الإدّعاء بأن الصحابة أجمعوا على قتل عثمان رضي الله عنه

    يقول الطاعن (( وإذا ما سألت أحدهم كيف يقتل خليفة المسلمين سيدنا عثمان ذي النورين فسيجيبك بأن المصريين  وهم كفرة  جاؤوا وقتلوه وينهي الموضوع كله بجملتين، ولكن عندما وجدت الفرصة للبحث وقراءة التاريخ وجدت أن قتلة عثمان بالدرجة الأولى هم الصحابة أنفسهم وفي مقدمتهم أم المؤمنين عائشة التي كانت تنادي بقتله وإباحة دمه على رؤوس الأشهاد فكانت تقول ( اقتلوا نعثلاً فقد كفر ).

    كذلك نجد طلحة والزبير ومحمد بن أبي بكر وغيرهم من مشاهير الصحابة وقد حاصروه ومنعوه من شرب الماء ليجبروه على الاستقالة، ويحدثنا المؤرخون أن الصحابة هم الذين منعوا دفن جثته في مقابر المسلمين فدفن في ( حش كوكب ) بدون غسل ولا كفن، سبحان الله، كيف يقال أنه قتل مظلوماً وأن الذين قتلوه ليسوا مسلمين، وهذه القضية هي الأخرى كقضية فاطمة وأبي بكر، فأمّا أن يكون عثمان مظلوماً وعند ذلك نحكم على الصحابة الذين قتلوه أو شاركوا قتله بأنهم قتلة مجرمون لأنهم قتلوا خليفة المسلمين ظلماً وعدواناً وتتبعوا جنازته يحصبونها بالحجارة وأهانوه حياً وميتاً أو أن هؤلاء الصحابة استباحوا قتل عثمان لما اقترفه من أفعال تتنافى مع الإسلام كما جاء ذلك في كتب التاريخ، وليس هناك احتمال وسط إلا إذا كذّبنا التاريخ وأخذنا بالتمويه ( بأن المصريين وهم كفرة هم الذين قتلوه ) (!!) وفي كلا الاحتمالين نفيٌ قاطع لمقولة عدالة الصحابة أجمعين دون استثناء فإمّا أن يكون عثمان غير عادل أو يكون قتلته غير عدول وكلّهم من الصحابة وبذلك نبطل دعوانا. وتبقى دعوى شيعة أهل البيت قائلين بعدالة البعض منهم دون الآخر ))

 أقول رداً على أكاذيبه:

1 أمّا قوله أن قتلة عثمان بالدرجة الأولى هم الصحابة أنفسهم فهذا مما لا يشك عاقل في كذبه ورده فالصحابة رضوان الله عليهم لم يشاركوا في قتل عثمان، ولم يرضوا بذلك أصلاً، بل على العكس من ذلك فإنهم مانعوا عنه ووقفوا بجانبه ولكنه رضي الله عنه خشي الفتنة فمنعهم من الدفاع عنه ولأنه كان يعلم أنه سيقتل مظلوماً كما أعلمه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه ذكر الفتنة فقال (( يقتل فيها هذا مظلوماً )) يعني عثمان رضي الله عنه.

    وأخرج البخاري في صحيحه عن أبي موسى الأشعري في جزء منه (( ... ثم جاء آخر يستأذن، فسكت هنيهة ثم قال: إئذن له وبشره بالجنة على بلوى ستصيبه، فإذا عثمان بن عفان )).

    أقول لقد شارك خيار الصحابة في الدفاع عن عثمان وأعلنوا غضبهم لقتله فهذا علي يرفع يديه يدعوا على القتله فعن عبد الرحمن بن ليلى قال: رأيت علياً رافعاً حضينه يقول (( اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان ).

    وعن عميرة بن سعد قال: (( كنا مع علي على شاطيء الفرات، فمرت سفينة مرفوع شراعها، فقال علي: يقول الله عز وجل { وله الجوار المنشآت في البحر كالاعلام } والذي أنشأها في بحر من بحاره ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله )).

    وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه (( أن علياًّ أرسل إلى عثمان: إنَّ معي خمسمائة ذراع، فأذن لي فأمنعك من القوم، فإنك تحدث شيئاً يستحلّ به دمك. قال  أي عثمان  جزيت خيراً، ما أحب أن يهراق دم في سببي ).

    وحتى أولاد علي وأولاد الصحابة شاركوا في الدفاع عن عثمان فعن محمد بن سيرين قال (( انطلق الحسن والحسين وابن عمر وابن الزبير ومروان كلهم شاكي السلاح حتى دخلوا الدار، فقال عثمان: اعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم ))

    وعن كنانة مولى صفية قال: (( شهدت مقتل عثمان، فأخرج من الدار أمامي أربعة من شبان قريش ملطخين بالدم، محمولين، كانوا يدرأون عن عثمان رضي الله عنه، الحسن بن علي، وعبد الله بن الزبير، ومحمد بن حاطب، ومروان بن حكم ))

    وعن سلمة بن عبد الرحمن أن أبا قتادة الأنصاري ورجلاً آخر معه من الأنصار دخلا على عثمان وهو محصور فاستأذن في الحج فأذن لهما ثم قالا مع من تكون إن ظهر هؤلاء القوم؟ قال عليكم بالجماعة قالا أرأيت إن أصابك هؤلاء القوم وكانت الجماعة فيهم قال: الزموا الجماعة حيث كانت قال فخرجنا من عنده فلما بلغنا باب الدار لقينا الحسن بن علي داخلاً فرجعنا على أثر الحسن لننظر ما يريد فلما دخل الحسن عليه قال يا أمير المؤمنين إنا طوع يدك فمرني بما شئت فقال له عثمان يا ابن أخي ارجع فاجلس في بيتك حتى يأتي الله بأمره فلا حاجة لي في هراقة الدماء ))

    وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد الله بن الزبير قال (( قلت لعثمان يوم الدار: اخرج فقاتلهم، فإن معك من قد نصر الله بأقل منه، والله قتالهم لحلال، قال: فأبى ))

    وفي رواية أخرى لابن الزبير (( لقد أحل الله لك قتالهم، فقال عثمان: لا والله لا أقاتلهم أبداً ))

    و(( وقد لبس ابن عمر درعه مرتين يوم الدار وتقلد سيفه حتى عزم عليه عثمان أن يخرج مخافة أن يقتل ))

    وروي الخياط عن أبي هريرة رضي الله عنه قال (( قلت لعثمان: اليوم طاب الضرب معك، قال: اعزم عليك لتخرجن ))

    وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال (( جاء زيد بن ثابت إلى عثمان فقال: هذه الأنصار بالباب، قالوا: إن شئت أن نكون أنصار الله مرتين، قال: أما قتال فلا ))

    وعن قيس بن أبي حازم  ثقة  قال (( سمعت سعيد بن زيد يقول: والله لو أن أحداً انقضّ فيما فعلتم في ابن عثمان كان محقوقاً أن ينقضّ ))

    وعن خالد بن الربيع العبسي قال (( سمعنا بوجع حذيفة، فركب إليه أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه في نفر أنا فيهم إلى المدائن، قال: ثم ذكر قتل عثمان، فقال: اللهم إني لم أشهد، ولم أقتل، ولم أرض ))

    وعن جندب بن عبد الله  له صحبة  (( أنه لقي حذيفة فذكر له أمير المؤمنين عثمان فقال: أما أنهم سيقتلونه! قال: قلت فأين هو؟ قال: في الجنة، قلت فأين قاتلوه؟ قال: في النار ))

    وروى ابن كثير في البداية والنهاية عن أبي بكرة قال (( لأن أخرّ من السماء إلى الأرض أحبَّ إليَّ من أن أشرَك في قتل عثمان ))

    وعن ابن عثمان النهدي  ثقة  (( قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: إن قتل عثمان رضي الله عنه لو كان هدًى احتلبت به الأمة لبناً، ولكنه كان ضلالاً فاحتلبت به دماً ))

    وعن كلثوم بن عامر  تابعي ثقة  (( عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: ما سرّني أني رميت عثمان بسهم أصاب أم أخطأ وأن لي مثل أحد ذهباً ))

    وروى ابن شبة بإسناد إلى ريطة مولاة أسامة بن زيد قالت (( بعثني أسامة إلى عثمان يقول: فإن أحببت نقبنا لك الدار وخرجت حتى تلحق بمأمنك يقاتل من أطاعك من عصاك ))

    وأخرج البخاري عن حارثة بن النعمان  شهد بدراً  قال لعثمان وهو محصور (( إن شئت أن نقاتل دونك ))

    وأخرج أحمد في فضائل الصحابة عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال (( لا تقتلوا عثمان فإنكم إن فعلتم لم تصلُّوا جميعاً أبداً ))

    وروى ابن عساكر في تاريخه أن سمرة بن الجندب قال (( إن الإسلام كان في حصن حصين، وإنهم ثلموا في الإسلام ثلمة بقتلهم عثمان، وأنهم شرطوا شرطة، وإنهم لن يسدّوا ثلمتهم إلى يوم القيامة، وإن أهل المدينة كانت فيهم الخلافة فأخرجوها ولم تعد فيهم ))

    وعن نافع مولى ابن عمر أن ابن عمر قال (( لقيت ابن عباس وكان خليفة عثمان على موسم الحج  عام قتل  فأخبرته بقتله، فعظّم أمره وقال: والله إنه لمن الذين يأمرون بالقسط، فتمَنّيتُ أن أكون قتلت يومئذ ))

    وبعد هذا السرد لموقف الصحابة العظيم من مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه نعلم جيداً أنهم لم يشاركوا ولم يرضوا بقتل هذا الصحابي الجليل، ونعلم أيضاً الأمانة التي يتمتع بها هذا الطاعن المفتري عندما ادعى أنه درس التاريخ واكتشف أن قتلة عثمان هم الصحابة الكرام في الدرجة الأولى، هكذا! فأقول ألا لعنة الله على الكاذبين.

    وحتى لا يكون لهذا الدعي أي حجة أسوق بعض روايات الشيعة التي تثبت دفاع الصحابة عن عثمان في مقدمتهم علي بن أبي طالب وابنيه الحسن والحسين رضي الله عنهما حيث يقول المسعودي الشيعي في كتابه مروج الذهب ((... فلما بلغ علياً أنهم يريدون قتله بعث بابنيه الحسن والحسين مع مواليه بالسلاح إلى بابه لنصرته، وأمرهم أن يمنعوه منهم، وبعث الزبير ابنه عبد الله، وبعث طلحة ابنه محمداً، وأكثر أبناء الصحابة أرسلهم آباؤهم اقتداء بمن ذكرنا، فصدّوهم عن الدار ))

    ويقول ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة (( ... وقام بالكوفة نفر يحرضون الناس على نصر عثمان وأعانه أهل المدينة منهم عقبة بن عمر وعبد بن أبي أوفى وحنظلة الكاتب، وكل هؤلاء من الصحابة، ومن التابعين مسروق والأسود وشريح وغيرهم، وقام بالبصرة عمران بن حصين وأنس بن مالك وغيرهما من الصحابة، ومن التابعين كعب بن شور وهرم بن حيان وغيرهما، وقام بالشام ومصر جماعة من الصحابة والتابعين، وخرج عثمان يوم الجمعة فصلّى بالناس وقام على المنبر فقال: يا هؤلاء الله الله، فوالله إن أهل المدينة يعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وآله وسلم فامحوا الخطأ بالصواب، فقام محمد بن سلمة الأنصاري، فقال نعم أنا أعلم ذلك فاقعده حكيم بن جبلة، وقام زيد بن ثابت فاقعده قتيرة بن وهب، وثار القوم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع عن المنبر مغشياً عليه، فادخل داره واستقل نفر من أهل المدينة مع عثمان منهم سعد بن أبي وقاص، والحسن بن عليّ عليه السلام! وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، فأرسل إليهم عثمان عزمت عليكم أن تنصرفوا فانصرفوا )).

    2 أما الذين خرجوا على عثمان وتآلبوا عليه وقتلوه فهم على قسمين، أتباع عبد الله بن سبأ اليهودي الذي حاول إضلال الناس، فتنقّل في الحجاز والبصرة والكوفة ثم الشام فطرد منها، ثم أتى مصر فأقام بها ووضع لهم الرُجعة، وادعى أن الوصي بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو عليّ، فافتتن به بشر كثير من أهل مصر، ثم بث دعاته وكاتب من استُفْسِدَ من الأمصار وكاتبوه واتفقوا بالسر على ما أرادوا وهم القسم الثاني من الذين تمالئوا على عثمان وهم الأعراب وأوباش العرب وأُصُولُهم من أهل الردة في زمن أبي بكر، وهاهو عليّ يقول لطلحة والزبير عندما اشترطا إقامة الحدود في قاتلي عثمان (( يا إخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ولكني كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم! هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عبدانكم، وثابت إليهم أعرابكم... ))

    وهذا ما يقرّه إمام الإمامية الاثني عشرية النوبختي حيث يقول ((وارتد قوم فرجعوا عن الإسلام ودعت بنو حنيفة إلى نبوّة مسيلمة وقد كان ادعى النبوة في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبعث أبو بكر إليهم الخيول عليها خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي فقاتلهم وقتل مسيلمة وقتل من قتل ورجع من رجع منهم إلى أبي بكر فسموا أهل الردة ولم يزل هؤلاء جميعاً على أمر واحد حتى نقموا على عثمان أموراً أحدثها وصاروا بين خاذل وقاتل إلا خاصة أهل بيته وقليلاً من غيرهم حتى قتل ))

    وكان الذي يتزعم الحملة على عثمان هم الذين جاؤو من مصر ويترأسهم الغافقي بن حرب العكبي الذين عُرفوا بالمصريين، ولكن هذا الطاعن ينكر ذلك لأنه كما يدعي قرأ التاريخ! ولكن كتب التاريخ وغيرها، تجمع على أن قتلة عثمان هم المصريّون، راجع تاريخ الطبري ، وابن الأثير، والتمهيد والبيان، ومروج الذهب، والبداية والنهاية، وطبقات ابن سعد، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، والاستيعاب لابن عبد البر، والتاريخ الاسلامي، والفتوح لابن الأعثم.

وبعد ذلك أتساءل والقرّاء أي تاريخ قرأ هذا الطاعن؟

3 ثم يدعي أنّ في مقدمة قتلة عثمان أم المؤمنين عائشة ( وفي مقدمتهم أم المؤمنين عائشة التي كانت تنادي بقتله واباحة دمه على رؤوس الأشهاد فكانت تقول ( اقتلوا نعثلاً فقد كفر ) ثم يعزو هذا القول بالهامش: إلى الطبري وابن الأثير والعقد الفريد ولسان العرب وتاج العروس، فأقول:

أ هذه الرواية التي تزعم أن عائشة قالت ذلك مدارُها على نصر بن مزاحم قال فيه العقيلي (( كان يذهب إلى التشيع وفي حديثه اضطراب وخطأ كثير ))

    وقال الذهبي (( رافضي جلد، تركوه وقال أبو خيثمة: كان كذاباً، وقال أبو حاتم: واهي الحديث، متروك، وقال الدارقطني: ضعيف ))

    (( وقال الجوزجاني: كان نصر زائفاً عن الحق مائلاً، وقال صالح بن محمد: نصر بن مزاحم روى عن الضعفاء أحاديث مناكير، وقال الحافظ أبي الفتح محمد بن الحسين: نصر بن مزاحم غال في مذهبه ))

    وعلى ذلك فهذه الرواية لا يعول عليها ولا يلتفت إليها إضافة إلى مخالفتها للروايات الصحيحة الناقضة لها.

ب  الروايات الصحيحة الثابتة تظهر أن عائشة تألمت لمقتل عثمان ودعت على قاتليه، فعن مسروق  تابعي ثقة  قال (( قالت عائشة: تركتموه كالثوب النقي من الدنس، ثم قربتموه تذبحونه كما يذبح الكبش، قال مسروق: فقلت هذا عملك كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه، فقالت عائشة: والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم بسواد في بياض حتى جلست مجلسي هذا. قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها ))

    وأخرج أحمد في فضائله عن عائشة أنها كانت تقول  أي في مقتل عثمان  (( ليتني كنت نسياً منسياً فأما الذي كان من شأن عثمان فوالله ما أحببت أن ينتهك من عثمان أمر قط إلا انتهك مني مثله حتى لو أحببت قتله قتلت .. ))

    وروى ابن شبة عن طلق بن حُشَّان قال (( قلت لعائشة: فيم قتل أمير المؤمنين عثمان؟ قالت: قتل مظلوماً، لعن الله قتلته ))

    وأخرج أحمد في الفضائل عن سالم بن أبي الجعد قال (( كنا مع ابن حنيفة في الشِّعب فسمع رجلاً ينتقص وعنده ابن عباس، فقال: يا بن عباس! هل سمعت أمير المؤمنين عشية سمع الضجة من قبل المربد فبعث فلان بن فلان فقال: اذهب فانظر ما هذا الصوت؟ فجاء فقال: هذه عائشة تلعن قتلة عثمان والناس يؤمِّنون فقال عليّ: وأنا ألعن قتلة عثمان في السهل والجبل، اللهم العن قتلة عثمان، اللهم العن قتلة عثمان في السهل والجبل، ثم أقبل ابن الحنيفة عليه وعلينا فقال: أما فيَّ وفي ابن عباس شاهدا عدل؟ قلنا؟ بلى! قال: قد كان هذا )).

ت  المعلوم عند جميع المؤرخين أن عائشة خرجت تطالب بدم عثمان فكيف يوفق بين موقفها هذا وقولها ( إقتلوا نعثلا فقد كفر )؟! إلا أن هذا القول كذب صريح عليها.

4 وأما قوله ( كذلك نجد طلحة والزبير ومحمد بن أبي بكر وغيرهم من مشاهير الصحابة (!!) وقد حاصروه ومنعوه من شرب الماء ليجبروه على الاستقاله ). وجواباً على ذلك أقول:

أ  أما أن محمد بن أبي بكر من مشاهير الصحابة فهذا أمر ثابت لا يمكن إنكاره لأنه من أكثر المصاحبين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ صاحبه ما يقرب الأربعة أشهر!؟ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توفّي ولم يتم محمد بن أبي بكر من عمره أربعة أشهر!!!؟ فياله من صحابي مشهور؟!؟

ب  أما أن طلحة والزبير قد حاصرا عثمان ومنعوه من شرب الماء!؟ فهذا من المين الفاضح، فأين النقل الثابت؟ وما هو المصدر الذي استقى منه هذا الطاعن كذبهُ هذا؟ وأنا أتحدّاه بأن يأتي بمصدر واحد يذكر مثل هذه الترّهات، ولكن بعداً له!

ت  الروايات الصحيحة الثابتة تبين أن طلحة والزبير تألّما لقتل عثمان غاية الألم بل وحاولا الدفاع عنه فعن أبي حبيبة قال (( بعثني الزبير إلى عثمان وهو محصور، فدخلت عليه في يوم صائف وهو على كرسي، وعنده الحسن بن عليّ، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، فقلت: بعثني إليك الزبير بن العوام وهو يقرئك السلام ويقول لك: إني على طاعتي لم أبدّل ولم أنكث، فإن شئت دخلت الدار معك وكنت رجلاً من القوم، وإن شئت أقمت، فإنّ بني عمرو بن عوف وعدوني أن يصبحوا على بابي، ثم يمضون على ما آمرهم به. فلما سمع الرسالة قال: الله أكبر، الحمد لله الذي عصم أخي، أقرئه السلام ثم قل له: إن يدخل الدار لا يكن إلا رجلاً من القوم، ومكانك أحبّ إليّ، وعسى الله أن يدفع بك عنّي، فلما سمع الرسالة أبو هريرة قام فقال: ألا أخبركم ما سمعت أذناي من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ قالوا: بلى، قال: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: تكون بعدي فتن وأمور، فقلنا: فأين المنجى منها يا رسول الله؟ قال: إلى الأمين وحزبه، وأشار إلى عثمان بن عفان. فقام الناس فقالوا: قد أمكننا البصائر، فأذن لنا في الجهاد؟ فقال عثمان: أعزم على من كانت لي عليه طاعة ألا يقاتل ))

    وروى الداقطني في فضائل الصحابة (( أن عثمان أشرف على المسجد، فإذا طلحة جالس في شرق المسجد، قال: يا طلحة قال: لبيك قال: نشدتك بالله هل تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من يشتري قطعة يزيدها في المسجد، فاشتريتها من مالي، قال طلحة: اللهم نعم، فقال: يا طلحة قال: لبيك، قال: نشدتك بالله هل تعلمني حملت في جيش العسرة على مائة؟ قال طلحة: اللهم نعم، ثم قال طلحة: اللهم لا أعلم عثمان إلا مظلوماً )).

ج  لا يختلف إثنان في أن طلحة والزبير كانا من أوائل المطالبين بدم عثمان، والاقتصاص من قاتليه، ولم يخرجا، إلا لهذا السبب، فليت شعري إن كانا من المحرضين على قتل عثمان، والمشاركين في حصاره فما معنى موقفهما ممن يريدون قتالهم وهم يشاركونهم في الجريمة؟!

5 ثم يقول ( ويحدثنا المؤرخون أن الصحابة هم الذين منعوا دفن جثّته في مقابر المسلمين، فدفن في ( حش كوكب ) بدون غسل ولا كفن )!؟ وفي موضع آخر يقول ( وتحقق لدي ما قاله المؤرخون من أنه دفن بحش كوكب وهي أرض يهودية)

أ  يريد هذا الطاعن أن يصور الصحابة على أنهم مجموعة من الرعاع والهمج الذين يقتلون بعضهم بعضاً، بل ويمنعون خيرة الصحابة من أن يدفن مثل باقي المسلمين، فيضعونه في قبره دون غسل ولا تكفين!! وأنا لا أستغرب هذا القول لأن صاحبه لم يشعر قلبه يوماً بمحبّة صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

ب  أما ادعاؤه بأن الصحابة منعوا دفنه في مقابر المسلمين فدفن في حش كوكب وهي أرض يهودية فلا يدلّ إلا على جهله المطبق لأن حش كوكب ليست أرض يهودية، ولم تكن كذلك إطلاقاً، لأن حش بمعنى البستان، وقد اشتراه عثمان من كوكب وهو رجل من الأنصار وعندما توفي دفن في بستانه الذي اشتراه من ماله، فأي شيء في ذلك؟

ثم يضيف قائلاً (( وتحقق لدى ما قاله المؤرخون من أنه دفن بحش كوكب وهي أرض يهودية لأن المسلمين منعوا دفنه في بقيع رسول الله، ولمّا استولى معاوية بن أبي سفيان على الخلافة اشترى تلك الأرض من اليهود (!!!) وأدخلها في البقيع ليدخل بذلك قبر ابن عمه عثمان فيها والذي يزور البقيع حتى اليوم سيرى هذه الحقيقة بأجلى ما تكون ))

وأنا أقول:

    لو سألت طفلاً في المرحلة الإبتدائية هل كان اليهود موجودين في مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عهد الخلفاء الراشدين، فسيجيبك باسترخاء بالطبع لا، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجلاهم عن المدينة، ومن ثم أجلاهم عمر من الجزيرة كلها فتاهوا في الأرض، فسبحان الله ويقولون: حاصل على الدكتوراه!؟

    ثم يقول (( وبالمناسبة أذكر هنا قصّة طريفة ذكرها بعض المؤرخين ولها علاقة بموضوع الإرث. قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرحه لنهج البلاغة: جاءت عائشة وحفصة ودخلتا على عثمان أيام خلافته وطلبتا منه أن يقسم لهما ارثهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكان عثمان متكئاً فاستوى جالساً وقال لعائشة: أنت وهذه الجالسة جئتما بأعرابي يتطهّر ببوله وشهدتما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: نحن معشر الأنبياء لا نورث فإذا كان الرسول حقيقة لا يورّث فماذا تطلبان بعد هذا، وإذا كان الرسول يورّث لماذا منعتم فاطمة حقها؟ فخرجت من عنده غاضبة وقالت: أقتلوا نعثلاً فقد كفر ))

أقول:

1 فتحت شرح النهج في الجزء السادس عشر ص (220 223 )  كما أشار بالهامش  فلم أجد لهذه الرواية المكذوبة أثراً! ولكن وجدت هذه الرواية (( عن مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآله أردن لما توفّي أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسأله ميراثهنَّ أو قال ثمنهنَّ، قالت: فقلْتُ لهنّ أليس قد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا نورث ما تركنا صدقة ))

    وهذه الرواية أخرج مثلها البخاري ومسلم في الصحيح، وهي كما ترى تناقض القصة التي ذكرها هذا الطاعن في كتابه.

2 مجرّد عزو هذا الطاعن على شرح النهج لابن أبي الحديد ليس فيه أي حجة لأنه ليس من أهل المعرفة بالحديث فيضع في كتابه من الأحاديث غثّها وثمينها، ومع ذلك فإني لم أستطع العثور على هذه القصة في الموضع المشار إليه، وأخشى أن تكون من عنديّات هذا الطاعن، وعلى العموم فالأحاديث الصحيحة وسيرة كل من عائشة وعثمان رضي الله عنهما تكذّب هذا الخبر وترّده والحمد لله.

ثم يقول (( ولما جاء عثمان بعده  أي بعد عمر  ذهب شوطاً بعيداً في الإجتهاد فبالغ أكثر ممن سبقوه حتى أثّر اجتهاده في الحياة السياسية والدينية بوجه عام فقامت الثورة ودفع حياته ثمن اجتهاده ))

أقول:

    هذا من الكذب الظاهر على عثمان فهؤلاء الأعراب لم يخرجوا عليه إلا لمرض نفوسهم ولم يصيبوا فيما ادعوه عليه، إضافة لدور اليهودي عبد الله بن سبأ في إشعال الفتنة على عثمان فهؤلاء هم المتسببون بالفتنة وليس عثمان ويظهر ذلك في وقوف الصحابة جميعاً مع عثمان والدفاع عنه، ولن أنسى ذكر الأدلة التي تبيّن أن الحق مع عثمان وأن الخارجون عليه هم أهل الفتنة والباطل، فقد أخرج الحاكم في المستدرك وأحمد في الفضائل عن موسى بن عقبة قال (( حدثني أبو أمي أبو حبيبة أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافاً، فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ فقال: عليكم بالأمين وأصحابه، يعني عثمان))

    وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري في جزء منه عندما جاء عثمان بن عفان (( قال: فجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: افتح له وبشّره بالجنة على بلوى تكون، قال: فذهبت فإذا هو عثمان بن عفان، قال: ففتحت وبشرّته بالجنة، قال: وقلت الذي قال، فقال: اللهم صبراً،أو الله المستعان ))

    وعن ابن عمر قال: ذكر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فتنة فقال (( يقتل هذا فيها مظلوماً )) لعثمان بن عفان

    وروى أحمد في الفضائل عن كعب بن عُجرة قال (( ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتنة فقرّبها وعظّمها، ثم مر رجل مقنّع في ملحفة فقال: هذا يومئذ على الحق، فانطلقت مسرعاً فأخذت بضبعيه فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: هذا، فإذا عثمان بن عفان ))

    فهل بعد ذلك لا زال يظن هذا الطاعن أن اجتهادات عثمان الباطلة! هي السبب في الفتنة عليه؟ فهنيئاً له وقوفه مع أهل الفتنة ضدّ أهل السنة!

    وأخيراً: فهذا هو عثمان بن عفان رضي الله عنه، ثالث أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من حيث المنزلة، والذي شهد له النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالجنة، وهو الصحابي الحييّ الذي ضرب به المثل في الكرم والانفاق، فكان له فضل توسيع مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بماله واشترى بئر رومة، وجعله وقفاً للمسلمين، وجهز جيش العسرة للمسلمين، وعن عبد الرحمن بن سمرة قال (( جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بألف دينار قال الحسن بن واقع: وفي موضع آخر من كتابي: في كمه  حين جهّز جيش العسرة فنثرها في حجره، قال عبد الرحمن: فرأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقلّبها في حجره ويقول: ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم، مرتين ))

    وهذه حقيقة لا يستطيع أحد إنكارها. فهذا أبو الفتح الأربلي  من علماء الإمامية  يورد في كتابه ( كشف الغمة ) قصة زواج على بن أبي طالب من فاطمة رضي الله عنهما مثبتاً مساعدة عثمان لعلي في زواجه من فاطمة (( ... قال علي فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا أبا الحسن انطلق الآن فبع درعك وأت بثمنه حتى أهيء لك ولابنتي فاطمة ما يصلحكما، قال علي: فانطلقت وبعته باربعمائة درهم سود هجرية من عثمان بن عفان رضي الله عنه، فلما قبضت الدراهم منه وقبض الدرع مني قال: يا أبا الحسن ألست أولى بالدرع منك وأنت أولى بالدراهم مني؟ فقلت: بلى، قال: فإن الدرع هدية مني إليك، فأخذت الدرع والدراهم وأقبلت إلى رسول الله ( ص )، فطرحت الدرع والدراهم بين يديه وأخبرته بما كان من أمر عثمان فدعا له بخير ...))!

    ويثبت أيضاً حب الأئمة الإثني عشر لعثمان وتعظيمهم لشأنه فيروي عن الإمام زين العابدين علي بن الحسن أنه (( قدم عليه نفر من أهل العراق فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فلما فرغوا من كلامهم، قال لهم: ألا تخبروني أنتم { المهاجرون الأولون الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون } ؟ قالوا: لا، قال: فأنتم { الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ؟ قالوا: لا، قال: أما أنتم قد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله فيهم { والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين أمنوا } أخرجوا عني فعل الله بكم! ))؟!

فهل بعد ذلك الاعتراف بفضائل عثمان من السنة والشيعة يدعي هذا الطاعن أن الله هداه للطعن به وبالصحابة الكرام؟!  

رد آخر على قولهم : «إن المسلمين أجمعوا على قتل عثمان» !!

 وجوابه من وجوه:

     أحدها: أن يقال: أولاً: هذا من أظهر الكذب وأَبْينه؛ فإن جماهير المسلمين لم يأمروا بقلته، ولا شاركوا في قتله، ولا رضوا بقتله.

     أما أولاً: فلأن أكثر المسلمين لم يكونوا بالمدينة، بل كانوا بمكة واليمن والشام والكوفة والبصرة وخراسان، وأهل المدينة بعض المسلمين.

     وأما ثانياً: فلأن خيار المسلمين لم يدخل واحد منهم في دم عثمان [لا قتل] ولا أمر بقتله، وإنما قتله طائفة من المفسدين في الأرض من أوباش القبائل وأهل الفتن، وكان عليّ – رضي الله عنه – يحلف دائماً: «وإني ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله» ويقول: «اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل». وغاية ما يقال: إنهم لم ينصروه حق النصرة، وأنه حصل نوع من الفتور والخذلان، حتى تمكن أولئك المفسدون، ولهم في ذلك تأويلات، وما كانوا يظنون أن الأمر يبلغ إلى ما بلغ، ولو علموا ذلك لسدّوا الذريعة وحسموا مادة الفتنة.

     ولهذا قال تعالى: }وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً{ [سورة الأنفال:25]، فإن الظالم بظلم فيبتلى الناس بفتنة تصيب من لم يظلم، فيعجز عن ردها حينئذ، بخلاف ما لو مُنع الظالم ابتداءً، فإنه كان يزول سبب الفتنة.

     الثاني: أن هؤلاء في غاية التناقض والكذب؛ فإنه من المعلوم أن الناس أجمعوا على بيعة عثمان ما لم يجمعوا على قتله؛ فإنهم كلهم بايعوه في جميع الأرض. فإن جاز الاحتجاج بالإجماع الظاهر، فيجب أن تكون بيعته حقًّا لحصول الإجماع عليها. وإن لم يجز الاحتجاج به، بطلت حجتهم بالإجماع على قتله. ولاسيما ومن المعلوم أنه لم يباشر قتله إلا طائفة قليلة. ثم إنهم ينكرون الإجماع على بيعته، ويقولون: إنما بايع أهل الحق منهم خوفاً وكرهاً. ومعلوم أنهم لو اتفقوا كلهم على قتله، وقال قائل: كان أهل الحق كارهين [لقتله لكان سكتوا خوفاً وتقيَّة على أنفسهم، لكان هذا أقرب إلى الحق،] لأن العادة قد جرت بأن من يريد قتل الأئمة يخيف من ينازعه، بخلاف من يريد مبايعة الأئمة، فإنه لا يخيف المخالف، كما يخيف من يريد قتله، فإن المريدين للقتل أسرع إلى الشر وسفك الدماء وإخافة الناس من المريدين للمبايعة.

     فهذا لو قُدِّر أن جميع الناس ظهر منهم الأمر بقتله، فكيف وجمهورهم أنكروا قتله، ودافع عنه من دافع في بيته، كالحسن بن عليّ وعبد الله بن الزبير وغيرهما؟

     وأيضاً فإجماع الناس على بيعة أبي بكر أعظم من إجماعهم على بيعة عليّ وعَلَى قتل عثمان وعلى غير ذلك، فإنه لم يتخلف عنها إلا نفر يسير كسعد بن عبادة، وسعد قد عُلم سبب تخلفه، والله يغفر له ويرضى عنه. وكان رجلاً صالحاً من السابقين الأوّلين من الأنصار من أهل الجنة، كما قالت عائشة – رضي الله عنها – في قصة الإفك لما أخذ يدافع عن عبد الله بن أُبَيّ رأس المنافقين، [قالت]: «وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحمية».

     وقد قلنا غير مرة: إن الرجل الصالح المشهود له بالجنة قد يكون له سيئات يتوب منها، أو تمحوها حسناته، أو تكفَّر عنه بالمصائب، أو بغير ذلك؛ فإن المؤمن إذا أذنب كان لدفع عقوبة [النار] عنه عشرة أسباب: ثلاثة منه، وثلاثة من الناس، وأربعة يبتديها الله: التوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، ودعاء المؤمنين له، وإهداؤهم العمل الصالح له، وشفاعة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، والمصائب المكفِّرة في الدنيا، وفي البرزخ، وفي عرصات القيامة، ومغفرة الله له بفضل رحمته.

     والمقصود هنا أن هذا الإجماع ظاهر معلوم، فكيف يَدَّعي الإجماع على مثل قتل عثمان من ينكر مثل هذا الإجماع؟ بل من المعلوم أن الذين تخلّفوا عن القتال مع عليّ من المسلمين أضعاف الذين أجمعوا عل قتل عثمان؛ فإن الناس كانوا في زمن عليّ على ثلاثة أصناف: صنف قاتلوا معه، وصنف لا قاتلوه ولا قاتلوا معه. وأكثر السابقين الأوّلين كانوا من هذا الصنف، ولو لم يكن تخلّف عنه إلا من قاتل مع معاوية – رضي الله عنه -، فإن معاوية ومن معه لم يبايعوه، وهم أضعاف الذين قتلوا عثمان أضعافاً مضاعفة، والذين أنكروا قتل عثمان أضعاف الذين قاتلوا مع عليّ. فإن كان قول القائل: إن الناس أجمعوا على قتال عليّ باطلاً، فقوله: إنهم أجمعوا على قتل عثمان أبطل وأبطل.

     وإن جاز أن يُقال: إنهم أجمعوا على قتل عثمان، لكون ذلك وقع في العالم ولم يُدفع. فقول القائل: إنهم أجمعوا على قتال عليّ [أيضًا] والتخلف عن بيعته أجوز وأجوز؛ فإن هذا وقع في العالم ولم يدفع [أيضًا].

     وإن قيل: إن الذين كانوا مع عليّ لم يمكنهم إلزام الناس بالبيعة له، وجمعهم عليه، ولا دفعهم عن قتاله، فعجزوا عن ذلك.

 قيل: والذين كانوا مع عثمان لما حُصِر لم يمكنهم أيضًا دفع القتال عنه.

     وإن قيل: بل أصحاب عليّ فرّطوا وتخاذلوا، حتى عجزوا عن دفع القتال، أو قهر الذين قاتلوه، أو جمع الناس عليه.

     قيل: والذين كانوا مع عثمان [فرَّطوا وتخاذلوا حتى تمكن منه أولئك. ثم دعوى المدّعي الإجماع على قتل عثمان] مع ظهور الإنكار [من] جماهير الأمة له وقيامهم في الانتصار له والانتقام ممن قتله، أظهر كذبًا من دعوى المدّعي إجماع الأئمة على قتل الحسين – رضي الله عنه -.

     فلو قال قائل: إن الحسين قُتل بإجماع الناس، لأن الذين قاتلوه وقتلوه لم يدفعهم أحد عن ذلك، لم يكن كذبه بأظهر من كذب المدّعي للإجماع على قتل عثمان؛ فإن الحسين – رضي الله عنه – لم يَعْظُم إنكار الأمة لقتله، كما عظم إنكارهم لقتل عثمان، ولا انتصر له جيوش كالجيوش الذين انتصرت لعثمان، ولا انتقم أعوانه من أعدائه كما انتقم أعوان عثمان من أعدائه، ولا حصل بقلته من الفتنة والشر والفساد ما حصل بقتل عثمان، ولا كان قتله أعظم إنكارًا عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين من قتل عثمان؛ فإن عثمان من أعيان السابقين الأوّلين من المهاجرين من طبقة عليّ وطلحة والزبير، وهو خليفة للمسلمين أجمعوا على بيعته بل لم يُشهِر في الأمة سيفاً ولا قتل على ولايته أحداً، وكان يغزو بالمسلمين الكفّار بالسيف، وكان السيف في خلافته كما كان في خلافة أبي بكر وعمر مسلولا على الكفَّار، مكفوفا عن أهل القبلة، ثم إنه طُلب قتله وهو خليفة فصبر ولم يقاتل دفعاً عن نفسه حتى قتل، ولا ريب أن هذا أعظم أجراً، وقتله أعظم إثمًا، ممن لم يكن متولياً فخرج يطلب الولاية، ولم يتمكن من ذلك حتى قاتله أعوان الذين طلب أخذ الأمر منهم، فقاتل عن نفسه حتى قُتل.

     ولا ريب أن قتال الدافع عن نفسه وولايته أقرب من قتال الطالب؛ لأن يأخذ الأمر من غيره، وعثمان ترك القتال دفعًا عن ولايته، فكان حاله أفضل من حال الحسين، وقتله أشنع من قتل الحسين. كما أن الحسن – رضي الله عنه – لما لم يقاتل على الأمر، بل أصلح بين الأمة بتركه القتال، مدحه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك فقال: «إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين».

     والمنتصرون لعثمان معاوية وأهل الشام، والمنتصرون من قتلة الحسين المختار بن أبي عبيد [الثقفي] وأعوانه. ولا يشك عاقل أن معاوية – رضي الله عنه – خير من المختار؛ فإن المختار كذَّاب ادّعى النبوة. وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «يكون في ثقيف كذَّاب ومبير». فالكذَّاب هو المختار، والمبير هو الحجاج بن يوسف. وهذا المختار كان أبوه رجلاً صالحاً، وهو أبو عبيد الثقفي الذي قُتل شهيداً في حرب المجوس، وأخته صفيّة بنت أبي عبيد امرأة عبد الله بن عمر امرأة صالحة، وكان المختار رجل سوء.[1]

ومنها أن الصحابة كلهم كانوا راضين بقتله ويتبرأون منه[1] حتى تركوه بعد قتله ثلاثة أيام بلا دفن .

    والجواب أن هذا كله كذب صريح وبهتان فضيح على الصبيان فضلاً عن ذوى العرفان ، ألا ترى أن طلحه والزبير وعائشة الصديقة ومعاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم قد قاتلوا لأجل طلب القصاص لعثمان ، وقد ثبت في التواريخ عند الفريقين أن الصحابة كلهم لم يألوا جهداً في دفع البلوى عنه حتى أستأذنوا منه في قتال المحاصرين فلم يجوز لهم[2] وكانوا مهما تمكنوا يوصلون إليه الماء ويفرجون عنه .

    وجاء زيد بن ثابت مع الأنصار وقال شبابهم له : إن شئت كنا أنصار مرتين.

    وجاء عبد الله بن عمر مع المهاجرين وقال : إن الذين خرجوا عليك آمنوا سيوفنا ، واستأذنه لقتالهم فلم يأذن له.

    وكان السبطان وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر بن ربيعة وابو هريرة وغيرهم من الصحابة معه في دار وكانوا يدافعون عنه كلما هجم عليه أهل البغي والعدوان ولم يأذن لهم ولا لأحد بقتالهم.

    وقد ثبت في نهج البلاغة من كلام الأمير أنه قال (( والله قد دفعت عنه )) إلى غير ذلك.

    وقد شيع جنازته جماعة من الصحابة والتابعين ودفنوه بثيابه الملطخة بالدم ليلاً ولم يؤخروه ، وقد حضرت الملائكة جنازته لما روى الحافظ الدمشقي مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال (( يوم موت عثمان تصلى عليه ملائكة السماء )) قال الراوى : قلت يا رسول الله عثمان خاصة أو الناس عامة ؟ قال : عثمان خاصة .

    ونسبة هجوه وبغضه إلى الصحابة كذب وزور ، وذلك في غاية الظهور . فقد روى الديلمي وهو من المعتبرين عند الشيعة في ( المنتقى ) عن الحسن بن علي قال (( ما كنت لأقاتل بعد رؤيا رايتها : رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واضعاً يده على العرش ، ورأيت ابا بكر واضعاً يده على منكب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ورأيت عمر واضعاً يده على منكب أبي بكر ، ورأيت عثمان واضعاً يده على منكب عمر ، ورأيت دماً دونه ، فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : دم عثمان يطلب الله به )) .

    وروى ابن السمان عن قيس بن عباد قال سمعت علياً يوم الجمل يقول (( اللهم إنى أبرأ إليك من دم عثمان ، ولقد طاش عقلى يوم قتل عثمان ، وأنكرت نفسي ، وجاءوني للبيعة فقلت : ألا أستحي من الله أن أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة ، إنى لأستحي من الله أن ابايع وعثمان قتيل في الأرض لم يدفن بعد ، فأنصرفوا.

     فلما دفن رجع الناس يسألون البيعة فقلت : اللهم إني مشفق مما أقدم عليه . ثم جاءت عزيمة فبايعت . قال : فقالوا (( يا أمير المؤمنين )) فكأنما صدع قلبي ))

    وروى ابن السمان أيضاً عن محمد بن الحنفية أن علياً قال يوم الجمل (( لعن الله قتلة عثمان في السهل والجبل )) وعنه أن علياً بلغه أن عائشة تلعن قتلة عثمان فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه فقال (( وأنا ألعن قتلة عثمان ، لعنهم الله في السهل والجبل )) مرتين أو ثلاثاً .

    إلى غير ذلك من اقوال أهل البيت وسائر الصحابة مما يدل على مزيد حبهم له وتأسفهم على مصيبته . وهذا الكتاب لا يحتمل ذكر ذلك على سبيل التفصيل ، وتأخير دفنه إلى ثلاثة ايام زور وبهتان كما يعلم مما ذكرنا من البيان . كيف وقد اجمع المؤرخون على أن شهادته رضي الله عنه بعد العصر يوم الجمعة لعشر خلون من ذي الحجة ، ودفن في البقيع ليلة السبت رضي الله عنه وأرضاه ، وجعل الغرف العالية مستقرة ومثواه ، ونسأله تعالى ان يحشرنا في زمرتهم ، ويميتنا على محبتهم .

رد آخر على  شبهة : (( إن المسلمين أجمعوا على قتل عثمان )) .

        فجوابه من وجوه : أحدها : أن يقال : أولا : هذا من أظهر الكذب وأَبينه ؛ فإن جماهير المسلمين لم يأمروا بقتله ، ولا شاركوا في قتله ، ولا رضوا بقتله .

        أما أولا : فلأن أكثر المسلمين لم يكونوا بالمدينة ، بل كانوا بمكة واليمن والشام والكوفة والبصرة ومصر وخراسان ، وأهل المدينة بعض المسلمين .

       وأما ثانيا : فلأن خيار المسلمين لم يدخل واحد منهم في دم عثمان لا قتل ولا أمر بقتله ، وإنما قتله طائفة من المفسدين في الأرض من أوباش القبائل وأهل الفتن ، وكان علي ّرضي الله عنه يحلف دائما : (( إني ما قتلت عثمان ولا مالأت على قتله )) ويقول : (( اللهم العن قتلة عثمان في البر والبحر والسهل والجبل )) . وغاية ما يقال : إنهم لن ينصروه حق النصرة ، وأنه حصل نوع من الفتور والخذلان ، حتى تمكن أولئك المفسدون . ولهم في ذلك تأويلات ، وما كانوا يظنون أن الأمر يبلغ إلى ما بلغ ، ولو علموا ذلك لسدّوا الذريعة وحسموا مادة الفتنة .

الثاني : أن هؤلاء في غاية التناقض والكذب ؛ فإنه من المعلوم أن الناس أجمعوا على بيعة عثمان ما لم يجمعوا على قتله ؛ فإنهم كلهم بايعوه في جميع الأرض . فإن جاز الاحتجاج بالإجماع الظاهر ، فيجب أن تكون بيعته حقاًّ لحصول الإجماع عليها . وإن لم يجز الاحتجاج به ، بطلت حجتهم بالإجماع على قتله . لا سيما ومن المعلوم أنه لم يباشر قتله إلا طائفة قليلة . ثم إنهم ينكرون الإجماع على بيعته، ويقولون : إنما بايع أهل الحق منهم خوفا وكرها . ومعلوم أنهم لو اتفقوا كلهم على قتله ، وقال قائل : كان أهل الحق كارهين لقتله لكن سكتوا خوفا وتقيَّة على أنفسهم ، لكان هذا أقرب إلى الحق ، لأن العادة قد جرت بأن من يريد قتل الأئمة يخيف من ينازعه ، بخلاف من يريد مبايعة الأئمة ، فإنه لا يخيف المخالف ، كما يخيف من يريد قتله ، فإن المريدين للقتل أسرع إلى الشر وسفك الدماء وإخافة الناس من المريدين للمبايعة . فقول أهل السنّة خبر صادق وقول حكيم ، وقول هؤلاء خبر كاذب وقول سفه ، فأهل السنّة يقولون الأمير والإمام والخليفة ذو السلطان الموجود ، الذي له القدرة على عمل مقصود الولاية ، كما أن إمام الصلاة هو الذي يصلي بالناس ، وهم يأتمون به ليس إمام الصلاة من يستحق أن يكون إماما وهو لا يصلي بأحد ، لكن هذا ينبغي أن يكون إماما ، والفرق بين الإمام وبين من ينبغي أن يكون هو الإمام لا يخفى على الطغام .

ويقولون أنه يعاون على البر والتقوى ، دون الإثم والعدوان ، ويطاع في طاعة الله دون معصيته ، ولا يخرج عليه بالسيف ، وأحاديث النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إنما تدل على هذا .

 كما في الصحيحين ، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال:((من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبرعليه ، فإنه ليس أحد من الناس يخرج عن السلطان شبرا فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية )) فجعل المحذور هو الخروج عن السلطان ومفارقة الجماعة وأمر بالصبر على ما يكره من الأمير لم يخص بذلك سلطاناً معيناً ولا أميرا معينا ولا جماعة معينة .


[1] - نقل البلاذرى في كتابه ( أنساب الأشراف ) ج 5 ص 103 عن المدائني عن سلمه ابن عثمان عن علي بن زيد عن الحسن قال : (( دخل علي بن أبي طالب على بناته وهن يمسحن عيونهن فقال : مالكن تبكين ؟ قلن : نبكي علي عثمان . فبكى وقال : أبكين )) أبهذا يتبرأون منه؟ .

[2]  - نقل البلاذرى في انساب الأشراف ( 5 : 73 ) من حديث الإمام محمد بن سبرين أن زيد بن ثابت رضي الله عنه دخل على عثمان وقال له : إن هؤلاء الأنصار بالباب يقولون (( إن شئت كنا أنصار الله مرتين )) فقال عثمان (( لا حاجة لي بذلك كفوا )) . قال القاضي أبو بكر بن العربي في ( العواصم من القواصم ) ص 136 : (( إن أحداً من الصحابة لم يسع عليه ولا قعد عنه . ولو أستنصر ما غلب الف أو أربعة آلاف غرباء عشرين ألفاً بلديين أو أكثر من ذلك ، ولكنه ألقى بيده إلى المصيبة )) . ( قلت : لأنه أختار بذلك أهون الشرين فآثر التضحية بنفسه على توسيع دائرة الفتنة وسفك دماء المسلمين . وعثمان أفتدى دماء أمته بدمه مختاراً فما أحسن الكثيرون منا جزاءه . وإن أوروبا تعبد بشراً بزعم الفداء ولم يكن فيه مختاراً ) . ثم القاضسي أبو بكر بن العربي ( ص 137 ) : (( وقد أختلف العلماء فيمن نزل به مثلها : هل يلقى بيده ، أو يستنصر ؟ واجاز بعضهم أن يستسلم ويلقى بيده أقتداء بفعل عثمان ، وبتوصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك في الفتنة )) . والذى أعلمه أن سياسة الإسلام في ذلك أن يختار المسلم في كل حاله أقلها شراً وأخفها ضرراً ، فإذا كانت للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته ، فالإسلام يهدي إلى قمع الشر بقوة الخير بلا تردد . وإن لم يكن للخير قوة غالبة – كما كانت الحال في موقف أمير المؤمنين عثمان من البغاة عليه – فمصلحة الإسلام في مثل ما جنح إليه عثمان . أعلى الله مقامه في دار الخلود . 


[1]  -منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية ، 4 / 322- 329).

موقع فيصل نور