مقالات في الإمامة والشورى
الشورى نظرية أهل البيت
كانت الامة الاسلامية في عهد الرسول الاعظم (ص) وبعد وفاته وخلال العقود الاولى من تاريخها تؤمن بنظام الشورى وحق الامة في اختيار ولاتها وكان اهل البيت في طليعة المدافعين عن هذا الايمان ، والعاملين به ، وعندما اصيبت الامة بتسلط الحكام الامويين بالقوة ، وتداولهم للسلطة بالوراثة ، وإلغائهم لنظام الشورى ، تأثر بعض الشيعة الموالين لأهل البيت بما حدث فقالوا رداً على ذلك بأحقية اهل البيت بالخلافة من الامويين ، وضرورة تداولها في اعقابهم . ولكن هذه النظرية لم تكن نظرية اهل البيت انفسهم ولا نظرية الشيعة في القرن الاول الهجري.
وبالرغم مما يذكر الاماميون من نصوص حول تعيين النبي (ص) للامام علي بن ابي طالب كخليفة من بعده ، الا ان تراثهم يحفل بنصوص اخرى تؤكد التزام الرسول الاعظم واهل البيت بمبدء الشورى وحق الامة في انتخاب أئمتها. تقول رواية يذكرها الشريف المرتضى -وهو من ابرز علماء الشيعة في القرن الخامس الهجري - ان العباس بن عبد المطلب خاطب اميرالمؤمنين في مرض النبي (ص) ان يسأله عن القائم بالامر بعده ، فان كان لنا بينه وان كان لغيرنا وصى بنا ، وان اميرالمؤمنين قال: دخلنا على رسول الله (ص) حين ثقل ، فقلنا: يارسول الله.. استخلف علينا ، فقال: لا ، اني اخاف ان تتفرقوا عنه كما تفرقت بنو اسرائيل عن هارون ، ولكن ان يعلم الله في قلوبكم خيرا اختار لكم.
و يقول الكليني في (الكافي) نقلا عن الامام جعفر بن محمد الصادق:انه لما حضرت رسول الله (ص) الوفاة دعا العباس بن عبدالمطلب وامير المؤمنين فقال للعباس : ـ ياعم محمد .. تأخذ تراث محمد وتقضى دينه وتنجز عداته ؟ ..فرد عليه فقال : ـ يارسول الله بأبي انت وامي اني شيخ كبير كثير العيال قليل المال من يطيقك وانت تباري الريح . قال فأطرق هنيهة ثم قال : ـ يا عباس أتأخذ تراث محمد وتنجز عداته وتقضي دينه ؟ ..فقال كرد كلامه .. قال : اما اني سأعطيها من يأخذها بحقها ، ثم قال : ياعلي يا اخا محمد أتنجز عدات محمد وتقضي دينه وتقبض تراثه ؟ ..فقال : نعم بأبي انت وامي ذاك علي¹ ولي¹ .
وهذه الوصية ـ كما هو ملاحظ وصية عادية شخصية آنية ، لا علاقة لها بالسياسة والامامة ، والخلافة الدينية ، وقد عرضها الرسول في البداية على العباس بن عبدالمطلب ، فاشفق منها ، وتحملها الامام اميرالمؤمنين طواعية .
وهناك وصية اخرى ينقلهاالشيخ المفيد في بعض كتبه عن الامام اميرالمؤمنين (ع) ويقول ان رسول الله (ص) قد اوصى بها اليه قبل وفاته ، وهي ايضا وصية اخلاقية روحية عامة ، وتتعلق بالنظر في الوقوف والصدقات .
واذا القينا بنظرة على هذه الروايات التي يذكرها اقطاب الشيعة الامامية كالكليني والمفيد والمرتضى ، فاننا نرى انها تكشف عن عدم وصية رسول الله للامام علي بالخلافة والامامة ، وترك الامر شورى ، وهو ما يفسر احجام الامام علي عن المبادرة الى اخذ البيعة لنفسه بعد وفاة الرسول ، بالرغم من الحاح العباس بن عبد المطلب عليه بذلك ، حيث قال له · امدد يدك ابايعك ، وآتيك بهذا الشيخ من قريش . يعني ابا سفيان . فيقال· ان عم رسول الله بايع ابن عمه¨ فلا يختلف عليك من قريش احد ، والناس تبع لقريش ¨ . فرفض الامام علي ذلك .
وقد روى الامام الصادق عن ابيه عن جده انه لما استخلف ابو بكر جاء ابو سفيان الى الامام علي وقال له أرضيتم يا بني عبد مناف ان يلي عليكم تيم؟ ابسط يدك ابايعك ، فوالله لأملأها على أبى فصيل خيلا ورجلا ، فانزوى عنه وقال ويحك يا ابا سفيان هذه من دواهيك ، وقد اجتمع الناس على أبى بكر. ما زلت تبغي للاسلام العوج في الجاهلية والاسلام ، ووالله ما ضر الاسلام ذلك شيئا حتى ما زلت صاحب فتنة.
شعور الامام علي بالأولوية
ويجمع المؤرخون السنة والشيعة على ان الامام علي بن ابي طالب امتعض من انتخاب ابي بكر في البداية ، وامسك يده عن البيعة وجلس في داره لفترة من الزمن ، وانه عقب على احتجاج قريش في (سقيفة بني ساعدة) بأنهم شجرة رسول الله بالقول · انهم احتجوا بالشجرة واضاعوا الثمرة.
ويذكر الشريف الرضي في (نهج البلاغة) ان الامام اشتكى من قريش ذات مرة فقال· اللهم اني استعديك على قريش ومن اعانهم فانهم قد قطعوا رحمي وأكفؤوا انائي ، واجمعوا على منازعتي حقا كنت اولى به من غيري
وبالرغم من شعور الامام علي بالأحقية والأولوية في الخلافة ، الا انه عاد فبايع ابابكر ، وذلك عندما حدثت الردة ، حيث مشى اليه عثمان بن عفان فقال له· يا ابن عم انه لا يخرج احد الى قتال هؤلاء وانت لم تبايع ، فأرسل الى ابي بكر ان يأتيه ، فأتاه ابو بكر فقال له· والله ما نفسنا عليك ما ساق الله اليك من فضل وخير ، ولكنا كنا نظن ان لنا في هذا الامر نصيبا استبد به علينا ¨ وخاطب المسلمين قائلا· انه لم يحبسني عن بيعة ابي بكر الا اكون عارفا بحقه ، ولكنا نرى ان لنا في هذا الأمر نصيبا استبد به علينا ¨ ثم بايع ابابكر ، فقال المسلمون اصبت واحسنت .
ولا شك ان تمنع الامام علي من المسارعة الى بيعة ابي بكر كان بسبب انه كان يرى نفسه اولى وأحق بالخلافة - وهو كذلك- او كان يرى ضرورة مشاركته في الشورى وعدم جواز الاستبداد بها دونه ، وقد سأله رجل من بني أسد كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وانتم أحق به ؟ فقال يا أخا بني أسد اما الاستبداد بهذا المقام ونحن الأعلون نسبا والأشد برسول الله نوطا ، فانها كانت اثرة شحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين .
وقد قال الامام اميرالمؤمنين في الخطبة المعروفة بالشقشقية· أما والله لقد تقمصها فلان وانه ليعلم ان محلي منها محل القطب من الرحى ، ينحدر عني السيل ولا يرقى الي الطير ، فسدلت دونها ثوبا وطويت عنها كشحا ، وطفقت ارتئي بين ان اصول بيد جذاء او اصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير ويشيب فيها الصغير ويكدح فيها مؤمن حتى يلقى ربه ، فرأيت ان الصبر على هاتا احجى ، فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا ، ارى تراثي نهبا ، حتى اذا مضى الاول لسبيله فأدلى بها الى فلان بعده ، فصبرت على طول المدة وشدة المحنة حتى اذا مضى لسبيله جعلها في جماعة زعم اني احدهم ، فيا لله والشورى متى اعترض الريب في مع الاول منهم حتى صرت اقرن الى هذه النظائر؟
وهناك رواية أخرى عن زيد بن علي عن الإمام أمير المؤمنين يقول فيها · بايع الناس ابابكر وانا أولى بهم مني بقميصي هذا ، فكضمت غيظي ، وانتظرت امري وألزقت كلكلي بالارض
وفي هذه الخطب يشير الامام علي بن ابي طالب الى اولويته بالخلافة واحقيته بها وان اهل البيت هم الثمرة اذا كانت قريش شجرة رسول الله ، ولا يشير الى مسالة النص عليه من رسول الله او تعيينه خليفة من بعده ، وينقل الكليني رواية عن الامام محمد الباقر يقول فيها ان الامام علي لم يدع الى نفسه وانه أقر القوم على ما صنعوا وكتم امره واذا كان حديث الغدير يعتبر اوضح واقوى نص من النبي بحق اميرالمؤمنين فان بعض علماء الشيعة الامامية الاقدمين كالشريف المرتضى يعتبره نصا خفيا غير واضح بالخلافة ، حيث يقول في (الشافي)· انا لا ندعي علم الضرورة في النص ، لا لأنفسنا ولا على مخالفينا ، وما نعرف احدا من اصحابنا صرح بادعاء ذلك
ولذلك فان الصحابة لم يفهموا من حديث الغدير او غيره من الاحاديث معنى النص والتعيين بالخلافة ، ولذلك اختاروا طريق الشورى ، وبايعوا ابابكر كخليفة من بعد الرسول ، مما يدل على عدم وضوح معنى الخلافة من النصوص الواردة بحق الامام علي ، او عدم وجودها في ذلك الزمان .
الامام علي والشورى
ومما يؤكد كون نظام الشورى دستورا كان يلتزم به الامام اميرالمؤمنين علي بن ابي طالب وعدم معرفته بنظام الوراثة الملكية العمودية في اهل البيت ، هو دخول الامام في عملية الشورى التي اعقبت وفاة الخليفة عمر بن الخطاب ، ومحاججته لأهل الشورى بفضائله ودوره في خدمة الاسلام ، وعدم اشارته الى موضوع النص عليه او تعيينه خليفة من بعد الرسول ، ولو كان حديث الغدير يحمل هذا المعنى لأشار الامام الى ذلك ، وحاججهم بما هو اقوى من ذكر الفضائل
لقد كان الامام علي يؤمن بنظام الشورى « وان حق الشورى بالدرجة الاولى هو من اختصاص المهاجرين والانصار ، ولذلك فقد رفض بعد مقتل عثمان الاستجابة للثوار الذين دعوه الى تولي السلطة وقال لهم ليس هذا اليكم هذا للمهاجرين والانصار من أمره اولئك كان اميرا .
وعندما جاءه المهاجرون والانصار فقالوا امدد يدك نبايعك ، دفعهم ، فعاودوه ، ودفعهم ثم عاودوه فقال · دعوني والتمسوا غيري واعلموا اني ان اجبتكم ركبت بكم ما اعلم ,وان تركتموني فأنا كأحدكم ، ولعلي اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه امركم وانا لكم وزيرا خير لكم مني اميرا . ومشى الى طلحة والزبير فعرضها عليهما فقال من شاء منكما بايعته ، فقالا لا الناس بك ارضى ، واخيرا قال لهم· فان ابيتم فان بيعتي لا تكون سرا ، ولا تكون الا عن رضا المسلمين ولكن اخرج الى المسجد فمن شاء ان يبايعني فليبايعني
ولو كانت نظرية النص والتعيين ثابتة ومعروفة لدى المسلمين ، لم يكن يجوز للامام ان يدفع الثوار وينتظر كلمة المهاجرين والانصار ، كما لم يكن يجوز له ان يقول· انا لكم وزيرا خير لكم مني اميرا¨ ، ولم يكن يجوز له ان يعرض الخلافة على طلحة والزبير ، ولم يكن بحاجة لينتظر بيعة المسلمين
وهناك رواية في كتاب (سليم بن قيس الهلالي) تكشف عن ايمان الامام علي بنظرية الشورى وحق الامة في اختيار الامام ، حيث يقول في رسالة له :· الواجب في حكم الله وحكم الاسلام على المسلمين بعدما يموت امامهم او يقتل .. ان لا يعملوا عملا ولا يحدثوا حدثا ولا يقدموا يدا ولا رجلا ولا يبدأوا بشيء قبل ان يختاروا لأنفسهم اماما عفيفا عالما ورعا عارفا بالقضاء والسنة ¨ ¦
وعندما خرج عليه طلحة والزبير احتج عليهما بالبيعة وقال لهما ـ بايعتماني ثم نكثتما بيعتي ¨ ولم يشر إلى موضوع النص عليه من رسول الله ، وكلما قاله للزبير فتراجع عن قتاله هو ان ذكره بقول رسول الله له· لتقاتلنه وانت له ظالم وقال الامام علي لمعاوية الذي تمرد عليه · اما بعد .. فان بيعتي بالمدينة لزمتك وانت بالشام لأنه بايعني القوم الذين بايعوا ابابكر وعمر وعثمان ، فلم يكن للشاهد ان يختار ولا للغائب ان يرد. وانما الشورى للمهاجرين والانصار اذا اجتمعوا على رجل فسموه اماما كان ذلك لله رضا
اذن فقد كانت الشورى هي اساس الحكم في نظر الامام علي ، وذلك في غياب نظرية (النص والتعيين) التي لم يشر اليها الامام في اي موقف.
وقد كان الامام علي (ع) ينظر الى نفسه كانسان عادي غير معصوم ، ويطالب الشيعة و المسلمين ان ينظروا اليه كذلك ، ويحتفظ لنا التاريخ برائعة من روائعه التي ينقلهاالكليني في (الكافي) والتي يقول فيها اني لست في نفسي بفوق ان اخطيء ولا آمن ذلك من فعلي ، الا ان يكفي الله من نفسي ماهو املك به مني . ويتجلى ايمان الامام علي بالشورى دستورا للمسلمين بصورة واضحة ، في عملية خلافة الامام الحسن ، حيث دخل عليه المسلمون ، بعدما ضربه عبدالرحمن بن ملجم ، وطلبوا منه ان يستخلف ابنه الحسن ، فقال · لا ، انا دخلنا على رسول الله فقلنا استخلف ، فقال لا اخاف ان تفرقوا عنه كما تفرقت بنو اسرائيل عن هارون ، ولكن ان يعلم الله في قلوبكم خيرا يختر لكم . وسالوا عليا ان يشير عليهم بأحد ، فما فعل ، فقالوا له ان فقدناك فلا نفقد ان نبايع الحسن ، فقال لا آمركم ولا انهاكم . انتم ابصر
وقد ذكر الحافظ ابو بكر بن ابي الدنيا في كتاب (مقتل الامام أمير المؤمنين) عن عبدالرحمن بن جندب عن ابيه قال قلت: يا اميرالمؤمنين، ان فقدناك ـ ولا نفقدك ـ نبايع للحسن ؟..فقال: ـ ما آمركم ولا انهاكم. فعدت فقلت مثلها فرد¹ علي مثلها
وذكر الشيخ حسن بن سليمان في (مختصر بصائر الدرجات) عن سليم بن قيس الهلالي ، قال : سمعت عليا يقول وهو بين ابنيه وبين عبدالله بن جعفر وخاصة شيعته : · دعوا الناس وما رضوا لانفسهم والزموا انفسكم السكوت
وقد قام الامام اميرالمؤمنين بالوصية الى الامام الحسن وسائر ابنائه ولكنه لم يتحدث عن الامامة والخلافة ، وقد كانت وصيته روحية اخلاقية وشخصية ، او كما يقول الشيخ المفيد في (الإرشاد) ان الوصية كانت للحسن على اهله وولده واصحابه ، و وقوفه وصدقاته .
وتلك الوصية هي كالتالي · هذا ما اوصى به علي بن ابي طالب: اوصى انه يشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ، وان محمدا عبده ورسوله ، ارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. ثم ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ، بذلك امرت وانا من المسلمين . ثم اني اوصيك ياحسن وجميع ولدي واهلي ومن بلغه كتابي : ان تتقوا الله ربكم ولا تموتن الا وانتم مسلمون) ( واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فاني سمعت رسول الله (ص) يقول: صلاح ذات البين افضل من عامة الصيام والصلاة ، وان المعرة حالقة الدين فساد ذات البين ، ولا قوة الا بالله . انظروا ذوي ارحامكم فصلوهم يهون عليكم الحساب. والله الله في الايتام فلا تغب¹بون افواهم ، ولا يضيعون بحضرتكم . والله الله في جيرانكم ، فانهم وصية رسول الله مازال يوصينا بهم حتى ظننا انه يو¹رثهم . والله الله في القرآن أن يسبقكم في العمل به غيركم . والله الله في بيت ربكم ، لا يخلون¹ ما بقيتم ، فانه ان خلا لم تناظروا . والله الله في رمضان فان صيامه جن¹ة من النار لكم . والله الله في الجهاد في سبيل الله بأيديكم واموالكم وألسنتكم . والله الله في الزكاة فانها تطفيء غضب الرب . والله الله في ذمة نبيكم ، فلا يُظلمن¹ بين اظهركم . والله الله فيما ملكت ايمانكم . انظروا فلا تخافوا في الله لومة لائم ، يكفكم من ارادكم وبغى عليكم ، وقولوا للناس حسنا كما امركم الله . ولا تتركوا الامر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم يدعوا خياركم فلا يستجاب لهم . عليكم يابني بالتواصل والتباذل ، واياكم والتقاطع والتكاثر والتفرق وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان ، واتقوا الله ان الله شديد العقاب حفظكم الله من اهل بيت ، وحفظ نبيكم فيكم ، استودعكم الله ، اقرأ عليكم السلام ورحمة الله وبركاته
ولذلك لم تلعب هذه الوصية القيمة الروحية والاخلاقية اي دور في ترشيح الامام الحسن للخلافة ، لأنها كانت تخلو من الاشارة اليها ، ولم تكن تشكل بديلا عن نظام الشورى الذي كان اهل البيت يلتزمون به كدستور للمسلمين
الامام الحسن والشورى
وقد ذكر ابن ابي الحديد في (شرح نهج البلاغة)· انه لما توفي علي (ع) خرج عبدالله بن العباس بن عبدالمطلب الى الناس فقال: ان اميرالمؤمنين توفي ، وقد ترك خلفا ، فان احببتم خرج اليكم ، وان كرهتم فلا احد على احد فبكى الناس وقالوا: بل يخرج الينا.
وكما هو ملاحظ فان الامام الحسن لم يعتمد في دعوة الناس لبيعته على ذكر اي نص حوله من الرسول او من ابيه الامام علي ، و قد اشار ابن عباس إلى منزلة الامام الحسن عندما ذكر المسلمين بانه ابن بنت النبي ، و ذكر : انه وصي الامام اميرالمؤمنين ، ولكنه لم يبين : ان مستند الدعوة للبيعة هو النص او الوصية بالامامة
وهذا ما يكشف عن ايمان الامام الحسن (ع) بنظام الشورى وحق الامة في انتخاب امامها ، وقد تجلى هذا الايمان مرة اخرى عند تنازله عن الخلافة الى معاوية واشتراطه عليه العودة بعد وفاته الى نظام الشورى حيث قال في شروط الصلح · ««على انه ليس لمعاوية ان يعهد لأحد من بعده وان يكون الامر شورى بين المسلمين
ولو كانت الخلافة بالنص من الله والتعيين من الرسول ، كما تقول النظرية الامامية ، لم يكن يجوز للامام الحسن ان يتنازل عنها لأي احد تحت اي ظرف من الظروف « ولم يكن يجوز له بعد ذلك ان يبايع معاوية او ان يدعو اصحابه وشيعته لبيعته « ولم يكن يجوز له ان يهمل الامام الحسين ولأشار الى ضرورة تعيينه من بعده .. ولكن الامام الحسن لم يفعل اي شيء من ذلك وسلك مسلكا يوحي بالتزامه بحق المسلمين في انتخاب خليفتهم عبر نظام الشورى
الامام الحسين والشورى
وقد ظل الامام الحسين ملتزما ببيعة معاوية الى آخر يوم من حياة الاخير ، ورفض عرضا من شيعة الكوفة بعد وفاة الامام الحسن بالثورة على معاوية، وذكر ان بينه وبين معاوية عهدا وعقدا لا يجوز له نقضه ، ولم يدع الى نفسه الا بعد وفاة معاوية الذي خالف اتفاقية الصلح وعهد الى ابنه يزيد بالخلافة بعده ، حيث رفض الامام الحسين البيعة له ، وأصر على الخروج الى العراق حيث استشهد في كربلاء عام61 للهجرة.
و يصرح الشيخ المفيد بان الامام الحسين لم يدع احدا الى امامته في ظل عهد معاوية، ويفسر ذلك بالتقية والهدنة الحاصلة بينه وبين معاوية والتزام الامام الوفاء بها حتى وفاة معاوية
ولا توجد اية آثار لنظرية النص في قصة كربلاء ، سواء في رسائل شيعة الكوفة الى الامام الحسين ودعوته للقدوم عليهم ، او في رسائل الامام الحسين لهم ، حيث يقول الشيخ المفيد: ان الشيعة اجتمعت بالكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فذكروا هلاك معاوية .فحمدوا الله واثنوا عليه ، فقال سليمان بن صرد : ان معاوية قد هلك وان حسينا قد تقبض على القوم ببيعة ، وقد خرج الى مكة وانتم شيعته وشيعة ابيه ، فان كنتم تعلمون انكم ناصروه ومجاهدوا عدوه وتقتل انفسنا دونه فاكتبوا اليه واعلموه ، وان خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل في نفسه ، قالوا : لا بل نقاتل عدوه ونقتل انفسنا دونه قال فاكتبوا اليه ، فكتبوا اليه : ـ
للحسين بن علي ، من سليمان بن صرد والمسيب بن نجية ورفاعة بن شداد البجلي وحبيب بن مظاهر وشيعته المؤمنين والمسلمين من اهل الكوفة : سلام عليك فانا نحمد اليك الله الذي لا اله الا هو .. اما بعد : فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد الذي انتزى على هذه الامة فابتزها امرها وغصبها فيئها وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل خيارها واستبقى اشرارها وجعل مال الله دولة بين جبابرتها واغنيائها فبعدا له كما بعدت ثمود . انه ليس علينا امام ، فاقبل لعل الله ان يجمعنا بك على الحق . والنعمان بن بشير في قصر الامارة لسنا نجتمع معه في جمعة ولا نخرج معه الى عيد ، ولو قد بلغنا انك قد اقبلت الينا اخرجناه حتى نلحقه بالشام ان شاء الله .
فكتب اليهم : ـ من الحسين بن علي الى الملأ من المؤمنين والمسلمين
.. اما بعد فان هانيا وسعيدا قدما علي بكتبكم ، وكان آخر من قدم علي من رسلكم وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم ومقالة جلكم ·أنه ليس علينا امام فاقبل لعل الله ان يجمعنا بك على الحق والهدى ¨ واني باعث اليكم اخي وابن عمي وثقتي من اهل بيتي مسلم بن عقيل ، فان كتب الي انه قد اجتمع رأي ملأكم وذوي الحجى والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم ، وقرأت في كتبكم فاني اقدم اليكم وشيكا ان شاء الله . فلعمري ما الامام الا الحاكم بالكتاب ، القائم بالقسط ، الداين بدين الحق ، الحابس نفسه على ذات الله ، والسلام.
اذن فان مفهوم (الإمام) عند الامام الحسين لم يكن الا (الحاكم بالكتاب القائم بالقسط الداين بدين الحق الحابس نفسه على ذات الله) ولم يكن يقدم اية نظرية حول (الامام المعصوم المعين من قبل الله) ولم يكن يطالب بالخلافة كحق شخصي له لأنه ابن الامام علي او انه معين من قبل الله . ولذلك فانه لم يفكر بنقل (الإمامة) الى احد من ولده ، ولم يوصِ الى ابنه الوحيد الذي ظل على قيد الحياة علي زين العابدين ، وانما اوصى الى اخته زينب او ابنته فاطمة ، وكانت وصيته عادية جدا تتعلق باموره الخاصة ، ولا تتحدث ابدا عن
موضوع الامامة والخلافة
ومما يؤكد عدم وجود نظرية (الامامة الإلهية) في ذلك الوقت ، عدم اشارة الامام علي بن الحسين اليها ، في خطبته الشهيرة التي القاها بشجاعة امام يزيد بن معاوية في المسجد الاموي عندما أُخذ اسيرا الى الشام ، وقد قال في خطبته تلك: · ايها الناس أُعطينا ستا وفضلنا بسبع : اعطينا العلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والمحبة في قلوب المؤمنين ، وفُضلنا بأن منا النبي والصديق والطيار واسد الله واسد رسوله وسبطا هذه الامة. ثم ذكر الامام اميرالمؤمنين فقال: انا ابن صالح المؤمنين ووارث النبيين ويعسوب المسلمين ونور المجاهدين وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين ومفرق الاحزاب ، اربطهم جأشا وامضاهم عزيمة ذاك ابو السبطين علي بن ابي طالب .
ولم يشر الامام زين العابدين في خطبته الجريئة تلك الى موضوع الوصية او الامامة الالهية ، او الى قانون وراثة الامامة بالنص ، ولم يقل للناس انه الامام الشرعي المفترض الطاعة بعد ابيه الامام الحسين ، وانما اكتفى بالحديث عن فضل اهل البيت وفضائل الامام اميرالمؤمنين وانجازاته التاريخية
اعتزال الامام زين العابدين
وقد بايع الامام علي بن الحسين يزيد بن معاوية بعد واقعة الحرة ورفض قيادة الشيعة الذين كانوا يطالبون بالثأر لمقتل ابيه الامام الحسين ، ويعدون للثورة ، ولم يدعِ الامامة ، ولم يتصدَ لها ، ولم ينازع عمه فيها ، وكما يقول الشيخ الصدوق : فانه انقبض عن الناس فلم يلق احدا ولا كان يلقاه الا خواص اصحابه ، وكان في نهاية العبادة ولم يخرج عنه من العلم الا يسيرا
ويتطرف الصدوق جدا وبشكل غير معقول فينقل عن الامام السجاد : انه كان يوصي الشيعة بالخضوع للحاكم والطاعة له وعدم التعرض لسخطه، ويتهم الثائرين بالمسؤلية عن الظلم الذي يلحق بهم من قبل السلطان
انتخاب سليمان بن صرد الخزاعي زعيما للشيعة
ومن هنا ونتيجة للفراغ القيادي فقد انتخب الشيعة في الكوفة بعد مقتل الامام الحسين سليمان بن صرد الخزاعي زعيما عليهم ، وذلك عندما اجتمعوا الى خمسة من رؤوسهم ، وقام المسيب بن نجيبة خطيبا فقال: ـ ايها القوم ولوا عليكم رجلا منكم فانه لا بد لكم من أمير تفزعون إليه وراية تحفون بها ، وقام رفاعة بن شداد فعقب على كلامه قائلا·قلت: ولوا امركم رجلا منكم تفزعون إليه وتحفون برايته ، وذلك رأي قد رأينا مثل الذي رأيت ، فان تكن انت ذلك الرجل تكن عندنا مرضيا وفينا متنصحا وفي جماعتنا محبا ، وان رأيت ورأى أصحابنا ذلك ولينا هذا الامر شيخ الشيعة صاحب رسول الله وذا السابقة سليمان بن صرد ، المحمود في بأسه والموثوق بحزمه¨« ثم تكلم عبدالله بن وال ، وعبدالله بن سعد فحمدا ربهما واثنيا عليه ... فقال المسيب بن نجيبة : · اصبتم ووفقتم وانا ارى مثل الذي رأيتم فولوا امركم سليمان بن صرد¨ وقد قام سليمان بن صرد الخزاعي بقيادة حركة قامت للثأر من قتلة الحسين ، وعرفت بحركة التوابين
امامة محمد بن الحنفية
وعندما قام المختار بن عبيدة الثقفي ، بعد ذلك ، بحركته في الكوفة ، كتب الى علي بن الحسين يريده على ان يبايع له ويقول بامامته ويظهر دعوته ، وانفذ اليه مالا كثيرا ، فأبى ان يقبل ذلك منه ، او يجيبه عن كتابه ، فلما يئس المختار منه كتب الى عمه محمد بن الحنفية يريده على مثل ذلك ، واخذ يدعو الى امامته وقد استلم محمد بن الحنفية قيادة الشيعة فعلا ، ورعى قيام دولة المختار بن عبيدة الثقفي في الكوفة
لقد كان أئمة اهل البيت يعتقدون بحق الامة الاسلامية في اختيار اوليائها وبضرورة ممارسة الشورى ، وادانة الاستيلاء على السلطة بالقوة ولعلنا نجد في الحديث الذي يرويه الصدوق في (عيون اخبار الرضا) عن الامام الرضا عن ابيه الكاظم عن ابيه جعفر الصادق عن ابيه محمد الباقر عن علي بن الحسين عن الحسين بن علي عن ابيه عن جده رسول الله (ص) والذي يقول فيه من جاءكم يريد ان يفرق الجماعة ويغصب الامة امرها ويتولى من غير مشورة فاقتلوه ، فان الله عزوجل قد اذن ذلك .. لعلنا نجد في هذا الحديث افضل
تعبير عن ايمان اهل البيت بالشورى والتزامهم بها ، واذا كانوا يدعون الناس الى اتباعهم والانقياد اليهم فانما كانوا يفعلون ذلك ايمانا بأفضليتهم واولويتهم بالخلافة في مقابل ·الخلفاء¨ الذين كانوا لا يحكمون بالكتاب ولا يقيمون القسط ولا يدينون بالحق من هنا وتبعا لمفهوم (الأولوية) قالت اجيال من الشيعة الاوائل ، وخاصة في القرن الاول الهجري ان عليا كان اولى الناس بعد رسول الله لفضله وسابقته وعلمه ، وهو افضل الناس كلهم بعده واشجعهم وأسخاهم وأورعهم وأزهدهم . وأجازوا مع ذلك امامة ابي بكر وعمر وعدوهما اهلا لذلك المكان والمقام ، وذكروا ان عليا سلم لهما الامر ورضي بذلك وبايعهما طائعا غير مكره وترك حقه لهما ، فنحن راضون كما رضي المسلمون له ، ولمن بايع ، لا يحل لنا غير ذلك ولا يسع منا احدا الا ذلك ، وان ولاية ابي بكر صارت رشدا وهدى لتسليم علي ورضاه
بينما قالت فرقة اخرى من الشيعة : · ان عليا افضل الناس لقرابته من رسول الله ولسابقته وعلمه ولكن كان جائزا للناس ان يولوا عليهم غيره اذا كان الوالي الذي يولونه مجزئا ، أحب¹ ذلك او كرهه ، فولاية الوالي الذي ولوا على انفسهم برضى منهم رشد وهدى وطاعة لله عزوجل ، وطاعته واجبة من الله عزوجل
وقال قسم آخر منهم : · ان امامة علي بن ابي طالب ثابتة في الوقت الذي دعا الناس واظهر امره و قد قيل للحسن بن الحسن بن علي الذي كان كبير الطالبيين في عهده وكان وصي ابيه وولي صدقة جده ألم يقل رسول الله من كنت مولاه فعلي مولاه؟فقال: بلى ولكن والله لم يعنِ رسول الله بذلك الامامة والسلطان ، ولو اراد ذلك لأفصح لهم به
وكان ابنه عبدالله يقول: · ليس لنا في هذا الامر ما ليس لغيرنا ، و ليس في احد من اهل البيت امام مفترض الطاعة من الله¨ وكان ينفي امامة اميرالمؤمنين انها من الله
مما يعني ان نظرية النص وتوارث السلطة في اهل البيت فقط ، لم يكن لها رصيد لدى الجيل الاول من الشيعة ، ومن هنا فقد كانت نظرتهم الى الشيخين ابي بكر وعمر نظرة ايجابية ، اذ لم يكونوا يعتبرونهما ·غاصبين¨ للخلافة التي تركها رسول الله شورى بين المسلمين ولم ينص على أحد بالخصوص وهذا ما يفسر أمر الامام الصادق لشيعته بتوليهما - أحمد الكاتب
هل الخلافة نص ام شورى ؟ شبهات وردود
إخواني احببت في هذه الفتنرة المقبلة ان اذكر بعض الشبهات التي يثيرها الرافضة في الانترنت واذكر الرد عليها سواء كان الرد من قبلي ام من قبل احد المجاهدين المجتهدين في هذا المجال القصد من ذلك هو جمع اجوبة جاهزة وموجودة للاستفادة منها متى ما طرح الرافضة هذه الشبه واذكر اول هذه الشبه وهي :
هل الخلافة نص ام شورى ؟؟؟
المسألة فيها خلاف بين اهل السنة وهذا راجع الى الادلة
فمنهم من قال بوجود بعض الادلة التي يفهم منها النص على خلافة ابي بكر الصديق بعد رسول الله صلى الله عليه واله وسلم واذكر هنا بعضا منها :
الرواية الاولى
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: "مرض النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه، فقال: [مروا أبا بكر فليصل بالناس]، قالت عائشة: يا رسول الله، إنه رجل رقيق، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس، فقال: [مري أبا بكر فليصل بالناس]، فعادت، فقال: [مري أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف]، فأتاه الرسول، فصلى بالناس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم". (أخرجه البخاري ومسلم).
الرواية الثانية
وعن عبدالله بن زمعة رضي الله عنه قال: "لما استعز بالنبي صلى الله عليه وسلم –وأنا عنده في نفر من الناس- دعاه بلال إلى الصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [مروا أبا بكر يصلي بالناس]، قال فخرجنا، فإذا عمر في الناس، وكان أبو بكر غائباً، فقلت: يا عمر، قم فصل للناس، فتقدم فكبر، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته -وكان عمر رجلاً مجهراً- قال: [فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون]، فبعث إلى أبي بكر، فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة، فصلى بالناس".
زاد في رواية قال: "لما أن سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت عمر (قال ابن زمعة)، خرج النبي صلى الله عليه وسلم حتى أطلع رأسه من حجرته، ثم قال: [لا، لا، لا، ليصل بالناس ابن أبي قحافة].. يقول ذلك مغضباً" أخرجه أبو داود وهو حديث حسن.
التعليق على هذا الحيدث :
وفي هذا الحديث من الفوائد ما يلي:
1) اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم أبا بكر ليصلي بالناس دليل على إمامته، لأن الصلاة أشرف عمل للمسلمين، وإمامتها مهمة الإمام والقائد، ولذلك كان لا يؤم الجيش إلا القائد، فتقديم الرسول لأبي بكر ليصلي بالناس من أعظم الأدلة أنه قد ارتضاه بل عينه إماماً للناس في كل الشئون لأن الصلاة هي العنوان وهي أعظم شئون المسلمين.
وكذلك أن اختيار الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ليصلي بالناس أعظم دليل على تقديمه وتزكيته لتولي أمور المسلمين والقيام بالأمر من بعده. كما استدل بذلك الصحابة وقالوا "رضيه رسول الله لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا". وذلك أن الصلاة هي أعظم أعمال الإسلام بعد الشهادتين والإيمان، وهي أعظم أعمال الخلفاء والولاة كما قال تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر} فبدأ بالصلاة أولاً حتى يشعرنا أنها أعظم أعمال الدين وأعظم أفعال ولاة الأمور، واختيار الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ليؤم الناس في مرض موته أصرح الدلالات على أن الرسول صلى الله عليه وسلم اختار الصديق لإمامة المسلمين وخلافة النبوة.
2) إصرار الرسول صلى الله عليه وسلم على تولية أبي بكر يدل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن ليدع أهم الأمور وهي إمامة المسلمين دون أن يرشد إليها ويبينها وفي تولية الصديق الإمامة أتم البيان.
الرواية الثالثة
روى البخاري بإسناده عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه قال: أتت امرأة النبي صلى الله عليه وسلم فأمرها أن ترجع إليه، قالت أرأيت إن جئت ولم أجدك، كأنها تقول الموت، قال عليه الصلاة والسلام: [إن لم تجديني فأتي أبا بكر].
وهذه شهادة من الرسول صلى الله عليه وسلم وخبر صادق منه، ودلالة من دلائل نبوته وصدقه صلى الله عليه وسلم أن الذي سيرجع إليه بعد وفاته صلى الله عليه وسلم إنما هو الصديق رضي الله عنه، فأي شهادة أبلغ من هذه وأصرح للدلالة على أن المرجع بعد الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو أبو بكر رضي الله عنه.
الرواية الرابعة
روى الإمام البخاري بإسناده عن الزهري، قال أخبرني ابن المسيب سمع أبا هريرة رضي الله عنه، قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: [بينا أنا نائم رأيتني على قليب عليها دلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذنوبا أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له ضعفه، ثم استحالت غربا فأخذها ابن الخطاب فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن].
إن الخلافة بعد الرسول إنما تكون لأبي بكر ثم عمر وإن خلافة الصديق تكون قصيرة ثم تأتي خلافة الفاروق حيث يفيض المال وتعظم الفتوح وتستحيل دولة الإسلام إلى دولة عظمى، حتى يضرب الناس بعطن.. (والعطن) هو مرقد الإبل وهذه كناية وإشارة إلى استقرار الأمة وكثرة عددها وقيام سوقها.
الرواية الخامسة
اخرج الامام مسلم في صحيحه انه قال صلى الله عليه واله وسلم في اوائل مرضه وهو عند السيدة عائشة (( ادعي لي اباك واخاك حتى اكتب كتابا فإني اخاف ان يتمنى متمن ويقول قائل ويابى الله والمؤمنون إلا ابابكر)) .
وهنا قال بعض علماء الحديث ان النبي عليه الصلاة والسلام اراد ان ينص على اسامي الخلفاء بعده حتى لايقع بينهم الاختلاف .
خلاصة القول : ان هذه الاحاديث يوجد فيها اشارات واضحة على ان الخليفة بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام هو ابوبكررضي الله عنه
اما قول الذين ذهبوا الى ان الخلافة شورى فهولاء استندوا على قول الله تعالى (( وامرهم شورى بينهم)) وكذلك استندوا على واقعة السقيفة وما تم فيها بين الصحابة .
هذه هي المسالة بكل بساطة وليس فيها تعارض ابدا ، وانما التعارض الكبير هو موجود عند الشيعة الاثني عشرية إذ انهم يدعون العصمة وعدم التناقض للأئمة الاثني عشر وانهم جميعا منصوص عليهم من الله تعالى ولكننا نجد في الواقع التناقض من بعض الائمة المعصومين ، فنجد علي رضي الله عنه قاتل معاوية رضي الله عنه ثم ياتي ابنه الحسن رضي الله عنه ويتنازل عن الامامة ـ المنصوص عليها من الله تعالى ـ لرجل ((كافر)) عند الرافضة مع انه كان تحت يده قرابة العشرين الف مقاتل ثم نجد كذلك التناقض في فعل الامام المعصوم الحسين رضي الله عنه حين خرج على يزيد بن معاويه ولم يكن تحت يده إلا بضعة وسبعون رجلا مقاتل فقط .
ماهذا التنتاقض ؟؟؟ والكل معصوم ؟؟؟؟؟
فان قال الرافضي انه لم يكن هناك أي نص واضيح على أبو بكر ولو كان هناك نص واضح لما قال عمر أنها كانت فلتة وقى الله شرها
فالجواب :
اولا : ليس هناك نص صريح من النبي صلى الله عليه واله وسلم على خلافة ابي بكر الصديق رضي الله عنه .
ثانيا : مقولة عمر رضي الله عنه ((فلته وقى الله شرها )) :
نجد ان الرفضة هنا دائما ياخذون من الروايات ما يروق لهم القصد منها التدليس على القاريء بينما نجد لوان الرافضة نقلوا لنا الرواية كاملة بشرحها لبطلت شبهتهم من الاساس .
و هنا انقل العبارة كاملة ثم اذكر شرحها ليتبين المقصود منها :
اولا هذه العبارة وردت في صحيح البخاري كتاب الحدود باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت
وانقل هنا العبارة كاملة :
((ثُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ قَائِلًا مِنْكُمْ يَقُولُ وَاللَّهِ لَوْ قَدْ مَاتَ عُمَرُ بَايَعْتُ فُلَانًا فَلَا يَغْتَرَّنَّ امْرُؤٌ أَنْ يَقُولَ إِنَّمَا كَانَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فَلْتَةً وَتَمَّتْ أَلَا وَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ وَلَكِنَّ اللَّهَ وَقَى شَرَّهَا وَلَيْسَ مِنْكُمْ مَنْ تُقْطَعُ الْأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ )).
واذكر الان الشرح :
قال شارح البخاري الحافظ ابن حجر رحمه الله :
(( قوْله ( أَلَا وَإِنَّهَا )
أَيْ بَيْعَة أَبِي بَكْر .
قَوْله ( قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ )
أَيْ فَلْتَة , وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَة إِسْحَاق بْن عِيسَى عَنْ مَالِك , حَكَى ثَعْلَب عَنْ اِبْن الْأَعْرَابِيّ وَأَخْرَجَهُ سَيْف فِي الْفُتُوح بِسَنَدِهِ عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر نَحْوه قَالَ : الْفَلْتَة اللَّيْلَة الَّتِي يُشَكّ فِيهَا هَلْ هِيَ مِنْ رَجَب أَوْ شَعْبَان وَهَلْ مِنْ الْمُحَرَّم أَوْ صَفَر , كَانَ الْعَرَب لَا يُشْهِرُونَ السِّلَاح فِي الْأَشْهُر الْحُرُم فَكَانَ مَنْ لَهُ ثَأْر تَرَبَّصَ فَإِذَا جَاءَتْ تِلْكَ اللَّيْلَة اِنْتَهَزَ الْفُرْصَة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَحَقَّق اِنْسِلَاخ الشَّهْر فَيَتَمَكَّن مِمَّنْ يُرِيد إِيقَاع الشَّرّ بِهِ وَهُوَ آمِنٌ فَيَتَرَتَّب عَلَى ذَلِكَ الشَّرّ الْكَثِير , فَشَبَّهَ عُمَر الْحَيَاة النَّبَوِيَّة بِالشَّهْرِ الْحَرَام وَالْفَلْتَة بِمَا وَقَعَ مِنْ أَهْل الرِّدَّة وَوَقَى اللَّه شَرَّ ذَلِكَ بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْر لِمَا وَقَعَ مِنْهُ مِنْ النُّهُوض فِي قِتَالهمْ وَإِخْمَاد شَوْكَتهمْ , كَذَا قَالَ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَال : الْجَامِع بَيْنهمَا اِنْتِهَاز الْفُرْصَة , لَكِنْ كَانَ يَنْشَأ عَنْ أَخْذ الثَّأْر الشَّرّ الْكَثِير فَوَقَى اللَّه الْمُسْلِمِينَ شَرَّ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْشَأ عَنْ بَيْعَة أَبِي بَكْر شَرٌّ بَلْ أَطَاعَهُ النَّاس كُلّهمْ مَنْ حَضَرَ الْبَيْعَة وَمَنْ غَابَ عَنْهَا . وَفِي قَوْله " وَقَى اللَّه شَرَّهَا " إِيمَاء إِلَى التَّحْذِير مِنْ الْوُقُوع فِي مِثْل ذَلِكَ حَيْثُ لَا يُؤْمَن مِنْ وُقُوع الشَّرّ وَالِاخْتِلَاف .
قَوْله ( وَلَكِنَّ اللَّه وَقَى شَرّهَا )
أَيْ وَقَاهُمْ مَا فِي الْعَجَلَة غَالِبًا مِنْ الشَّرّ , لِأَنَّ مِنْ الْعَادَة أَنَّ مَنْ لَمْ يَطَّلِع عَلَى الْحِكْمَة فِي الشَّيْء الَّذِي يَفْعَل بَغْتَة لَا يَرْضَاهُ , وَقَدْ بَيَّنَ عُمَر سَبَب إِسْرَاعهمْ بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْر لِمَا خَشَوْا أَنْ يُبَايِع , الْأَنْصَارُ سَعْد بْن عُبَادَةَ , قَالَ أَبُو عُبَيْدَة : عَاجَلُوا بِبَيْعَةِ أَبِي بَكْر خِيفَة اِنْتِشَار الْأَمْر وَأَنْ يَتَعَلَّق بِهِ مَنْ لَا يَسْتَحِقّهُ فَيَقَع الشَّرّ . وَقَالَ الدَّاوُدِيّ : مَعْنَى قَوْله " كَانَتْ فَلْتَة " أَنَّهَا وَقَعَتْ مِنْ غَيْر مَشُورَة مَعَ جَمِيع مَنْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُشَاوَر , وَأَنْكَرَ هَذِهِ الْكَرَابِيسِيّ صَاحِبُ الشَّافِعِيّ وَقَالَ : بَلْ الْمُرَاد أَنَّ أَبَا بَكْر وَمَنْ مَعَهُ تَفَلَّتُوا فِي ذَهَابهمْ إِلَى الْأَنْصَار فَبَايَعُوا أَبَا بَكْر بِحَضْرَتِهِمْ , وَفِيهِمْ مَنْ لَا يَعْرِف مَا يَجِب عَلَيْهِ مِنْ بَيْعَته فَقَالَ : مِنَّا أَمِير وَمِنْكُمْ أَمِير , فَالْمُرَاد بِالْفَلْتَةِ مَا وَقَعَ مِنْ مُخَالَفَة الْأَنْصَار وَمَا أَرَادُوهُ مِنْ مُبَايَعَة سَعْد بْن عُبَادَةَ وَقَالَ اِبْن حِبَّان : مَعْنَى قَوْله " كَانَتْ فَلْتَة " أَنَّ اِبْتِدَاءَهَا كَانَ عَنْ غَيْر مَلَأ كَثِير , وَالشَّيْء إِذَا كَانَ كَذَلِكَ يُقَال لَهُ الْفَلْتَة فَيُتَوَقَّع فِيهِ مَا لَعَلَّهُ يَحْدُث مِنْ الشَّرّ بِمُخَالَفَةِ مَنْ يُخَالِف فِي ذَلِكَ عَادَة , فَكَفَى اللَّه الْمُسْلِمِينَ الشَّرّ الْمُتَوَقَّع فِي ذَلِكَ عَادَة , لَا أَنَّ بَيْعَة أَبِي بَكْر كَانَ فِيهَا شَرٌّ .
قَوْله ( وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تُقْطَع الْأَعْنَاقُ إِلَيْهِ مِثْل أَبِي بَكْر )
قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيد أَنَّ السَّابِق مِنْكُمْ الَّذِي لَا يُلْحَق فِي الْفَضْل لَا يَصِل إِلَى مَنْزِلَة أَبِي بَكْر , فَلَا يَطْمَع أَحَد أَنْ يَقَع لَهُ مِثْل مَا وَقَعَ لِأَبِي بَكْر مِنْ الْمُبَايَعَة لَهُ أَوَّلًا فِي الْمَلَأ الْيَسِير ثُمَّ اِجْتِمَاع النَّاس عَلَيْهِ وَعَدَم اِخْتِلَافهمْ عَلَيْهِ لِمَا تَحَقَّقُوا مِنْ اِسْتِحْقَاقه فَلَمْ يَحْتَاجُوا فِي أَمْره إِلَى نَظَر وَلَا إِلَى مُشَاوَرَة أُخْرَى , وَلَيْسَ غَيْره فِي ذَلِكَ مِثْله . اِنْتَهَى مُلَخَّصًا . وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى التَّحْذِير مِنْ الْمُسَارَعَة إِلَى مِثْل ذَلِكَ حَيْثُ لَا يَكُون هُنَاكَ مِثْل أَبِي بَكْر لِمَا اِجْتَمَعَ فِيهِ مِنْ الصِّفَات الْمَحْمُودَة مِنْ قِيَامه فِي أَمْر اللَّه , وَلِين جَانِبه لِلْمُسْلِمِينَ , وَحُسْن خُلُقه , وَمَعْرِفَته بِالسِّيَاسَةِ , وَوَرَعه التَّامّ مِمَّنْ لَا يُوجَد فِيهِ مِثْل صِفَاته لَا يُؤْمَن مِنْ مُبَايَعَته عَنْ غَيْر مَشُورَة الِاخْتِلَافُ الَّذِي يَنْشَأ عَنْهُ الشَّرّ , وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ " تُقْطَع الْأَعْنَاق " لِكَوْنِ النَّاظِر إِلَى السَّابِق تَمْتَدّ عُنُقُهُ لِيَنْظُر , فَإِذَا لَمْ يَحْصُل مَقْصُوده مِنْ سَبْق مَنْ يُرِيد سَبْقه قِيلَ اِنْقَطَعَتْ عُنُقه , أَوْ لِأَنَّ الْمُتَسَابِقَيْنِ تَمْتَدّ إِلَى رُؤْيَتهمَا الْأَعْنَاق حَتَّى يَغِيب السَّابِق عَنْ النَّظَر , فَعَبَّرَ عَنْ اِمْتِنَاع نَظَره بِانْقِطَاعِ عُنُقه . وَقَالَ اِبْن التِّين : هُوَ مَثَل , يُقَال لِلْفَرَسِ الْجَوَاد تَقَطَّعَتْ أَعْنَاق الْخَيْل دُون لَحَاقه , وَوَقَعَ فِي رِوَايَة أَبِي مَعْشَر الْمَذْكُورَة " وَمِنْ أَيْنَ لَنَا مِثْل أَبِي بَكْر تُمَدّ أَعْنَاقُنَا إِلَيْهِ " . ))
وقال صاحب التحفة الاثني عشرية الالوسي رحمه الله تعالى :
(( هذا الكلام صدر من عمر في زجر رجل كان يقول : ان مات عمر ابايع فلانا وحدي او مع اخر كما كان في مبايعة ابي بكر ثم استقر الامر عليها ، فمعنى كلام الفاروق في رده القول ان بيعة رجلين شخصا من غير تأمل سابق ومراجعة اهل الحل والعقد ليست صحيحة وبيعة ابي بكر وان كانت فجأة بسبب مناقشة الانصار وعدم وجود فرصة للمشورة فقد حلت محلها وصادفت اهلها للدائل الدالة على ذلك والقرائن القائمة على ماهنالك كإمامة الصلاة ونحوها وهذا معنى (وقى الله شرها) فلايقاس غيره بها وفي اخر هذه الرواية التي رواها الشيعة(وايكم مثل ابي بكر) اي في الافضلية والخيرية وعدم الاحتياج الى المشورة )) . انتهى كلامه .
الان اخواني اتضح ما المقصود(( بكلمة فلته وقى الله شرها ))
بقي نقطة واحدة وهي انها حين يقول الرافضي بأن الخلافة انما هي نص من الله تعالى وليست شورى فاننا نقول له :
طالما ان الخلافة ليست شورى ولا بيد احد فإننا فنجد علي رضي الله عنه قاتل معاوية رضي الله عنه ثم ياتي ابنه الحسن رضي الله عنه ويتنازل عن الامامة ـ المنصوص عليها من الله تعالى ـ لرجل ((كافر)) عند الرافضة مع انه كان تحت يده قرابة العشرين الف مقاتل ثم نجد كذلك التناقض في فعل الامام المعصوم الحسين رضي الله عنه حين خرج على يزيد بن معاويه ولم يكن تحت يده إلا بضعة وسبعون رجلا مقاتل فقط .
ماهذا التنتاقض ؟؟؟ والكل معصوم ؟؟؟؟؟ والنص واحد على إمام من الله تعالى بالخلافة ؟؟؟
ملاحظة : هذا البحث مجهود فردي قد يعتريه النقص فلذلك من كان لديه اضافة او تعقيب فيلذكره وله الدعاء
الخلافة والخلفاء الراشدون بين الشورى والديمقراطية
تأليف: المستشار سالم البهنساوي
وضع المستشار سالم البهنساوي للمكتبة الإسلامية عدداً من الكتب النفيسة، في توضيح صورة الإسلام، والذب عنه، وبيان الافتراءات التي ألصقت فيه، وفيمن حمله من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن هذه الكتب: الحقائق الغائبة بين الشيعة وأهل السنة، وقد قمنا في العدد التاسع من الراصد بالتعريف به، ومن كتبه "السنة المفترى عليها"، ومنها كتاب "الخلافة والخلفاء الراشدون بين الشورى والديمقراطية" الذي نحن بصدد تناوله في هذا العدد.
وقد صدرت الطبعة الأولى من هذا الكتاب عن دار الزهراء للإعلام العربي في القاهرة سنة 1412هـ (1991م)، وهو دراسة عن الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، تتناول أهم أعمالهم، وتمحص الخلافات المرويّة عنهم في كتب التاريخ، كما رأى المؤلف أن يقدم مع هذه الدراسة فصلاً عن ظروف تدوين التاريخ الإسلامي، والواجب عند تناول هذه المصادر التاريخية، مع بيان مركّز عن الخلافة الإسلامية، والفرق بينها وبين الحكومة الدينية في أوربا، وأهم الفوارق بين سيادة الأمة في النظام الديمقراطي الغربي والإسلامي.
وفي مقدمة الكتاب، يعرب المؤلف عن أمله في أن يساهم كتابه مع غيره من جهود الآخرين في بيان الحقائق التاريخية عن الخلافة، وعن الخلفاء الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم وعاهدوه، وباعوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، وشهد القرآن الكريم لهم بذلك مما يقطع ألسنة من يرميهم بالنفاق.
وقد قسم المؤلف كتابه الواقع في 334 صفحة من القطع الكبير إلى ستة فصول: تناول في الأول حقيقة الدراسات التاريخية، وفي الثاني مسألة الخلافة ورئاسة الدولة، وفي الثالث: الخليفة الأول أبو بكر الصديق، وفي الفصل الرابع يتناول سيرة عمر بن الخطاب وعصره، وفي الخامس: عثمان بن عفان، وفي السادس: علي بن أبي طالب.
وفي هذا الفصل عدد من المباحث، يتحدث أولها عن أن الدراسات التاريخية الحديثة عن العالم العربي والإسلامي ظلت حكراً على مجموعة من الكتاب الذين يعادون الأديان بصفة عامة، والإسلام بصفة خاصة، فالدين في زعمهم اختراع بشري لا يصلح لكل زمان ومكان!
ومن تلك الكتب: "معالم تاريخ الإنسانية"، وهو معجم ألّفه هـ . ج ولز ومجموعة من أساتذة الجامعات، "وموجز تاريخ العالم" للمؤلف نفسه، "وموسوعة تاريخ العالم" للانجر، وقصة الحضارة لديورانت.
أما الكتب التي تعرضت لتاريخ الإسلام وحضارته، فإنها سارت على المنوال نفسه، مثل كتاب "حضارة العرب" للمستشرق جوستاف لوبون، وفيه يقول أن الإسلام من اختراع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وبنفس القول جاء كتاب " الدعوة إلى الإسلام" لتوماس أرنولد.
وعلى منوال المستشرقين سار بعض من انتسبوا للإسلام في كتاباتهم عن التاريخ الإسلامي ومن أبرز هؤلاء:
1ـ طه حسين، في كتبه: "الشيخان"، و "الفتنة الكبرى"، و "مرآة الإسلام"،وفيها يكذب أقوال الصحابة، ويلجأ إلى أقوال المنافقين والمرجفين. والأدهى من ذلك أن طه حسين استغل منصبه كرئيس للجنة الثقافية بجامعة الدول العربية ونشر كتاب "قصة الحضارة" الذي يقول البهنساوي عنه أنه يهدم الدين والتدين.
2ـ أيضاً بعض الباحثين الذين تنقصهم أدوات البحث العلمي أو التصور الصحيح للتاريخ الإسلامي: كعلي حسن الخربطلي، وغيره، فقد كانوا يلجأون للروايات المكذوبة ويضعونها أمام قرائهم، كما أنهم كانوا يفسرون الروايات الصحيحة على هواهم، من قبيل زعم الخربطلي أن الجهاد لم يكن لنشر الإسلام، بل لإبعاد المسلمين عن الدعة والترف.
وبعد أن يناقش المستشار البهنساوي منهج طه حسين الملقب بعميد الأدب العربي في تناوله للمسائل التاريخية، وأنه لا يتبع منهجاً علمياً يقوم على تمحيص الروايات يؤكد على وجوب تحقيق الروايات، ويعقد لذلك مبحثاً مستقلاً، وفيه يقول: "لقد تمكن هؤلاء المنافقون من إحداث الفتنة التي أدت إلى قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وإلى الحروب بين الصحابة، ومقتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولهذا فمن اليسير أن يختلقوا الوقائع، ويروجوا الأكاذيب التي تصور صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تصويراً يكذب توثيق القرآن لهم" ص23.
ويؤكد المؤلف أن هؤلاء المنافقين استغلوا أن الأحاديث النبوية، وأحداث السيرة كانت تتداول بين المسلمين بالرواية، دون أن تدوّن أو تكتب كالقرآن الكريم، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كي لا يختلط القرآن بغيره.
ولما جاء الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمه الله، وهو من طبقة التابعين، أمر بتدوين السنة وجمعها، وتمحيصها، وتولى هذه المهمة الإمام محمد بن شهاب الزهري، المتوفى سنة 124هـ، واتخذ العلماء والمحدثون منهجاً صارماً في رواية وقبول الأحاديث.
أما تدوين التاريخ والسيرة النبوية، فإن بدايته تمثلت في كتاب "سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي كتبه محمد بن إسحاق، المتوفى سنة 151هـ، ويليه سيرة ابن هشام، المتوفى سنة 213هـ، ثم كتاب المغازي والسير للواقدي، المتوفى سنة 207هـ ، ويليه الطبقات الكبرى لابن سعد، المتوفى سنة 290هـ.
لكن هؤلاء المؤرخين وغيرهم لم يلتزموا منهج علماء الحديث في تحقيق الروايات، وترتب على ذلك تدوين بعض الأخبار الكاذبة ظناً منهم أن الأمانة تقتضي تدوين ما انتهى إليه علمهم، ولو كانت رائحة الكذب تفوح منه.
وقد أشار المؤلف إلى كلام شيخ المؤرخين الإمام الطبري في مقدمة كتابه "تاريخ الأمم والملوك" حول إيراد جميع الروايات الصحيحة والمكذوبة على حد سواء، حيث يقول الطبري: ".. فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهاً من الصحة، ولا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا".
لكن المستشار البهنساوي يلفت في ص27 من كتابه إلى أن نفراً من خصوم الإسلام في الغرب والشرق قد تصيدوا هذه الشناعات والروايات الكاذبة ليهدموا صرح الإسلام عن طريق التشكيك في رجاله الأمناء على دعوته.
ويقول: لقد ترجمت بعض كتب الأدب التي تحوي هذه الشناعات إلى معظم اللغات الحيّة لتقدم عن الخلفاء والأمراء صورة سيئة.
ويضيف: لقد استفاد خصوم الإسلام من عدم تحقيق هذه الروايات، فنقلوها كما هي، ونسبوها إلى المؤرخين، ليضعوا عليها الثقة، وهي من الأكاذيب، فمثلاً ينقل الطبري عن أبي مخنف([1]) خيراً عن التحكيم، ثم نقله عنه ابن مسكويه،وابن الأثير، وابن كثير، وابن خلدون... ويخيل للقارئ أن الخبر قد رواه ستة من الرواة، وورد في ستة مصادر تاريخية،وهو في الحقيقة قد رواه شخص واحد هو أبو مخنف الأزدي، ومصدر واحد هو الطبري...
أما عدم تمحيص الروايات في كتب المؤرخين، فيعزوه المؤلف إلى سببين:
1ـ أنه قد نشأ علم الجرح والتعديل الذي كان المقياس لقبول الرواية أو ردّها، فكان معلوماً أن هذه الروايات لن تؤخذ قضايا مسلمة.
2ـ أن المؤرخين أرادوا ـ من خلال تدوين كل ما هبّ ودبّ ـ ألاّ يحول الموت بينهم وبين جمع الأخبار، وكان عذرهم أنهم يذكرون أسماء رواة الأخبار، ليكونوا محل بحث وتمحيص.
وفي المقابل، برز عدد من المؤرخين طالبوا باتخاذ موقف نقدي إزاء روايات الأقدمين التاريخية، بل ورفضها إذا اقتضى الأمر، وبرز من هذا الفريق الإمام أبو بكر بن العربي في كتابه "العواصم من القواصم"، والإمام عبد الرحمن بن خلدون في كتابه " العبر وديوان المبتدأ والخبر".
وفي هذا الفصل أيضاً يتناول المؤلف عدداً من كتب الأدب التي أساءت للتاريخ الإسلامي، فهي كانت تهتم بالأسلوب المشوق قبل أي اعتبار آخر، بل وفي سبيل "جمال العرض وحصافة الفكرة وركازة الأسلوب" لم يتوان كثير من الكتاب والأدباء عن اختراع القصص وتلفيق الأخبار، ومن الأمثلة على ذلك كتاب البخلاء للجاحظ، الذي لمز وعاب كثيراً من علماء المسلمين بلا تورع، وكتاب "البيان والتبيين" للجاحظ أيضاً،فقد أورد فيه خطباً كثيرة نسبها إلى أمير المؤمنين علي ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، والمراسلات المتبادلة بينهما، وفيها من البذاءة ما يتنزه عنه صغار الناس فضلاً عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويورد المؤلف عدداً آخر من كتب الأدب التي نهجت هذا النهج ـ وإن كانت تتفاوت مع ما كتبه الجاحظ ـ مثل العقد الفريد لابن عبد ربه، والكامل للمبرد، والأمالي لأبي علي القالي، والمستطرف للإبشيهي، ومجالس ثعلب، ويقول:
"وكل هذه الكتب لا يجحد فضلها في مجال الأدب واللغة، ولكن من غير الإنصاف أن تصبح أخبارها مصادر للتاريخ الإسلامي يستمد منها بعض الكتاب ما يؤيدون به وجهة نظرهم".
وتحت عنوان "التزوير العلمي للتاريخ الإسلامي" يعقد المؤلف مبحثاً يؤكد فيه أن تدوين التاريخ إنما هو "تسجيل للوقائع والأحداث دون أن يمتد عقل الكاتب وفكره ومذهبه إلى هذه الأحداث"، وهذا ما يعرف ويسمى بالمذهب الموضوعي في كتابة التاريخ، وهو ما التزم به الكتّاب والمؤرخون القدامى.
ولكن في القرن التاسع عشر، ظهر اتجاه تزعمه فرويد يخول للمؤلف والكتاب أن يدخل عقيدته وفكره في التاريخ متعللاً أن من حقه تفسير الأحداث التاريخية، وتعليلها والحكم على أصحابها.
وقد اتبع هذا النهج بعض المفكرين الغربيين، وأكثر المفكرين الشيوعيين، لخدمة مذاهبهم، وبذلك حرّفوا أحداث السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي تحت ستار الأسلوب العلمي في تفسير التاريخ.
ويورد المؤلف في صفحة 40 من الكتاب عدداً من الأمثلة لهذا التزوير منها: زعم مونتغمري وات في كتابه "محمد في مكة" أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى غار حراء للاصطياف لأنه كان فقيراً، لا يملك السفر إلى الطائف! ومنها زعم المستشرق نفسه في كتابه "محمد في المدينة" أن المسلمين الأوائل أسلموا لتحسين أوضاعهم المادية!
ويختم البهنساوي هذا الفصل بالدعوة لإيجاد منهج لكتابه للتاريخ الإسلامي، وهذا المنهج يقوم ـ بحسب المؤلف ـ على الاعتقاد بعدالة الصحابة وتوثيق القرآن لهم، ثم باعتماد أصول الجرح والتعديل المطبقة في علم الحديث على التاريخ والسير، فلا تقبل إلاّ رواية الثقة عن مثله.
أما الطعن في الصحابة، والتقليل من شأنهم ومكانتهم وجهادهم، فيؤكد المؤلف أن هدفاً خبيثاً وراء هذا المنهج، وهو "إظهار هذا الرعيل الأول بالمظهر التافه، فيسهل عليهم أن يتناولوا كل واحد منهم بالطعن والتجريح، ثم بعد ذلك يقولون للمسلمين والعرب: انظروا إلى أجدادكم وبناة مجدكم: كانوا هكذا على جانب من الحرص والطمع والتكالب على الحطام الحقير".
وفي هذا الفصل يوضح المؤلف تميز نظام الخلافة الإسلامية، التي بدأت مع عصر الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ويبين أن الإسلام لا يعرف نظام الحكومة الدينية الذي كان سائداً في أوربا في القرون الوسطى، أي السلطة الفردية المطلقة، وهي التي كان يتمتع بها رؤساء الكنيسة، حيث كانوا يجمعون في حكمهم بين سلطة التشريع والتنفيذ والقضاء، فيشرعون للناس من عند أنفسهم، ويقولون إنه من عند الله لأنهم يتكلمون باسم الله.
أما خليفة المسلمين، فيختاره الناس ويعزلونه ويحاسبونه، ولقد رفض أبو بكر أن يسميه أحد بخليفة الله، لأن الخلفاء ليس لهم سوى السلطة الدنيوية، أما السلطة التشريعية فهي تتمثل في القرآن والسنة. أما السلطة القضائية ففي بداية الحكم الإسلامي تولاها النبي صلى الله عليه وسلم لعدم وجود ضرورة لتفرغ آخرين للقضاء، وأيضاً لتكون إجراءاته وأحكامه تشريعاً ودستوراً للمسلمين من بعده، ثم إنه في حياته أسند القضاء في بعض الأمور إلى بعض الصحابة كعمر وعلي ومعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري.
ويبين المؤلف أن نظام الحكم والخلافة في الإسلام يستند إلى المبادئ التالية:
1ـ أنها مستمدة من سلطة الأمة عن طريق الاختيار.
2ـ أنها تنشأ عن طريق عهد وعقد بين الخليفة، وبين الأمة، وهذا العقد هو البيعة، وهي بيعة خاصة بين الخليفة وأهل العقد والحل، ثم بيعة عامة بينه وبين الناس جميعاً.
3ـ ارتكاز هذا النظام على الشورى، التي تختلف عن الديمقراطية في النظام الغربي.
وبذلك كان نظام الخلافة في الإسلام وسطاً بين النظرية الثيوقراطية التي تجعل الحاكم هو صاحب السيادة المطلقة، وبين نظرية الديمقراطية التي ظهرت بعد الثورة الفرنسية سنة 1789م وتنص على أن الأمة هي مصدر كل سيادة، وترتب على هذا أن الأمة تختار الحاكم وتحاسبه وتعزله،كما أنها تملك التشريع والتحليل والتحريم بدون أي قيد، حتى أحلت المجالس النيابية المحرمات والفواحش.
وفي مبحثين عن الجزية والفتوحات يختم المؤلف هذا الفصل، ففيما يتعلق بالجزية يوضح أن المسلمين كانوا يأخذونها من القادرين الذين لم يدخلوا في الإسلام، ولم تكن نظاماً حديثاً جاء به الإسلام، إنما كان نظاماً معمولاً به في العالم كله، لكن جاء الإسلام وأجرى عليها قواعد العدل بحيث منع فرضها على غير القادرين، وجعل قيمتها ضئيلة لا تكاد تذكر بجانب أنواع الزكاة التي يدفعها المسلم، وأعفى أهلها من الخدمة العسكرية، كما فرض الكفالة الاجتماعية لهؤلاء سواء من دفع الجزية أو من أعفي منها.
أما الفتوحات فيبين أنها كانت إنقاذاً لأعراض الشعوب ودمائها وأموالها، حسبما سجله المؤرخون غير المسلمين، ولم يستخدم القوة إلاّ لتحرير الشعوب من الطغاة ليختار الناس ما يشاؤون من العقائد، وينقل بهذا الصدد قولاً للبطريرك ميخائيل الأكبر، بطريرك أنطاكيا جاء فيه: "إن إله الانتقام الذي تفرد بالقوة والجبروت، لما رأى شرور الروم الذين لجأوا إلى القوة فنهبوا كنائسنا وسلبوا أديارنا في كافة ممتلكاتهم، أرسل الله أبناء إسماعيل من الجنوب ليخلصنا على أيديهم من قبضة الروم".
بعد بيان نظام الخلافة في الإسلام، وبعض ما يتعلق بها كالجزية والفتوحات، يشرع المؤلف بدراسة سير الخلفاء الراشدين الأربعة رضي الله عنهم، ويذكر جهادهم ونصرتهم لدين الله، كيف لا وهم صفوة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
ويخصص هذا الفصل للخليفة الأول أبي بكر الصديق، فيذكر مكانته وإسلامه ومواقفه، واختياره خليفة للمسلمين في سقيفة بني ساعدة، ويفند المؤلف الكثير من الروايات التي لا تصح والتي تزعم تكالب الصحابة على الخلافة، ويبين أن الصحابة جميعهم أجمعوا على خلافة أبي بكر وأفضليته. ويتعرض كذلك إلى قضية أرض فدك التي خلّفها النبي صلى الله عليه وسلم وطلبتها فاطمة، ويبين أن أبا بكر رضي الله عنه تصرف في هذه القضية بما يمليه عليه اتّباعه للنبي صلى الله عليه وسلم وسنته([2]).
ويتعرض في هذا الفصل إلى أهم الأحداث في عهد الصديق، ومنها إنفاذه لجيش أسامة الذي كان جهزه النبي صلى الله عليه وسلم لمقاتلة الروم، ومنها قتال المرتدين ومانعي الزكاة، وبداية الفتوحات ضد دولتي فارس والروم.
وفيه يتحدث عن نشأته وإسلامه، ومواقفه بعد أن أسلم، وكيف عزّ به أمر المسلمين، ويفصل فيه الحديث عن مبايعته بالخلافة بوصية من أبي بكر، في وقت كانت الدولة الإسلامية تخوض الحروب ضد فارس والروم.
ويتوقف المؤلف عند بعض سياسات عمر الداخلية مثل جعله للمسلمين تاريخاً مستقلاً هو التاريخ الهجري، وتنظيمه لبيت مال المسلمين وتغييره لطريقة صرف الزكاة والصدقات، وإبقائها مدخرات، وقيامه بتدوين الدواوين أي إنشاء سجلات لأمور الجيش والزكاة وسائر الأمور الإدارية والمالية.
ويتناول المؤلف خلال حديثه عن الفاروق عمر جوانب من حرصه على رعيته وعلى كرامتهم، وعلى متابعته لولاته ومحاسبتهم، ثم يعرج على بيان الفتوح العظيمة التي تمت في عهده مثل فتح بلاد فارس والروم ومصر وبيت المقدس وغيرها.
وختم المؤلف هذا الفصل ببيان مؤامرة قتل عمر على يد المجوسي أبي لؤلؤة الذي كان غلاماً للمغيرة بن شعبة، ليبدأ عهد جديد، هو عهد الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه.
ويبدأ المؤلف هذا الفصل بذكر نشأة عثمان وإسلامه وبيان كرمه، وحياته، وما قدمه للإسلام والمسلمين مثل تجهيز جيش العسرة، وشراء بئر رومية، وجعلها وقفاً للمسلمين، وإعتاقه للرقيق.
ويفرد المؤلف فصلاً للحديث عن قصة الشورى المعروفة، وكيفية اتفاق المسلمين على خلافة عثمان لمعرفتهم بفضله وسابقته في الإسلام، وقد تناولنا هذا الحدث في العدد الثامن من الراصد/ زاوية سطور من الذاكرة.
وفي هذا الفصل أيضاً يتناول المؤلف الفتوحات التي اتسعت زمن عثمان برّاً وبحراً، ثم يفصِّل في الافتراءات التي ساقها المنافقون والمرجفون ضده([3]) تمهيداً لقتله رضي الله عنه، وموقف الصحابة من هذه المؤامرة.
ويذكر فيه نسبه وإسلامه، وبعض خصاله وفضائله، ومبايعته للخلافة في ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد في أعقاب استشهاد الخليفة الثالث عثمان، ثم عزله للولاة الذين كان قد عينهم عثمان، ورفض معاوية والي الشام آنذاك تنفيذ هذا الأمر، ومطالبته بقتلة عثمان الذين كان معاوية يعتقد أنهم اندسّوا في جيش على، وإصرار علي على مبايعة أهل الشام له أسوة بباقي الأمصار، لتتطور الأحداث لينشب القتال بين المسلمين في وقعة الجمل، ثم صفين بعد ذلك، وقد تحدثنا عن هاتين المعركتين في العدد العاشر من الراصد.
وإزاء ما حلّ بالمسلمين من مآسٍ، وما استنزفته الحروب من جهودهم، تداعى المسلمون إلى التحكيم في أعقاب معركة صفين([4]) لتبدأ مرحلة جديدة بين المسلمين، ثم تهدأ الأمور بين جيش علي رضي الله عنه، وجيش معاوية، إلى أن قام أحد الخوارج وهو عبد الرحمن بن ملجم بقتل الإمام علي. لتنتهي سنوات الخلافة الراشدة، وينتهي ذلك العصر الزاهر، الذي ملأه المغرضون والمنافقون بالأكاذيب والأباطيل([5]) .
[1] ـ أبو مخنف قال عنه الذهبي: إخباري تالف لا يوثق به، وقال ابن معين والدارقطني: ليس بثقة، وقال أبو حاتم عنه: ليس من الثقاة. وقد أكثر الطبري في كتابه النقل عن أبي مخنف هذا.
[2] ـ يمكن الرجوع إلى العددين السادس والسابع من الراصد/ زاوية سطور من الذكرة لمعرفة المزيد من حادثة السقيفة، وقضية فدك وخيبر.
[3] ـ تناولنا أمر هذه المفتريات وتفنيدها في العدد التاسع من الراصد/ سطور من الذاكرة.
[4] ـ يمكن معرفة المزيد عن حادثة التحكيم في العدد الرابع من الراصد/ سطور من الذاكرة.
[5] ـ الكثير من العلماء والمؤرخين يعتبرون أن الحسن بن علي بن أبي طالب الذي بويع بالخلافة بعد أبيه هو خامس الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، ويعتبرون أن الأشهر الستة التي حكم فيها متممة للثلاثين عاماً التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم لحكم الخلافة الراشدة .
23هـ
الراصد
قصة الشورى هي واحدة من المواقف التي جسّدت وحدة المسلمين, وتكاتفهم وحرصهم على المصلحة العامة للأمة.
في السنة الثالثة والعشرين للهجرة طُعِن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على يد أبي لؤلؤة المجوسي بعد خلافة عظيمة وحكم عادل شأنه شأن خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه, وعندما طُعِن الفاروق عمر جعل الخلافة في ستة من كبار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة من المبشرين بالجنة وهم عثمان بن عفّان وعلي بن أبي طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوّام وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص.
وملخص الواقعة كما في صحيح البخاري (كتاب فضائل الصحابة – باب قصة البيعة حديث رقم 3700) أن الناس قالوا لعمر رضي الله عنه: أوص يا أمير المؤمنين, استخلف, قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ, وسمّى هؤلاء الستة الكرام من الصحابة.
وقال عمر: يشهدكم عبد الله بن عمر وليس له من الأمر شيء, فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذاك وإلا فليستعن به أيكم ما أمّر فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة. فقد كان عمر قد عزل فيما سبق سعد بن أبي وقاص عن ولاية الكوفة.
عند ذلك اجتمع هؤلاء الستة رضي الله عنهم وقال لهم عبد الرحمن بن عوف:
اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم, أي ليتنازل ثلاثة ويبق ثلاثة:
فقال الزبير: جعلت أمري إلى علي.
وقال طلحة: جعلت أمري إلى عثمان.
وقال سعد: جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف.
وهنا يتبين أن الزبير بن العوام رضي الله عنه لم يكن من مبغضي علي بن أبي طالب, وكيف يكون من مبغضيه وهو ابن عمته, وقد رشحه للخلافة كما تبين, وهما من خيرة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد انسحب من الخلافة الزبير وطلحة وسعد, وبقي عثمان وعلي وعبد الرحمن, وقد أخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من "قائمة المرشحين" وحصرها في عثمان وعلي وطلب منهم أن يدير العملية هو فوافقوا.
وهنا يقول عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أفتجعلونه إليّ والله عليّ أن لا آلو عن أفضلكما. أي أنني لن أختار إلا الأفضل, وبعد موافقة الإثنين, قال لعلي: لك قرابة من رسول الله r والقِدم في الإسلام ما قد علمت, فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن.
ثم خلا بعثمان فقال له مثل ذلك, وأخذ منهما الميثاق بأن كل واحد منهما إن أصبح أميراً فإنه سيحكم بالعدل, وإن أصبح الآخر فإنه سيسمع ويطيع لأمير المؤمنين.
وجلس عبد الرحمن ثلاثة أيام يسأل المهاجرين والأنصار حتى قال: والله ما تركت بيتاً من بيوت المهاجرين والأنصار إلا وسألتهم فما رأيتهم يعدلون بعثمان أحداً. وهذا يؤشر على اتساع دائرة الشورى التي جاءت بعثمان.
وعندها قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: ارفع يدك يا عثمان فبايعه وبايع له علي وولج أهل الدار فبايعوه, وبايعه المسلمون بيعة عامة, فهم يعرفون مكانة عثمان وقدره وأفضليته حتى قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: ما كنّا نعدل بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي بكر أحداً ثم عمر ثم عثمان ثم نترك بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم. (أخرجه البخاري – كتاب فضال الصحابة- باب مناقب عثمان رقم 3697).
وهكذا كانت قضية الشورى ممّا عصم المسلمين’ ورصّ صفوفهم خلف خليفة واحد, كما أنه قد تجلت فيها حكمة عمر رضي الله عنه ورحمته بالمسلمين وحرصه على اختيار الأفضل, وإبعاد ابنه عبد الله عن الخلافة رغم أنه من خيار الصحابة, فإنه لم يرغب يوماً في أن تكون خلافة المسلمين وراثة, وكان يشفق على ابنه وآله منها.
وجاء عهد عثمان رضي الله عنه, عهد مليء بالفتوحات والرخاء وانتشار الإسلام, ففي هذا العهد تم غزو قبرص وفتحت أذربيجان وأرمينية وكابل وسجستان وغيرها وفي خلافته كانت الغزوة العظيمة ذات الصواري.
وبلغ الرخاء في عهده أوجه حتى قال الحسن البصري, وهو من كبار التّابعين: قلّما يأتي على الناس يوم إلا ويقتسمون فيه خيراً حتى أنه ينادى تعالوا عباد الله خذوا نصيبكم من العسل, تعالوا عباد الله خذوا نصيبكم من المال.
أما أعداء الإسلام فقد أغاظهم أن يجتمع المسلمون على عثمان, وهو صاحب الفضل والجود والمآثر, فصوروا قصة الشورى على أنها حلقة من حلقات اغتصاب السلطة والاستئثار بها, ووصل الحد بهؤلاء إلى أن يصفوا الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف الذي رفض الخلافة وبذل جهده لاختيار من زكّاه المسلمون بأنه (زعيم لوبي)!([1])
ووضع هؤلاء الروايات التي لا تصح والتي تشكك بأهمية هذا الإنجاز وحرص المسلمين على تقصير كلمتهم فقالوا بأن عمر طلب من أبي طلحة الأنصاري أن يحضر خمسين من رجاله ويقتل أصحاب الشورى الستة إن لم يتفقوا على خليفة من بينهم, وهذا أمر يدعو للاستغراب فكيف يستحل عمر رضي الله عنه رقاب أولئك الصحابة الذين مات الرسول صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ, كما أنه يوحي بأنها كانت بيعة مقلقة.
للاستزادة:
1- العواصم من القواصم – الإمام أبو بكر بن العربي بتحقيق العلامة محب الدين الخطيب ص42.
2- حقبة من التاريخ – الشيخ عثمان الخميس ص33.
([1] ) من هؤلاء علي شريعتي في كتابه "التشيع العلوي والتشيع الصفوي".