الشيعة والعراق
المقدمة
يمر العراق الآن بأحداث كبيرة بعد أن أعلنت الولايات المتحدة الحرب عليه, وإسقاط نظام صدام حسين, مما نتج عنه فراغ سياسي وأمني محلي وإقليمي.
وظهر على السطح لاعبون جدد لابد من أخذهم بالحسبان شاءت أمريكا ودول المنطقة أم أبت ومن أهم هؤلاء اللاعبين الجدد الشيعة العرب في العراق الذين يشكلون نصف عدد الشيعة في العالم العربي.
والشيعة يمثلون ظاهرة جديرة بالبحث والاستقصاء, وأن يفرد لهذه الظاهرة بحث خاص, فهم اللاعب الجديد في المنطقة, والذي يبدو مجهولاً للبعض, كما أنها التجربة الأولى لشيعة العراق في أن يكونوا ممثلين بشكل كبير في مجلس للحكم في بلد عربي.
هذا البحث (الشيعة والعراق) يسعى لأن يرصد تاريخ التواجد الشيعي في العراق, ومن ثم التعريف بأهم التنظيمات والأحزاب الشيعية ويرصد مواقفها من الحرب الأمريكية على العراق.
وحيث أن لإيران ارتباطاً وثيقاً بقضية العراق بسبب الإشتراك في المذهب الشيعي ورعايتها لأغلب تيارات الشيعة السياسية المعارضة قبل سقوط نظام صدام, فقد أفردنا لها فصلاً خاصاً, استعرضنا فيه سياستها تجاهه, ومحاولاتها للسيطرة على العراق, وبهذا فإننا نلفت الانتباه إلى أن الدولة الشيعية التي نشأت بالأمس في إيران, وتم انتقاد تجربتها من الدول الإسلامية والغربية على حد سواء ومن الكثير من الشيعة, ومن آخر هذه الانتقادات فرار حفيد الخميني إلى النجف اعتراضاً على السياسات الإيرانية. (الشرق الأوسط.. 30/7/2003), هي اليوم مرشحة للتأسيس في العراق, وخاصة وأن هناك ارتباطاً كبيراً بين إيران والكثير من شيعة العراق.
وحيث أنه لا يخفى الاحتمالية الكبيرة لتأثر الدولة الجديدة في العراق بإيران الشيعية, فإنه لا يخفى أيضاً أن العراق سيكون له تأثير كبير على كيانات الخليج التي تتواجد فيها أقليات شيعية ترتبط مع شيعة العراق بروابط قوية, ربما تفوق العلاقات مع إيران, حيث يتبع الكثير من شيعة الخليج مرجعيات النجف ومنهم السيستاني, وهو الأمر الذي يزعج حكام الخليج ومواطنيه.
وسوف نسلط الضوء على المحاور التالية:
1- نسبة الشيعة في العراق.
2- غيابهم السياسي.
3- بداية دخول التشيع إلى العراق.
4- التنظيمات والتيارات الشيعية.
5- الصراع الشيعي الشيعي.
6- إيران والقضية العراقية.
7- انتفاضة 91.
8- المواقف الشيعية تجاه الحرب الأمريكية.
نسبة الشيعة في العراق :
دأبت وسائل الإعلام العربية و العالمية على ذكر أن نسبة الشيعة في العراق 60% أو 65% دون الاعتماد على مصدر موثوق أو إحصائية دقيقة, ودأبت هذه الوسائل على تكرار هذه النسبة دون وعي أو تمحيص, وهذه النسبة توحي بأن السكان الشيعة أغلبية في العراق, وبالتالي فهم الأحق بحكم العراق, إلا أن بعض الباحثين يشكك في هذه النسبة –استناداً إلى بعض المعطيات- رغم عدم وجود إحصاء لسكان العراق يبين تصنيف السكان على أساسٍ مذهبي أو عرقي.
فجاء في تقرير مركز ابن خلدون([1]) للأقليات سنة 1993 ص217:
يبلغ سكان العراق 18 مليون, الأغلبية المسلمة 95% من السكان, توجد إلى جانبها أقليات مسيحية, تصل إلى حوالي 4%, وجيوب ضئيلة من اليزيديين والماندائيين والصابئة واليهود تصل إلى 1%.
تنقسم الأكثرية المسلمة إلى مجموعتين مذهبيتين متساويتين في الحجم تقريباً وهما السنة والشيعة وكل منهما 48% تقريباً.
إلا أن تقرير مركز ابن خلدون نفسه الصادر سنة 1999 ذكر أن:
الشيعة يمثلون 52% من مجموع السكان, أي حوالي 7 ملايين نسمة ولم يذكر التقرير الأسس التي استند عليها, وقام بموجبها برفع نسبة الشيعة من 48% إلى 52%.
وعادة ما يتعمد الشيعة التقليل من عدد وحجم أهل السنة في العراق باحتسابهم بدون الأكراد (مع العلم أن الأكراد معظمهم من السنة) وقد بالغ الشيعة في رفع نسبتهم بشكل مجافٍ للحقيقة, فقد صرّح المتحدث باسم مؤسسة الصدر رحيم الدراج بأن نسبة الشيعة في العراق 85%!؟ (الحياة... 15/7/2003).
وفي المقابل يقول حامد البياتي في كتابه (شيعة العراق بين الطائفية والشبهات) الصادر سنة 1997 أن "الأقليّة" السنية العربية نسبتها من 10% إلى 15% من سكان العراق؟!.
وفي دراسة حديثة للدكتور سلمان الظفيري الأكاديمي العراقي المقيم في بريطانيا, نشرتها مجلة البيان (العدد 184- فبراير 2003) والوطن العربي (9/5/2003) يشكك فيها بقضية الأغلبية الشيعية ويقول:
توجد في العراق الآن عدة محافظات سنّية؛ منها ثلاث هي: الموصل, صلاح الدين (تكريت) والرمادي (الأنبار), وأربع محافظات كردية سنيّة وهي: دهوك, أربيل, السليمانية وكركوك.
وحسب مؤتمر المعارضة العراقية في لندن, فإنّ عدد الأكراد في العراق 25% من نفوس العراق, وهو ما يساوي 6 ملايين نسمة, وحسب التعداد العراقي الرسمي؛ فإن محافظة الرمادي يبلغ تعداد سكانها مليون نسمة, والموصل مليونين ونصف, وتكريت مليونين, وأما بغداد فالمشهور أن السّنّة فيها لا يقلّون عن النصف, والتعداد الرسمي يقول إنّ بغداد 6 ملايين نسمة, فهذه 3 ملايين سنّي في بغداد, ويوجد تجمع سنّي كبير في محافظة ديالي, وهي إلى الشرق, وهكذا يوجد تجمع سنّي في محافظة بابل (الحلة), ويوجد تجمع سني ثالث كبير في محافظة البصرة, ولا يقل التجمع السنّي في هذه المحافظات الثلاث عن المليون.
والتركمان في العراق حسب مؤتمر المعارضة هذا 6% , وهم في العراق على النحو التالي:
1-منطقة كركوك, وأكثرهم في هذه المنطقة, والشيعة قلة في كركوك.
2-منطقة تلعفر, وهم قلة شيعية.
3-منطقة خانقين, والتركمان قلة في هذه المنطقة, والظاهر أن أكثرهم سنة.
ولو قلنا أن نصف التركمان سنة, فلا ينزل العدد عن مليون.
ويضيف د. سليمان: بناءً على هذا التقسيم التقريبي القريب من الحقيقة, فإن عدد السنة يبلغ 16 مليون نسمة.
وبالنظر إلى الجدول الآتي الذي اتفق عليه المجتمعون في لندن وهو:
1-العرب: 66% (من السنة والشيعة).
2-الأكراد: 25%.
3-التركمان: 6%.
4-الآشوريون: 3%.
يظهر لنا أن 16 مليوناً من السنة يتكونون من 6 ملايين كردي, ومليون تركماني, فيكون عدد العرب السنة 9 ملايين, ويكون عدد الشيعة العرب 6 ملايين, ويبقى المليون الأخير من عدد سكان العراق البالغ 23 مليوناً هو للآشوريين وهم نصارى العراق.
ويتساءل د.الظفيري بعد هذه الأرقام: كيف يزعم الشيعة أنهم يساوون 70% من سكان العراق؟!.
ويظهر هنا نوع من الاتفاق بين الدكتور الظفيري الذي يجعل السنة الأكثرية في العراق 16 مليوناً من أصل24 مليوناً, وبين نسبة السنة في إحصاءات مركز ابن خلدون الذي جعل نسبتهم عام 93: 47.5% ووجه الاتفاق هذا هو أن الأغلبية الشيعية أمر مشكوك فيه بشكل كبير ، حتى لو وضعنا في الاعتبار وجود شيء من المبالغة في دراسة الدكتور الظفيرى .
ويذكر د. فرهاد إبراهيم في كتابه الطائفية والسياسة في العالم العربي ص337 أن نسبة أتباع المذاهب في العراق بالنسبة لمجموع الشعب من 1968 إلى 1977 هي كما يلي:
((العرب الشيعة 44.9%, العرب السنة 28.6%, الأكراد 12.7%, التركمان 3.4%, الفرس 3.3%, اليهود 0.3%, المسيحيون 6.4%, اليزيديون والشبك 0.1%, آخرون 0.3%)).
وإذا علمنا أن الأكراد معظمهم من السنة, وكذلك نصف التركمان فإنّ نسبة السنة لا تقل عن 42%, أما الشيعة العرب, فإذا ما أضفنا إليهم جزءاً من الأكراد ونصف التركمان والفرس, فإن النسبة بالكاد تصل إلى 50% وهي قريبة ممّا أعلنه مركز ابن خلدون في تقرير سنة 1993, وهي في نفس الوقت بعيدة عن النسب التي دأب الشيعة على إعلانها وهي 60 و 65% وعند بعضهم 70%.
*غيابهم السياسي:
ويهدف الشيعة من وراء هذه الأرقام المغلوطة إلى تشكيل رأي عام من أنهم كانوا على الدوام مهمّشين مضطهدين وأن السنة هم الذين تسببوا في ظلم واضطهادهم, فقد دأب الشيعة إلى نسبة جرائم صدام ضد العراقيين إلى السنة في الوقت الذي يعلم فيه الجميع أن السنة في العراق كانوا من الضحايا أيضاً لصدام وحزب البعث.
وأما فيما يتعلق بتهميش الشيعة في العراق, فإن الشيعة يتحملون الجزء الأكبر في ذلك بسبب النظرية السياسية القائمة على الإيمان بغيبة الإمام, وأنه لا تجوز إقامة الدولة أو ممارسة الحكم أثناء غيبة الإمام, وأن كل دولة تقوم قبل عودة الإمام دولة طاغوتية لا يجوز ابتاعها, وحاكمها كذلك طاغوت, الأمر الذي جعل جميع الدول الإسلامية في نظر الشيعة دولاً طاغوتية. وحتى نظرية ولاية الفقيه التي جاءت تعالج غيبة الإمام عندهم لم تكن آنذاك محل إجماع, وهي ليست اليوم أيضاً كذلك.
يعزو الكاتب الشيعي محمد عبد الجبار في حوار مع مجلة المجلة (23/11/2002) هذا التهميش إلى عاملين, يوضّحهما قائلاً:
الأول: بسبب الشيعة أنفسهم, فقد ارتكب أسلافنا منذ مطلع القرن العشرين خطأ تاريخياً كبيراً عندما عزفوا عن الاشتراك في الدولة ومعارضتها من خارجها, وبالتالي بقوا منعزلين عنها.
الثاني: يتعلق ببريطانيا التي رعت قيام الحكم الوطني في العراق, والتي شاءت أن تضع يدها مع غير الشيعة.
ويؤيد مرتضى العسكري أحد قادة ومؤسسي حزب الدعوة الشيعي الفكرة ذاتها فيقول عن مرحلة تأسيس الحزب:
((.. ولقد انتهيت إلى أنه لابد من عمل شيء, لكن إلى من يمكنني التوجه, لقد كان الحديث حول حزب إسلامي في بيئتنا كالحديث عن الكفر تقريبا)) الطائفية والسياسة في العالم العربي د. فرهاد إبراهيم ص247.
ويضيف الباحث الشيعي أحمد الكاتب في كتابه (الشيرازي) ص11 أن فكر الانتظار للإمام المهدي يهيمن بدرجة كبيرة على الفكر السياسي الشيعي العام, ويعتبر -أي هذا الفكر- أن إقامة أي شكل من الحكومة نوعاً من اغتصاب السلطة الشرعية المحصورة في الإمام الغائب, وقد فشلت محاولة أحد المجتهدين الشيعة وهو أحمد النراقي في التنظير لشرعية حكومة الفقهاء، حيث ردها كبار علماء النجف الشيعة آنذاك كمحمد حسن النجفي ومرتضى الأنصاري.
وبذلك يتضح عدم صواب تحميل السنة وزر إقصاء الشيعة من الحياة العامة بل هو نتيجة طبيعية لرؤيته السياسية المنبثقة عن العقيدة الشيعية في غيبة الإمام والفتاوى التي حرّمت العمل السياسي عليهم.
وبرغم هذا فإن الحكم الملكي (السني) في العراق كان يعمل جاهداً إلى إشراك بعضهم في حكم العراق ومن ذلك تولي أربعة من الشيعة رئاسة الوزراء في حقبة الحكم الملكي, فقد تسلم أربعة من الشيعة رئاسة الحكومة في العهد الملكي هم:
صالح جبر سنة 1947, محمد الصدر سنة 1948, فاضل الجمالي سنة 1954 وعبد الوهاب مرجان سنة 1957, كما أن نسبة الوزراء الشيعة كانت تتزايد باستمرار وكانت على النحو التالي:
1921-1932 كانت نسبة الوزراء الشيعة 17.7% و من 1932-1936 بلغت 15.8%, ومن 1936-1941 وصلت إلى 27.7%, ومن 1941-1946 بلغت 28.1% وفي الفترة 1947-1958 بلغت نسبة الوزراء الشيعة إلى 34.7%.
وارتفعت نسبة تمثيل الشيعة في البرلمان في العهد الملكي, ففي أول مجلس سنة 1925 بلغت نسبتهم 30.7% وفي نهاية العهد الملكي سنة 1958 وصلت هذه النسبة إلى 37.5%, علماً بأن هذه النسبة بلغت 43.7% في سنة 1954. انظر:الطائفية والسياسية في العالم العربي للدكتور فرهاد إبراهيم ص183, 188, 189.
([1] ) مركز ابن خلدون للدراسات الانمائية أسسه الدكتور سعد الدين إبراهيم في مصر, ود. سعد الدين إبراهيم صاحب توجيهات علمانية وليبرالية ويضم المركزوحدة متخصصة لدراسة أوضاع الأقليات في العالم العربي.
دخول التشيع إلى العراق
أ-سيطرة واحتلال الصفويين للعراق:
العراق دولة سنية , وقد دخلها الإسلام في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو بلد دخله الصحابة وأقاموا به, وهو موطن أبي حنيفة وأحمد وابن الجوزي وابن رجب ... وهو بلد الحنفية والحنابلة .
وكان على الدوام سنيّاً: في عهد العباسيين, والعثمانيين, وسائر العصور الإسلامية إلا أن العراق تعرّض في عهد الصفويين الذين حكموا إيران بدءاً من 906هـ (1500م) إلى هجمات عديدة عملت على فرض المذهب الشيعي مما أدّى إلى انتشار التشيع وخاصة في جنوب العراق .
وفرْض الصفويين([1]) للمذهب الشيعي بالقوة في العراق كان مقروناً بارتكاب المذابح ضد أهل السنة هناك واضطهاد علمائهم, كما أثبت التاريخ ذلك, وتبين أن احتلال الصفويين ومهاجمتهم لبغداد كان يتم في ظل انشغال الدولة العثمانية بفتوحاتها في أوروبا .
يقول محمد فريد بك في كتابه " تاريخ الدولة العثمانية " ص 90 :
وكان اسماعيل الصفوي قد توجّه بجيش كثيف إلى بغداد , ودخلها سنة 941هـ , وفتك بأهلها , وأهان علماءها , وخرّب مساجدها , وجعلها اصطبلات لخيله , كما فعل النصيريون من قبل , فاضطر السلطان سليمان القانوني إلى وقف زحفه في أوروبا , وعاد بقسم من الجيش لمحاربة الصفويين وتأديبهم .
وعاد الشاه عباس الصفوي إلى مهاجمة بغداد , ودخلها سنة 1033هـ 1623 م .
ويقول محمد فريد بك :
" وانتهز الشاه عباس الصفوي تغلغل العثمانيين في أوروبا , وحروبهم مع النمسا والمجر فزحف نحو بغداد " المرجع السابق ص 120.
ويضيف الدكتور علي الوردي في كتابه "لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث" (الجزء الأول ص43) متحدثاً عن حكم الصفويين لإيران والعراق فيقول: "يكفي أن نذكر هنا أن هذا الرجل (الشاه إسماعيل الصفوي) عمد إلى فرض التشيع على الإيرانيين بالقوة, وجعل شعاره سب الخلفاء الثلاثة, وكان شديد الحماس في ذلك سفاكاً لا يتردد أن يأمر بذبح كل من يخالف أمره أو لا يجاريه, قيل أن عدد قتلاه ناف على ألف ألف نفس.
وفي عام 1508م, استطاع الشاه إسماعيل أن يفتح بغداد, وتشير أكثر المصادر التاريخية إلى أنه فعل بأهل بغداد مثل ما فعل بالإيرانيين من قبل, فأعلن سب الخلفاء, وقتل الكثير من أهل السنة, ونبش قبر أبي حنيفة!!)).
وعن تأثر العراق بإيران يقول الوردي (الجزء الأول ص12):
"بعد أن تحولت إيران إلى التشيع أخذت تؤثر في المجتمع العراقي تأثيراً غير قليل, فقد بدأ التقارب بين الإيرانيين وشيعة العراق ينمو بمرور الأيام, وصارت قوافل الإيرانيين تتوارد تباعاً إلى العراق من أجل زيارة العتبات المقدسة (عند الشيعة) أو طلب العلم أو دفن الموتى وغير ذلك".
ويتبين لنا أن انتشار التشيع في العراق على نطاق واسع بدأ مع هجمات الصفويين الشيعة على العراق في القرن السادس عشر الميلادي, وإجبار الناس على اعتناق التشيع كما فعلوا ذلك في إيران.
ورغم وجود أثر بسيط للتشيع في العراق وخاصة في الكوفة كما سيأتي بيانه, إلا أنّ هذا الوجود الشيعي كان محدوداً للغاية, وكانت المرحلة الثانية من نشر التشيع, هي مرحلة ما بعد الصفويين, حيث تم نشر التشيع في صفوف القبائل, وإغرائهم بنكاح المتعة الذي يبيحه الشيعة.
ب-ما بعد الصفويين:
يذكر الدكتور ناصر القفاري في كتابه الضخم (أصول مذهب الشيعة) الجزء الثالث ص1450 ما يلي:
في العصور الأولى للإسلام، لم يجد التشيع موطناً له في العالم الإسلامي ولم تقبل التشيع والرفض إلا مدينة واحدة هي الكوفة , لبعدها عن العلم وأهله , وقد لاحظ شيخ الكوفة وعالمها أبو اسحاق السبيعي (ت127هـ) التغير الذي طرأ على هذه البلدة , فقد غادر الكوفة وهم على السنة, لا يشك أحد منهم في فضل أبي بكر وعمر وتقديمهما, ولكنه حينما عاد إليها وجد فيها ما ينكر من القول بالرفض " .
ثم ما لبث أن سرى داء الرفض إلى العالم الإسلامي حتى يذكر بعض الباحثين بأن الشيعة يشكلون 10% من مجموع المسلمين اليوم (يتركزن في إيران والهند وباكستان وأفغانستان والعراق ولبنان والساحل الشرقي للخليج العربي).
ونشاط الروافض متعدد الوجوه , متنوع الوسائل , لا يراعى فيه مبدأ بعكس حال أهل السنة, لأن الروافض يرون في (التقية)([2]) تسعة أعشار الدين, وقد اكتست وسائلهم لنشر مذهبهم بألوان من الخداع والتغرير راح ضحيتها جملة من القبائل المسلمة والأفراد المسلمين , كما حدث في العراق , وقد دفعوا مجموعة من شيوخ القبائل إلى اعتناق التشيع عن طريق إغرائهم بالمتعة([3]) .
في سنة 1326هـ كشف العلامة محمد كامل الرافعي في رسالة أرسلها من بغداد إلى صديقه الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار , ونشرتها المنار، كشف أثناء سياحته في تلك الديار ما يقوم به علماء الشيعة من دعوة الأعراب إلى التشيع واستعانتهم في ذلك بإحلال متعة النكاح لمشايخ قبائلهم الذين يرغبون الاستمتاع بكثير من النساء في كل وقت .
وقد قدّم إبراهيم الحيدري في كتابه "عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد" ص112-118 قدّم بياناً خطيراً بالقبائل السنية التي تشيعت بجهود الروافض وخداعهم فقال :
" وأما العشائر العظام في العراق الذين ترفضوا من قريب فكثيرون , منهم ربيعة ترفضوا منذ سبعين سنة , وتميم وهي عشيرة عظيمة ترفضوا في نواحي العراق منذ ستين سنة بسبب تردد شياطين الرافضة إليهم , والخزاعل ترفضوا منذ أكثر من مائة وخمسين سنة وهي عشيرة عظيمة من بني خزاعة فحرّفت وسميت خزاعل ... وعشيرة زبيد وهي كثيرة القبائل وقد ترفضت منذ ستين سنة بتردد الرافضة إليهم وعدم العلماء عندهم .
ومن العشائر المترفضة بنو عمير وهم بطن من تميم والخزرج وهم بطن من بني مزيقيا من الأزد , وشمرطوكة وهي كثيرة , والدوار والدفافعة .
ومن المترفضة عشائر العمارة آل محمد وهي لكثرتها لا تحصى وترفضوا من قريب, وعشيرة بني لام وهي كثيرة العدد, وعشائر الديوانية وهم خمس عشائر : آل أقرع , وآل بدير , وعفج , والجبور , وجليحة , ومن عشائر العراق العظيمة المترفضة منذ مائة سنة فأقل عشيرة كعب وهي عشيرة عظيمة ذات بطون كثيرة " .
وهكذا انتشر التشيع في قبائل أهل السنة في ظل غفلة أهل السنة وانخداعهم بأقاويل الروافض.
وعلى هذا النهج تسير إيران اليوم , حيث سخّرت أموالها وطاقاتها لنشر التشيع , من خلال إقامة المراكز الثقافية ونشر الكتب والمجلات الداعية للتشيع , وتقديم المنح الدراسية لأبناء العالم الإسلامي للقدوم إلى إيران والدراسة فيها , وتنظيم المحاضرات والمؤتمرات . انتهى.
يقول الدكتور فرهاد إبراهيم أستاذ العلوم السياسية بجامعة برلين في كتابه (الطائفية والسياسية في العالم العربي) موضحاً أثر تشيع هذه القبائل في جعل الشيعة أكثرية في العراق, فيقول:
"المذهب الشيعي لم ينتشر بصورة كبيرة في العراق إلا تحت حكم المماليك (1743-1831) ص44.
ويقول في ص45: أثرت الدعاية الشيعية وذكر الظلم الذي تعرضوا له ومقتل الحسين في كسب القبائل ونشر التشيع.
ويضيف في ص48 من الكتاب أن جماعات السكان من الشيعة من منطقة بلاد ما بين النهرين كانوا يشكلون منذ هجرة القبائل العربية من شبه الجزيرة أعداداً قليلة, وذلك في الفترة منذ القرن السابع عشر وحتى القرن التاسع عشر, ولم يشكل الشيعة الأغلبية في مجموع السكان إلا بعد الهجرة وتحول هذه القبائل إلى المذهب الشيعي.
ويقول المؤلف ص63-64: إضافة إلى القبائل التي نزحت إلى العراق وتشيعت, فإن هناك الفرس والفرس المستعربين والهنود يشكلون نسبة غير ضئيلة من مجموع السكان الشيعة خاصة في المراكز الحضرية, وكانت هجرة رجال الدين الشيعة وعدد آخر من جماعات السكان إلى العتبات قد جاء نتيجة لانهيار الدولة الصفوية, وظلت هذه الهجرات تتوالى حتى نشأة الدولة الحديثة في العراق.
التنظيمات والتيارات الشيعية في العراق :