة، وقد اعترف كل فقهاء المسلمين غير الائمة الاثني عشر اعترفوا بالعجز عن
استخراج كل الاحكام والعلوم من القرآن ومن ثم توسلوا بالقياس الظني والرأي المبتدع والاستحسان لسدّ ما يزعمونه من الفراغ في الشريعة والنقص في الدين، لكن القرآن يخبرنا بوجود تلك الثلة من الأمة ما بقيت حياة الدنيا وما بقي القرآن
خالداً واشار اليهم (بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم) هو القرآن مجموعه بيّن في صدور الذين اوتوا العلم، فكل ما في القرآن التبيان لكل شيء هو بيّن في صدور الذين اوتوا العلم فهناك في الأمة ثلة اوتوا العلم اللدني علم الكتاب (كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب) الرعد / 43 وقال (هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن امّ الكتاب وأخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيع فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم يقولون كل من عند ربنا) آل عمران / 7 ففي الامة راسخون في العلم يعلمون تأويل جميع القرآن، (فلا أقسم بمواقع النجوم وانه لقسم لو تعلمون عظيم انه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه الا المطهرون
تنزيل من رب العالمين افبهذا الحديث انتم مدهنون وتجعلون رزقكم انكم تكذبون)الواقعة / 81. فالكتاب بتمام حقائقه في كنّ لا يمسه ولا يصل اليه الا المطهرون المعصومون من الذنوب (انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)الحجرات وقال (ولو ردوه الى الرسول والى أولى الامر منكم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) النساء / 83 وحيث اللازم هو العمل بالقرآن اعتقدت الطائفة
الامامية بإحاطة الكتاب الالهي والشريعة بكل شيء وحكمه وأن هناك أهل بيت النبي آل محمد (ص) مطهرون مزودون بعلم الكتاب والوصول إليه وإلى كل اسراره وهم الذين يستخرجون علمه من الكتاب وهم اولي الامر الذين قال تعالى (اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم)، (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون)، التي نزلت في علي باتفاق الفريقين.

وفي هذه البنية الثالثة لا يعلم اراداة الله التشريعية ومشيئاته الشرعية إلا النبي (ص) واوصيائه المعصومين بعلمهم اللدني، فمن ثم احتيج الى النبي (ص) وإلى الامام بعد النبي (ص) لتفصيل تلك لااحكام الدستورية الأم فلا بد من واسطة بين
أهل الارض والسماء نبي أووصي نبي له علم لدنّي، وفي هذا المقام لا مجال للظن ولا للرأي البشري الظني ولا للقياس ولا للاستحسان بل لابد من علم لدني إلهي
وقناة مأمونة تربط السماء بالارض وليس فهم الفقيه في هذه المنطقة رابط بين الارض والسماء. وههنا الاجتهاد بالمعنى الذي هو عند أهل السنة وهو انشاء الاحكام وابتداعها كاحكام دستورية، لا تقول به الشيعة كما لا تقول بثبوت هذا النمط والقسم من التشريع للفقيه. هذا كله في البنية الثالثة وهي سنّ وصياغة الاحكام الدستورية، ثم تأتي البنية الرابع وهي تشريع المجالس النيابية القوة الشتريعية ففي هذه المرحلة من التشريع يقوم اعضاء المجالس النيابية التشريعية وخبراء القانون بعملية فهم قانوني على ضوء موازين لفهم المؤدى القانوني لمواد الدستور وتطبيقها على الابواب والفصول والمسائل المستجدة المختلفة فعملية التشريع في هذه البنية تشتمل على نمطين ونحوين:

الاول: استنباط الحكم أي فهمه واحرازه من متون الدستور وألفاظه بموازين مباحث الالفاظ في علم اصول فقه القانون ويسمى بعلم القراءة القانونية وتلك الموازين من تقيد المطلق بالمقيد وتخصيص العام بالمخصص ومفاد الشرطية وهيئات الالفاظ الدالة على الحكم التكليفي والحكم الوضعي الى غير ذلك من مباحث ذلك العلم.

الثاني: التطبيق للقضايا الكلية الشرعية في الدستور على القضايا الجزئية في الابواب والفصول وهذا النمط يسمى بعملية التفريع للفروع والتطبيق للكليات على كليات أضيق منها دائرة وتسمى بعملية التشجير القانوني، وهذه المرحلة من التشريع التي تختلف جوهرياً عند من يفطن ألف باء علم القانون، هذه المرحلة والنمط من التشريع تقول الامامية بجوازه وبصلاحية الفقيه لذلك العمل والفقه لغة الفهم لا عملية الرواية ولا انشاء الرأي ولا إبدائه قال تعالى: (فلو لا نقر من كل فرقة طائفة منهم ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون)
فقال تعالى ليتفقهوا أي ليفهموا لا ليبدوا رأيهم في قبال الله تعالى، وتفقههم هو عن رسول الله 0ص) لا من أنفسهم.

وهذا هو الاجتهاد الذي تقول بمشروعيته الشيعة وهو يختلف سنخاً وروحاً عن الاجتهاد الذي تقول به السنة وقد حثّ الائمة آل محمد (ص) فقهاء أصحابهم على هذا النمط من الاجتهاد والفقاهة فقد قال الباقر (ع) لابان بن تغلب اجلس في المسجد وافت الناس فاني احب أن يرى في اصحابي مثلك ـ ذكر ذلك النجاشي في رجاله، وقالوا (عليهم السلام) لشيعتهم ((نحن نلقي اليكم الاصول وعليكم بالتفريقع)) وقالوا ((إنا لا نعدّ الرجل منكم فقيها حتى يعرف معاريض كلامنا)) وقالوا ((نحن قوم
فصحاء بلغاء فاعرفوا كلامنا)) وهذا الاجتهاد قد مارسه فقهاء الشيعة من رواتهم اصحاب الائمة (ع) منذ عهد الباقر والصادق (ع) بل قبلهما أيضاً الى يومنا هذا، ولم ولن يسدّ الامامية هذا الباب من الاجتهاد حتى بعد ظهور الحجة لانه قائم على الفهم للدليل اللفظي الوارد من الله ورسوله واوصيائه، بخلاف أهل السنة فان غالبيتهم قد أقفلوا وسدّوا بعد عملية حصر المذاهب في الاربعة المعروفة، وقد برع نتيجة لذلك الفقه الشيعي الامامي وعلم أصول الفقه إلى يومنا هذا حتى استحال ان تصل إليه جهود بقية المذاهب الاسلامية.

وقد كتب في هذا النمط من الاجتهاد وموازينه كل من الشيخ والمرتضى والطوسي كتبا في اصول الفقه والفقه الاستدلالي ككتاب الذريعة وكتاب عدة الاصول وكتاب المعارج في الاصول للمحقق الحلي والمعالم للشيخ حسن العاملي. وككتاب المقنعة الاجتهاد
من هذا النمط منذ عهد متقادم فلقد ألّف زرارة بن أعين والفضل بن شاذان رسالتين في اجتماع الامر والنهي وفي الامر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضده، وقد ذكر السيد حسن الصدر في كتابه تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام نماذج أكثر فلاحظ.

ومع هذا البيان يتبين خبط الكاتب عشوائيا بين الاجتهاد في الرتبة الرابعة التشريعية وبين الاجتهاد في الرتبة الثالثة وبين استعمال الظن في الرتبة الرابعة الذي لم يمنعه مشهور علماء الامامية وبين الظن في الرتبة الثالثة أي إعمال الظن في فهم ما نزل من أحكام إلهية في الفاظ القران والسنة للنبي (ص) والمعصومين وبين اعمال الظن في إصابة أحكام السماء كرابط وإتصال كبديل عن النبوة والامامة الالهية.

ولا أدري أليس من الحكمة والادب أن لا يقحم المرء نفسه فيما لا معرفة له به، أليس من الانسانية والفطرة أن لا يخبط المرء في ما لا علم له به ]إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا[.
لقد اسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي
ومن ذلك يتبين أن قيام الدولة بالمجلس النيابي التشريعي والقوة التنفيذية التي هي تطبيق اجرائي لقوانين المجلس النيابي والقوة القضائية التي هي تطبيق للموازي والقوانين الاولية، لا يرتبط بالاجتهاد بالمعنى الاول بمعنى ابتداع الرأي
والقياس والاستحسان بعد فرض وجود تمام القوانين الدستورية المبيّنة من الله تعالى في قرآنه ومن الرسول والائمة في السنة، وانما يعتمد قيام الدولة والحكم بالاجتهاد المعنى الثاني بمعنى الفقاهة.
فها هو الكاتب يعقد نظريات العنكبوت في عالم تزويق الألفاظ بعيدا عن البحث العلمي التخصصي، إعتماداً على الترنم اللفظي في العبائر بكل جرئة ولا مبالة.
ثم يعاود التعبير اجتراراً أن الامامة والتقية والانتظار منع علماء الشيعة من اقامة الحكم ومن تجويز اقامة الدولة في عصر الغيبة وقد أعلمته بان الانتظار عقيدة اسلامية أصيلة تعني الاعتقاد بظهور مهدي من ذرية الرسول (ص) يصلح العالم
يملأ الارض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلما وجورا، والانتظار بهذا المعنى لا يدعو الى التوقف والحركة والتخاذل عن الوظائف الشرعية الاجتماعية والسياسية إلا في ذهنية الكاتب.
كما ان التقية اعلمته من دون فائدة مرجوّة أنها بمعنى التكتيك في اسلوب القيام بالمسؤولية الاجتماعية السياسية كما هو الحال في التنظيمات السياسية المعارضة في كل دول العالم فهل تحفظ تلك التنظيمات وسريتها يعني شدة اصرارها في اقامة
الحكم حسب ما تنظره؟ أم أنه يعني جمود وتوقف تلك التنظيمات؟ وقد أمر تعالى بهذا الاسلوب من المحافظة على اسلوب العمل والنفس (الا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان)، (الا ان تتقوا منهم تقاة)،(بل فعله كبيرهم ان كانوا ينطقون)، (ايتها العير انكم لسارقون)، وغيرها من الآيات.
واما الامامة فقد بينا موقعها انها في الرتبة الثالثة من بناء التشريع كرابط بين اهل الارض والسماء يتبع النبي وكسفير إلهي تابع للنبي.


5 ـ

ثم انه له تدليسات اخرى متعددة، منها نسبة الى الحلبيين من علماءنا انهم لا يرون الاجتهاد بالمعنى الثاني بمعنى الفقاهة مع انهم على العكس تماما فانهم يوجبونه على كل مكلفٍ عينا ولا يجوزون التقليد.
منها نسبته الى فقهاء الحلة انهم لا يرون ولاية الفقيه مع اننا قد نقلنا في الرد السابق عن المحقق العلامة الحلي ذهابهما إلى ولاية الفقيه وكذا البقية كيحيى بن سعيد وابن ادريس وغيرهما.

منها: نسبته اعتراض حوزة النجف على الصفويين في قولهم بعدم ولاية الفقيه، وهذا محض افتراء فإن إعتراضهم كان على امور أخرى في سياسات وقتية معروفة.

ومنها: استظهاره من كلام صاحب الجواهر انه لا يقول بولاية الفقيه في اقامة الحكم من عبارته ((لعلمهم (ع) بقصور اليد)) وهو كما ترى مضحك فان تعليل صاحب الجواهر هو بعدم القدرة الخارجية لا عدم المشروعية وقد وصل بنا المقال الى توضيح ألف باء الفقه.

منها: خلطه بين الشورى والسلطة الجماعية، فالاول عبارة عن تداول الرأي والفحص عن المعلومات لا بمعنى الارادة الجماعية فالشورى لغة عبارة عن كيفية البحث والفحص العلمي ومداولة الراي لا الارادة الجماعية.

وغير ذلك من النسب المخالفة للواقع وهو يرمي الكلام على عواهنه غير متحرج عن المخالفة للواقع.

------------------
البحراني

محمد منصور

بسم الله الرحمن الرحيم

الرد رقم ( 3 )


ومرة أخرى يظهر الكاتب إفلاسه فيتشبث بكل ما هبّ ودبّ ، والغريق يتشبث بالحشيش، قال

فلان وقال علاّن، وهل هذا بحث عميق وتنظيري أم حكايات العجائز ثم انه يخبط ـ كما هوالقاعدة لديه ـ بين الامر بالمعروف والنهي عن المنكر كوظيفة فردية للفرد الواحدوبين الامر بالمعروف والنهي عن المنكر كوظيفة من وظائف الدولة والنظام السياسي أو الوالي الفقيه ولو بتوسط جهاز المرجعية، فانه بحسب الوظيفة الفردية له شرائط وقيود واحكام تختلف عنه بحسب الوظيفة الاخرى للدولة وللنظام أو لجهة معينة كالمرجعية
فنقل، اقوال الفقهاء التي تقيد الوظيفة الفردية بما لم تصل إلى الجرح والقتل والدم، وهذا قد نصّ عليه كل من فقهاء الشيعة والسنة على استواء، ولكن الكاتب حمل هذه المسألة على المسألة الثانية التي هي وظيفة لجهاز الدولة أو لجهاز المرجعية والوالي الفقيه وقد نقلنا في الرد (1) والرد (2) على مقالته تحت عنوان المشايخ الاوائل وموقفهم
السلبي، كلام فقهاؤنا المتقدمين إلى يومنا هذا المصرحة بوجوب إقامة الفقيه الجامع للشرائط الحكم الاسلامي من الحدود والتعزيرات والقضاء والجهاد الدفاعي والمعروف الاجتماعي وإزالة المنكر الاجتماعي، ولا أدري هل هو غشي عليه فلم يقرء ما نقلته له من كلماتهم في الرد (1) والرد (2)، والكاتب كعادته في العلم التخصصي المسمى بعلم
الخبط والعشوائية يخلط بين المسائل المختلفة، فهو يريد أن تكون وظيفة الفرد في الاصلاح
الاجتماعي في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر هي من المفاسد الاجتماعية، من دون نظم كي يدّب الهرج والمرج والفوضى ومن دون تخصيص ذلك بنظام الدولة ونحوها كجهازالمرجعية أو كجهة سياسية شرعية أخرى، فكل فرد يقوم بنفسه كوالي ـ حسب كلام الكاتب ـ ويقوم ويشرف على التصدي على ازالة المفاسد الاجتماعية واقامة المعروف الاجتماعي مهما كانت نوعية المفسدة والمعروف، فإن رجع الكاتب عن ذلك وانه لا بد من تقسيم الوظائف والنظم فيها فنقول هذا ما ذكره فقهاؤنا من تقسيم الوظيفة في باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من ذكرهم للمسألة الاولى كوظيفة فردية وهي التي نقل الكاتب
كلماتهم بتقيدها بما اذا لم يصل إلى الجرح والدم والقتل والا فيحتاج إلى إذن الحاكم الشرعي
ـ ولكن الكاتب لم ينقل تتمة كلامهم تدليساً كعادته في أمانة النقل والحوار.
كما أن فقهاؤنا ذكروا المسألة الثانية كوظيفة للفقيه الوالي والمرجع أو الدولة وهي التي نقلنا كلماتهم في الرد (1) والرد (2) من وجوب إقامة الفقيه للحكم الاسلامي واقامة الاصلاح الاجتماعي أي الحدود والتعزيرات والقضاء والجهاد الدفاعي وو….
وكلماتهم في المسألة الثانية موجودة في نفس باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر،
ولكن الكاتب لا يروقه النظر اليها ونقلها بعد ما سمى مراجع الشيعة في مقالة سابقة له بالطغاة الانتهازيين والمتكبرين.ثم انه يقو بان الشيعة او علماؤهم متأخرون عن بقية فرق المسلمين أو علماؤها، ولا أدري كيف يغالط الكاتب نفسه، هل التنزه عن باب السلاطين والملوك الا في علماء
الشيعة هل الجهاد الاجتماعي وتحمل المسؤولية قام به أحد الا علماء الامامية، فمن تصدى للمغول
والتتر ومن تصدى للاستعمار الغربي والمدّ الشيوعي في العراق وإيران ومن تصدى دائما للانحرافات الفكرية في طيلة القرون المتمادية من القرن الثالث إلى قرننا المعاصر،من سار في قافلة الشهداء من علماء الامة سوى علماء الامامية، وقد جمع العلامة الاميني قدس الله روحه كتاب تحت عنوان شهداء الفضيلة جمع فيه سلسلة الشهداء منهم، ومن تصدى لمناطحة جور الحكام في العالم الاسلامي في المتمادية غير علماء الامامية وقد كتب السيد محسن الاميني كتاب (أعيان الشيعة) عدة مجلدات وكذلك المحقق الطهراني (طبقات أعلام الشيعة) عدة مجلدات، وكذا غيرهم، وهل المقاومة لاسرائيل في عصرنا هذا الا من قبل علماء الشيعة، وهل قلب الامة الاسلامية النابض بالمسؤولية وتحمل الرقابة على أوضاع
المسلمين الا من قبل علماء الشيعة في الدرجة الاولى ، وهل ينكر كل ذلك بجرة قلم وبليّة شفه.
وهل يرى الكاتب مجموعة في البلدان الشيعية أخذة على عاتقها الاصلاح الاجتماعي مهما اختلف اسلوبهاـ، الا وورائها رجل الدين الشيعي.
نعم اذا اراد الكاتب أن يتحد إسلوب العمل والاصلاح ـ كعادته من قانون الخبط ـ وأن لا تتوزع الادوار التي يقوم بها علماء الشيعة، ولا تختلف مواقعهم التي يرابطون فيهاولا تتعدد المهام والاساليب، فهذا من أطروحات الكاتب العملاقة في ظل الازمة النفسيةالتي يعيشها، وهل مفهوم التقدم لدى الكاتب هو التربع على الملك وإقامة ليالي السهر والإنس ونحو ذلك، أم التقدم هو المحافظة على تربية المجتمع وآدابه وفكره وعقيدته وسلوكياته في كافة الظروف، وبطريقة يحافظ على صلاح عقباه وآخرته وبقاؤه الابدي في دار الجزاء.


-----------------
البحراني

محمد منصور

على العكس من الأستاذ التلميذ المتواضع الذي امتعض جدا من وصفي إياه بالعالم الكبير ، وراح يفتش عمن أخبرني بذلك ، يحاول الأخ محمد منصور منذ بداية الحوار ان يستخدم عبارات وجملا تفيد بأنه على درجة كبيرة من العلم والتخصص والمعرفة والإحاطة بالبحوث العلمية الشرعية والقانونية والسياسية والإلمام بالمصطلحات التقليدية والحديثة ، ولا يتوانى بين فقرة وأخرى عن اتهام الطرف الآخر في الحوار بالكذب والتدليس والتزوير وتخيل الأراجيف ونسبة الزور وعدم التحرج عن المخالفة للواقع والتعامي عن الحقائق والاشتباه والالتباس وإقحام نفسه في المباحث التخصصية التي تحتاج الى مؤونة وعمق علمي ، وما الى ذلك من الوسائل النفسية المصاحبة للاستهزاء التي تحط من شخص الطرف الآخر وتعلي من شأن الذات.(راجع تعليقه الآنف أعلاه)
والأخ محمد منصور حر في اتباع الأسلوب العلمي الذي يحب ويريد ، خاصة وانه متلثم وتبرقع ولا يخشى من انتهاج أي أسلوب ، ولكنه نفى في بداية الحوار ان يكون قد استخدم او يحب استخدام هذا الأسلوب الجدلي الذي لا يناسب بحثا كالموضوع الذي نناقشه والذي يقتضي مزيدا من الاحترام والهدوء النفسي والسكينة ومحاولة تفهم وجهة النظر الأخرى بدلا من الاندفاع المتسرع للرد على الطرف الآخر ومحاولة تحطيمه شخصيا وإسقاطه نفسيا.
واعتقد ان الحوار بهذا الأسلوب يقترب من صورة المراء والجدال المذموم أكثر من صورة الحوار العلمي الهادئ والمفيد ، ومع ذلك فلا أمانع من مواصلة الحوار ولكن أتمنى قبل ذلك ان يفصح السيد محمد منصور عن اختصاصه وعن درجته العلمية ومستواه الثقافي . هل هو مجتهد ؟ أو مرجع تقليد؟ أو دكتور او عميد جامعة؟ أم يرفض الاعتراف بأي شيء من ذلك كما رفض الإفصاح عن هويته من قبل؟
حسنا..
لقد فسر الأستاذ محمد منصور الانتظار بأنه يعني الايمان بوجود الامام الثاني عشر الحي المستتر ونفى ان يعني الجمود وتوقف حركة المؤمن عن أداء الوظائف الشرعية ، وقال: ان الانتظار عقيدة كل المسلمين وليس الامامية خاصة.
وبناء على ذلك أصر في رده الأخير على مقالتي حول معنى الانتظار السلبي وتلازمه مع نظرية الامامة ،وأثر الاعتقاد بوجود الامام الغائب السلبي على الشيعة عبر التاريخ.
وأقول له بكل احترام:
انه يقدم المفهوم الحديث لمعنى الانتظار الذي قدمه الدكتور علي شريعتي في كتابه الانتظار السلبي والانتظار الإيجابي ، والذي قدمه الامام الخميني في كتابه الحكومة الاسلامية ويقدمه الثوار الآخرون الذين فسروا الانتظار بمعنى يتجاوز الانتظار ويحمل معنى المبادرة والعمل وذهب بعضهم كالشيخ علي الكوراني الى تأليف كتاب يتحدث عن الممهدين للامام المهدي. وذلك خلافا للمفهوم القديم الذي لا يزال رائجا حتى الآن في بعض الأوساط الفقهية ، وهو حرمة العمل السياسي في عصر الغيبة والمتمثل في الرواية المتداولة والمشهورة: كل راية تخرج قبل راية المهدي فهي راية ضلالة وصاحبها طاغوت.
وقد كان ذلك التفسير الحديث لمعنى الانتظار ثورة في الفكر السياسي الشيعي ومحاولة للالتفاف على نظرية الانتظار القديمة وعلى اساس النظرية الامامية معا.
ان الانتظار عند الشيعة الامامية يختلف عنه عند سائر المسلمين الذين يؤمنون بالمهدي المنتظر العام غير المحدد ، وذلك لأنه ينطوي على مفهومين: الأول: وجود الامام المعصوم الحي المستتر محمد بن الحسن العسكري ،و الثاني: انه المهدي المنتظر.
وبما ان الشيعة الامامية يعتقدون بحرمة ممارسة الثورة والقيادة والإمامة وتطبيق الشريعة الا للامام المعصوم ويعتقدون ان الامام موجود وهو حي ومستتر ، فلم يكونوا يجوزون لأنفسهم ممارسة أي شيء من أعمال الامام الذي يعرف متى يظهر وينتظر الظروف المناسبة للخروج ، ولم يختفي الا بسبب الظروف القاهرة التي لا تسمح بالظهور والثورة وتأسيس الدولة.
ولذا كان ثمة تلازم شديد بين الايمان بوجود الامام المعصوم الغائب المتمثل في محمد بن الحسن العسكري ، والانتظار السلبي. وقد التزم العلماء السابقون بنظرية الانتظار جملة وتفصيلا.. ولكن بعضهم وشعورا منه بالحاجة الماسة للقضاء او تنفيذ بعض جوانب الفقه الحيوية بدءوا يقولون بجواز هذا الجانب او ذاك ، ويحاولون فتح نوافذ صغيرة في جدار الغيبة والانتظار الى ان توصلوا الى إحداث ثورة كبرى كاملة على الفكر الإمامي الذي كان يشترط العصمة والنص والسلالة العلوية في الامام (مطلق الامام ، أي الحاكم والزعيم والخليفة) فقالوا بجواز تولي الفقيه العادل العامي للحكم ، تماما كما كان يقول بعض المعتزلة والزيدية والسنة ، وغلفوا هذا القول بدعوى او فرضية النيابة العامة عن الامام المهدي.
ولو ألقى الأستاذ الفاضل محمد منصور نظرة عامة على فتاوى العلماء السابقين في مجالات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واقامة الحدود والجهاد والخمس والزكاة والأنفال وصلاة الجمعة ، لوجد ان الكثير منهم او أكثرهم كان يربط تنفيذ هذه الأمور المتعلقة بالسياسة والثورة وادارة المجتمع بالإمام المعصوم الغائب المهدي المنتظر.
وقد استغرقت مسيرة العلماء للتحرر من نظرية الانتظار أكثر من ألف سنة وكانت تدريجية ومتعرجة وجزئية حتى حدثت ثورة ولاية الفقيه التي آمنت بأن الفقيه له كامل الصلاحيات السياسية التي كانت للامام المعصوم والنبي الأعظم.
وقبل ان يرد علي السيد محمد منصور أود منه ان يقوم أولا وهو العالم الخبير المتخصص في الفقه والكلام والقانون والسياسة وعلم الاجتماع والتاريخ بإلقاء نظرة خاطفة على كتابي المتواضع (تطور الفكر السياسي الشيعي من الشورى الى ولاية الفقيه) ويشاهد تفاصيل تلك المسيرة الطويلة .
وكلي أمل وثقة بتواضعه وإخلاصه وحبه للمعرفة وشوقه الى العلم وحرصه على الحقيقة والبحث عنها .

أحمد الكاتب

بسم الله الرحمن الرحيم

كلامك هذاتكرار ومردود عليه ولاأدري هل تعي جيدا أننا رددنا عليه أم تتجاهل؟!!
وبالنسبة الى كلامك في بداية الموضوع
فأعلم يا " أحمد الكاتب " ان البحث العلمي الجاد لايمزج بميول العواطف ، أن كانت بريئة!
وأما أستخدام الاصطلاحات العلمية والموازين التخصصية فلابد منها ولاغنى للبحث العلمي عن المداقة في أستعمالها ، أذا أريد منه المنهج العلمي فكل زاوية من البحوث ترتبط بعلم تخصصي "ما"
وأذا لم يكن الانسان يجيده فمن الحري به عدم أقحام نفسه في ذلك!!
وهل ذنبي أن أنبهك على كل ذلك !! ، أوأن نبهك على أن منهجك لايتفق مع ضروريات المسلمين!!
أو أن منهجك حسي مادي !! ، بل بعض كلامك لايتفق مع أي مدرسة بشرية كما أوضحت لك ذلك في بعض المقالات السابقة!! .
وأما التدليس والتخبط الذي نسبته لك فلم يكن ألا بتدليل من عباراتك المخالفة للمصادر والواقع والحقيقة ، وكل ذلك موكول للقراء ذوي التخصص والفهم ، أذ عليهم المعول في الحكم؟
وأما شخصية أطراف الحوار فأنما تحفظ بصحة الدليل وقوة المنطق ، وتتحطم بهشاشة الادعاء وخياليته ومناقضته للحقائق.

------------------
البحراني

محمد منصور

الأخ محمد منصور المحترم
كثيرا ما نختلف حول تفاسير معينة لمعنى الامامة او التواتر او التقية او الانتظار او فهم رواية معينة او فهم عبارة لأحد العلماء فأقول شيئا وتقول شيئا آخر وهذا لا يتعلق بالضروريات ولا بالبديهيات
وحتى في تقييم رجل معين من الرواة فقد اعتبره مشكوكا فيه وتعتبره ثقة او بالعكس وهذا لا يستدعي الحدة والانفعال واتهام الطرف الآخر بالتزوير والتدليس والكذب وما الى ذلك من الألفاظ غير المناسبة في الحوار
لقد قلت مثلا ان نظرية الانتظار للامام المهدي الغائب كانت تعني الانتظار السلبي وانها أثرت على موقف الشيعة الاثني عشرية من الدولة والثورة والعمل السياسي طوال قرون الى ان ابتكر العلماء نظرية ولاية الفقيه وكان رأيك معاكسا بالنفي وقد جئتك بشواهد من الكتب الفقهية والكلامية للعلماء السابقين الذين كانوا يحرمون اقامة الدولة ورددت علي بشواهد اخرى فطلبت منك ان تلقي نظرة عامة على مجمل آرائهم الفقهية ففسرت كلامهم بأنهم يعنون كذا وكذا وانت حر في ذلك
ولكن لا يجوز لي ولا لك ان نتهم أحدنا الآخر بكلمات غير مناسبة ، قد نخطيء في الفهم او التحليل والاستنتاج ولكن لا يجوز ان نشكك في النوايا والمقاصد حتى نحافظ على مستوى جيد ومفيد من الحوار

أحمد الكاتب

بسم الله الرحمن الرحيم

وبعد أعتقد ان الكاتب وحقا يجب ان يسمى كاتب لانه فقط يكتب بدون أن يعلم مايكتب .
أولا ان الشيعة ولحد الآن من زمان الإمام علي (ع) بعدما نصب على عين الأشهاد في غدير خم ولحد الأن لهم أدوارهم السياسية الفعالة والدليل ظهروا من أمثالك الكثير ليمحوا آثار الامامة ولم يستطيعوا ولذلك أقول لك أن الشيعة هم الذين كونوا التاريخ المشرف بعلمائهم الاعلام الذين كانت أقلامهم منصفة تهدف الحقيقة لا غيرها .

منتظر

منتظر

بسم الله الرحمن الرحيم

الرد على الكاتب

الإختلاف ليس فقط في التفسير لمعنى الكلمات والقراءة لها والفهم, فإنه وإن كان حاصلا بسبب عدم إلمامك بالعلوم التخصصية كما هو معروف لدى الكل القريب منك والبعيد فلقد كنت مجرد كاتب في مجلة سياسية,و....و....و.....و..ولكن هناك اختلافات أخرى فأنت تنكر أحاديث المهدي من ذرية الرسول (ص) الواصلة من طريق السنة والشيعة , وتصرح في خاتمة كتابك حول المهدي إنك لا تحتج بروايات السنة , وكتبت مقالات في هذا الساحة - لا زال موجوداً فيها- أت المهدوية نظرية الغلاة والباطنية وأنهم الذين وضعوا روايات ظهور المهدي من ذرية الرسول (ص) فأنت تجحد ضرورة إسلامية وتبني على عدم حجية السنة النبوية , ومع ذلك تطالب الأخرين بأن لا يكشفوا حقيقتك ومنهجك , وإنك علماني المسلك والمنهج قبل أن تكون وتنتسب إلى أمر
آخر , فهل من الإنصاف الغش في الحقائق ؟ وهل من العدل طمس الحقيقة ؟ بل إن منهجك يستلزم نفي الآيات القرآنية التي تثبت أمراً وراء الحس البصري , كما إنك تنكر صريح عبارات الفقهاء الإمامية بوجوب الحكم , وهذا ليس بحث في تفسيرالعبارة , بل في أصل وجودها , فأكثر ما تقوم به هو التدليس والزور كما أنكرت في بداية
دخولك الى الساحة وجود روايات في بصائر الدرجات في عدٌة الأئمة الأثنى عشر مع إنها موجودة و.....و...و..وو..وغير ذلك من الموارد التي نبهتك عليها من التدليسات في المقالات السابقة التي يكفي الرجوع اليها ..... وأما البحث في النوايا والمقاصد فهذا حديث العجائز وأسلوب للمراوغة ولتبيض الوجه كما هو عادتك التمسح بالعاطفة كلما انكسرت في البحث العلمي وظهر ضعفك وتدليسك , ولو كنت تفهم الفائدة من الحوار لاتبعت المنهج المنطقي في البحث , وهو في الإمامة الإلهية وأدلتها القرآنية وفي السنة النبوية , ولكن هيهات أن تقترب إلى هذا البحث فإنه مخيف عندك ويكشف كثيراً من الأوراق التي لاتريد كشفها . ثم كيف ترجو المداهنة والرشوة على الحقائق هل هذا بحث علمي أو عمل الجهال الذين ضلوا عن الحقيقة. ثم إنك تسمي فقهاء الشيعة بما يروق لك من الألفاظ وتقول في مقالاتك السابقة أن علماء ومتكلمي الإمامية وضاعين ورواتهم يختلقون الروايات , وتقول كل ذلك زوراً, لعدم إعتقادك بالإمامة الإلهية , ولا يأخذك الحياء , ومع ذلك تريد أن لا نكشف التدليس
والجهل الذي تقوله , فهل هذا من العدل ؟؟


------------------
البحراني

محمد منصور

الأخ محمد منصور المحترم
سألتك عدة مرات عن اختصاصك فلم تجبني
ولست أدري هل هو في التأويل والتفسير والاتهام بلا دليل والتهريج العبثي.
تقول بملأ فمك اني لا احتج بروايات السنة ولا اقول بحجية السنة النبوية. وهذا كذب وافتراء من حضرتكم
انا لا اجحد ضرورة اسلامية ولم اقل ولا اقول ان فكرة المهدوية مختلقة من اساسها من قبل الغلاة وانما قلت ان الغلاة روجوا لنظريات عديدة حول مهدوية رجال واختلقوا وجود اشخاص لم يولدوا ورفضوا الاعتراف بوفاة أئمة توفوا انطلاقا من تظرياتهم الغالية الباطنية
تتهمني ببساطة بأني علماني المسلك والمنهج. واقول لك سامحك الله وغفر لك في هذه الشهر الكريم
تقول: ان البحث في النوايا والمقاصد حديث العجائز واسلوب للمراوغة ولتبييض الوجه
واقول لك صحيح ولكنك انت الذي تمارس هذا الاسلوب منذ بدأنا الحوار فلا تفتأ تتهمني بأمور ليست صحيحة وتقول ان لديك مجهرا تضعه على اقوالي وتحاول تحليل واستنباط امور لا وجود لها كما تستنبط وجود انسان في التاريخ لم يظهر له أثر حتى الآن
ومع كل ذلك تقول ايضا: لو كنت تفهم الفائدة من الحوار لاتبعت المنهج المنطقي في البحث وهو في الامامة الالهية وأدلتها القرآنية وف يالسنة النبوية
واقول لك" ان منهجك هذا بعيد جدا عن المنطق والعقل والعرف وعلوم الأولين والآخرين . فكيف تحاول اثبات وجود انسان في الخارج عن طريق النظريات الوهمية والفرضيات الفلسفية
وعندما قلت لك مرارا واقول لك تكرارا ان اسلوبك في اثبات وجود الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري يقوم على الاستدلال الفلسفي الكلامي الذي يسمونه مرة بالعقلي ومرة بالاعتباري وانه ليس الا فرضية وهمية ولا يوجد عليه اية أدلة تاريخيةصحيحة ، تزعل وترفض المناقشة في الروايات التاريخية وتحاول ان تجرني الى البحث النظري الفلسفي
واقول لك ايضا: مع التسليم بنظريتك في الامامة وكونها ضرورة وما الى ذلك.. اقول لك: انها لا تنتج القول بوجود ابن للامام العسكري بالضرورة الا بعد الايمان بقانون الوراثة العمودية في الامامة الذي لم ينزل به الله من سلطان ، ولذلك فقد رفض قسم من الامامية الذين يوافقونك في نظريتك الاعتراف او افتراض وجود ابن للعسكري خلافا للظاهر ولأقوال ابيه النافية وجود ولد له ووصيته بأمواله الى امه وعدم وصيته الى اي انسان، لأنهم لم يؤمنوا بقانون الوراثة العمودية بصورة متزمتة وقالوا ان ذلك جائز اذا كان للامام السابق ولد واما اذا لم يكن لديه ولد فلا بأس بالانتقال الى اخيه او ابن أخيه كما انتقلوا من امامة عبد الله الافطح الى الامام موسى الكاظم.
لقد طرحت عليك وعلى سائر الأخوة المتحاورين بحث ومنماقشة الروايات التاريخية الواردة حول ولادة ابن للامام الحسن العسكري وتهربتم جميعا من هذا البحث كما تهرب كل من بحث هذا الموضوع من قبلكم كالشيخ الصافي ال***ايكاني والشيخ الشيرازي والشيخ الآصفي والسيد سامي البدري والشيخ حسن الصفار
وها انت تتهرب اليوم وتحاول ان تثبت وجود انسان في الخارج عن طريق النظريات الخيالية والفرضيات الوهمية ، فلماذا تتعب نفسك بالحديث والاستدلال الفاضي ؟ ولماذا لا تبدأ بدراسة الروايات التاريخية وتتأكد من قوتها ووزنها وصحتها من كذبها؟
اخي العزيز هذا هو البحث المنطقي الطبيعي
فانا لا نثبت وجود الرسول الأعظم او أية شخصية في التاريخ عن طريق الأدلة الفلسفية الاعتبارية العقلية
وصدق الشيخ ناصر مكارم الشيرازي عندما رفض هذا المنهج وقال : لا يمكن ان نضع اصبعنا على انسان في الخارج عن طريق الأدلة الفلسفية العقلية التي لا يمك الا اثبات الكليات والنظريات العامة بها.

أحمد الكاتب

موقع فيصل نور