بحوث ودراسات ومواضيع في المهدي المنتظر

 

المهدي المنتظر واختلاف الشيعة في: مولده، تاريخ ميلاده، اسم أمه، جواز تسميته:

اضطربت الإمامية في شأن المهدي اضطراباً شديداً لا يكاد ينضبط بحالٍ من الأحوال، حتى إنه لم يغادر من شئونه وأحواله شيء، ويصعب علينا إيراد ذلك كله في هذه العجالة من أمر كتابنا هذا، إلا أننا -إن كان في العمر بقية- أن سنوفي هذا الموضوع حقه، ولكن إليك بيان ذلك بإيجازٍ شديد:

أول اختلاف يفاجأ به الباحث في مسألة مهدي القوم، هو الاختلاف الشديد عندهم في مولده، فاقرأ معي هذه الروايات، فهي واضحة الدلالة وتغني عن التعليق والإضافة.

يروي القوم أن حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قالت: بعث إليَّ أبو محمد، فقال: يا عمة، اجعلي إفطارك الليلة عندنا فإنها ليلة النصف من شعبان، فإن الله تبارك وتعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة وهو حجته في أرضه، فقلت له: ومن أمه؟ قال لي: نرجس، قلت له: والله جعلني فداك ما بها من أثر.

وفي رواية: فوثبت إلى نرجس، فقلبتها ظهراً لبطن فلم أر بها أثراً من حبل، فعدت إليه فأخبرته بما فعلت فتبسم، ثم قال لي: إذا كان وقت الفجر يظهر لك بها.

وفي رواية: قال: إنا معاشر الأوصياء لسنا نحمل في البطون وإنما نحمل في الجنوب، ولا نخرج من الأرحام وإنما نخرج من الفخذ الأيمن من أمهاتنا؛ لأننا نور الله الذي لا تناله الدانسات، فجاءت تنزع خفي، وقالت لي: يا سيدتي، كيف أمسيت؟

فقلت: بل أنت سيدتي وسيدة أهلي، فأنكرت قولي، وقالت: ما هذا يا عمة؟ فقلت لها: يا بنية، إن الله تبارك وتعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاماً سيداً في الدنيا والآخرة، فجلست واستحيت، فلم أزل أرقبها إلى وقت طلوع الفجر وهي نائمة بين يدي.

وفي رواية: فلما ورد وقت صلاة الليل قمت ونرجس نائمة ما بها أثر ولادة، فأخذت في صلاتي ثم أوترت، فأنا في الوتر حتى وقع في نفسي أن الفجر قد طلع، فدخلتني الشكوك، فصاح بي أبو محمد من المجلس: لا تعجلي يا عمة فإن الأمر قد قرب، فبينا أنا كذلك إذ انتبهت فزعة فوثبت إليها، فقلت: اسم الله عليك، ثم قلت لها: تحسين شيئاً؟ قالت: نعم يا عمة، فقلت لها: اجمعي نفسك واجمعي قلبك فهو ما قلت لك، فوقع علي سبات لم أتمالك معه أن نمت، ووقع على نرجس مثل ذلك ونامت، فلم أنتبه إلا بحس سيدي المهدي، وصيحة أبي محمد يقول: يا عمة، هاتي ابني... الخبر([1]).

وفي رواية: عن سعد بن عبدالله قال: لما توفي الحسن العسكري بعث السلطان إلى داره من يفتشها ويفتش حجرها، وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده، وجاءوا بنساء يعرفن الحبل، فدخلن على جواريه، فنظرن إليهن، فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حبل، فأمر بها فجعلت في حجرة ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم.

فلما دفن وتفرق الناس اضطرب السلطان وأصحابه في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور، وتوقفوا عن قسمة ميراثه، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهموا عليها الحبل ملازمين لها سنتين وأكثر حتى تبين لهم بطلان الحبل فقسم ميراثه([2]).

أما متى ولد؟ ففي رواية: سنة (254) للهجرة، وفي ثانية: (255) للهجرة، وفي ثالثة: (256) للهجرة، وفي رابعة: (257) للهجرة، وفي خامسة: (258) للهجرة([3]).

أما اسم أمه: ففي رواية: نرجس، وفي ثانية: صقيل، وفي ثالثة: ريحانة، وفي رابعة: سوسن، وفي خامسة: حكيمة، وفي سادسة: خمط، وفي سابعة: مليكة، وفي ثامنة: مريم بنت زيد العلوية([4]).

ومن أطرف ما قرأت في تفسير هذا التعدد، قول البعض: إن لها كل يوم اسماً([5])!

كذلك اختلفوا في جواز تسميته ورؤية شخصه، ووضعوا في ذلك روايات عن معظم الأئمة، منها:

ما روي عن الباقر قال: سأل عمر أمير المؤمنين عن المهدي قال: يا ابن أبي طالب، أخبرني عن المهدي ما اسمه؟ قال: أما اسمه فلا، إن حبيبي وخليلي عهد إليَّ ألا أحدث باسمه حتى يبعثه الله عز وجل وهو مما استودع الله عز وجل رسوله علمه.

وعن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على محمد بن علي الباقر، فقلت: جعلت فداك، قد عرفت انقطاعي إلى أبيك وأنسي به ووحشتي من الناس، قال: صدقت يا أبا خالد، تريد ماذا؟ قلت: جعلت فداك، قد وصف لي أبوك صاحب هذا الأمر بصفته لو رأيته في بعض الطرقات لأخذت بيده، قال: فتريد ماذا يا أبا خالد؟ قال: أريد أن تسميه لي حتى أعرفه باسمه، فقال: سألتني والله يا أبا خالد عن سؤال مجهد، ولقد سألتني عن أمرٍ ما لو كنت محدثاً به أحداً لحدثتك، ولقد سألتني عن أمرٍ لو أن بني فاطمة عرفوه حرصوا على أن يقطعوه بضعة بضعة.

وعن المفضل بن عمر قال: كنت عند أبي عبدالله في مجلسه ومعي غيري، فقال لي: يا أبا عبدالله، إياكم والتنويه، يعني: باسم القائم.

وعنه قال: المهدي من ولدي الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته.

وعنه أيضاً قال: صاحب هذا الأمر رجل لا يسميه باسمه إلا كافر.

وعن الكاظم أنه قال: يخفى على الناس ولادته، ولا يحل لهم تسميته.

وعن الرضا قال: لا يرى جسمه، ولا يسمى باسمه.

وعن الجواد قال: القائم هو الذي يخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته، وهو سمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنيّه.

وعن أبي هاشم الجعفري قال: سمعت أبا الحسن العسكري يقول: الخلف من بعد الحسن ابني، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف؟ قلت: ولم جعلني الله فداك؟ فقال: لأنكم لا ترون شخصه، ولا يحل لكم ذكره باسمه، قلت: فكيف نذكره؟ فقال: قولوا: الحجة من آل محمد.

وعن عبد العظيم الحسني، عن أبي الحسن الثالث أنه قال في القائم: لا يحل ذكره باسمه.

بل روى القوم ذلك عن المهدي نفسه، فعن علي بن عاصم الكوفي قال: خرج في توقيعات صاحب الزمان: ملعون ملعون من سماني في محفلٍ من الناس.

وفي رواية: من سماني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة الله.

وعن الحميري أنه سأل العمري عن اسم القائم؟ فقال: إياك أن تبحث عن هذا، فإن عند القوم أن هذا النسل قد انقطع([6]).

ومسألة النهي عن تسميته من أغرب المسائل وأطرفها بعد كل هذه المئات من الروايات التي ملأ القوم كتبهم منها، والتي ذكرنا بعض مصادرها في مقدمة الباب عند ذكر سلسلة الأئمة، وأن الإمام بعد الحسن العسكري ابنه محمد، بنص الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وكذا الأئمة.

ولعلماء القوم في هذه المسألة تأويلات وأقوال وردود، منها: أن الصدوق لما أورد روايات فيها ذكر اسمه، قال تعليقاً على إحداها: جاء هذا الحديث هكذا بتسمية القائم، والذي أذهب إليه النهي عن تسميته([7]).

وقال الإربلي: من العجيب أن الشيخ الطبرسي والشيخ المفيد رحمهما الله تعالى قالا: إنه لا يجوز ذكر اسمه ولا كنيته، ثم يقولان: اسمه اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وكنيته كنيته عليهما الصلاة والسلام، وهما يظنان أنهما لم يذكرا اسمه ولا كنيته، وهذا عجيب! والذي أراه أن المنع من ذلك إنما كان للتقية في وقت الخوف عليه والطلب له والسؤال عنه، فأما الآن فلا، والله أعلم([8]).

أقول: وأعجب منه تعليل الإربلي نفسه -بما لا أعرف وجهة الحاجة إليه- وهو القول بالتقية في هذه المسألة في أمرٍ قد فرغ منه بزعم القوم بنص الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على إمامته بعد أبيه العسكري كما مرَّ بك.

اضطراب الشيعة في تأويل حديث: (اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي):

وعلى ذكر قولـه: اسمه اسم النبي وكنيته كنيته، فقد وردت من طرق عدة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المهدي قولـه: يواطيء اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبي([9]).

وهذه الأحاديث تعني ببساطة: أن المهدي الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم اسمه محمد بن عبدالله، أما مهدينا هذا فاسمه محمد بن الحسن، إذاً ماذا كان موقف القوم من هذا؟

في حقيقة الأمر اضطربت آراؤهم في هذه المسألة بين مختصر للطريق، وذلك بالقول بضعف أسانيد هذه الروايات، إلى مؤول لها تأويلاً بعيداً؛ كما ستقف عليه من هذه الأقوال:

منها قولهم: إنه سائغ وشائع في لسان العرب إطلاق لفظة الأب على الجد، أو أن لفظة الاسم تطلق على الكنية وعلى الصفة.

ومنهم من قال: إن المهدي من ولد أبي عبدالله وكانت كنية الحسين أبا عبدالله، فأطلق النبي صلى الله عليه وسلم على الكنية لفظة الاسم لأجل المقابلة بالاسم في حق أبيه، وأطلق على الجد لفظة الأب، فكأنه عليه السلام قال: يواطيء اسمه اسمي، فأنا محمد وهو محمد، وكنية جده اسم أبي إذ هو أبو عبدالله([10]).

ومنهم من قال: إن كنية الحسن العسكري أبو محمد، وعبدالله أبو النبي صلى الله عليه وسلم أبو محمد، فتتوافق الكنيتان والكنية داخلة تحت الاسم([11]).

ومنهم من قال: لما كان المهدي يخرج بعد دهر طويل من ولادته، لا يمكنه في بدء دعوته أن يعرف نفسه ويحقق نسبه بأنه محمد بن الحسن بن علي لعدم الجدوى بذلك، ولأن أهل مكة -حيث يظهر- غير معترفين بغيبته دهراً طويلاً ولا بإمامة آبائه، فهو إنما يعرف نفسه بأنه محمد بن عبدالله، يعني: أن اسمه الشريف محمد، وأن أباه عبد من عباد الله الصالحين([12]).

ومنهم من قال: إن كلمة [أبي] مصحفة، وإنما هي [ابني]([13]).

ومنهم من قال: إنما هي [نبي]([14]).

ومنهم من قال: إن كلمة [أبي] قد زيدت في هذه الأحاديث([15]).

النهي عن كتابة اسمه:

نبقى مع القوم في مسألة النهي عن التسمية، ونقول: إن هذا النهي شمل كتابة اسمه أيضاً، فإذا أراد أحد ممن يرى هذا النهي كتابة اسمه نراه يكتبه على هذا النحو: (م ح م د) هكذا بحروف مقطعة، فلذا تجد هذه الطريقة في كتابة اسمه مألوفة وكثيرة في كتب القوم([16]).

طريقة نشأته، مدة غيبته الصغرى، علة غيبته، تاريخ خروجه، مكان خروجه، عمره عند خروجه، مدة ملكه بعد خروجه:

أما طريقة نشأته، فقد علمت من تواريخ ميلاده التي ذكرناها أنه بعد وفاة أبيه العسكري لم يكن قد تجاوز السنتين إلى الست سنوات من عمره، بحسب الاختلاف الذي أوردناه هناك في تاريخ ميلاده.

إذاَ: لابد للقوم من حل لهذا الإشكال، ولهذا وضعوا هذه الروايات:

عن حكيمة -التي مرَّت بك روايتها لمولد المهدي- قالت: بعد أن كان أربعون يوماً دخلت عليه فإذا أنا بصبي متحرك يمشي بين يديه، فقلت: سيدي، هذا ابن سنتين؟ فتبسم ثم قال: إن أولاد الأنبياء والأوصياء إذا كانوا أئمة ينشؤون بخلاف ما ينشأ غيرهم، وإن الصبي منا إذا أتى عليه شهر كان كمن يأتي عليه سنة، وإن الصبي منا ليتكلم في بطن أمه ويقرأ القرآن ويعبد ربه عز وجل، وعند الرضاع تطيعه الملائكة وتنزل عليه كل صباح ومساء، فلم أزل أرى ذلك الصبي كل أربعين يوماً إلى أن رأيته رجلاً قبل مضي أبي محمد بأيام قلائل فلم أعرفه، فقلت لأبي محمد: من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟ فقال: ابن نرجس، وهو خليفتي من بعدي([17]).

وفي رواية يبدو فيها أن واضعها قد استبطأ الطريقة السابقة، فروى عن العسكري أنه قال لحكيمة: أما علمت أنا معشر الأوصياء ننشأ في اليوم ما ينشأ غيرنا في الجمعة، وننشأ في الجمعة ما ينشأ غيرنا في السنة([18]).

وجاء آخر يبدو أنه في عجلة من أمره، فجعل أمر اليوم كسنة، فروى أن العسكري قال: يا عمتي، أما علمتِ أنا معاشر الأئمة ننشأ في اليوم ما ينشأ غيرنا في السنة([19]).

وهكذا حل الإشكال.

وكذلك الاختلاف حصل في مدة غيبته الصغرى بين (69) سنة و(74) سنة([20])، بين من جعل ابتداء ذلك من تاريخ مولده -وقد عرفت الاختلاف في ذلك- وبين من جعل ذلك من وفاة أبيه العسكري (260) للهجرة، وحصل بذلك عندك خمسة تواريخ لبدء غيبته، والغريب من جعل ذلك سنة ست وستين ومائتين([21])، وست وسبعين ومائتين أيضاً([22]).

أما علة الغيبة فإليك الاختلاف:

عن حنان بن سدير عن أبيه قال: عن أبي عبدالله قال: إن للقائم منا غيبة يطول أمدها، فقلت له: ولم ذاك يا ابن رسول الله؟ قال: إن الله عز وجل أبى إلا أن يجري فيه سنن الأنبياء عليهم السلام في غيباتهم، وإنه لابد له يا سدير من استيفاء مدد غيباتهم([23]).

ومنهم من جعل علة الغيبة الخوف من القتل، فرووا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا بد للغلام من غيبة، فقيل له: ولم يا رسول الله؟ قال: يخاف القتل([24]).

وعن زرارة قال: سمعت أبا جعفر يقول: إن للغلام غيبة قبل ظهوره، قلت: ولم؟ قال: يخاف، وأومأ بيده إلى بطنه، قال زرارة: يعني القتل([25]).

وفي رواية: يخاف على نفسه الذبح([26]).

وعن الباقر قال: إذا ظهر قائمنا أهل البيت، قال: ((فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُرْسَلِينَ)) [الشعراء:21]([27]).

ومنهم من جعل علة الغيبة لئلا يكون في عنقه لأحدٍ بيعة إذا خرج، فعن إسحاق بن يعقوب قال: إنه ورد عليه من الناحية المقدسة على يد محمد بن عثمان: وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل يقول: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)) [المائدة:101] إنه لم يكن أحد من آبائي إلا وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لأحدٍ من الطواغيت في عنقي([28]).

وعن أبي عبدالله قال: صاحب هذا الأمر تعمى ولادته على الخلق؛ لئلا يكون لأحد في عنقه بيعة إذا خرج([29]).

أقول: وفي هذه الروايات دليل على بيعة كل إمام لخليفة زمانه، وفي هذا إشكال لا يخفى على القارئ البصير.

ومنهم من جعل علة ذلك سُوءَ أعمال العباد وكراهية الله لجوار الأئمة لهم، كما في الرواية: ما هو محجوب عنكم ولكن حجبه سوء أعمالكم([30]).

قال الطوسي: وفيه إشارة إلى أن من ليس له عمل سوء فلا شيء يحجبه عن إمامه([31]).

أقول: وفيه إشارة إلى عدم خلو أناس هذا الزمان من سوء الأعمال.. فتدبر!

وعن مروان الأنباري قال: خرج من أبي جعفر: إن الله إذا كره لنا جوار قوم نزعنا من بين أظهرهم([32]).

أقول: يبدو أن هذه الكراهية لازالت قائمة، نسأل الله العافية.

ومنهم من لم ير كل ما ذكرناه، فأبهم العلة وجعلها خافية، فرووا أن مهديهم قال: أغلقوا أبواب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلفوا على ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج([33]).

وعن عبدالله بن الفضل الهاشمي قال: سمعت الصادق يقول: إن لصاحب هذا الأمر غيبة لا بد منها، يرتاب فيها كل مبطل، فقلت له: ولم جعلت فداك؟ قال: لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم، وإن هذا الأمر من أمر الله، وسر من سر الله، وغيب من غيب الله([34]).

أما متى يخرج؟

فهذه هي الطامة الكبرى والبلية العظمى، ولا زالت الشيعة تربى بالأماني إلى يومنا هذا، أما الاختلاف في ذلك فإليك بياناً موجزاً عنه:

فعن محمد بن الفضيل، عن أبي جعفر قال: ستبقون ستة من دهركم لا تعرفون إمامكم، قلت: وكم الستة جعلت فداك؟ قال: ستة أيام، أو ستة أشهر، أو ست سنين، أو ستون سنة([35]).

ثم جاءت الروايات أكثر تحديداً، فعن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله قال: في القائم سنة من موسى بن عمران، فقلت: وما سنته من موسى بن عمران؟ قال: خفاء مولده وغيبته عن قومه، فقلت: وكم غاب موسى عن أهله وقومه؟ قال: ثمانياً وعشرين سنة([36]).

وعن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله قال: إذا فقد الناس الإمام مكثوا سبتاً لا يدرون من أي، ثم يظهر الله عز وجل لهم صاحبهم([37]).

وفي رواية: عن الباقر: ثم يقيم سبتاً من دهركم لا تدرون أياً من أي، فبينما أنتم كذلك إذ أطلع الله نجمكم فاحمدوه واقبلوه([38]).

والسبت -كما مرَّ بك- ثلاثون سنة([39]).

وعلى هذا فقد مرت عشرات السبتات منذ غيبة صاحبنا، ولم يظهر نجمه لنحمد الله ونقبله.

وعن الأودي قال: إن المهدي سأله: أتعرفني؟ فقلت: اللهم لا، قال: أنا المهدي، أنا قائم الزمان، أنا الذي أملؤها عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، إن الأرض لا تخلو من حجة، ولا يبقى الناس في فترة أكثر من تيه بني إسرائيل، وقد ظهر أيام خروجي، فهذه أمانة في رقبتك فحدِّث بها إخوانك من أهل الحق([40]).

أقول: مضى على هذه الرواية حوالي (14) قرناً، وتيه بني إسرائيل كما في سورة المائدة: آية: (26) إنما كان أربعين سنة.

وعن الثمالي قال: قلت لأبي جعفر: إن علياً كان يقول: إلى السبعين بلاء، وكان يقول: بعد البلاء رخاء، وقد مضت السبعون ولم نر رخاء؟

فقال أبو جعفر: يا ثابت، إن الله تعالى كان وقت هذا الأمر في السبعين، فلما قتل الحسين اشتد غضب الله على أهل الأرض فأخره إلى أربعين ومائة سنة، فحدثناكم فأذعتم الحديث، وكشفتم قناع الستر فأخره الله([41]).

أقول: سواء كان الأمر حسب التوقيت الأول (أي: أيام الحسين رضي الله عنه) أو الآخر (أي: أيام الصادق رحمه الله) فهما لا يستقيمان إذا علمنا أن المهدي هو ابن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر، فكيف يخرج من لم يولد بعد؟ وأين القول بالاثني عشر؟ ففي الرواية إسقاط ثمانية أئمة باعتبار التوقيت الأول، وخمسة باعتبار التوقيت الآخر، وهذا إشكال متروك حله إلى القوم، والغريب قول الصادق: كان هذا الأمر فيَّ فأخره الله، ويفعل بعدُ في ذريتي ما يشاء([42])!

وعن علي بن الحسين قال: يقوم قائمنا لموافاة الناس سنة، قال: يقوم القائم بلا سفياني، إن أمر القائم حتم من الله، وأمر السفياني حتم من الله، ولا يكون قائم إلا بسفياني، قلت: جعلت فداك، فيكون في هذه السنة؟ قال: ما شاء الله، قلت: يكون في التي يليها؟ قال: يفعل الله ما يشاء([43]).

وهذه الرواية كسابقتها، فيها مع افتراض التوقيت المذكور إسقاط بقية الأئمة، أما مسألة حتمية السفياني فهي موضع نظر عند القوم؛ لاحتمال البداء فيه، كما يروي القوم عن داود بن أبي القاسم قال: كنا عند أبي جعفر محمد بن علي الرضا، فجرى ذكر السفياني وما جاء في الرواية أن أمره من المحتوم، فقلت لأبي جعفر: هل يبدو لله في المحتوم؟ قال: نعم([44]).

وعن البزنطي قال: سمعت الرضا يقول: يزعم ابن أبي حمزة أن جعفراً زعم أن أبي القائم وما علم جعفر بما يحدث من أمر الله، فوالله لقد قال الله تبارك وتعالى يحكي لرسوله صلى الله عليه وسلم: ((قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ)) [الأحقاف:9] وكان أبو جعفر يقول: أربعة أحداث تكون قبل قيام القائم تدل على خروجه، منها أحداث قد مضى منها ثلاثة وبقي واحد.

قلنا: جعلنا فداك، وما مضى منها؟ قال: رجب خلع فيه صاحب خراسان، ورجب وثب فيه علي بن زبيدة، ورجب يخرج فيه محمد بن إبراهيم بالكوفة، قلنا له: فالرجب الرابع متصل به؟ قال: هكذا قال أبو جعفر([45]).

قال المجلسي في بيان الحديث: خلع صاحب خراسان كأنه إشارة إلى خلع الأمين المأمون عن الخلافة، وأمره بمحو اسمه عن الدراهم والخطب.

والثاني: إشارة إلى خلع محمد الأمين.

والثالث: إشارة إلى ظهور محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن المعروف بابن طباطبا بالكوفة لعشر خلون من جمادى الآخرة في قريب من مائتين من الهجرة، ويحتمل أن يكون المراد بقولـه: هكذا قال أبو جعفر، تصديق اتصال الرابع بالثالث، فيكون الرابع إشارة إلى دخوله خراسان، فإنه كان بعد خروج محمد بن إبراهيم بسنة تقريباً، ولا يبعد أن يكون دخوله خراسان في رجب([46]).

أقول: مضى على هذه الحوادث الأربعة التي تكون قبل قيام القائم وتدل على خروجه كما في الرواية اثنا عشر قرناً.

وعن البزنطي أيضاً قال: سألت الرضا عن قرب هذا الأمر؟ فقال: قال أبو عبد الله، حكاه عن أبي جعفر قال: أول علامات الفرج سنة خمس وتسعين ومائة، وفي سنة ست وتسعين ومائة تخلع العرب أعنّتها، وفي سنة سبع وتسعين ومائة يكون الفنا، وفي سنة ثمانٍ وتسعين ومائة يكون الجلاء، فقال: أما ترى بني هاشم قد انقلعوا بأهاليهم وأولادهم؟ فقلت: لهم الجلاء؟ قال: وغيرهم، وفي سنة تسع وتسعين ومائة يكشف الله البلاء إن شاء الله، وفي سنة مائتين يفعل الله ما يشاء، فقلت له: جعلت فداك، إنك قلت لي في عامنا الأول: حكيت عن أبيك أن انقضاء ملك آل فلان على رأس فلان وفلان، وليس لبني فلان سلطان بعدهما، قال: قد قلت ذاك لك، فقلت: أصلحك الله، إذا انقضى ملكهم يملك أحد من قريش يستقيم عليه الأمر؟ قال: لا، قلت: يكون ماذا؟ قال: يكون الذي تقول أنت وأصحابك، قلت: تعني خروج السفياني؟ فقال: لا، فقلت: فقيام القائم، قال: يفعل الله ما يشاء، قلت: فأنت هو؟ قال: لا حول ولا قوة إلا بالله([47]).

هذه الرواية بالرغم من كل ما فيها من تورية وجهل بالقائم كسابقتها، ونحن الآن في القرن الخامس عشر للهجرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وعن الباقر أنه سئل عن قول الله عز وجل: ((سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ)) [المعارج:1]؟ فقال: نار تخرج من المغرب، وملك يسوقها من خلفها حتى يأتي من جهة دار بني سعد بن همام عند مسجدهم، فلا تدع داراً لبني أمية إلا أحرقتها وأهلها، ولا تدع داراً فيها وتر لآل محمد إلا أحرقتها وذلك المهدي([48]).

أقول: لعل بني أمية هؤلاء الذين جاءتهم النار من جهة دار بني سعد بن همام غير بني أمية الذين نعرف والذين ذهبت دولتهم، وكذا من جاء بعدهم من عباسيين وعثمانيين.

وعن الحسن بن إبراهيم قال: قلت للرضا: أصلحك الله، إنهم يتحدثون أن السفياني يقوم وقد ذهب سلطان بني العباس؟ فقال: كذبوا، إنه ليقوم وإن سلطانهم لقائم([49]).

وعن الباقر قال: لا بد أن يملك بنو العباس، فإذا ملكوا واختلفوا وتشتت أمرهم خرج عليهم الخراساني والسفياني، هذا من المشرق، وهذا من المغرب، يستبقان إلى الكوفة كفرسي رهان([50]).

وعن أبي بصير، عن أبي عبدالله قال: الله أجل وأكرم وأعظم من أن يترك الأرض بلا إمام عادل، قلت: جعلت فداك، فأخبرني بما أستريح إليه، قال: يا أبا محمد، ليس يرى أمة محمد فرجاً أبداً ما دام لولد بني فلان ملك حتى ينقرض ملكهم، فإذا انقرض ملكهم أتاح الله لأمة محمد برجلٍ منا أهل البيت، يسير بالتقى، ويعمل بالهدى، ولا يأخذ في حكمه الرشا، والله إني لأعرفه باسمه واسم أبيه، ثم يأتينا الغليظ القصرة ذو الخال والشامتين القائد العادل الحافظ لما استودع، يملؤها عدلاً وقسطاً كما ملأها الفجار جوراً وظلماً([51]).

وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: أتيت أمير المؤمنين خالياً، فقلت: يا أمير المؤمنين، متى القائم من ولدك؟ فتنفس الصعداء، وقال: إذا قتلت ملوك بني العباس، أولي العمى والالتباس، أصحاب الرمي عن الأقواس بوجوه كالتراس، وخربت البصرة، هناك يقوم القائم من ولدي الحسين([52]).

أقول: انظر كم مضى على زوال الدولة العباسية ولم يخرج صاحبنا؟!

وعن ابن يقطين قال: قال لي أبو الحسن: يا علي، إن الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة.

وقال يقطين لابنه علي: ما لنا قيل لنا فكان، وقيل لكم فلم يكن؟ فقال له علي: إن الذي قيل لكم ولنا من مخرج واحد، غير أن أمركم حضركم فأعطيتم محضة، وكان كما قيل لكم، وإن أمرنا لم يحضر فعللنا بالأماني، ولو قيل لنا: إن هذا الأمر لا يكون إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب، ولرجعت عامة الناس عن الإسلام؛ ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه! تألفاً لقلوب الناس، وتقريباً للفرج([53]).

ويقطين هذا كان من أتباع بني العباس، فقال لابنه علي الذي كان من خواص الكاظم: ما بالنا وعدنا دولة بني العباس على لسان الرسول والأئمة صلوات الله عليهم، فظهر ما قالوا، ووعدوا وأخبروا بظهور دولة أئمتكم فلم يحصل.

والرواية تتكلم عن قسوة القلوب والخوف من رجوع عامة الناس عن الإسلام لمئتي سنة أو ثلاثمائة سنة، لا أربعة عشر قرناً، ولعل في الروايات الآتية بياناً لكل ما مرَّ بك.

فعن أبي بصير قال: قلت له: ألهذا الأمر أمد نريح إليه أبداننا وننتهي إليه؟

قال: بلى، ولكنكم أذعتم فزاد الله فيه([54]).

ولكن يبدو أن الموعد الجديد الذي أخر إليه قد أخر هو الآخر أيضاً، فعن إسحاق بن عمار قال: يا إسحاق، إن هذا الأمر قد أخر مرتين([55]).

ولكن ماذا حصل للموعد الجديد، فقد مرَّت بك الرواية في قول الباقر: بأن الله تعالى قد وقَّت هذا الأمر في السبعين، فلما قتل الحسين اشتد غضب الله على أهل الأرض فأخره إلى أربعين ومائة سنة، فحدثناكم فأذعتم الحديث وكشفتم قناع الستر فأخره الله.

ثم حسمت المسألة بتكذيب التوقيت مطلقاً، فعن الفضيل قال: سألت أبا جعفر: هل لهذا الأمر وقت؟ فقال: كذب الوقاتون، كذب الوقاتون، كذب الوقاتون.

وعن منذر الجوار، عن أبي عبدالله قال: كذب الموقتون، ما وقتنا فيما مضى، ولا نوقت فيما يستقبل.

وعن مهزم الأسدي قال: سألت أبا عبدالله: أخبرني -جعلت فداك- متى يكون هذا الأمر الذي تنتظرونه فقد طال؟ فقال: يا مهزم، كذب الوقاتون، وهلك المستعجلون.

وعن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله قال: من وقت لك من الناس شيئاً فلا تهابن أن تكذبه، فلسنا نوقت لأحدٍ وقتاً.

وعن أبي عبدالله قال: كذب الوقاتون، إنا أهل بيت لا نوقت، ثم قال: أبى الله إلا أن يخالف وقت الموقتين.

وعن إسحاق بن يعقوب أنه خرج إليه على يد محمد بن عثمان العمري: أما ظهور الفرج فإنه إلى الله وكذب الوقاتون.

وعن أبي عبدالله قال: إنا لا نوقت هذا الأمر.

وعنه أيضاً قال: حاشا لله أن يوقت ظهوره بوقت يعلمه شيعتنا([56]).

وعلى أي حال، فالروايات في الباب كثيرة، ولكن من الذي وقت لنا؟

ونختم حديثنا عن الاختلاف في تاريخ خروجه بهذه الروايات، ففيها فرج ورفع حرج لحيرة المنتظرين:

فعن محمد بن مسلم وأبي بصير قالا: سمعنا أبا عبدالله يقول: لا يكون هذا الأمر حتى يذهب ثلثا الناس، فقلنا: إذا ذهب ثلثا الناس فمن يبقى؟ فقال: أما ترضون أن تكونوا في الثلث الباقي([57]).

وعن جابر الجعفي قال: قلت لأبي جعفر: متى يكون فرجكم؟ فقال: هيهات هيهات لا يكون فرجنا حتى تغربلوا، ثم تغربلوا، ثم تغربلوا -يقولها ثلاثاً- حتى يذهب الكدر، ويبقى الصفو([58]).

وعن إبراهيم بن هليل قال: قلت لأبي الحسن: جعلت فداك، مات أبي على هذا الأمر وقد بلغت من السنين ما قد ترى، أموت ولا تخبرني بشيء؟ فقال: يا أبا إسحاق، أنت تعجل، فقلت: إي والله أعجل، وما لي لا أعجل وقد بلغت من السن ما ترى؟ فقال: أما والله يا أبا إسحاق ما يكون ذلك، حتى تميزوا وتمحصوا، وحتى لا يبقى منكم إلا الأقل، ثم صعَّر كفه([59]).

وقال الرضا: والله ما يكون ما تمدون أعينكم إليه حتى تمحصوا وتميزوا، وحتى لا يبقى منكم إلا الأندر فالأندر([60]).

فتأمل في عدد سكان العالم الآن، وانظر كيف يذهب أكثر من [66%] ولعل في ذلك دلالة على نشوب حرب عالمية أخرى تأتي على الأخضر واليابس، ويفنى فيها أكثر الناس حتى يعود من بقي منهم إلى ما كان عليه الناس من عصر السيوف والنبال.

ويؤيد ما ذهبنا إليه من أن صاحبنا سيخرج بالسيف، كما في روايات القوم، ومنها: عن الصادق قال: لا يظهر إلا بالسيف([61]).

وعن الحسن بن فضال، عن الرضا أنه قال: كأني بالشيعة عند فقدهم الثالث من ولدي يطلبون المرعى فلا يجدونه، قلت له: ولم ذلك يا ابن رسول الله؟ قال: لأن إمامهم يغيب عنهم، فقلت: ولم؟ قال: لئلا يكون في عنقه لأحد بيعة إذا قام بالسيف([62]).

وعن المفضل أنه سمع الصادق يقول: إن لصاحب الأمر بيتاً يقال له: بيت الحمد، فيه سراج يزهر منذ يوم ولد إلى يوم يقوم بالسيف لا يطفى([63]).

وعن أبي جعفر الثاني قال: وله سيف مغمد، فإذا حان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده وأنطقه الله عز وجل، فناداه السيف: اخرج يا ولي الله، فلا يحل لك أن تقعد عن أعداء الله([64]).

وحددت بعض الروايات سيفه بأنه سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم([65])، وفي بعضها بأنه ذو الفقار([66]).

وكذلك أصحابه، فعن الصادق قال: إذا قام القائم أتى رحبة الكوفة فقال برجله هكذا، وأومأ بيده إلى موضع، ثم قال: احفروا ههنا، فيحفرون فيستخرجون اثني عشر ألف درع، واثني عشر ألف سيف، واثني عشر ألف بيضة، لكل بيضة وجهان، ثم يقول: من لم يكن عليه مثل ما عليكم فاقتلوه([67]).

وعز على آخر أن تكون سيوفهم من الأرض فأنزلها من السماء، فعن الصادق: إذا قام القائم نزلت سيوف القتال على كل سيف اسم الرجل واسم أبيه([68]).

وعلى أي حال، فالروايات الدالة على خروجه وكذا أصحابه بالسيوف كثيرة، ونجتزئ بما أوردناه([69]).

عاد بنا الحديث إلى الاختلاف في شئونه، ومنها: في أي يوم سيكون خروجه وأين؟ عن الصادق قال: يوم النيروز هو اليوم الذي يظهر فيه قائمنا أهل البيت، وما من يوم نيروز إلا ونحن نتوقع فيه الفرج؛ لأنه من أيامنا حفظته الفرس وضيعتموه ([70]).

لا يفوتك أن تتدبر في مسألة انتظار الإمام السادس للثاني عشر في حياته، كما لا يفوتك مغزى الولاء لهذه الأعياد.

وفي قول: يوم عاشوراء يوم السبت([71]).

وفي آخر: يوم الجمعة([72]).

أما أين؟

ففي رواية: من قرية في اليمن تسمى كرعة([73]).

وفي أخرى: مكة([74]).

وكذلك الاختلاف في عمره عند خروجه، ففي بعض الروايات أنه ابن ثلاثين سنة.

وفي أخرى: اثنتين وثلاثين سنة.

وفي أخرى: ابن أربعين سنة.

وأخرى: ابن ثمانين سنة.

وأخرى: إن ذلك إلى الله عز وجل.

عن المفضل أنه سأل الصادق: يا سيدي، يعود شاباً أو يظهر في شيبته؟ فقال: سبحان الله! وهل يعرف ذلك؟ يظهر كيف شاء وبأي صورة شاء([75]).

وكذا اختلف القوم في كم يملك عند خروجه، بين (7) سنوات، و(19) سنة، و(19) سنة وأشهر، و(40) سنة، و(70) سنة، و(120) سنة، و(309) سنوات([76]).

نعود إلى حديثنا عن غيبة المهدي وحال المسلمين فيها، ونورد بعضاً مما أورده القوم عن الأئمة في ذلك حتى تنجلي الغمة ثم نعلق على ذلك بما يفتح الله علينا.

عن أمير المؤمنين رضي الله عنه قال: للقائم منا غيبة أمدها طويل، كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته يطلبون المرعى فلا يجدونه([77]).

وقال: كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هدى، ولا علم يرى، يبرأ بعضكم من بعض([78]).

وقال: لا تنفك هذه الشيعة حتى تكون بمنزلة المعز لا يدري الخابس على أيها يضع يده، فليس لهم شرف يشرفونه، ولا سناد يستندون إليه في أمورهم([79]).

وعن الباقر قال: لا يزالون ولا تزالون حتى يبعث الله لهذا الأمر من لا تدرون خلق أم لم يخلق([80]).

وعن الصادق: إن للقائم غيبتين، يقال في أحدهما هلك، ولا يدرى في أي وادٍ سلك([81]).

ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: المهدي من ولدي تكون لـه غيبة وحيرة تضل فيها الأمم([82]).

وعن الصادق قال: أما والله ليغيبن عنكم مهديكم، حتى يقول الجاهل منكم: ما لله في آل محمد حاجة([83]).

وعنه أيضاً قال: إن لصاحب هذا الأمر غيبتين: إحداهما تطول حتى يقول بعضهم: مات، ويقول بعضهم: قتل، ويقول بعضهم: ذهب، حتى لا يبقى على أمره من أصحابه إلا نفر يسير، لا يطلع على موضعه أحد من ولده ولا غيره، إلا المولى الذي يرى أمره([84]).

وعن الكاظم قال: لا بد لصاحب هذا الأمر من غيبة؛ حتى يرجع عن هذا الأمر من كان يقول به([85]).

وعنه أيضاً لما سُئِلَ عن تأويل قول الله عز وجل: ((قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ)) [الملك:30]؟ فقال: إذا فقدتم إمامكم فلم تروه فماذا تصنعون([86]).

وعن الصادق قال: إن لصاحب هذا الأمر غيبةً، المتمسك فيها بدينه كالخارط لشوك القتاد بيده([87]).

وعن العسكري قال: أما إنه له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقاتون([88]).

وعن الصادق قال: ثم يغيب في آخر يوم من سنة ست وستين ومائتين، فلا تراه عين أحد([89]).

 


([1]) كمال الدين: (390، 393)، البحار: (51/2، 13، 17، 26)، إثبات الهداة: (3/409، 414)، إعلام الورى: (394)، دلائل الإمامة: (264).

([2]) كمال الدين: (52)، البحار: (50/329).

([3]) انظر هذه الروايات في: البحار: (51/2، 4، 15، 16، 22، 23) (52/146) (53/4)، كمال الدين: (395، 397)، الإرشاد: (346)، إثبات الهداة: (3/441، 569، 570، 578، 580)، إعلام الورى: (393)، غيبة الطوسي: (139، 143، 147، 164، 241، 258)، كشف الغمة: (3/234)، جامع الرواة: (2/467)، دلائل الإمامة: (267).

([4]) انظر هذه الروايات في: كمال الدين: (289، 396، 397)، غيبة الطوسي: (142، 143، 147، 164، 241)، الإرشاد: (346)، عيون الأخبار: (24)، البحار: (36/194) (51/2، 5، 13، 15، 17، 19، 23، 24، 28، 121، 293، 360) (52/16)، إثبات الهداة: (1/469) (3/365، 409، 410، 414)، إعلام الورى: (394)، الوسائل: (16/244)، جامع الرواة: (2/467)، دلائل الإمامة: (264)، منتخب الأثر: (320، 321).

([5]) منتخب الأثر: (320)، أربعينية الخاتون آبادي: (ح:2).

([6]) انظر هذه الروايات في:البحار:(3/268)(26/308)(36/412)(50/240)(51/31، 32، 33، 36، 144، 145، 147، 149، 150، 157، 158)(52/28، 198، 283)(53/184)(69/1،2)، إثبات الهداة: (1/543) (3/393، 395، 440، 477، 490، 510، 579)، أمالي الصدوق:(204)، كمال الدين: (313، 318، 345، 353، 378، 405، 438، 586، 587، 588)، غيبة الطوسي: (131، 202، 281)، كفاية الأثر: (38، 326)، الكافي: (1/332)، الإرشاد: (338، 349، 363)، إعلام الورى:(351، 434)، غيبة النعماني: (194)، كشف الغمة: (3/245)، روضة الواعظين: (2/266).

([7]) كمال الدين: (178)، عيون الأخبار: (24)، البحار: (36/194) (51/32).

([8]) كشف الغمة: (3/326)، وكذا علل ذلك الحر العاملي، انظر: إثبات الهداة: (3/470، 490)، كمال الدين: (438) (الحاشية)، عيون الأخبار: (1/68) (الحاشية).

([9]) أمالي الطوسي: (362)، غيبة الطوسي: (112)، كشف الغمة: (3/235، 271، 277)، البحار: (28/46) (37/2) (51/42، 74، 82، 84، 86، 102، 103) (52/189)، إثبات الهداة: (3/594، 598)، ملاحم ابن طاوس: (132، 162)، غيبة النعماني: (152).

([10]) كشف الغمة: (3/240، 277)، البحار: (51/103، 86)، غيبة الطوسي: (113) (الحاشية).

([11]) البحار: (51/103)، غيبة الطوسي: (112) (الحاشية).

([12]) البحار: (28/46) (الحاشية).

([13]) البحار: (28/46) (51/104) (وعند نقله لهذه الرواية من المصدر -أمالي الطوسي: (362)- والذي أورده هكذا: واسم أبيه اسم أبي، جعلها هكذا: واسم أبيه اسم ابني) (51/67، 86)، غيبة الطوسي: (112) (الحاشية)، وكذا فعل العاملي في: إثبات الهداة: (3/518)، معجم أحاديث المهدي: (1/178).

([14]) معجم أحاديث المهدي: (1/187).

([15]) كشف الغمة: (3/277)، إثبات الهداة: (3/518)، معجم أحاديث المهدي: (1/178).

([16]) انظر مثلاً: كمال الدين: (314، 395، 405)، مهج الدعوات: (345)، غيبة الطوسي: (105، 144، 149)، أمالي الطوسي: (182)، البحار: (48/15) (50/314) (51/4، 24، 144، 161) (52/16، 17، 34، 40، 110، 171، 378) (53/143، 148، 206) (86/61)، إثبات الهداة: (1/455) (3/441، 509)، الكافي: (1/329، 514، 528)، المستدرك: (5/74)، إعلام الورى: (404).

([17]) كمال الدين: (394)، البحار: (51/14) (53/327).

([18]) البحار: (51/27).

([19]) غيبة الطوسي: (144)، البحار: (51/20، 27، 293).

([20]) منتخب الأثر: (358)، البحار: (51/44، 138، 366).

([21]) البحار: (53/6)، إثبات الهداة: (3/586).

([22]) البحار: (51/44).

([23]) علل الشرايع: (1/234)، كمال الدين: (437)، البحار: (51/142) (52/90).

([24]) علل الشرايع: (1/234)، البحار: (52/90، 97)، إثبات الهداة: (3/498).

([25]) كمال الدين: (321، 325)، علل الشرايع: (1/246)، غيبة النعماني: (118)، غيبة الطوسي: (202)، البحار:(52/91، 95، 97، 98، 146)، إثبات الهداة:(3/443، 444، 472، 487، 571).

([26]) كمال الدين: (437)، البحار: (52/97)، إثبات الهداة: (3/487).

([27]) غيبة النعماني: (116)، كمال الدين: (308)، البحار: (52/157، 281، 292، 385)، نور الثقلين: (4/49)، تأويل الآيات: (1/388)، البرهان: (3/183)، إثبات الهداة: (3/468، 535، 562، 583).

([28]) كمال الدين: (436)، الاحتجاج: (263)، البحار: (52/92، 279) (53/181) (78/380)، غيبة الطوسي: (177).

([29]) كمال الدين: (53)، البحار: (51/132) (52/95، 96، 289).

([30]) البحار: (53/321).

([31]) البحار: (53/321).

([32]) البحار: (52/90)، إثبات الهداة: (3/447).

([33]) كمال الدين:(2/162)، الاحتجاج:(263)، غيبة الطوسي:(177)، البحار:(52/92)(53/181).

([34]) البحار: (52/91)، إثبات الهداة: (3/488).

([35]) إثبات الهداة: (3/576)، البحار: (51/118، 134).

([36]) كمال الدين: (303)، إثبات الهداة: (3/459، 471)، البحار: (51/216).

([37]) غيبة النعماني: (102)، إثبات الهداة: (3/547).

([38]) إثبات الهداة: (3/533)، البحار: (51/148).

([39]) معاني الأخبار: (403)، الكافي: (1/452)، البحار:(15/263)(35/6، 77)(38/47)، إثبات الهداة: (1/153) (2/13).

([40]) غيبة الطوسي: (63)، كمال الدين: (2/199)، البحار: (52/2).

([41]) غيبة الطوسي: (263)، غيبة النعماني: (197)، الكافي: (1/368)، البحار: (4/114، 120) (42/223) (52/105).

([42]) غيبة الطوسي: (263)، البحار: (4/114) (52/106).

([43]) البحار: (52/182).

([44]) غيبة النعماني: (205)، البحار: (52/250)، إثبات الهداة: (3/544).

([45]) البحار: (52/182).

([46]) البحار: (52/184).

([47]) البحار: (52/184)، إثبات الهداة: (3/50).

([48]) تفسير القمي: (2/374)، البرهان: (4/381)، نور الثقلين: (5/412)، الصافي: (5/224)، البحار: (52/188)، إثبات الهداة: (3/553).

([49]) غيبة النعماني: (205)، البحار: (52/251).

([50]) غيبة النعماني: (117)، البحار: (52/234).

([51]) البحار: (52/269).

([52]) البحار: (52/275).

([53]) غيبة الطوسي: (207)، غيبة النعماني: (198)، البحار: (4/132) (52/102).

([54]) غيبة الطوسي: (265)، غيبة النعماني: (194)، البحار: (52/105، 117).

([55]) غيبة النعماني: (197)، البحار: (52/117).

([56]) انظر هذه الروايات في: غيبة الطوسي: (262)، البحار: (4/132) (52/103، 104، 111، 118) (53/181) (78/380)، إثبات الهداة: (3/447، 544)، غيبة النعماني: (131، 195).

([57]) غيبة الطوسي: (206)، البحار: (52/113، 207)، إثبات الهداة: (3/510).

([58]) غيبة الطوسي: (206)، البحار: (52/113).

([59]) غيبة النعماني: (139)، البحار: (52/113) (وصعر كفه، أي: أمالها تهاوناً بالناس).

([60]) غيبة النعماني: (204)، البحار: (52/114)، وانظر رواية أخرى شبيهه لكن لأصحاب الصادق: البحار: (52/112)، غيبة النعماني: (111)، غيبة الطوسي: (218)، الكافي: (1/370).

([61]) البحار: (51/148).

([62]) البحار: (51/152) (52/96)، إثبات الهداة: (3/486).

([63]) غيبة الطوسي: (280)، البحار: (52/158)، إثبات الهداة: (3/515، 580).

([64]) كمال الدين:(157)، عيون الأخبار:(38)، إعلام الورى:(381)،البحار:(36/208)(52/311).

([65]) إثبات الهداة: (3/588).

([66]) البحار: (36/335) (52/171، 307، 361، 380)، غيبة النعماني: (209)، كفاية الأثر:(19).

([67]) الاختصاص: (334)، البحار: (52/377)، إثبات الهداة: (3/558).

([68]) غيبة النعماني: (162، 214)، البحار: (52/356).

([69]) انظر: الإرشاد: (359)، غيبة النعماني: (103، 109، 122، 153، 154، 160)، كمال الدين: (302، 307، 316)، البحار: (2/201)(24/46، 310)(37/22)(51/50،51،58،148،217) (52/99، 202، 338، 347، 348، 353، 388، 389، 390) (100/58) (102/9)، إثبات الهداة: (3/440، 448، 451، 515، 522، 540، 568، 584، 588)، إعلام الورى: (402).

([70]) البحار: (52/276، 308) (59/119)، إثبات الهداة: (3/571).

([71]) غيبة النعماني: (189)، الإرشاد: (362)، غيبة الطوسي: (274)، منتخب الأثر: (464، 365)، البحار:(52/285، 290، 297)، إثبات الهداة:(3/453، 491، 514، 543، 570).

([72]) الخصال: (394)، البحار: (52/279)، إثبات الهداة: (3/496).

([73]) كفاية الأثر: (20)، منتخب الأثر: (466)، النجم الثاقب: (ح:62)، البحار: (36/335) (51/95) (52/380).

([74]) غيبة الطوسي: (112)، الكافي: (1/340)، غيبة النعماني: (119)، البحار: (52/153، 157)، منتخب الأثر: (467)، إثبات الهداة: (3/562، 565، 586).

([75]) غيبة الطوسي: (258، 259)، البحار: (52/279، 285، 287، 319) (53/7)، غيبة النعماني:(99، 158)، كمال الدين:(2/366)، إثبات الهداة:(3/575)، إعلام الورى:(401).

([76]) انظر هذه الروايات في: غيبة الطوسي: (273، 283)، العياشي: (2/326)، البصائر: (130)، البحار: (52/280، 287، 291، 298، 299، 337، 338، 339، 340، 386، 390) (53/145، 146)، إثبات الهداة: (3/299، 512، 517، 528، 529، 547، 556، 557، 575، 584)، إعلام الورى:(342، 432، 434)، الإرشاد:(363)، غيبة النعماني: (99، 231، 232)، الاختصاص: (257).

([77]) كمال الدين: (286)، غيبة النعماني: (127)، البحار: (51/109، 110، 114، 119)، إثبات الهداة: (3/463، 464، 486)، إعلام الورى: (400).

([78]) غيبة الطوسي: (207)، البحار: (51/111) (52/112)، كمال الدين: (326)، إثبات الهداة: (3/473، 511).

([79]) غيبة النعماني: (127)، روضة الكافي: (263)، البحار: (51/114) (52/110، 263).

([80]) غيبة النعماني: (121، 122)، البحار: (51/139).

([81]) غيبة النعماني: (115، 76)، كمال الدين: (2/16)، الكافي: (1/336)، غيبة الطوسي: (217، 205)، البحار:(52/156، 157، 228، 281)، إثبات الهداة: (3/473، 514، 533).

([82]) البحار: (51/72).

([83]) كمال الدين: (285، 287)، غيبة الطوسي: (207)، البحار: (51/68، 119، 135، 145) (52/101)، إثبات الهداة: (3/459، 463، 464، 472، 510، 532)، إعلام الورى: (400).

([84]) غيبة الطوسي: (111)، غيبة النعماني: (89)، البحار: (52/153) (53/324).

([85]) كمال الدين: (358)، غيبة الطوسي: (204)، البحار: (51/150) (52/113)، إثبات الهداة: (3/476).

([86]) البحار: (24/100) (51/151)، نور الثقلين: (5/387)، الصافي: (5/206)، البرهان: (4/367)، إثبات الهداة: (3/476).

([87]) البحار: (52/111، 135)، إثبات الهداة: (3/473).

([88]) البحار: (51/160)، إثبات الهداة: (3/482).

([89]) البحار: (53/6).

تكذيبه لمن سيدعي مشاهدته في غيبته الكبرى:

ويؤيد عدم الرؤية هذه ما أورده القوم عن المهدي نفسه في ذلك، حيث قال في التوقيع الذي خرج إلى السمري: يا علي بن محمد السمري، اسمع أعظم الله أجر إخوانك فيك، فأنت ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي من شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم([90]).

فما رأي القوم أن نقول لهؤلاء الذين ادعوا مشاهدته والفوز بلقائه ممن مضى وممن سيأتي، كما ملأ القوم كتبهم بقصصهم بأنهم كذابون ومفترون بضمانة هذه الرواية.

وعن الصادق قال: يفقد الناس إمامهم فيشهدهم الموسم فيراهم ولا يرونه([91])؟

وفي رواية: إن للقائم غيبتين يرجع في إحداهما والأخرى لا يدرى أين هو؟ يشهد المواسم، يرى الناس ولا يرونه([92]).

وفي رواية: إن صاحب هذا الأمر يحضر الموسم كل سنة، فيرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه([93]).

الكلام في اللطف:

تقودنا هذه الروايات الصريحة بافتتان الخلق بغيبته، والصريحة باستحالة رؤيته، والمكذبة لمدعي رؤيته أو الفوز بلقائه إلى مسألة اللطف.

وقد مرَّ بك تعريف موجز عن مفهوم اللطف في أول الكتاب، حيث ذكرنا هناك أن الشيعة يعتقدون أن الإمامة كالنبوة لطف من الله تعالى، فلا بد أن يكون في كل عصرٍ إمام هادٍ يخلف النبي، من وظائفه: هداية البشر وإرشادهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في النشأتين، وله ما للنبي من الولاية العامة على الناس لتدبير شئونهم ومصالحهم، وإقامة العدل بينهم، ورفع الظلم والعدوان من بينهم، وعلى هذا فالإمامة استمرار للنبوة، والدليل الذي يوجب إرسال الرسل وبعث الأنبياء هو نفسه يوجب نصب الإمام بعد الرسول([94]).

وحيث إننا التزمنا في هذا الكتاب الابتعاد عن التأويلات الفلسفية والكلامية والترهات العقلية التي لا تجدي ولن تجدي، والتزمنا بالاقتصار على إيراد النصوص لما لها من وقع على نفس القارئ من حيث القبول والمصداقية، ولحجيتها الملزمة في مثل هذه المسائل عوضاً عن المتاهات الكلامية التي يعرف أصحابها سلفاً أنها ترويج لبضائع كاسدة لم يقتنع واضعوها بها فضلاً عمن وضعت له، نورد هنا بعضاً مما ذكره القوم ليتبين لنا حقيقة القول بهذا اللطف الذي صدعوا به الرءوس، ولبسوا فيه على النفوس.

رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من مات وليس له إمام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهلية([95]).

وعن الصادق: الحجة لا تقوم لله على خلقه إلا بإمام حي يعرف([96]).

وفي رواية: من مات وليس عليه إمام حي ظاهر مات ميتة جاهلية، قيل: إمام حي؟ قال: إمام حي، إمام حي([97]).

وعن يعقوب السراج قال: قلت لأبي عبدالله: تخلو الأرض من عالم منكم حي ظاهر تفزع إليه الناس في حلالهم وحرامهم؟ فقال: لا، إذاً لا يعبد الله يا يوسف([98]).

وعن عمر بن يزيد، عن أبي الحسن الأول قال: من مات بغير إمام مات ميتة جاهلية، إمام حي يعرفه، فقلت: لم أسمع أباك يذكر هذا، يعني: إماماً حياً، فقال: قد والله قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مات وليس له إمام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهلية([99]).

وعن الصادق: إن الله لا يدع الأرض إلا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان، فإذا زاد المؤمنون شيئاً ردهم، وإذا نقصوا أكمله لهم، فقال: خذوه كاملاً، ولولا ذلك لالتبس على المؤمنين أمرهم ولم يفرق بين الحق والباطل([100]).

والروايات كهذه كثيرة، وأقوال القوم فيها مضطربة([101])، ولكن من منهم اليوم يعرف إمام زمانه الحي والظاهر حتى يفزع إليه في حلاله وحرامه أو يسمع له ويطيع؟

وهكذا نجد أن القوم قد عادوا بنا إلى أصل الدعوى، وأصل الخلاف بإسقاط القول باللطف ووجوب العصمة، إقراراً منهم بعدم جدوى الحلول المتمثلة عند القوم بوجوب النص من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على نصب الإمام بالتأويلات التي ذكرناها، إذ إن ذلك اللطف انتهى بوفاة العسكري، حيث عدنا إلى إلزامهم بالقول بالاضطرار إلى الحجة تماماً كحال المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بإسقاط أحد الأمرين للآخر.

ومعنى ذلك أن وجوب اللطف من الله، والمتمثل في نصب إمام بعد الرسول صلى الله عليه وسلم قائم تماماً بذات الأسباب بعد العسكري، وقد عرفت الحال بعده إلى يومنا هذا.

اقرأ معي هذه الروايات أيضاً: عن المغيرة قال: قلت لأبي عبدالله: يكون فترة لا يعرف المسلمون إمامهم فيها؟ قال: يقال ذلك، قلت: فكيف نصنع؟ قال: إذا كان ذلك فتمسكوا بالأمر الأول حتى يتبين لكم الآخر.

وفي رواية: إذا أصبحت وأمسيت يوماً لا ترى فيه إماماً من آل محمد، فأحب من كنت تحب، وأبغض من كنت تبغض، ووال من كنت توالي، وانتظر الفرج صباحاً ومساءً.

وفي أخرى: كيف أنتم إذا صرتم في حال لا يكون فيها إمام هدى ولا علم يرى، فلا ينجو من تلك الحيرة إلا من دعا بدعاء الغريق، فقيل: هذا والله البلاء فكيف نصنع -جعلت فداك- حينئذٍ؟ قال: إذا كان ذلك ولن تدركه، فتمسكوا بما في أيديكم حتى يصح لكم الأمر.

وفي أخرى: تمسكوا بالأمر الأول الذي أنتم عليه حتى يتبين لكم([102]).

وعن عيسى بن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن خاله الصادق قال: قلت له: إن كان كون ولا أراني الله يومك فبمن أأتم؟ فأومأ إلى موسى، فقلت له: فإن مضى فإلى من؟ قال: فإلى ولده، قلت: فإن مضى ولده وترك أخاً كبيراً وابناً صغيراً فبمن أأتم؟ قال: بولده، ثم هكذا أبداً، فقلت: فإن أنا لم أعرفه ولم أعرف موضعه فما أصنع؟ قال: تقول: اللهم إني أتولى من بقي من حججك، من ولد الإمام الماضي، فإن ذلك يجزيك([103]).

فالدلالة واضحة في هذه الروايات وأمثالها بانتفاء استمرارية اللطف الذي ألزمنا القوم به.

وكذلك لا تغتر بالقائل بالتمسك بأقوال الأئمة الماضين، فإن ذلك إن كان حاصلاً فكذلك في شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته سواء بسواء.

وفيه فساد القول بالعصمة؛ لاحتمال تطرق الخطأ والزلل والنسيان والسهو من الناقلين لعلم الأئمة دون الإمام المعصوم عند القوم، وهذا ظاهر في اختلاف المراجع في العصر الواحد، كما لا يفوتك من هذه الروايات قول الصادق: يقال ذلك، ولا يفوتنك أيضاً جهل عيسى بن عبدالله بتسلسل الأئمة، فتدبر في ذلك.

وعن الصادق قال: يأتي على الناس زمان يصيبهم فيها سبطة، يأرز العلم فيها كما تأرز الحية في حجرها، فبينا هم كذلك إذ طلع عليهم نجم، قلت: فما السبطة؟ قال: الفترة، قلت: فكيف نصنع فيما بين ذلك؟ قال: كونوا على ما أنتم عليه، حتى يطلع الله عليكم نجمكم.

وفي رواية: كيف أنتم إذا وقعت السبطة بين المسجدين، يأرز العلم فيها كما تأرز الحية في جحرها، واختلف الشيعة بينهم، وسمى بعضهم بعضاً كذابين، ويتفل بعضهم في وجوه بعض؟ فقلت: ما عند ذلك من خير؟ قال: الخير كله عند ذلك -يقوله ثلاثاً- وقد قرب الفرج([104]).

وعنه أيضاً قال: ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى([105]).

فهذه الروايات -وهي غيض من فيض- واضحة الدلالة على فساد التأويلات التي خلصت إلى القول بوجوب اللطف والتي أدت إلى وجوب القول بإمامة علي بن أبي طالب والأئمة من بعده وكفر من خالف ذلك، وقد رأيت انقطاع هذا اللطف بعد سنة (260) للهجرة، كما هو الحال الآن، فكيف ألزمونا بوجوب الأول دون الآخر، وإذا قالوا بالآخر فكيف ألزمونا بالأول، وهذا لا يخفى على من تدبر.

سيرته عند خروجه:

وعلى أي حال, لنتغاض عن كل ما ذكرناه، ولننظر ماذا سيصنع صاحبنا إذا خرج بعد كل هذه القرون من الانتظار والحيرة، وبعد أن يسمي بعضنا بعضاً كذابين، ويتفل بعضنا في وجوه بعض.

يروي القوم أن أول ما يفعله المهدي عند خروجه نبش قبري الشيخين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ويفعل بهما الأفاعيل!

فعن بشير النبال قال: قال أبو عبدالله: هل تدري أول ما يبدأ به القائم؟ قلت: لا، قال: يخرج هذين رطبين غضين فيحرقهما ويذرهما في الريح، ويكسر المسجد([106]).

وفي رواية: إذا قدم القائم وثب أن يكسر الحائط الذي على القبر، فيبعث الله تعالى ريحاً شديدة وصواعق ورعوداً، حتى يقول الناس: إنما ذا لذا، فيتفرق أصحابه عنه حتى لا يبقى معه أحد، فيأخذ المعول بيده، فيكون أول من يضرب بالمعول، ثم يرجع إليه أصحابه إذا رأوه يضرب المعول بيده، فيكون ذلك اليوم فضل بعضهم على بعض بقدر سبقهم إليه، فيهدمون الحائط ثم يخرجهما غضين رطبين، فيلعنهما ويتبرأ منهما ويصلبهما، ثم ينزلهما ويحرقهما، ثم يذريهما في الريح([107]).

ويبدو أن هذا التخاذل سمة عند أصحاب الأئمة.

وعن عبد العظيم الحسني، عن الجواد قال: فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله عز وجل، فقلت: يا سيدي، وكيف يعلم أن الله قد رضي؟ قال: يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فأحرقهما([108]).

والمجلسي لما أورد الرواية في بحاره، لم يزد على أن قال في بيانه وكله حماس: يعني باللات والعزى صنمي قريش: أبا بكر وعمر([109]).

وفي رواية: عن الصادق قال: فيخرج اللات والعزى طريين فيحرقهما، فلفتنة الناس بهما يومئذٍ أشد من فتنة العجل والسامري([110]).

أقول: روايات إخراجهما رضي الله عنهما وحرقهما عديدة، وقد ذكرها العديد من علماء القوم([111])، فلذا لا أرى بأساً من ذكر تفاصيلها ليكون القارئ على بينة من أول عمل يقوم به مهدي القوم عند خروجه ليملأ الأرض عدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً.

يروي القوم عن المفضل، عن الصادق في قصة طويلة فيها أحوال المهدي عند خروجه، قال: ثم يسير إلى مدينة جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا وردها كان فيها مقام عجيب يظهر فيه سرور المؤمنين وخزي الكافرين، قال المفضل: يا سيدي، ما هو ذاك؟ قال: يرد إلى قبر جدي صلى الله عليه وسلم، فيقول: يا معاشر الخلائق، هذا قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم يا مهدي آل محمد، فيقول: ومن معه في القبر؟ فيقولون: صاحباه وضجيعاه صلى الله عليه وسلم، فيقول:وكيف دفنا من بين الخلق مع جدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعسى المدفون غيرهما؟ فيقول الناس: يا مهدي آل محمد صلى الله عليه وسلم، ماههنا غيرهما، إنهما دفنا معه لأنهما خليفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوا زوجتيه، فيقول للخلق بعد ثلاث: أخرجوهما من قبريهما، فيخرجان غضين طريين لم يتغير خلقهما ولم يشحب لونهما، فيقول: هل فيكم من يعرفهما؟ فيقولون: نعرفهما بالصفة وليس ضجيعاً جدك غيرهما، فيقول: هل فيكم أحد يقول غير هذا أو يشك فيهما؟ فيقولون: لا، فيؤخر إخراجهما ثلاثة أيام، ثم ينشر الخبر في الناس ويحضر المهدي ويكشف الجدران عن القبرين، ويقول للنقباء: ابحثوا عنهما وانبشوهما، فيبحثون بأيديهم حتى يصلون إليهما، فيخرجان غضين طريين كصورتهما، فيكشف عنهما أكفانهما، ويأمر برفعهما على دوحة يابسة نخرة فيصلبهما عليها، فتحيى الشجرة وتورق ويطول فرعها، فيقول المرتابون من أهل ولايتهما: هذا -والله- الشرف حقاً، ولقد فزنا بمحبتهما وولايتهما، ويخبر من أخفى نفسه ممن في نفسه مقياس حبة من محبتهما وولايتهما، فيحضرونهما ويرونهما ويفتنون بهما، وينادي منادي المهدي: كل من أحب صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعيه، فلينفرد جانباً، فيتجزأ الخلق جزأين: أحدهما: موالٍ، والآخر: متبرئ منهما، فيعرض المهدي على أوليائهما البراءة منهما، فيقولون: يا مهدي آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن لم نتبرأ منهما، ولسنا نعلم أن لهما عند الله وعندك هذه المنزلة، وهذا الذي بدا لنا من فضلهما، أنتبرأ الساعة منهما وقد رأينا منهما ما رأينا في هذا الوقت من نضارتهما وغضاضتهما وحياة الشجرة بهما؟ بل والله نتبرأ منك وممن آمن بك ومن لا يؤمن بهما، ومن صلبهما، وأخرجهما، وفعل بهما ما فعل، فيأمر المهدي ريحاً سوداء، فتهب عليهم فتجعلهم كأعجاز نخلٍ خاوية، ثم يأمر بإنزالهما، فينزلان إليه فيحييهما بإذن الله تعالى، ويأمر الخلائق بالاجتماع، ثم يقص عليهم قصص فعالهما في كل كور ودور حتى يقص عليهم قتل هابيل بن آدم عليه السلام، وجمع النار لإبراهيم عليه السلام، وطرح يوسف عليه السلام في الجب، وحبس يونس عليه السلام في الحوت، وقتل يحيى عليه السلام، وصلب عيسى عليه السلام، وعذاب جرجيس ودانيال عليهما السلام، وضرب سلمان الفارسي، وإشعال النار على باب أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين لإحراقهم بها، وضرب يد الصديقة الكبرى فاطمة بالسوط، ورفس بطنها وإسقاطها محسناً، وسم الحسن، وقتل الحسين، وذبح أطفاله وبني عمه وأنصاره، وسبي ذراري رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإراقة دماء آل محمد صلى الله عليه وسلم، وكل دم سفك، وكل فرج نكح حراماً، وكل رين وخبث وفاحشة وإثم وظلم وجور وغشم منذ عهد آدم عليه السلام إلى وقت قيام قائمنا، كل ذلك يعدده عليهما، ويلزمهما إياه، فيعترفان به ثم يأمر بهما فيقتص منهما في ذلك الوقت بمظالم من حضر، ثم يصلبهما على الشجرة، ويأمر ناراً تخرج من الأرض فتحرقهما والشجرة، ثم يأمر ريحاً فتنسفهما في اليم نسفاً، قال المفضل: يا سيدي، ذلك آخر عذابهما؟ قال: هيهات يا مفضل، والله ليردن وليحضرن السيد الأكبر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصديق الأكبر أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين والأئمة، وكل من محَّض الإيمان محضاً، أو محض الكفر محضاً، وليقتصن منهما جميعاً حتى إنهما ليقتلان في كل يوم وليلة ألف قتلة ويردان إلى ما شاء ربهما([112]).

ولعلَّ عمله الثاني هو ما سيفعله بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.

فعن عبدالرحيم القصير، عن أبي جعفر قال: أما لو قام قائمنا لقد ردت إليه الحميراء حتى يجلدها الحد، وحتى ينتقم لابنة محمد فاطمة منها، قلت: جعلت فداك، ولم يجلدها الحد؟ قال: لفريتها على أم إبراهيم عليه السلام، قلت: فكيف أخره الله للقائم؟ فقال له: إن الله تبارك وتعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة، وبعث القائم نقمة([113]).

وحيث إن صاحبنا سيكون نقمة، لذا فليس من المستبعد أن يضع القوم ما يناسب نقمته وينسون اللطف والعدل، أو إن شئت الدقة فقل: نقمة القوم.

عن الصادق قال: إذا قام القائم من آل محمد صلى الله عليه وسلم أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى، حتى يفعل ذلك ست مرات، قيل: ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال: نعم منهم ومن مواليهم([114]).

وفي رواية: تقول قريش: اخرجوا بنا إلى هذا الطاغية، فوالله أن لو كان محمدياً ما فعل، ولو كان علوياً ما فعل، ولو كان فاطمياً ما فعل([115]).

وهذا مصداق لروايتهم عن الصادق: إذا خرج القائم لم يكن بينه وبين العرب وقريش إلا السيف وما يأخذ منها إلا السيف([116]).

وللقوم في تفسير مثل هذه الروايات قول طريف يسمى بالرجعة، وهو أن الله تعالى يعيد قوماً من الأموات إلى الدنيا في صورهم التي كانوا عليها، فيعز فريقاً ويذل فريقاً آخر، وذلك عند قيام المهدي([117]).

وعلى أي حال، ليس هذا الكتاب محل تناول هذه العقيدة، ولكن نواصل حديثنا عن سيرته عند خروجه حسب روايات القوم.

عن الهروي قال: قلت للرضا: يا ابن رسول الله، ما تقول في حديث روي عن الصادق أنه قال: إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين بفعال آبائها؟

فقال: هو كذلك([118]).

وعن بدر بن خليل الأزدي قال: سمعت أبا جعفر يقول: إذا قام القائم وبعث إلى بني أمية بالشام هربوا إلى الروم، فيقول لهم الروم: لا ندخلكم حتى تتنصروا، فيعلقون في أعناقهم الصلبان ويدخلونهم، فإذا نزل بحضرتهم أصحاب القائم طلبوا الأمان والصلح، فيقول أصحاب القائم: لا نفعل حتى تدفعوا إلينا من قبلكم منا، قال: فيدفعونهم إليهم([119]).

وعن الصادق: ثلاثة عشر مدينة وطائفة يحارب القائم أهلها ويحاربونه: أهل مكة، وأهل المدينة، وأهل الشام، وبنو أمية، وأهل البصرة، وأهل دميسان، والأكراد، والأعراب، وضبة، وغني، وباهلة، وأزد، وأهل الري([120]).

ولـه في الكوفة حكايات، فمن ذلك:

عن الباقر قال: إذا قام القائم سار إلى الكوفة، فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس، يدعون البترية، عليهم السلاح، فيقولون له: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم، ثم يدخل الكوفة، فيقتل بها كل منافق مرتاب، ويهدم قصورها، ويقتل مقاتليها، حتى يرضى الله عز وعلا([121]).

وفي حقيقة الأمر أن تناول مسألة المهدي يطول، وهذا الايجاز الشديد والشديد جداً في ذكر أموره وأحواله قطرة من بحر إن لم يكن محيطاً، ويقيني أن ما أوردته يعد اختصاراً مخلاً، وكذلك أخشى التطويل الممل؛ لأن كتابنا هذا -كما ذكرت في المقدمة- يتناول مسائل الإمامة بإيجاز، ولكن إذا كان في العمر بقية سيكون لنا مع مهدي القوم -إن شاء الله- بحث مستقل.

يكون بعد المهدي اثنا عشر مهدياً:

ولكن قبل أن أنهي حديثي عن المهدي، أورد هنا بعض روايات القوم المتصلة بموضوعه، وهي روايات أجزم بأن أكثر قراء هذا الكتاب لم يسمع بها من قبل ولم يقف عليها.

عن أبي بصير قال: قلت للصادق: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعت من أبيك أنه قال: يكون بعد القائم اثنا عشر مهدياً، فقال: إنما قال: اثني عشر مهدياً ولم يقل: اثني عشر إماماً، ولكنهم قوم من شيعتنا، يدعون الناس إلى موالاتنا ومعرفة حقنا([122]).

وفي رواية: إن منا بعد القائم اثني عشر مهدياً من ولد الحسين([123]).

وعن أمير المؤمنين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا علي، إنه سيكون بعدي اثنا عشر إماماً، ومن بعدهم اثنا عشر مهدياً، فأنت يا علي أول الاثني عشر الإمام([124]).

وعن الباقر: والله ليملكن رجل منا أهل البيت الأرض بعد موته ثلاثمائة سنة، ويزداد تسعة، قال: قلت: فمتى ذلك؟ قال: بعد موت القائم([125]).

وقد اضطرب القوم في رد هذا الإشكال أو المأزق إن شئت أن تسميه، وأوردوا في ذلك وجوهاً لا تستحق الذكر([126]).

والغريب أن مهدينا لن يمضي إلا قبل القيامة بأربعين يوماً([127]).

وكل ما مرَّ بك من روايات الاثني عشر الذين يكونون بعد القائم، والرجل من أهل البيت الذي سيحكم ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً، يجب أن يكون في هذه الأربعين يوماً المتبقية من عمر الدنيا!

والأغرب أن هذا المضي قبل القيامة بأربعين يوماً يخالف ما أورده القوم من عدم خلو الأرض من حجة، كقولـهم عن الصادق: ما تبقى الأرض يوماً واحداً بغير إمام منا تفزع إليه الأمة([128]).

بل ولا ساعة؛ لقولـهم عن الباقر: لو أن الإمام رفع من الأرض ساعة لماجت بأهلها كما يموج البحر بأهله([129]).

ورووا أن الصادق سئل: تبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لو بقيت الأرض بغير إمام ساعة لساخت([130]).

بل ولا أقل من ذلك، فلما سئل الرضا، قال: لو خلت الأرض طرفة عين من حجة لساخت بأهلها([131]).

وعن الصادق قال: لو كان الناس رجلين لكان أحدهما الإمام، وإن آخر من يموت الإمام؛ لئلا يحتج أحدهم على الله عز وجل أنه تركه بغير حجة([132]).

بل ويبدو أن ذلك كان مثار خلاف بين الأئمة، ففي رواية محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا، قال: قلت له: أتبقى الأرض بغير إمام؟ قال: لا، قال: قلت: فإنا نروي عن أبي عبدالله أنها لا تبقى بغير إمام إلا أن يسخط الله على أهل الأرض أو على العباد، قال: لا، لا تبقى، إذاً لساخت.

وفي رواية: معاذ الله لا تبقى ساعة، إذاً لساخت([133]).

والروايات في الباب كثيرة([134]).

ولا يسعف القوم القول بأن روايات الاثني عشر الذين يكونون بعد القائم وكذا الرجل من أهل البيت الذي يحكم ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً، إنما يكون في هذه الأربعين يوماً، ففساد هذا القول بيِّن، وذلك أن روايات عدم خلو الأرض إنما هي من إمامٍ وليس من مهدي، ولعل في قول الصادق كما في رواية أبي بصير الأولى، حيث قال: إنما قال اثني عشر مهدياً، ولم يقل: اثني عشر إماماً، أو رواية الرضا: إن الأرض لا تخلو من أن يكون فيها إمام منا([135]) وغيرها.. دليل على هذا التفريق، هذا وناهيك عن كون المدة المتبقية من عمر الدنيا وهي أربعون يوماً لا تستوعب كل هؤلاء، فضلاً عن الرجل من أهل البيت الذي سيحكم ثلاثمائة سنة ويزداد تسعاً.

فتبين لك -أيها القارئ العزيز- أن هؤلاء الأئمة من آل البيت رحمهم الله ورضي عنهم، كُذب عليهم ونُسب إليهم من الكذب مالا يعلمه إلا الله، وهم ولا شك أناس صالحون لكن قوّلوا مالم يقولوا، وافتري عليهم الكثير والكثير، وعند الله يجتمع الخصوم.

هذا وإن الدين باقٍ إلى قيام الساعة بنقل العلماء الصالحين له، فالله قد أمر بسؤال أهل الذكر والعلم، وأمر بأن ينفر من كل فرقة طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون، دون أن يخصها بأناس دون أناس.

وفي البابين التاليين يتضح لك حقيقة الأمر، وهل نص على الأئمة الاثني عشر في القرآن والسنة أم لا؟ والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

خلاصة الباب:

لا شك -عزيزي القارئ- أن النتيجة التي خرجنا منها في هذا الباب مؤداها: أن الذي وضع عقيدة الإمامة، وأوجب النص على الأئمة بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وحدد أساميهم، ونسب كل هذا إلى الله عز وجل وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم وإلى الأئمة عليهم السلام وهم منها براء.

أقول: إن هذا الذي وضع هذه العقائد لم تستقيم له الأمور في إثبات: متى كان النص على فرضه؟ ولا بد؛ فالباطل يحطم بعضه بعضاً، حيث رأينا كيف أن آلاف الراويات التي وضعها كل فريق من فرق الشيعة تتعارض مع مسيرة التاريخ، وبعد موت كل إمام، وكيف أن عظماء أصحاب الأئمة اختلفوا في تحديد الإمام اللاحق مما أدى إلى افتراقهم وتشتتهم.

ومن غرائب الأمور: أن الإمامية قد وضعوا كل تلك الروايات التي تذكر تسلسل الأئمة بأسمائهم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المهدي، ومع ذلك يأتي كبير مراجعهم في هذا العصر وينفي وجود نص على تسمية هؤلاء الأئمة، حيث يقول الخوئي: الروايات المتواترة الواصلة إلينا من طريق العامة والخاصة قد حددت الأئمة عليهم السلام باثني عشر من ناحية العدد ولم تحددهم بأسمائهم عليهم السلام واحداً بعد واحد، حتى لا يمكن فرض الشك في الإمام اللاحق بعد رحلة الإمام السابق، بل قد تقتضي المصلحة في ذلك الزمان اختفاءه والتستر عليه لدى الناس؛ بل لدى أصحابهم عليهم السلام إلا أصحاب السر لهم، وقد اتفقت هذه القضية في غير هذا المورد والله العالم(

[136]).

 فهل الخوئي -وهو من هو في علم الحديث عند الشيعة، وصاحب أكبر موسوعة في علم الرجال عندهم- لم يقف على شيء مما أوردناه في مقدمة الباب؟

وصدق الله القائل: ((وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً)) [النساء:82]

نقلاً عن كتاب الإمامة والنص لفيصل نور


([90]) كمال الدين: (2/193)، غيبة الطوسي: (243)، البحار: (51/361) (52/151) (53/318).

([91]) كمال الدين: (325، 330، 404)، غيبة الطوسي: (102)، غيبة النعماني: (116)، الكافي: (1/337، 339)، البحار: (52/151)، إثبات الهداة: (3/443، 500).

([92]) غيبة النعماني:(117)، البحار:(52/156)، الكافي: (1/339)، إثبات الهداة: (3/444).

([93]) كمال الدين:(2/114)، البحار:(52/152)، من لا يحضره الفقيه:(2/520)، إثبات الهداة:(3/452).

([94]) عقائد الإمامية للشيخ محمد رضا المظفر: (ص:89)، وانظر أيضاً: بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية: (273، 287) وما بعدها.

([95]) الاختصاص: (268، 269)، البحار: (23/92).

([96]) الاختصاص: (268، 269)، قرب الإسناد: (153)، البصائر: (143)، البحار: (23/2، 3، 30، 51) (49/267)، إثبات الهداة: (1/138، 139).

([97]) الاختصاص: (269)، البحار: (23/92)، إثبات الهداة: (1/139).

([98]) البصائر: (143)، علل الشرايع: (76)، البحار: (23/21، 51) (24/217)، إثبات الهداة: (1/120).

([99]) الاختصاص: (269)، البحار: (23/92)، إثبات الهداة: (1/129، 139).

([100]) علل الشرايع: (76، 77، 78)، البصائر: (96، 143، 289)، الاختصاص: (289)، كمال الدين: (117، 118، 128، 129)، غيبة النعماني:(68)، المحاسن:(235)، البحار:(23/21، 24-27،39) = = (26/178)، إثبات الهداة: (1/106، 108).

([101]) انظر مثلا: إثبات الهداة: (1/139).

([102]) غيبة النعماني: (105)، الكافي: (1/342)، البحار: (52/132، 148، 149)، كمال الدين: (327، 328، 329)، إثبات الهداة: (3/446، 474، 475، 534).

([103]) كمال الدين: (328، 383)، البحار: (27/297) (48/16) (52/148)، إثبات الهداة: (3/157، 228، 321)، الكافي: (1/309).

([104]) غيبة النعماني: (105، 138)، الكافي: (1/340)، البحار: (52/134)، غيبة الطوسي: (267).

([105]) البحار: (52/149) (95/326).

([106]) البحار: (52/386).

([107]) المصدر السابق.

([108]) كمال الدين: (352)، البحار: (52/283)، إثبات الهداة: (3/469).

([109]) البحار: (52/284).

([110]) كمال الدين: (1/364)، عيون الأخبار: (1/58)، البحار: (36/245) (52/379).

([111]) انظر إن شئت: إثبات الهداة: (1/476)(3/584)، عيون الأخبار:(1/61)، كمال الدين:(146)، دلائل الإمامة: (238)، نور الثقلين: (3/120).

([112]) البحار: (53/12).

([113]) علل الشرايع: (2/267)، البحار: (52/314)، إثبات الهداة: (3/498)، دلائل الإمامة: (256).

([114]) الإرشاد: (343)، غيبة النعماني: (155)، البحار: (52/338، 349)، إعلام الورى: (431)، إثبات الهداة: (3/527، 540).

([115]) تفسير العياشي: (2/57)، البحار: (52/342)، وانظر أيضاً: إثبات الهداة: (3/539).

([116]) غيبة النعماني: (155)، البحار: (52/355)، إثبات الهداة: (3/540).

([117]) عقائد الإمامية: (104).

([118]) علل الشرايع: (1/219)، عيون الأخبار: (1/247)، البحار: (45/295، 296، 298) (52/313)، إثبات الهداة: (3/455، 497، 530).

([119]) روضة الكافي: (51)، العياشي: (343)، البحار: (52/377، 388)، إثبات الهداة: (3/450).

([120]) البحار: (52/363)، إثبات الهداة: (3/544).

([121]) الإرشاد: (364)، البحار: (52/338) (والبترية من طوائف الزيدية تنسب إلى المغيرة بن سعيد، كان يلقب بالأبتر)، إعلام الورى: (431)، إثبات الهداة: (3/528).

([122]) كمال الدين: (335)، البحار: (53/145).

([123]) البحار: (53/148)، غيبة الطوسي: (285).

([124]) غيبة الطوسي: (105)، البحار: (36/261) (53/148).

([125]) تفسير العياشي: (2/352)، مختصر البصائر: (130)، البحار:(53/146)، غيبة النعماني:(231)، غيبة الطوسي: (286)، الاختصاص: (257)، البرهان: (2/465).

([126]) انظر إن شئت: البحار: (53/148)، الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة، باب: في أنه هل بعد دولة المهدي دولة أم لا؟ للحر العاملي: (392)، إثبات الهداة: (1/110)، غيبة الطوسي: (285) (الحاشية).

([127]) الإرشاد: (345)، إعلام الورى: (435)، كمال الدين: (220)، المحاسن: (236)، الكافي: (1/329)، البصائر: (141)، البحار: (23/41) (53/145، 146)، إثبات الهداة:(1/110)، غيبة الطوسي: (146، 218).

([128]) كمال الدين: (221)، البصائر: (143، 150)، البحار: (23/42، 50، 53)، إثبات الهداة: (1/130).

([129]) كمال الدين:(194، 195، 196)، غيبة النعماني:(88)، البصائر:(124)، البحار:(23/34، 35).

([130]) علل الشرايع: (76، 77)، كمال الدين: (194، 195، 197)، غيبة الطوسي: (99،132،142) غيبة النعماني: (89)، عيون الأخبار: (1/246، 247)، البصائر: (144)، البحار: (23/21، 24، = = 28، 29، 34، 35، 37)، المناقب: (1/245).

([131]) عيون أخبار الرضا: (1/247)، إثبات الهداة: (1/101، 106)، كمال الدين: (197)، البحار: (23/29)، علل الشرايع: (77)، البصائر: (144).

([132]) علل الشرايع: (76)، كمال الدين: (117، 134، 135)، البصائر: (134)، البحار: (23/21، 22، 36، 43، 52، 53)، الكافي: (1/180)، إثبات الهداة: (1/80).

([133]) الكافي: (1/179)، إثبات الهداة: (1/78، 100، 105، 106) (وعلل الرواية بالتقية -ولا أدري أي فرق بين القولين حتى استوجبت إحداها التقية دون الأخرى)، علل الشرايع: (77)، عيون الأخبار: (150)، غيبة النعماني: (99)، البحار: (23/24، 28).

([134]) انظر مثلاً: البحار: ج (23) باب: الاضطرار إلى الحجة وأن الأرض لا تخلو من حجة، وفيه(118) رواية، إثبات الهداة: (1/77) وما بعدها، (97، 98، 100، 101)، والباب السادس وفيه عشرات الروايات، غيبة الطوسي: (111، 132، 134)، البصائر: (331، 484، 485، 486، 487، 488، 489، 511، 516)، نور الثقلين: (3/44) (4/369، 370)، أمالي الصدوق: (157)، الكافي:(1/178) وما بعدها، غيبة النعماني: (19، 87-91)، كمال الدين: (194-225، 695).

([135]) كمال الدين: (133)، البحار: (23/42)، إثبات الهداة: (1/110).

([136]) صراط النجاة: (ج:2/452).


المهدية والغيبة

في هذا الفصل سأتناول بحول الله مسألة المهدية والغيبة عند الفرق الشيعية بوجه عام، ثم نشأة هذه الفكرة عند الاثني عشرية وتطورها، وبعد ذلك أبين الخطوط العريضة لهذه العقيدة عندهم، وما يستدلون به لإسناد هذا المعتقد ودفاعهم عن طول زمن الغيبة الذي مضى عليه الآن أكثر من أحد عشر قرنًا، ومناقشة ذلك.

يلي ذلك بيان لما يتخيله الاثنا عشرية لدولة المهدي بعد عودته من غيبته، وهي خيالات صاغوها على شكل روايات عن أئمة أهل البيت لتأخذ صفة العصمة والقداسة عند أتباعهم، فأبين ما قالوه حول شريعته، وسيرته، وجنده.

ثم أعرض بعد هذا للشيعة في فترة الغيبة، والمبادئ التي شرعوها، والشرائع التي عطلوها بسبب هذه العقيدة، ومحاولة شيوخهم لمواجهة فقد إمامهم باختراع عقيدة "النيابة عن المهدي".

وأختم الموضوع بنقد لأصل هذه الفكرة ومناقشتها.

 المهدية والغيبة عند فرق الشيعة

فكرة الإيمان بالإمام الخفي أو الغائب توجد لدى معظم فرق الشيعة، حيث تعتقد في إمامها بعد موته أنه لم يمت، وتقول بخلوده، واختفائه عن الناس، وعودته إلى الظهور في المستقبل مهديًا، ولا تختلف هذه الفرق إلا في تحديد الإمام الذي قدرت له العودة، كما تختلف في تحديد الأئمة وأعيانهم والتي يعتبر الإمام الغائب واحدًا منهم.

وتعتبر السبئية كما يقول القمي، والنوبختي، والشهرستاني وغيرهم أول فرقة قالت بالوقف على علي [أي لم تسق الإمامة لمن بعده.] وغيبته [القمي/ المقالات والفر: ص19-20، النوبختي/ فرق الشيعة: ص22، الشهرستاني/ الملل والنحل: 1/174.]، حيث زعمت "أن عليًا لم يقتل ولم يمت، ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه، ويملأ الأرض عدلاً وقسطًا كما ملئت ظلمًا وجورًا" [المقالات والفرق: ص19، فرق الشيعة: ص22، مقالات الإسلاميين: 1/86.].

ولما بلغ عبد الله بن سبأ نعي علي بالمدائن قال للذي نعاه: "كذبت، لو جئنا بدماغه في سبعين صرة، وأقمت على قتله سبعين عدلاً لعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، ولا يموت حتى يملك الأرض" [فرق الشيعة: ص23، المقالات والفرق: ص21.] وظلت تنتظر عودته من غيبته، ثم انتقلت هذه "الفكرة" من السبئية إلى بعض فرق الكيسانية كالكربية [الكربية: أتباع أبي كريب الضرير، وقد مضى التعريف بالكيسانية.] حيث قالت لما مات محمد بن الحنفية وهو الذي تدعي أنه إمامها -: إنه حي لم يمت وهو في جبل رضوى بين مكة والمدينة عن يمينه أسد وعن يساره نمر موكلان به يحفظانه إلى أوان خروجه وقيامه [وقد تغنى شعراؤهم بذلك حتى قال شاعرهم (كثير عزة) :

ألا إن الأئمة من قريش                ولاة الحق أربعة سواء

علي والثلاثة من بنيه                  هم الأسباط ليس بهم خفاء

فسبط سبط إيمان وبرّ                 وسبط غيبته كربلاء

وسبط لا يذوق الموت حتى            يقود الخيل يقدمها اللواء

تغيب لا يرى عنا زمان               برضوا عنده عسل وماء

(انظر: مسائل الإمامة ص26، مقالات الإسلاميين: 1/92-93، الفرق بين الفرق ص41)، وقد أوردت كتب المقالات أيضًا أشعارًا في هذا المعنى لشعراء آخرين (انظر: مسائل الإمامة ص26، 27، 28، 29)، وقد نظم البغدادي بعض الأبيان في الرد عليها الفرق بين الفرق: ص41-43).]، وقالوا: إنه المهدي المنتظر [مسائل الإمامة: ص26، فرق الشيعة: ص27، مقالات الإسلاميين: 1/92، الفرق بين الفرق: ص39، التبصير في الدين: ص18-19.]. وزعموا أنه سيغيب عنهم سبعين عامًا في جبل رضوى ثم يظهر فيقيم لهم الملك، ويقتل لهم الجبابرة من بني أمية [مسائل الإمامة: ص27.]... فلما مضت سبعون سنة ولم ينالوا من أمانيهم شيئًا حاول بعض شعرائهم توطين أصحابه على هذه العقيدة، وأن يرضوا بالانتظار ولو غاب مهديهم مدة عمر نوح عليه السلام [يقول شاعرهم في ذلك:

لو غاب عنا عمر نوح أيقنت             منا النفوس بأنه سيؤوب

إنـي لأرجـوه وآملـه كمـا            قد كان يأمل يوسفًا يعقوب

(المصدر السابق: ص29).].

ثم شاع التوقف على الإمام وانتظار عودته مهديًا بعد ذلك بين فرق الشيعة.. فبعد وفاة كل إمام من آل البيت تظهر فرقة من أتباعه تدعي فيه هذه الدعوى.. وتنتظر عودته، وتختلف فيما بينها اختلافًا شديدًا في تحديد الإمام الذي وقفت عليه وقدرت له العودة في زعمهم ولذلك قال السمعاني: "ثم إنهم في انتظارهم الإمام الذي انتظروه مختلفون اختلافًا يلوح عليه حمق بليغ" [الأنساب: 1/345.].

وحتى بعض فرق الزيدية وهي الجارودية تاهت في وهم هذا الانتظار للإمام الذي قد مات، مع اختلاف فروع هذه الطائفة في تحديد الإمام المنتظر، كما نقل ذلك الأشعري [مقالات الإسلاميين: 1/141-142.] والبغدادي [الفرق بين الفرق: ص31-32.] والشهرستاني [الملل والنحل: 1/158-159.] وغيرهم [نشوان/ الحور العين: ص156.]. ولذلك فإنه لا صحة لما قاله بعضهم من أن الزيدية كلها تنكر هذا الاتجاه كما قاله أحمد أمين [ضحى الإسلام: 3/243.]، وأشار إليه جولد سيهر [العقيدة والشريعة: ص211.].

هذه عقيدة الغيبة عند فرق الشيعة، ارتبطت بأفراد من أهل البيت معروفين وجدوا في التاريخ فعلاً وعاشوا حياتهم كسائر الناس، فلما ماتوا ادعت فيهم هذه الفرق تلك الدعوى، حيث لم تصدق بموتهم، وزعمت أنهم غابوا، وسيعودون للظهور مرة أخرى. أما هذه الفكرة عند الاثني عشرية فتختلف من حيث إنها ارتبطت عندهم "بشخصية خيالية" لا وجود لها عند أكثر فرق الشيعة المعاصرة لظهور هذه "الدعوى" وهي عند أصحابها شخصية رمزية [وتتداول الشيعة أخبارها بالرمز إليه بدون ذكر اسمها.]، لم يرها الناس، ولم يعرفوها، ولا يعلمون مكانها، غابت كما يدعون بعد ولادتها، ولم يظهر حملها، وأحيطت ولادتها بسياج من السرية والكتمان، بل إن عائلتها، ووكيلها وأقرب الناس إليها لم يعلموا بأمر هذا الحمل وذلك المولود، وكانوا له منكرين، بل لم يظهر للشيعة التي تدعيه إلا من خلال نواب يدعون الصلة به.

هذه الشخصية هي شخصية المهدي المنتظر عندهم، ويشكّل الإيمان بها عند الاثني عشريّة الأصل الذي ينبني عليه مذهبهم، والقاعدة التي تقوم عليها بنية التّشيّع عندهم؛ إذ بعد انتهاء وجود أئمّة الشّيعة بوفاة الحسن العسكري أصبح الإيمان بغيبة ابنه المزعوم هو المحور الذي تدور عليه عقائدهم، والأساس الذي يمسك بنيان الشّيعة من الانهيار.

ولكن كيف ومتى بدأت هذه الفكرة عند الاثني عشرية؟

 نشأة فكرة الغيبة عند الشيعة الاثني عشرية وتطورها

حال الشيعة بعد وفاة الحسن العسكري:

لابد في الحديث عن النشأة أن نتناول حال الشيعة بعد وفاة الحسن لعلاقته الوثيقة بنشأة هذه الفكرة.

إذ بعد وفاة الحسن إمامهم الحادي عشر سنة (260ه‍) "لم ير له خلف، ولم يعرف له ولد ظاهر، فاقتسم ما ظهر من ميراثه أخوه جعفر وأمّه" [المقالات والفِرَق: ص102، فِرَق الشّيعة: ص96 (وفيها: "ولم ير له أثر").] كما تعترف بذلك كتب الشيعة نفسها.

وبسبب ذلك اضطرب أمر الشّيعة، وتفرّق جمعهم، لأنّهم أصبحوا بلا إمام، ولا دين عندهم بدون إمام، لأنّه هو الحجّة على أهل الأرض [أصول الكافي: 1/188.]. وحتى كتاب الله سبحانه ليس حجة عندهم إلا به كما سلف -، وبالإمام بقاء الكون، إذ "لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت" [أصول الكافي: 1/179.]، وهو أمان النّاس "ولو أنّ الإمام رفع من الأرض ساعة لَمَاجَتْ بأهلها كما يموج البحر بأهله" [أصول الكافي: 1/179.]. ولكن الإمام مات بلا عقب، وبقيت الأرض بلا إمام، ولم يحدث شيء من هذه الكوارث.. فتحيرت الشيعة واختلفت في أعظم أمر عندها وهو تعيين الإمام، فافترقت إلى أربع عشرة فرقة كما يقول النّوبختي [فِرَق الشّيعة: ص96، المفيد/ الفصول المختارة: ص258.]، أو خمس عشرة فرقة كما ينقل القمّي [المقالات والفِرَق: ص102.]، وهما من الاثني عشريّة. وممّن عاصر أحداث الاختلاف، إذ هما من القرن الثّالث، فمعلوماتهما مهمة في تصوير ما آل إليه أمر الشيعة بعد الحسن العسكري.

ومن بعدهما زادت الفرقة واتّسع الاختلاف، حيث يذكر المسعودي الشّيعي (المتوفّى سنة 346ه‍) ما بلغه اختلاف شيعة الحسن بعد وفاته، وأنّه وصل إلى عشرين فرقة [مروج الذّهب: 4/190، وانظر: الصّواعق المحرقة: ص168] فما بالك بما بعده [وعندي أن هذا الاختلاف لم يتوقف إلا بعد قيام السمري كما سيأتي بإلغاء فكرة البابية واختراع فكرة النيابة العامة عن المهدي من جميع شيوخهم، فاتفقوا حينئذ على دعوى غيبة المولود لاتفاقهم على قسمة الغنائم التي تجبى باسمه فيما بينهم باسم النيابة.].

وقد ذهبت هذه الفرق مذاهب شتّى في أمر الإمامة، فمنهم من قال: "إنّ الحسن بن علي حيّ لم يمت، وإنّما غاب وهو القائم، ولا يجوز أن يموت ولا ولد له ظاهر، لأنّ الأرض لا تخلو من إمام" [فرق الشّيعة: ص96، المقالات والفِرَق: ص106.]. فوقفت هذه الفِرقة على الحسن العسكري وقالت بمهديته وانتظاره كما هي العادة عند الشّيعة بعد وفاة كلّ إمام تدّعي إمامته، وذهبت فرقة أخرى إلى الإقرار بموته، ولكنّها زعمت أنّه حيّ بعد موته، ولكنّه غائب وسيظهر [فِرَق الشّيعة: ص97، المقالات والفِرَق: ص107.]، بينما فِرَق أخرى حاولت أن تمضي بالإمامة من الحسن إلى أخيه جعفر [المقالات والفرق: ص110.]، وأخرى أبطلت إمامة الحسن بموته عقيمًا [انظر: المقالات والفرق: ص109، فرق الشّيعة: ص 100-101.].

أما الاثنا عشريّة فقد ذهبت إلى الزّعم بأن للحسن العسكري ولدًا "كان قد أخفى (أي الحسن) مولده، وستر أمره لصعوبة الوقت وشدّة طلب السّلطان له.. فلم يظهر ولده في حياته، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته" [المفيد/ الإرشاد: 1005آ+3.].

ويقابل ذلك اتجاه آخر يقول: "إن الحسن بن علي قد صحت وفاته كما صحت وفاة آبائه بتواطؤ الأخبار التي لا يجوز تكذيب مثلها، وكثرة المشاهدين لموته، وتواتر ذلك عن الولي له والعدو، وهذا ما لا يجب الارتياب فيه، وصح بمثل هذه الأسباب أنه لا ولد له، فلما صح عندنا الوجهان ثبت أنه لا إمام بعد الحسن بن علي، وأن الإمامة انقطعت.. كما جاز أن تنقطع النبوة بعد محمد، فكذلك جائز أن تنقطع الإمامة، لأن الرسالة والنبوة أعظم خطرًا وأجل، والخلق إليها أحوج، والحجة بها ألزم، والعذر بها أقطع، لأن معها البراهين الظاهرة والأعلام الباهرة، فقد انقطعت، فكذلك يجوز أن تنقطع الإمامة" [المقالات والفرق: ص107-108، فرق الشيعة: ص105.].

وقطعت كذلك فرقة أخرى بموت الحسن بن علي وأنه لا خلف له، وقالت: إن الله سيبعث قائمًا من آل محمد ممن قد مضى، إن شاء بعث الحسن بن علي، وإن شاء بعث غيره، ونحن الآن في زمن فترة انقطعت فيه الإمامة [المقالات والفرق: ص108، وانظر: فرق الشيعة: ص105.].

وهكذا تضاربت أقوالهم، واختلفت اتجاهاتهم، وتفرقوا شيعًا وأحزابًا كل حزب بما لديهم فرحون.. وبلغت الحيرة في تلك الفترة أن اختار بعضهم التوقف وقال: "نحن لا ندري ما نقول في ذلك وقد اشتبه علينا الأمر.." [المقالات والفرق: ص115-116، وانظر: فرق الشيعة: ص108.].

هذه بعض ملامح الخلاف الذي دب بين الشيعة بعد وفاة الحسن.

أسباب القول بالغيبة:

ولعل القارئ يعجب من ذلك الإصرار الشديد على القول بإمامة أحد من آل البيت حتى ينكرون موت من مات، أو يدعون أنه حي بعد موته، أو يخترعون ولدًا لمن لا عقب له، وقليل منهم ثاب إلى رشده لما انكشف له الغطاء بموت الإمام عقيمًا فترك التحزب والتشيع وقال بانقطاع الإمامة، ورجع إلى شئون حياته. ولعل هذه الفئة هي التي تتشيع عن صدق، فلما تبين لها الأمر، وسقط القناع رجعت.

إن أهم سبب لهذا الإصرار يتبين من خلال اختلاف هذه الفرق ونزاعها فيما بينها للدفاع عن رأيها والفوز بأكثر قدر من الأتباع، حيث إن كل طائفة تنادي بمهدي لها وتكذب الأخرى، ومن خلال تلك الخصومة تتسرب الحقيقة.

لنستمع مثلاً إلى ما ترويه الاثنا عشرية التي تقول بالغيبة والوقف على الابن المزعوم للحسن للعسكري في كشف حقيقة دعوى الطائفة الأخرى التي تقول بالغيبة والوقف على موسى الكاظم تقول: "مات أبو إبراهيم (موسى الكاظم) وليس من قوامه [نوابه ووكلاؤه.] أحد إلا وعنده المال الكثير، وكان ذلك سبب وقفهم وجحدهم موته طمعًا في الأموال، كان عند زياد بن مروان القندي سبعون ألف دينار، وعند علي بن أبي حمزة ثلاثون ألف دينار.." [الغيبة للطّوسي: ص42-43.].

وجاء عندهم روايات أخر بهذا المعنى [انظر: المصدر السابق: ص43 وما بعدها، ورجال الكشي/ الروايات رقم: 759، 871، 888، 893.] تكشف ما خفي.. وأن وراء دعوى غيبة الإمام وانتظار رجعته الرغبة في الاستئثار بالأموال، وأن هناك فئات منتفعة بدعوى التّشيّع تغرّر بالسّذّج، وتأخذ أموالهم باسم أنّهم نوّاب الإمام، فإذا ما توفّي الإمام أنكروا موته لتبقى الأموال في أيديهم، ويستمرّ دفع الأموال إليهم باسم خمس الإمام الغائب.

وهكذا تدور عمليات النهب والسلب.. والضحية هم أولئك السذج المغفلون الذين يدفعون أموالهم إلى من زعموا أنهم نواب الإمام في بلدان العالم الإسلامي. والذين استمرأوا هذه الغنيمة الباردة فظلوا يذكون في النفوس محبة آل البيت، واستشعار ظلم آل البيت، والحديث عن محن آل البيت، والمطالبة بحق آل البيت.. ليفرقوا الأمة، ويتخذوا من تلك الأموال وسيلة لتغذية جمعياتهم السرية التي تعمل على تقويض كيان الدولة الإسلامية.

ولعل من أسباب القول بالمهدية والغيبة أيضًا تطلع الشيعة إلى قيام كيان سياسي لهم مستقل عن دولة الإسلام، وهذا ما نلمسه في اهتمامهم بمسألة الإمامة، ولما خابت آمالهم، وغلبوا على أمرهم وانقلبوا صاغرين هربوا من الواقع إلى الآمال والأحلام كمهرب نفسي ينقذون به أنفسهم من الإحباط وشيعتهم من اليأس، وأخذوا يبثون الرجاء والأمل في نفوس أصحابهم، ويمنونهم بأن الأمر سيكون في النهاية لهم. ولذلك فإن القول بالمهدية والغيبة ينشط دعاته بعد وفاة كل إمام لمواجهة عوامل اليأس وفقدان الأمل، بالإضافة إلى تحقيق المكاسب المادية.

كما أن التشيع كان مهوى قلوب أصحاب النحل والأهواء والمذاهب المتطرفة؛ لأنهم يجدون من خلاله الجو المناسب لتحقيق أهدافهم، والعودة إلى معتقداتهم.

فانضم إلى ركب التشيع أصناف من أصحاب هذه الاتجاهات الغالية.. وكان هذا «الخليط» يشطح "بالشيعة" نحو معتقداته الموروثة، ولا سيما بعد أن عزلت الشيعة نفسها عن أصول الأمة، وإجماعها.

ولهذا فإن مسألة المهدية والغيبة حسب الاعتقاد الشيعي لها جذورها في بعض الديانات والنحل، مما لا يستبعد معه أن لأتباع تلك الديانات دورًا في تأسيس هذه الفكرة في أذهان الشيعة.

ويميل بعض المستشرقين أنها ذات أصل يهودي، لأن اليهود يعتقدون بأن إيليا رفع إلى السماء وسيعود في آخر الزمان، ولذلك فإن إيليا هو حسب رأيهم النموذج الأول لأئمة الشيعة المختفين الغائبين [جولد سيهر/ العقيدة والشريعة: ص192.].

وفي نظري أن هذا لا يكفي لإظهار الأثر اليهودي، لأن في الإسلام أن عيسى رفع إلى السماء وسيعود في آخر الزمان، فليست هذه الفكرة التي عرضوها غريبة على الأصول الإسلامية، ولكن لأن المستشرقين ينكرون مسألة المهدية أصلاً قالوا هذا القول. إنما يبرز إيضاح الأثر اليهودي أكثر من أوجه أخرى هي أن نظرية الغيبة ترجع في أصولها إلى ابن سبأ وهو حبر من أحبار اليهود.

كذلك ما صرح به بعض شعراء الشيعة من أن فكرة المهدية مستمدة من أخبار كعب الأحبار الذي كان على دين اليهودية قبل إسلامه، ويبدو ذلك بوضوح فيما قاله شاعر الكيسانية كثير عزة في ابن الحنفية:

هو المهدي خبرناه كعب       أخو الأحبار في الحقب الخوالي [ديوان كثير عزة: 1/275.].

ويقول فان فلوتن: "وأما نحن معاشر الغربيين فقد استرعت عقيدة المهدي المنتظر بوجه خاص أنظار المستشرقين منا" [السيادة العربية والإسرائيليات: ص110.].

ثم يربط هذه العقيدة بالإسرائيليات ويردها إلى أصول يهودية ونصرانية، لأنه يرى أنها تخل تحت نطاق التنبؤ ببعض الأشخاص والحوادث المعينة، وهو التنبؤ الذي أفاضت فيه كتب إسرائيلية لم تكن معروفة عند العرب في بادي الأمر، وإنما وصلت إليهم عن طريق اليهود والمسيحيين الذين اعتنقوا الإسلام [السيادة العربية والإسرائيليات: ص112.].

ويبدو أن ربطه هذه العقيدة باليهودية والنصرانية لمجرد أنها تدخل في نطاق الإخبار بالمغيبات الذي لا يعرفه العرب كما يقول هو ربط ضعيف، ذلك أن من معجزات رسول الإسلام العربي الهاشمي الإخبار ببعض المغيبات، لكن هؤلاء يحللون هذه المسائل وفق عقليتهم الكافرة، واتجاههم المنكر لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

وأرجح في هذه المسألة أن عقيدة الاثني عشرية في المهدية والغيبة ترجع إلى أصول مجوسية، فالشّيعة أكثرهم من الفرس، والفرس من أديانهم المجوسيّة، والمجوس تدّعي أنّ لهم منتظرًا حيًّا باقيًا مهديًّا من ولد بشتاسف بن بهراسف يُقال له: أبشاوثن، وأنّه في حصن عظيم من [لعلها "بين".] خراسان والصّين [تثبيت دلائل النّبوّة: 1/179.].

وهذا مطابق لجوهر المذهب الاثني عشري.

واضع مبدأ الغيبة عند الاثني عشرية:

إذا كان ابن سبأ هو الذي وضع عقيدة النص على علي بالإمامة كما تذكره كتب الفرق عند الشيعة وغيرها فإن هناك ابن سبأ آخر هو الذي وضع البديل "لفكرة الإمامة" بعد انتهائها حسيًا بانقطاع نسل الحسن، أو أنه واحد من مجموعة وضعت هذه الفكرة، لكنه هو الوجه البارز لهذه الدعوى. هذا الرجل يدعى عثمان بن سعيد العمري [ويرى الأستاذ محب الدين الخطيب أن مؤسس فكرة الغيبة هو محمد بن نصير من موالي بني نمير (الخطوط العريضة: ص37)، وقد ورد في كتب الاثني عشرية أنه ممن ادعى البابية للغائب، وقد سبقه في ذلك رجل آخر يدعى الشريعي، وتلاه آخرون ادعوا كدعواه. (انظر: الغيبة للطوسي: ص244).]، وقد قام بدوره في منتهى السرية حيث "كان يتجر في السمن تغطية على الأمر"، وكان يتلقى الأموال التي تؤخذ من الأتباع باسم الزكاة والخمس وحق أهل البيت فيضعها "في جراب السمن وزقاقة.. تقية وخوفًا" [الغيبة للطوسي: ص214-215، محمد الصدر/ تاريخ الغيبة الصغرى: ص396-397.]. وقد زعم في دعواه أن للحسن ولدًا قد اختفى وعمره أربع سنوات [انظر: الغيبة للطوسي: ص258، وقد اختلفوا في عمره حينما غاب لاختلاف رواياتهم في ذلك كما سيأتي -، قال المجلسي: أكثر الروايات على أنه ابن أقل من خمس سنين بأشهر أو بسنة وأشهر. (بحار الأنوار: 25/123).]، وزعم أنه لا يلتقي به أحد سواه فهو السفير بينه وبين الشيعة يستلم أموالهم ويتلقى أسئلتهم ومشكلاتهم ليوصلهم للإمام الغائب.

ومن الغريب أن الشيعة تزعم أنها لا تقبل إلا قول معصوم حتى ترفض الإجماع بدون المعصوم، وها هي تقبل في أهم عقائدها دعوى رجل واحد غير معصوم وقد ادعى مثل دعواه آخرون، كل يزعم أنه الباب للغائب وكان النزاع بينهما على أشده، وكل واحد منهم يخرج توقيعًا يزعم أنه صدر عن الغائب المنتظر يتضمن لعن الآخر وتكذيبه، وقد جاء على ذكر أسمائهم الطوسي في مبحث بعنوان: "ذكر المذمومين الذين ادعوا البابية لعنهم الله" [الغيبة: ص244.].

ولعثمان بن سعيد كما تنقل كتب الشيعة وكلاء في معظم الديار الإسلامية يدعون لإمامة هذا المعدوم والقول ببابية عثمان بن سعيد. وقد جاء على ذكر هؤلاء الوكلاء ابن بابويه القمي، وهو أجمع نص لأسمائهم، كما يذكر محمد باقر الصدر [تاريخ الغيبة الصغرى: ص60.]. وهناك وكلاء آخرون غير مرضيين من عثمان بن سعيد ومن يشايعه، وقد ذكر منهم الطوسي سبعة في مبحث بعنوان "ذكر المذمومين من وكلاء الأئمة" [الغيبة للطوسي: ص213-214.].

والفرق عندهم بين الباب والوكيل: أن الباب يلتقي بالإمام الغائب، والوكيل يلتقي بالباب ولا يرى الإمام، ويكون الواسطة بين الشيعة والباب [انظر: الصدر/ تاريخ الغيبة الصغرى: ص609.].

ولما توفي عثمان بن سعيد الباب الأول المعتمد عند الاثني عشرية، عين من بعده ابنه محمدًا، ولكن خالفه في ذلك طائفة منهم، فلم ترتض بابية ابنه، ونشأ نزاع بينهم ولعن بعضهم بعضًا.

فهذا أحد المخالفين ويدعى أحمد بن هلال الكرخي لما قيل له: "ألا تقبل أمر أبي جعفر محمد بن عثمان وترجع إليه، وقد نص عليه الإمام المفترض الطاعة [يعنون إمامهم المنتظر، لأنهم يعتبرون قول الباب الأول هو قول الإمام، لأنه بابه وسفيره الوحيد، فاعتبروا تعيين عثمان بن سعيد لابنه نصًا مقدسًا من الإمام يلعن مخالفه.]؟ فقال لهم: لم أسمعه ينص عليه بالوكالة، ولست أنكر أباه يعني عثمان بن سعيد فأما أن أقطع أن أبا جعفر وكيل [يلاحظ أنه سماه وكيلاً مع أن الاثني عشرية تسميه بالباب، وتفرق بين الوكيل والباب.] صاحب الزمان فلا أجسر عليه. فقالوا: قد سمعه غيرك، فقال: أنتم وما سمعتم.. فلعنوه وتبرؤوا منه" [الغيبة للطوسي: ص245.].

وتكشف بعض أوراقهم سبب هذا التنازع بينهم، يذكر الطوسي مثلاً عن رجل يدعى محمد بن علي بن بلال بأنه رفض بابية محمد بن عثمان العمري، وأنه جرى بينه وبين العمري قصة معرفة كما يقول حيث تمسك الأول "بالأموال التي كانت عنده للإمام، وامتنع من تسليمها وادعى أنه الوكيل حتى تبرأت منه الجماعة ولعنوه" [الغيبة للطوسي: ص245.].

فأت تلاحظ أنه شارك عثمان بن سعيد في الوكالة، فلما توفي استأثر بالمال.

فهو تزاحم وتكالب على البابية والوكالة من أجل جمع الأموال.. وإلا لو كان هناك «إمام» غائب، يسير أم شيعته عن طريق الأبواب لما صارت الأموال إلى هذا الرجل المحتال، ولما كان محل ثقة الإمام صاحب الزمان، لأن الإمام عندهم يعلم ما كان وما يكون.. فلماذا لم يصدر أمره من البداية في التحذير من التعامل معه حتى لا يأخذ أموال الناس؟! لكن الحقيقة أنه لا إمام غائب؛ بل عصابات تأكل أموال الناس بالباطل باسم التشيع والتدين، وأن نزاعها كان لأجل ذلك.

ثم توفي محمد بن عثمان بن سعيد [انظر عنه: الغيبة للطوسي: 223، رجال الحلي: ص149.] (ت304 أو30ه‍) بعد أن تولى البابية "نحوًا من خمسين سنة [الغيبة للطوسي: ص223، رجال الحلي: ص149.]، يحمل الناس إليه أموالهم، ويخرج إليهم التوقيعات بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن عليه السلام إليهم بالمهمات في أمر الدين والدنيا وفيما يسألونه من المسائل بالأجوبة العجية" [الغيبة للطوسي: ص223.].

وتولى بعده رجل يدعى أبا القاسم الحسين بن روح، وقد كان كما تذكر رواياتهم يقوم بمهمة البابية في آخر حياة محمد بن عثمان؛ حيث كان يحيل إليه استلام الأموال التي يأتي بها الأشياع، ولذلك قال رجل يدعى (محمد بن علي الأسود) : كنت أحمل الأموال التي تحصل في باب الوقف إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري فيقبضها مني فحملت إليه شيئًا من الأموال في آخر أيامه قبل موته بسنتين أو ثلاث سنين، فأمر بتسليمه إلى أبي القاسم الروحي فكنت أطالبه بالقبوض، فشكا ذلك إلى أبي جعفر (محمد بن عثمان) فأمرني ألا أطالبه بالقبوض، وقال: كل ما وصل إلى أبي القاسم فقد وصل إليّ، فكنت أحمد بعد ذلك الأموال إليه ولا أطالبه بالقبوض [الغيبة للطوسي: ص225-226.].

ولما تردد أحدهم في تسليم أمواله إلى أبي القاسم بن روح غضب منه الباب محمد بن عثمان وقال له: لم لم تمتثل ما قلته لك؟ ولكن الرجل حاول أن يلاطفه ويهدئ من غضبه خشية أن يخرج له توقيعًا بلعنه والبراءة منه كعادة [وهي كصكوك الحرمان عند النصارى.] الأبواب فيمن يرفض دفع الأموال إليهم، فقال له متلطفًا: "لم أجسر على ما رسمته لي" إلا أن الباب أجابه وهو غاضب وقال له: "قم كما أقوال لك" يقول الرجل: "فلم يكن عندي غير المبادرة، فصرت إلى أبي القاسم بن روح وهو دار ضيقة فعرّفته ما جرى فسر به وشكر الله عز وجل، ودفعت إليه الدنانير، وما زلت أحمد إليه ما يحصل في يدي بعد ذلك من الدنانير" [الغيبة للطوسي: ص224.].

فأنت تلاحظ ما تحيط به الرموز الشيعية نفسها من صفة القداسة، وما تضفي به على قولها من العصمة ووجوب الطاعة المطلقة، وإلا فاللعن والطرد من رحمة الله.

كما تلاحظ بأن لغة المال هي السائدة في التوقيعات المنسوبة للمنتظر وعلى ألسنة الأبواب والوكلاء.

وكان اختيار أبي القاسم لأنه أحفظ لسر المكان الذي يقيم فيه الغائب، حيث إن اختيار الباب يتم من قبل الدوائر الشيعية حسب مواصفات خاصة لعل من أبرزها حفظ السر، وعدم الظهور والشهرة، يدل على ذلك ما جاء في الغيبة للطوس "أن سهلاً النوبختي سئل فقيل له: كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك؟ فقال: هم أعلم وما اختاروه [لاحظ أنه عزا الاختيار فيما يظهر إلى شيوخ الشيعة، وهم يزعمون أن ذلك إلى الإمام الغائب.]، ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم، ولو علمت بمكانه [أي مكان المهدي الغائب لأنه لا يعلم بمكانه سوى الباب.] كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجة على مكانه لعلي كنت أدل على مكانه، وأبو القاسم فلو كانت الحجة [يعني القاسم المنتظر الغائب.] تحت ذيله وقرض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه" [الغيبة: ص240.].

ورغم ذلك فقد أثار تعيين أبي القاسم بن روح نزاعًا كبيرًا بين الخلايا السرية، فانفصل عدد من رؤسائهم وادعوا البابية لأنفسهم.. وكثر التلاعن بينهم.

وقد اضطر بعضهم لأن يكشف حقيقة دعوى البابية تلك بسبب أنه لم ينجح في اقتناص مجموعة أكبر من الأتباع، ومن هؤلاء محمد بن علي الشلمغاني المقتول سنة (323ه‍) [انظر عنه: الغيبة للطوسي: ص248، البداية والنهاية لابن كثير: 11/179، الكامل: 8/290.] وهو ممن ادعى النيابة عن مهدي الروافض، ونافس أبا القاسم الحسين بن روح عليها، وفضح أمرهم فقال: "ما دخلنا مع أبي القاسم الحسين بن روح إلا ونحن نعلم فيما دخلنا فيه، لقد كنا نتهارش على هذا الأمر كما تتهارش الكلاب على الجيف" [الغيبة للطوسي: ص241.].

ويعقب على ذلك أحمد الكروي الإيراني (الشيعي الأصل): "لقد صدق فيما قال، فإن التخاصم لم يكن إلا لأجل الأموال، كان الرجل يجمع المال ويطمع فيه فيدعي البابية لكيلا يسلمه إلى آخر" [التشيع والشيعة: ص33.].

ثم ما لبث ابن روح أن توفي سنة (326ه‍) فانتقلت البابية بوصية منه إلى رجل رابع يدعى: أبا الحسن علي بن محمد السمري [انظر: الغيبة للطوسي: ص244.]. والذي تولى منصب البابية وكان قد انقضى على غيبة الإمام قرابة سبعين عامًا لم يتحقق فيها أمل الشيعة في رجعته رغم انتظارهم إياه وتلهفهم عليه.

وقد تخلفت وعود الشيعة بالظهور للغائب المستور، وساد الشك الأوساط الشيعية، وبدأت تتكشف حقيقة الأمر بعد النزاع الحاد الذي وقع بين أدعياء البابية، ولذلك اختفى نشاط الباب تمامًا، فلا تجد له في كتب الشيعة مثل ما تجد لأسلافه من الرقاع والتوقيعات التي ينسبونها للغائب المنتظر. وقد اعترف بذلك بعض الشيعة وإن حاول أن يتستر على تلك الأسباب فيعزو الأمر إلى كثرة الضغوط على الشيعة [محمد باقر الصدر/ تاريخ الغيبة الصغرى: ص414.].

وقد استمر السمري في منصبه (الشكلي) ثلاث سنوات [لأنه توفي سنة (329ه‍)، انظر: الغيبة للطوسي: ص243، تاريخ الغيبة الصغرى للصدر: ص413.]، وربما أدركته "الخيبة وشعر بتفاهة منصبه كوكيل معتمد للإمام الغائب [رونلدسن/ عقيدة الشيعة، ص 257.]، فلما قيل له وهو على فراش الموت: من وصيك من بعدك؟ قال: لله أمر هو بالغه" [الغيبة للطوسي: ص242.]. وهكذا انتهت دعوى الصلة المباشرة بالغائب، لأن أوراقها انكشفت بسبب التنافس عليها.

ووصلت دعوى الغيبة إلى طريق مسدود، إذ لم تنجح فكرة البابية الخاصة، ولكن أخرج شيوخ الشيعة توقيعًا منسوبًا للسمري عن المنتظر يعلن فيه انقطاع البابية المباشرة، واختراع مبدأ النيابة العامة التي يشترك فيها شيوخ الشيعة كما سيأتي -.

وبعد هذا التغيير خرجت قضية غيبة المهدي من طريقها المسدود، واختفت ظواهر النزاع على منصب البابية واقتسمت الغنيمة بين الجميع بالسوية، وقررت عقيدة النيابة والتي سنتحدث عنها بعد استعراضنا لقضية المهدي عند الشيعة.

هؤلاء الأبواب الأربعة: عثمان بن سعيد، وابنه، وابن روح، والسمري، هم المؤسسون لقضية الغيبة والمهدية، أو هم الوجوه البارزة التي رسمت نظرية المهدي عند الاثني عشرية، وتسمى فترة عملهم بالبابية: "الغيبة الصغرى" والتي استمرت سبعين سنة أو تزيد [يقول شيخهم وآيتهم جعفر النجفي أن الغيبة الصغرى استمرت 74 سنة. (انظر: كشف الغطا: ص13) ويبدو أن هذا التحديد غير متفق عليه بينهم، ففي تنقيح المقال للمامقاني رد فيما يظهر لهذا التحديد حيث قال: "وما قيل إن مدة الغيبة أربع وسبعون سنة اشتباه بلا شبهة، إلا أن يحسبها من سنة الولادة" (أي ولادة منتظرهم المزعومة) ثم ذكر أن مدتها ثمان أو تسع وستون سنة إلا شهرًا (تنقيح المقال: 1/189) بينما يذكر الصدر أن مدتها سبعون سنة (انظر: تاريخ الغيبة الصغرى: ص345).].

وسنتناول نظرية المهدية والغيبة كما جاءت في كتب الاثني عشرية، ونتعرف على مضامينها، حيث أصبحت اليوم هي أساس المذهب الشيعي.

 الخطوط العامة لقصة المهدية عند الاثني عشرية

قصة المهدي في كتب الشيعة قصة غريبة، نسج الخيال خيوطها وبلغ مداه في صياغة أحداثها، وتحولت إلى أسطورة كبرى لا تجد إلى العقل منفذًا، ولا في الفطر السليمة قبولاً حتى أنكرتها أكثر الفرق الشيعية التي عاصرت ولادتها [انظر: ص828-830 من هذه الرسالة.]. ولنعرض لخطوطها العامة بدءًا من اختيار الحسن لأم المهدي المزعوم، إلى ولادة المهدي، واختفائه، ثم عودته، وسيرته.

أما اقتران الحسن بأم المهدي فقد صاغت كتب الشيعة أحداثه بما يشبه قصص ألف ليلة وليلة، فاختيار الحسن العسكري للجارية التي ينسبون لها الولد قد تم كما تصوره كتب الشيعة عن دراية بالغيب المستور، فهو يبعث خادمه لسوق بيع الجواري، ويعطيه أوصاف الجارية، ونوع لباسها، والكلام الذي ستنطق به أثناء بيعها، وما يحدث أثناء المساومة، ويرسل معه كتابًا لها بالرومية ما إن تنظر إليه حتى تبكي بكاءً شديدًا وتتمسح به، وحينما يعجب الخادم من كل ذلك تكشف له عن هويتها وأنها مليكة بنت يوشع بن قيصر ملك الروم. وتسرد له قصة حياتها، ووقوف الكوارث أمام زواجها من خطابها، وأنها رأت في منامها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء يخطبها من المسيح وقال له: "يا روح الله جئتك خاطبًا من وصيك شمعون فتاته مليكة لابني هذا، وأومأ بيده إلى أبي محمد" (الحسن العسكري). ثم تتابع الرؤى عليها حتى تزورها في المنام أم الحسن العسكري، ومعها مريم بنت عمران، وألف وصيفة من وصائف الجنان فتقول لها مريم: هذه سيدة النساء [لاحظ إطلاق هذا اللقب على أم الحسن العسكري؛ فهل هي أفضل من فاطمة؟!] أم زوجك أبي محمد عليه السلام، فتتعلق بها أم المهدي وتبكي وتشكو إليها امتناع الحسن العسكري من زيارتها، لكن أم الحسن قالت لها: إن ابني محمد لا يزورك وأنت مشركة بالله [أبو محمد لا يزورها وهي مشركة، وسيدة النساء، ومريم، ووصائف الجنة يزرنها وهي مشركة!]. ثم تمضي أحداث القصة حتى تسلم بتأثير هذه المنامات، فتبدأ زيارات الحسن العسكري لها في الأحلام.

ثم تذكر قصة وقوعها في أسر المسلمين، واختيارها لاسم "نرجس" إخفاءً لحقيقتها، ثم طلبها من مالكها ألا يبعها إلا لمن ترضاه وهو الذي يحمل المواصفات التي أوحي إليه بها في المنام، ثم تلتقي بعد ذلك بالحسن ولا تجد غراب في لقائه لأنها تعرفه وتتصل به قبل ذلك من خلال الرؤى والأحلام، فيزف لها البشرى بولد يملك الدنيا شرقًا وغربًا ويملأ الأرض قسطًا وعدلاً [انظر: ابن بابويه/ إكمال الدين: ص395-400 (باب ما روي في نرجس أم القائم).].

أما حملها بالمهدي فأغرب وأعجب، إذ لم يظهر عليها أثر الحمل مع أن حكيمة بنت محمد [حكيمة بنت محمد بن علي بن موسى بن جعفر الصادق.] كما يقولون حاولت التثبت من حملها فوثبت إليها كما تزعم رواياتهم فقلبتها ظهرًا لبطن فلم تر فيها أثرًا للحمل، وعادت إلى الحسن وأخبرته، لكنه أكد لها وجود الحمل وقال لها: "إذا كان وقت الفجر يظهر لك الحبل" [إكمال الدين: ص404.]. والأغرب من ذلك أن أم الولد نفسها حتى ليلة ولادتها لم تعلم بأمر حملها حتى قالت لحكيمة: "يا مولاتي ما أرى بي شيئًا من هذا" [إكمال الدين: ص404.].

ويبدو أن نفي ظهور أثر الحمل عليها هي حيلة أو محاولة للتخلص مما ثبت حتى لدى الشيعة من قيام جعفر (أخي الحسن العسكري) بحبس نساء الحسن وإمائه بعد وفاة الحسن لاستبرائهن حتى ثبت للقضاي والسلطان براءة أرحامهن من الحمل، وتم بعد ذلك قسمة ميراث الحسن [انظر: الغيبة للطوسي: ص74.].

وهذه الرواية التي تنفي تبين أمارات الحمل حتى لأم الوليد تثبت في آخرها ما ينقض هذا الزعم وهو أن المولود كان يتكلم وهو في بطن أمه حتى قالت حكيمة: "فأجابني الجنين من بطنها يقرأ مثل ما أقرأ وسلم علي" [إكمال الدين: ص404.]، وكذلك يروي الطوسي عن حكيمة نفسها أنها قالت حينما استدعاها الحسن إلى بيته للإشراف على ولادة المهدي من جاريته فقالت: "جعلت فداك يا سيدي الخلف ممن هو؟ قال: من سوسن تقول فأدرت نظري فيهن فلم أر جارية عليها أثر غير سوسن.." [الغيبة: ص141.] فهي في هذه الرواية تدرك حملها بمجرد النظر إليها، وفي رواية ابن بابويه تقلبها ظهرًا لبط فلا تجد أثرًا، وهي هنا تسميها سوسن، وهناك تسميها نرجس، كما تسمى في بعض رواياتهم بأسماء أخرى [تسمى ريحانة، وصقيل. (إكمال الدين: ص408).]. وكل يضع كما يشاء، وكتب الاثني عشرية تستوعب الجميع.

وحينما ولد "سقط.. من بطن أمه جائيًا على ركبتيه، رافعًا سبابتيه إلى السماء ثم عطس فقال: الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله، زعمت الظلمة أن حجة الله داحضة، لو أذن لنا في الكلام لزال الشك" [إكمال الدين: ص406، وانظر: الغيبة للطوسي: ص147.].

وفي رواية أخرى أنه سقط ساجدًا لله وهو يتشهد، ويدعو بقوله: "اللهم أنجز لي ما وعدتني.." [إكمال الدين: ص404-405.]. ثم عرج بهذا المولود إلى السماء بواسطة طيور خضر، وحينما تبكي الأم نرجس خوفًا على ولدها يجيبها الحسن بقوله: "سيعاد إليك كما رد موسى إلى أمه" [إكمال الدين: ص405.].

أما نموه فهو مخالف تمامًا لسنة الله في خلقه، وخارج عن النواميس الطبيعية التي يخضع لها الكائن الحي بأمر الله، يصور ذلك الخبر المروي على لسان حكيمة بنت محمد، حيث تقول: "لما كان بعد أربعين يومًا [يعني من مولده.] دخلت على أبي محمد عليه السلام فإذا مولانا الصاحب يمشي في الدار فلم أر وجهًا أحسن من وجهه، ولا لغة أفصح من لغته، فقال أبو محمد عليه السلام: هذا المولود الكريم على الله عز وجل، فقلت: سيدي أرى من أمره ما أرى وله أربعون يومًا، فتبسم وقال: يا عمتي أما علمت أنا معاشر الأئمة ننشأ في اليوم ما ينشأ غيرنا في السنة" [الغيبة للطوسي: ص144.].

وفي رواية القمي "إن الصبي منا إذا كان أتى عليه شهر كان كمن أتى عليه سنة، وإن الصبي منا يتكلم في بطن أمه ويقرأ القرآن، ويعبد ربه عز وجل عند الرضاع، تطيعه [كذا في الأصل المنقول عنه ولعله "تطعمه".] الملائكة وتنزل إليه صباحًا ومساءً" [إكمال الدين: ص405.].

ولكن هذا المولود الذي يحمل كل هذه الظواهر الخارقة لا يعلم به أحد ولا يرى له أثر، فما فائدة إجراء هذه الخوارق إذن؟

ثم ما لبث أن غاب ولم يعلم بأمره ولا غيبته أحد إلا "حكيمة" والتي تقول كما تنسب إليها الرواية -: إن الحسن أمرها ألا تفشي هذا الخبر في أمر هذا المولود حتى ترى اختلاف شيعته بعد وفاته، حيث قال الحسن -: "فإذا غيب الله شخصي وتوفاني ورأيت شيعتي قد اختلفوا فأخبري الثقات منهم فإن ولي الله يغيبه الله عن خلقه ويحجبه عن عباده فلا يراه أحد حتى يقدم له جبرائيل عليه السلام فرسه ليقضي الله أمرًا كان مفعولاً" [الغيبة للطوسي: ص142.].

فمسألة المهدي وغيبته تسربت إلى الشيعة عن طريق حكيمة كما تقوله رواية شيخ الطائفة وما أدري كيف يقبل الشيعة قول امرأة واحدة غير معصومة في أصل المذهب، وهم الذين يردون إجماع الأمة بأسرها إذا لم يكن المعصوم فيهم ولو في مسألة فرعية؟!

وتلاحظ أن إمامهم يأمر بحجب أمر المهدي وغيبته إلا عن الثقات من شيعته، مع أن من لم يعرف الإمام عندهم فإنما يعرف ويعبد غير الله [أصول الكافي: 1/181.]، وإن مات على هذه الحالة مات ميتة كفر ونفاق [أصول الكافي: 1/184.].

أما وقت غيبة المهدي فإن روايات الشيعة تتضارب في تحديده. فيروي الطوسي أن حكيمة قالت: ".. فلما كان بعد ثلاث (من مولده) اشتقت إلى ولي الله فصرت إليهم فبدأت بالحجرة التي كانت سوسن فيها، فلم أر أثرًا ولا سمعت ذكرًا، فكرهت أن أسأل فدخلت على أبي محمد عليه السلام فاستحيت أن أبدأ بالسؤال فبدأني فقال: هو يا عمة في كنف الله وحرزه وستره وغيه حتى يأذن الله له" [الغيبة للطوسي: ص142.].

وفي رواية ثانية أن حكيمة فقدته بعد سبعة أيام [الغيبة للطوسي: ص142.]، وفي رواية ثالثة: أنها رأته بعد أربعين يومًا يمشي في الدار ثم فقدته بعد ذلك [الغيبة للطوسي: ص144.]، وفي رواية أخرى أن حكيمة كانت تختلف إلى دار العسكري، تزوره كل أربعين يومًا، وقبل وفاته بأيام قلائل كان عمر المهدي آنذاك خمس سنوات على الأكثر [لأن مولده كما تقول رواياتهم في سنة 255 أو256، ووفاة العسكري سنة 260ه‍.]- زارت دار العسكري كعادتها، تقول: ف‍ "رأيته رجلاً فلم أعرفه، فقلت لابن أخي عليه السلام: من هذا الذي تأمرني أن أجلس بين يديه؟ فقال لي: هذا ابن نرجس، هذا خليفتي من بعدي وعن قليل تفقدوني فاسمعي له وأطيعي" [إكمال الدين: ص405-406.].

وهكذا غاب المهدي ولم يعلم بأمره أحد سوى حكيمة التي أودعت خبره ثقات الشيعة كما تقول رواياتهم -.

أما مكان الغيبة فإنه كان موضع السرية والكتمان، ولما تناهى إلى شيعته خبر الغيبة المزعومة حاولوا التعرف على مكانه إلا أن الباب الذي يدعي الصلة به رفض البوح بشيء من ذلك وأخرج "توقيعًا" سريًا ينسبه للمهدي يقول فيه: ".. إن عرفوا المكان دلوا عليه" [أصول الكافي: 1/333.] فهذا النص يشير إلى أنه في مكان معين، وفي مخبأ سري لا يعرفه إلا الباب، وأن سب كتمان مكان غيبته عن شيعته هو خوفه من إخبارهم للغير بمكانه.

ولكن دلت بعض روايات الكافي على البلد الذي يختفي فيه، حيث قالت: "لابد لصاحب هذا الأمر من غيبة، ولابد له في غيبته من عزلة، ونعم المنزل طيبة" [أصول الكافي: 1/340، الغيبة للنعماني: ص125، بحار الأنوار: 52/153.].

فهي تشير إلى أنه يختبئ بالمدينة المنورة، لأن طيبة من أسمائها [انظر: معجم ما استعجم: 2/900.]، ولما قال أحدهم للحسن العسكري: إن حدث بك حدث فأين أسأل عنه؟ قال: بالمدينة [أصول الكافي: 1/328، وقال المازندراني في شرح الكافي: يحتمل أن يراد بالمدية سر من رأى (شرح جامع: 6/208) وهذا الاحتمال قد لا يرد في الرواية التي قبلها.].

بينما يروي الطوسي في الغيبة أنه مقيم بجبل يدعى رضوى، حيث يقول في روايته: ".. عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: خرجت مع أبي عبد الله عليه السلام فلما نزلنا الروحاء [الروحاء: بفتح أوله: ممدود: قرية جامعة لمزينة، بينما وبين المدينة أحد وأربعون ميلاً. (معجم ما استعجب: 1/681).] نظر إلى جبلها مطلاً عليها، فقال لي: ترى هذا الجبل؟ هذا جبل يدعى رضوى [رضوى: وهو جبل بالمدينة فيه أشجار ومياه كثيرة، وهو الجبل الذي يزعم الكيسانية أن محمد بن الحنفية به مقيم حي يرزق (معجم البلدان: 3/51).] من جبال فارس أحبنا فنقله الله إلينا، أما إن فيه كل شجرة مطعم، ونعم أمان للخائف مرتين، أما إن لصاحب هذا الأمر فيه غيبتين واحدة قصيرة والأخرى طويلة" [الغيبة: ص103.].

وتذكر روايات أخرى أنه يختفي في بعض وديان مكة، فقد جاء في تفسير العياشي وغيره أن أبا جعفر قال: "يكون لصاحب هذا الأمر غيبة في بعض هذه الشعاب ثم أومأ بيده إلى ناحية ذي طوى [ذي طوى: بفتح أوله، مقصور منون، على وزن فعل: واد بمكة. (انظر: معجم ما استعجم: 2/896).]- .." [تفسير العياشي: 2/56، البرهان: 2/81-82، بحار الأنوار: 52/341.].

غير أن أحاديثهم في الأدعية والزيارة لمقامات الأئمة تلوح إلى أنه مقيم بسرداب سامراء [قال ياقوت: سامراء بلد على دجلة فوق بغداد بثلاثين فرسخًا يقال لها: سر من رأى فخففها الناس وقالوا: سامراء وفيها السرداب المعروف في جامعها الذي تزعم الشيعة أن مهديهم يخر منه (معجم البلدان 3/173).]، ولذلك جاء فيها "ثم ائت سرداب الغيبة وقف بين البابين، ماسكًا جانب الباب بيدك، ثم تنحنح كالمستأذن، وسم وانزل، وعليك السكينة والوقار، وصل ركعتين في عرضة السرداب وقل:.. اللهم طال الانتظار وشمت بنا الفجار، وصعب علينا الانتصار، اللهم أرنا وجه وليك الميمون، في حياتنا وبعد المنون، اللهم إني أدين لك بالرجعة، بين يدي صاحب هذه البقعة، الغوث الغوث الغوث يا صاحب الزمان، قطعت في وصلتك الخلاف، وهجرت لزيارتك الأوطان، وأخفيت أمري على أهل البلدان لتكون شفيعًا عند ربك وربي.. يا مولاي يا ابن الحسن بن علي جئتك زائرًا لك" [علي بن طاووس/ مصباح الزائر: ص229، محمد المشهدي/ المزار الكبير: ص216، المجلسي/ بحار الأنوار: 102/102-102، الشيرازي/ كلمة المهدي: ص471-472.].

وتشير بعض أخبارهم إلى أن معه في غيبته ثلاثين من أوليائه يؤنسونه في وحدته "وما بثلاثين من وحشة" [أصول الكافي: 1/340.].

وتخصيص السرداب بتلك ادعية والمناجاة والاستئذان عند الدخول.. يدل على أن واضعي تلك الروايات يوهمون أتباعهم بوجوده في السرداب، ولهذا قال ابن خلكان: "والشيعة ينتظرون خروجه في آخر الزمان من السرداب بسر من رأى" [وفيات الأعيان: 4/176.]. وذكر ابن الأثير أنهم يعتقدون أن المنتظر بسرداب سامراء [الكامل: 5/373.].

ورغم ذلك فإن بعض الشيعة المعاصرين ينفي ما هو واقع ويقول: "لم يرد خبر ولا وجد في كتاب من كتب الشيعة أن المهدي غاب في السرداب.. ولا أنه عند ظهوره يخرج منه، بل يكون خروجه بمكة ويبايع بين الركن والمقام" [محسن الأمين/ البرهان على وجود صاحب الزمان: ص102.].

ولكن عمل الشيعة يخالف ذلك، ويتفق مع ما جاء في كتب الزيارة عندهم. فقد ظل الشيعة كما يقول الشيعي أمير علي إلى أواخر القرن الرابع عشر الميلادي الذي صنف فيه ابن خلدون تاريخه الكبير يجتمعون في كل ليلة بعد صلاة المغرب بباب سرداب سامراء فيهتفون باسمه ويدعونه للخروج حتى تشتبك النجوم ثم ينفضون إلى بيوتهم بعد طول الانتظار وهم يشعرون بخيبة الأمل والحزن [أمير علي/ روح الإسلام: 1/210، وانظر: مقدمة ابن خلدون: 2/531- 532، وانظر: ابن القيم/ المنار المنيف: ص152.].

وكان هذا الانتظار مثار سخرية الساخرين حتى قيل:

ما آن للسرداب أن يلد الذي            كلمتموه بجهلكم ما آنا

فعلى عقولكم العفاء فإنكم              ثلثتم العنقاء والغيلانا [انظر: الصواعق المحرقة: ص168، المنار المنيف: ص152.].

وقال ابن القيم: "ولقد أصبح هؤلاء عارًا على بني آدم، وضحكة يسخر منهم كل عاقل" [المنار المنيف: ص152-153.]. ولهذا جاء في أدعيتهم ما يشعر بأنهم صاروا بهذا الاعتقاد موضع السخرية والشماتة فيدعو أحدهم ويقول مناجيًا الغائب -: "طال الانتظار وشمت بنا الفجار.." [مضى تخريج هذا النص ص:848.].

وقد جاء في بعض أدعية الزيارات عندهم ما ينبئ عن حيرتهم في مكانه الذي يختفي فيه، فهم يهتفون به ويقولون: ".. ليت شعري أي استقر بك النوى، بل أي أرض تقلك أو ثرى، أبرضوى أم غيرها، أم ذي طوى.." [بحار الأنوار: 102/108.].

هذا وتذكر روايات أخرى لهم أنه ليس له مكان ثابت بل هو يعيش بين الناس "يشهد الموسم فيراهم ولا يرونه" [أصول الكافي: 1/337-338، الغيبة للنعماني: ص116.].

وهكذا تختلف أخبارهم في تحديد مكانه، وكل زمرة تذهب في هذا مذهبًا على اختلاف الفصائل الشيعية أو على اختلاف الأحوال والأزمنة، أو حتى تستمر لعبة التلبيس والتزوير.

ومن الطبيعي أن تختلف مادام غائبهم لا وجود له.

وإذا كان مكانه موضع السرية في بعض أخبارهم، فإن اسمه أيضًا قد حجب عن شيعته، فقد جاء في "توقيعات" المنتظر التي تصدر عن "بابه": "إن دللتم على الاسم أذاعوه.." [أصول الكافي: 1/333.].

فهذا النص يشير إلى أنه مجهول الاسم، كما هو مجهول المكان والولادة والنشأة.. ولكن ورد في كتب الشيعة أن اسمه محمد، غير أن روايات الشيعة كانت تحرم تسميته باسمه حيث جاء فيها: "ولا يحل لكم ذكره باسمه" [أصول الكافي: 1/333، الإرشاد: ص394، إكمال الدين: ص608.] بل اعتبرت من يسميه باسمه في عداد الكافرين، وقالت: "صاحب هذا الأمر لا يسميه باسمه إلا كافر" [أصول الكافي: 1/333، إكمال الدين: ص607.]، ولذلك تلاحظ حين يرد ذكره في رواياتهم يكتب اسمه بالحروف المقطعة هكذا: م ح م د [انظر مثلاً أصول لاكافي: 1/329.]. ولما قالوا: كيف نذكره؟ قال الحسن العسكري: "قولوا: الحجة من آل محمد صلوات الله عليه وسلامه" [أصول الكافي: 1/33، الإرشاد: ص394.].

وكانت الدوائر الشيعية القديمة لا تذكره فيما بينها إلا بالرمز الذي لا يعرفه سواهم كالغريم. ولهذا قال المفيد عن إطلاق هذا اللقب عليه: "هذا رمز كانت الشيعة تعرفه قديمًا بينها، ويكون خطابها عليه السلام كذا للتقية" [الإرشاد: ص400.]. ورموزهم التي يطلقونها عليه كثيرة مثل: "القائم والخلف، والسيد، والناحية المقدسة، والصاحب، وصاحب الزمان، وصاحب العصر [انظر: حصائل الفكر: ص35.]، وصاحب الأمر وغيرها" [انظر: أصول الكافي:1/333، ويرى بعض شيوخهم أن النهي عن التصريح بالاسم خاص بزمن الخوف والتقية (انظر: المازندراني/ شرح جامع: 6/216-217).].

وعملية الكتمان تلك تنبئ عن تنظيم سري داخل الدولة الإسلامية، يتخذ أتباعه لغة الرمز والإشارة للتفاهم فيما بينهم، وهي من جانب آخر محاولة للتستر على الكذب، وإخفاء الحقيقة، ثم هي تنقض مايدعونه أن مهديهم قد ذكر باسمه، ووصفه من قبل [انظر: أصول الكافي، باب ما نص الله عز وجل ورسوله على الأئمة واحدًا واحدًا: 1/286 وما بعدها.].

أما مدة الغيبة: فإن مخترعي هذه الفكرة كانوا يمنون أتباعهم بقصر المدة، وسرعة العودة لغائبهم، حتى أكدوا في رواياتهم بأنها لا تعدو ست سنين في أقصى الأحوال، فقد جاء في الكافي عن علي بن أبي طالب كما يفترون أنه قال عن منتظرهم: "تكون له غيبة وحيرة يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون" [أصول الكافي: 1/338.].

ولما سئل كم تكون الحيرة والغيبة، قال: "ستة أيام أو ستة أشهر، أو ست سنين.." [أصول الكافي: 1/338.].

ويبدو أن هذا النص قد وضع في الأيام الأولى لنشوء فكرة الغيبة، لتسكين النفوس الثائرة وتهدئة القلوب الحائرة التي أفاقت على الحقيقة المرة حينما مات الإمام بلا عقب، وانجلت الخدعة وتبينت الحقيقة، فربطت حينئذ دعوى الغيبة بهذا الوعد القريب لتكون أقرب للتصديق وأسهل، وليضمنوا الكسب الحاضر للمال الجاهز الذي ينتظر ظهور الإمام ليدفع إليه باسم حق آل البيت..، وفي البداء والتقية متسع للتأويل، والرجوع عن الكلام.. في المستقبل.. وهذا ما وقع بالنسبة لموقف شيوخهم المتأخرين من هذا النص، حيث قال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد أن الغيبة والحيرة في ذلك القدر من الزمان أمر محتوم ويجري فيهما البداء بعد ذلك [المازندراني/ شرح جامع (على الكافي): 6/237.]، ومنهم من حاول التخلص بغير هذا [حيث قال بعضهم: يحتمل أن المقصود تحديد مدة الحيرة بهذه الفترة لا الغيبة (نفس الموضع من المصدر السابق) مع أن الحيرة والشك قد صاحبتهم في أمر الغيبة كما يظهر ذلك لك من الكتب التي ألفت في هذه المسألة، وأن السبب في تأليفها يعود لعنصر الشك في الغيبة الذي سيطر على أذهان الكثير منهم. (انظر مثلاً -: إكمال الدين/ لابن بابويه: ص2).]، ولكن لم يجرؤ أحد منهم على الطعن في مسألة الغيبة ذاتها.

كما جاء عندهم توقيت ظهور هذا الأمر في السبعين من الغيبة، ثم غير إلى مائة وأربعين، ثم أخر إلى غير أمد معين [انظر: أصول الكافي (مع شرحه للمازندراني): 6/314، وانظر: الغيبة للطوسي: ص263، والغيبة للنعماني: ص197.]، ونسبوا للأئمة استطلاع وقت خروج الغائب من الحروف المقطعة في أوائل السور [انظر: تفسير العياشي: 2/2، البرهان: 2/3، بحار الأنوار: 62/106-109.].

ويظهر من رواياتهم أن الرموز التي تدير دفة التشيع كانت تمني أتباعها بقرب الفرج والظهور للغائب المستور، حتى كان من الشيعة من يتوقع خروج الغائب بين لحظة وأخرى، فقد جاء في أخبارهم أن منهم من ترك البيع والشراء والعمل بانتظار الغائب واشتكوا من هذه الحالة حتى قال بعضهم: "لقد تركنا أسواقنا انتظارًا لهذا الأمر حتى ليوشك الرجل منا أن يسأل في يده" [انظر: روضة الكافي: 8/80، عن مفتاح الكتب الأربعة: 3/331.].

ولكن الهدف من هذه الوعود هو ما أشرنا إليه من محاولتهم إمرار "لعبتهم" وإزالة شك الأتباع وحيرتهم، وهذا ديدنهم في تعليل الشيعة بالأماني، وتخديرهم بالوعود حتى اعترفوا في أخبارهم: "إن الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة" [أصول الكافي: 1/369، الغيبة للنعماني: ص198، الغيبة للطوسي: ص207-208، بحار الأنوار: 52/102. والخبر مروي عن علي الرضا.]. وسبب ذلك أنه لو قيل لهم: "إن هذا الأمر لا يكون إلا مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب، ولرجعت عامة الناس عن الإسلام (يعني مذهبهم)، ولكن قالوا: ما أسرعه وما أقربه تألفًا لقلوب الناس وتقريبًا للفرج" [أصول الكافي: 1/369، الغيبة للنعماني: ص198، الغيبة للطوسي: ص207-208، بحار الأنوار: 52/102.].

واختلفت رواياتهم التي وضعت لمعالجة مشكلة تحديد فترة الغيبة في طريقة معالجتها، فهي تارة أمر بالتسليم وتقول: "إذا حدثناكم بحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به فقولوا: صدق الله، وإذا حدثناكم بحديث فجاء على خلاف ما حدثناكم به فقولوا: صدق الله، تؤجروا مرتين" [أصول الكافي: 1/369، الغيبة للنعماني: ص198، بحار الأنوار: 52/118.].

وهي تارة تعزو سبب إخلاف الوعد للظهور الذي حددته الأئمة بإفشاء الشيعة لسره، ولذلك حينما قال بعضهم: "ما لهذا الأمر أمد ينتهي إليه ويريح أبداننا؟ قال (إمامهم): بلى، ولكنكم أذعتم فأخره الله" [الغيبة للنعماني: ص194، الغيبة للطوسي: ص263، بحار الأنوار: 52/117.]. وتقول رواياتهم: "إن الله تبارك وتعالى قد كان وقّت هذا الأمر.. إلى أربعين ومائة، فحدثناكم" فأذعتم الحديث، فكشفتم قناع الستر [في بعض النسخ قناع السر.] ولم يجعل الله له بعد ذلك وقتًا عندنا [أصول الكافي: 1/368، الغيبة للنعماني: ص197، الغيبة للطوسي: ص263، بحار الأنوار: 52/117.].

وهي تارة تعزو ذلك لقتل الحسين. يقول أبو عبد الله [من المعلوم أن جعفرًا مات قبل نشوء فكرة الغيبة، ولكنهم ينسبون لجميع الأئمة أخبارًا في وقوع الغيبة.] : "إن الله تبارك وتعالى قد كان وقت هذا الأمر في السبعين [قال شارح الكافي: في السبعين من الغيبة على الظاهر (المازندراني/ شرح جامع: 6/314).] فلما أن قتل الحسين صلوات الله عليه اشتد غضب الله تعالى على أهل الأرض، فأخره.." [أصول الكافي: 1/368، الغيبة للنعماني: ص197، الغيبة للطوسي: ص263، بحار الأنوار: 52/117.].

وهم ينظمون ذلك كله في عقيدة البداء، ولذلك قال المازندراني: "توقيت ظهور هذا الأمر.. توقيت بدائي فلذلك جرى فيه البداء" [شرح جامع: 6/314، وراجع الغيبة للطوسي: ص263-264.].

وهي حينًا تنفض اليد من أخبار التوقيت كلها وتقول: "كذب الوقاتون، وهلك المستعجلون، ونجا المسلمون" [أصول الكافي: 1/368، الغيبة للطوسي: ص262، الغيبة للنعماني: ص198، بحار الأنوار: 52/103-104.]، "كذب الوقاتون، إنا أهل بيت لا نوقت" [أصول الكافي: 1/368، الغيبة للنعماني: ص198.] "ما وقتنا فيما مضى ولا نوقت فيما يستقبل" [الغيبة للطوسي: ص262، بحار الأنوار: 52/103.]، "من وقت لك من الناس شيئًا فلا تهابن أن تكذبه فلسنا نوقت لأحد وقتًا" [الغيبة للنعماني: ص195، الغيبة للطوسي: ص262، بحار الأنوار: 52/104.] "أبى الله إلا أن يخالف وقت الموقتين" [أصول الكافي: 1/368، وانظر: الغيبة للنعمان: ص198.].

وهكذا تتضارب أخبارهم وتتناقض، لأن الوضع يتم حسب الظروف والمناسبات.

أما سبب غيبته: فقد جاء في الكافي عن زرارة قال: "سمعت أبا عبد الله يقول: إن للقائم عليه السلام غيبة قبل أن يقوم، قلت: ولم؟ قال: إنه يخاف وأومأ بيده إلى بطنه يعني القتل" [أصول الكافي: 1/338، الغيبة للنعماني: ص118، إكمال الدين: ص449.].

وجاءت عندهم روايات عدة في هذا المعنى [انظر: أصول الكافي 1/337، 340، الغيبة للنعماني: ص118، إكمال الدين: ص449.]. وأكد ذلك شيخ الطائفة الطوسي بقوله: "لا علة تمنع من ظهوره إلا خوفه على نفسه من القتل، لأنه لو كان غير ذلك لما ساغ له الاستتار وكان يتحمل المشاق والأذى، فإن منازل الأئمة وكذلك الأنبياء عليهم السلام إنما تعظم لتحملهم المشاق العظيمة في ذات الله تعالى" [الغيبة لطلوسي، فصل في ذكر العلة المانعة لصاحب الأمر من الظهور: ص199.].

ولكن هذا التعليل للغيبة الذي يؤكده شيخ الطائفة لا يتصور في حق الأئمة على ما يعتقد الشيعة لأن الأئمة "يعلمون متى يموتون، ولا يموتون إلا باختيار منهم". كما أثبت ذلك الكليني في الكافي في روايات عديدة، وبوب لها بهذا اللفظ المذكور [أصول الكافي: 1/258.]. وأثبت ذلك المجلسي في بحار الأنوار وبوب له بلفظ: "أنهم عليهم السلام يعلمون متى يموتون وأنه لا يقع ذلك إلا باختيارهم" [بحار الأنوار: 27/285.]. فكيف يخرجون من هذا التناقض؟! [وقد رجعت إلى شرح الكافي للمازندراني لأطلع على ما يقوله في روايات الكافي التي تعلل غيبته بخوفه من القتل.. فوجدته مر عليها ولم يتعقبها بشيء.].

كما أن الأئمة على حد ما يعتقد الشيعة – "يعلمون ما كان وما يكون ولا يخفى عليهم الشيء" [أصول الكافي: 1/260.]، كما قرر ذلك الكليني في باب يحمل العنوان المذكور.

فبوسعهم أن يحترزوا من الخطر بما لا يخطر على بال أحد.

ثم لماذا لم يقتل واحد من أولئك النواب الأربعة الذين يدعون الصلة بالإمام مباشرة وهم ليسوا كالإمام لا يموتون إلا باختيار منهم؟!

كذلك قد توفر الأمن التام للإمام في أثناء قيام بعض الدول الشيعية فلماذا لم يخرج إليهم، ويأنسوا بطلعته، ويستفيدوا من علمه، وسلاحه، وقوته.. وإذا مازالت الدولة رجع إلى مكمنه؟ ولذلك قال أحمد الكسروي الشيعي الأصل -: "إذا كان منتظرهم قد اختفى لخوفه على نفسه فلم لم يظهر عندما استولى آل بويه الشيعيون على بغداد، وصيروا خلفاء بني العباس طوع أمرهم؟

فلم لم يظهر عندما قام الشاه إسماعيل الصفوي وأجرى من دماء السنيين أنهارًا؟

فلم لم يظهر عندما كان كريمخان الزندي وهو من أكبر سلاطين إيران يضرب على السكة اسم إمامكم (صاحب الزمان) ويعد نفسه وكيلاً عنه؟

وبعد، فلم لا يظهر اليوم وقد كمل عدد الشيعيين ستين مليونًا وأكثرهم من منتظريه؟" [التشيع والشيعة: ص42.].

وكذلك اليوم من بعد الكسروي قامت دولة الآيات فلم لا يخرج إليهم ولا سيما وهم يجأرون بالدعوات، والاستغاثة لخروجه منذ مئات السنين.

كما وضعت روايات تعلل الغيبة بامتحان قلوب الشيعة واختبارهم، وقد يكون هذا التعليل الذي تحمله تلك الروايات محاولة منهم لمعالجة ظاهرة الشك الذي تسلل إلى قلوب الشيعة، حيث لم تجد هذه المسألة طريقها إلى عقول كثير منهم حتى اضطرهم ذلك إلى نبذ عقيدة التشيع ورفضها.

كما مل الشيعة الانتظار للغائب الموعود حتى قال قائلهم: "قد طال هذا الأمر علينا حتى ضاقت قلوبنا ومتنا كمدًا.." [الغيبة للنعماني: ص120.] وأطل عليهم شبخ الشك الرهيب وقد شهد بذلك ابن بابويه القمي حيث قال: "رجعت إلى نيسابور، وأقمت فيها فوجدت أكثر المختلفين عليّ من الشيعة قد حيرتهم الغيبة، ودخلت عليهم في أمر القائم عليه السلام الشبهة" [إكمال الدين: ص2.].

وقد صورت رواياتهم التي وضعت لمعاجلة هذا الأمر كما يظهر حيرتهم في أمر الغائب، وطول غيبته وانقطاع أخباره، جاء في الكافي "عن زرارة قال: سمعت أبا عبد الله يقول: إن للغلام غيبة قبل أن يقوم.. وهو المنتظر وهو الذي يشك في ولادته، منهم من يقول: مات أبوه بلا خلف، ومنهم من يقول: حمل، ومنهم من يقول: إنه ولد قبل موت أبيه بسنتين وهو المنتظر، غير أن الله عز وجل يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون" [أصول الكافي: 1/337.].. فعللوا هذا الاختلاف بأنه امتحان للشيعة.

وقد نقلت لنا كتب الفرق أن هذا ما حدث لهم بعد موت الحسن العسكري كما سبق فكأن هذه الرواية وأمثالها اخترعت لمواجهة نزعة الحيرة والشك التي داهمتهم بعد موت إمامهم عقيمًا.

وقد أكثروا من الروايات التي تجري هذا المجرى، وتصور واقعهم أبلغ تصوير.

فقد جاء في الكافي: "لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تغربلوا، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تمحصوا، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى تميزوا، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم إلا بعد إياس، لا والله لا يكون ما تمدون إليه أعينكم حتى يشقى من يشقى ويسعد من يسعد" [أصول الكافي: 1/370.].

فهم يدعون أن ما حل بهم بسبب دعوى الغيبة إنما هو من أجل التمحيص والابتلاء، وأنه إذا تم ذلك رجع القائم، ونسبوا إلى جعفر الصادق: أنه دخل عليه بعض أصحابه وهو يبكي كالثكلى، لأنه نظر كما يقولون في كتاب الجفر المشتمل على علم البلايا والمنايا، وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة فقال: "تأملت فيه مولد قائمنا عليه السلام، وغيبته وإبطاءه وطول عمى وبلوى المؤمنين من بعده في ذلك الزمان، وتولد الشكوك في قلوب الشيعة من طول غيبته وارتداد أكثرهم عن دينه.." [الغيبة للطوسي: ص105-106.].

فهذه الرواية المنسوبة إلى جعفر تتحدث عن درة كثير من الشيعة بسبب دعوى الغيبة التي طال أمدها، وهي قد وضعت كغيره بعدما حل بهم هذا الأمر لحضهم على البقاء في نطاق التشيع، وذلك بدعوى أن هذا أمر أخبرت به الأئمة وهو من أمارات رجعة الإمام المفقود.

وقد شهد شيخهم النعماني وهو من شيوخ القرن الثالث، وممن عايش واقع الشيعة في الفترة المبكرة لدعوى الغيبة، فشهادته في ذلك في غاية الأهمية، شهد بشك جميع الشيعة في أمر الغيبة إلا القليل يقول: "فإنا رأينا طوائف من العصابة المنسوبة إلى التشيع، المنتمية إلى نبينا محمد وآله صلى الله عليهم ممن يقول بالإمامة.. قد تفرقت كلمتها، وتشعبت مذاهبها، واستهانت بفرائض الله عز وجل، وخفت إلى محارم الله تعالى فطال بعضهم غلوًا، وانخفض بعضهم تقصيرًا، وشكوا جميعًا إلى القليل في إمام زمانهم وولي أمرهم وحجة ربهم.. للمحنة الواقعة بهذه الغيبة" [الغيبة للنعماني: ص11.].

وقد أخذ بعضهم يلعن بعضًا، ويبرأ منه ويشهد عليه بالكفر، كما تصور ذلك رواية النعماني التي تقول: "لا يكون الأمر الذي ينتظر حتى يبرأ بعضكم من بعض ويتفل بعضكم في وجوه بعض، فيشهد بعضكم على بعض بالكفر ويلعن بعضكم بعضًا" [الغيبة للنعماني: ص137-138، بحار الأنوار: 52/114-115.] وجعلت الرواية هذه الظاهرة الخطيرة خيرًا، لأنها مؤذنة بخروج القائم فقالت: "الخير كله في ذلك الزمان، يقوم قائمنا ويدفع ذلك كله" [الغيبة للنعماني: ص138، بحار الأنوار: ص115.].

فيبدو من خلال هذه النصوص أن محدثي الشيعة عملوا على مواجهة هذه النكسة بوضع هذه الروايات على أهل البيت وجعلوها تشير إلى ما يلحق الشيعة من التمحيص والابتلاء والردة عند وقوع الغيبة وذلك من أجل إغرائهم بالبقاء داخل نطاق التشيع الإمامي.

ورغم هذه الاعترافات والشهادات فإن فكرة الغيبة التي اضطرت الإمامية للقول بها قد أحدثت هزة عنيفة زلزلت كيان التشيع الإمامي وكادت أن تؤدي إلى سقوطه بذهاب أتباعه.. رغم ذلك فإنهم يقولون في رواياتهم: "لو علم الله أنهم يرتابون ما خيب حجته طرفة عين" [أصول الكافي: 1/333، الغيبة للنعماني: ص107.] فأي ريبة أشد من شك الجميع إلا القليل، ومن التفرق والتلاعن؟!.

ويلاحظ كثرة التكذيب للغيبة من لدن الشيعة، ولا سيما في مراحل نشأتها، ولعل السبب يعود إلى وضوح كذبها لمن عاصرها وعايش ظروفها، ولذلك فقد نشط مؤسسو هذه الفكرة لسد الثغرات التي تهب عليهم منها رياح الشك، وتسديد الفجوات التي تتضح منها صورة الكذب، فعالجوا مشكلة التكذيب والتلاعن والتفرق بوضع روايات على أهل البيت تنبئ بحدوثها وتبشر بالخير عند وقوعها لأنها مؤذنة بعودة القائم (ولكنها وقعت ولم يخرج القائم)، حاولوا معالجة ما ترامى إلى أسماع الشيعة من تكذيب أسرة الحسن لهذه الدعوات بوضع روايات تقول: "إن للقائم غيبة ويجحده أهله" وحينما سأل زرارة الموضوع عليه الخبر [لأنه مات قبل نشوء فكرة الغيبة.] عن سبب ذلك قال أبو جعفر فيما تزعم الرواية -: "يخاف، وأومأ بيده إلى بطنه" [الغيبة للنعماني: ص118.].

ومن الفجوات كذلك أنه لا أحد من أسرة الحسن ولا غيرهم، يعلم بولادته ولا بمنشئه فوضعوا روايات تقول: "يبعث الله لهذا الأمر غلامًا منا، خفي الولادة والمنشأ" [أصول الكافي: 1/341-342، الغيبة للنعماني: ص112.].

ومن تتبع رواياتهم بهذه الطريقة وجد العجب.

كما قاموا من جهة أخرى بوضع روايات تجعل من انتظار الفرج بخروج القائم من أفضل الأعمال وأعظمها وذلك فيما يظهر لطرد الملل من طول الانتظار، وإزالة الأسى الناتج عن شدة الترقب، والشعور بالحرمان من صحبة القائم الإمام. جاء في الكافي: "أقرب ما يكون العباد من الله جل ذكره وأرضى ما يكون عنهم إذا افتقدوا حجة الله جل وعز ولم يظهر لهم ولم يعلموا مكانه وهم في ذلك يعلمون أنه لم تبطل حجة الله جل ذكره ولا ميثاقه، فعندها فتوقعوا الفرج صباحًا ومساءً" [أصول الكافي: 1/333، بحار الأنوار: 52/145.].

فجعلوا الغيبة أمارة على ظهور الفرج مع أنه قد مضى اليوم على الغيبة أكثر من ألف ومائة سنة، ولم يقع شيء من هذه الوعود، فما تأثير ذلك على من يقرأ أمثال هذه الأماني من الشيعة؟! ألا يزداد الشك ويضعف اليقين، وقد يبحث عن مذهب آخر سوى الإسلام، لأنه قيل له زورًا وبهتانًا إن هذا المهدي الموعود متفق عليه بين السنة والشيعة.

ولهم روايات كثيرة في عقيدة الانتظار، وقد ذكر المجلسي منها (77) رواية في باب عقده بعنوان "باب فضل انتظار الفرج، ومدح الشيعة في زمن الغيبة وما ينبغي فعله في ذلك الزمان" [بحار الأنوار: 52/122-150، وانظر: إكمال الدين: ص603 وما بعدها.] حتى نسبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أفضل أعمال أمتي انتظار فرج الله عز وجل" [بحار الأنوار: 52/122.] يعنون به خروج منتظرهم.

وجعلوا الانتظار أحب الأعمال إلى الله [بحار الأنوار: 52/122.] و"المنتظرون لظهوره أفضل أهل كل زمان" [بحار الأنوار: 52/122.]، وزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عنهم لأصحابه: "سيأتي قوم من بعدكم الرجل الواحد منهم له أجر خمسين منكم، قالوا: يا رسول الله نحن كنا معك ببدر وأحد وحنين ونزل فينا القرآن. فقال: إنكم لو تحملوا ما حملوا لم تصبروا صبرهم" [بحار الأنوار: 52/130.]. وغاب عن واضع الرواية من زلة الصحابة عند الرافضة.

وجاءت عندهم روايات تطفئ ذلك التطلع لخروجه وتقول "من عرف هذا الأمر ثم مات قبل أن يقوم القائم عليه السلام كان له مثل أجر من قتل معه" [بحار الأنوار: 52/131.].

وبجانب هذا الترغيب فهناك التهديد والوعيد بالكفر والخلود في النار لمن أنكر غيبة القائم حتى جعلوا إنكارها كالكفر برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، بل عدّوا ذلك مثل كفر إبليس.

روى صدوقهم بسنده المزعوم "عن ابن أبي يعفور قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: من أقر بالأئمة من آبائي وولدي، وجحد المهدي من ولدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء وجحد محمدًا صلى الله عليه وسلم. فقلت: يا سيدي ومن المهدي من ولدك؟ قال: الخامس من ولد السابع، يغيب عنهم شخصه ولا يحل لهم تسميته" [إكمال الدين: ص388.]، وافتروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من أنكر القائم من ولدي فقد أنكرني" [إكمال الدين: ص390، لطف الله الصافي/ منتخب الأثر: ص492.].

وقال صدوقهم: "مثل من أنكر القائم عليه السلام في غيبته مثل إبليس في امتناعه في السجود لآدم" [إكمال الدين: ص13.].

ومسألة الغيبة صارت بفعل شيوخ الشيعة مصدر حقد، ضد الصحابة ومن تبعهم بإحسان، حتى قال شيخهم الجزائري: "إني كلما أشكلت عليّ مسألة أوجبت على نفسي لعنهم، لأنهم سبب في استتار الحجة" [شرح الصحيفة السجادية: ص37.].

فتلاحظ أنهم يحاولون توجيه السخط والحقد الكامن في نفوس الشيع من مرارة الانتظار، ولوعة الاعتقاد بأن "الإمام الغائب مقموع مقهور مزاحم في حقه قد غلب قهرًا" [إكمال الدين: ص12.].

وأنه بسبب غيبته كما يزعمون – "جرى على شيعته من أعداء الله ما جرى من سفك الدماء ونهب الأموال.." [إكمال الدين: ص12.].

فيوجهون هذا الحقد الناتج من هذا الشعور إلى سب ولعن لخير جيل عرفته البشرية.. ومن اقتفى أثرهم.

 الاستدلال على وقوع الغيبة

عني الإمامية عناية شديدة بالبرهنة على صحة عقيدتهم في غيبة المهدي.. وقد اتجهوا إلى كتاب الله سبحانه يبحثون فيه عن سند لعقيدتهم، فلما لم يجدوا فيه ما يريدون استنجدوا كعادتهم بالتأويل الباطني المتسم بالتكلف الشديد والشطط البالغ وأولوا عدة آيات من كتاب الله بهذا المنهج.

جاء في أصل أصول التفسير عندهم (تفسير القمي) في قوله سبحانه: {وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [الليل، آية: 2.]. قال: النهار هو القائم عليه السلام منا أهل البيت [تفسير القمي: 2/425.]..

وجاء في أصح كتبهم الأربعة في قوله سبحانه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ} [الملك، آية: 30.]، قال: إذا غاب عنكم إمامكم فمن يأتيكم بإمام جديد [أصول الكافي: 1/339، وانظر: تفسير العياشي: 2/76، إكمال الدين: ص339، البرهان: 2/102.]. وفي تفسير العياشي في قوله سبحانه: {وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ} [التوبة، آية: 3.]. قال: "خروج القائم وأذان دعوته إلى نفسه" [تفسير العياشي: 2/76، البرهان: 2/102.].

والأمثلة في مثل هذا اللون من التأويل كثيرة حتى ألفوا في هذا كتبًا مستقلة مثل "ما نزل من القرآن في صاحب الزمان" [للرافضي عبد العزيز الجلودي (انظر: الذريعة 19/30).]، و"المحجة فيما نزل في القائم الحجة" [لشيخهم هاشم البحراني.]، وقد نشر الأخير في طبعة حديثة [نشر سنة (1403ه‍) عن مؤسسة الوفاء، بيروت.] قام على تحقيقها بعض الروافض المعاصرين [يدعى محمد منير الميلاني، وقد أرجع نصوص الكتاب إلى مجموعة من كتبهم المعتمدة عندهم.]، وقد أول فيه مؤلفه أكثر من (120) آية من كتاب الله بمهديهم المنتظر في تأويلات هي من فضائحهم التي لا تستر، ولكن المحقق لم يقتنع بهذا العدد فأضاف إليه تأويل اثنتي عشرة آية أخرى من كتاب الله ووضعها في آخر الكتاب تحت عنوان "مستدرك المحجة".

والنظر الموضوعي المنصف يرى في هذه التأويلات الباطنية التي يراد الاحتجاج بها لمسألة غيبة مهديهم غلوًا شديدًا وأنها تحريف لكتاب الله لا استدلال به، وهي تدل دلالة ظاهرة على فساد الفكرة التي يحاول تقريرها من أصلها.

ويلتمس الإمامية من الغيبة التي وقعت لبعض الأنبياء دليلاً على صحة وقوع غيبة مهديهم؛ فيحتجون مثلاً بغيبة "موسى بن عمران عليه السلام من وطنه وهربه من فرعون ورهطه كما نطق به القرآن"، وغيبة يوسف عليه السلام، واستتار خبره عن أبيه كما جاءت به سورة في القرآن إلى أن كشف الله أمره وظهر خبره وجمع بينه وبين أبيه وإخوته، وقصة يونس بن متى نبي الله عليه السلام مع قومه وفراره منهم حين تطاول خلافهم له، واستخفافهم بحقوقه، وغيبته عنهم وعن كل أحد حتى لم يعلم أحد من الخلق مستقره، وستره الله تعالى وأمسك عليه رمقه بضرب من المصلحة، إلى أن انقضت تلك المدة ورده الله تعالى إلى قومه، وجمع بينهم وبينه [الغيبة للطوسي: ص77.].

وكذلك استتار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في الغار، وقد احتج بها الطوسي على من قال: "إذا كان (إمامكم) مكلفًا للقيام بالأمر وتحمل أعباء الإمامة كيف يغاب؟" [انظر: الغيبة للطوسي: ص13.] فيجيبه الطوسي بقوله: "أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد اختفى في الشعب ثلاث سنين لم يصل إليه أحد واختفى في الغار ثلاثة أيام" [الغيبة للطوسي: ص13.].

والواقع أن هذه المقارنات التي يقوم بها الإمامية لإقناع أتباعهم والمتشككين في أمر الغيبة لا تجدي في نزع فتيل الشك المشتعل في أفئدة القوم كلما تأملوا أمر الغيبة بعين عقولهم، رغم أنهم يعولون على هذه المقارنات كثيرًا، حتى إن ابن بابويه ألف في شأنه كتابًا لإقناع كبير شيوخهم الذي داخله الشك في أمر الغيبة ولإقناع الحافين به من الشيعة الذين داهمهم الريب والحيرة في شأنها كما أشار إلى ذلك في كتابه [انظر: إكمال الدين: ص2-4.].

أقول: إن هذه المقارنات غير مجدية في إثبات فكرة غيبة إمامهم لأسباب كثيرة، منها أن غيبة موسى ويوسف ويونس ومحمد [أما غيبة الشعب فليست بغيبة، بل حصار ومقاطعة فلا تدخل في موضوعنا.] عليهم السلام قد أخبر الله سبحانه بها في كتابه بنص واضح صريح لا لبس فيه ولا غموض، أما غيبة مهديهم فتنتهي رواياته إلى حكيمة إن صحت النسبة إليها، ثم أخبار الأبواب الأربعة المطعون في شهادتهم، لأنهم يجرون المصلحة إليهم، حيث المال المتدفق.

ولهذا ادعى كثيرون هذه البابية، كذلك غيبة الأنبياء معروفة لدى قومهم لأنهم عاشوا بينهم، وعرفوا، أما غائبهم فلم يعرفه أحد ولم ير له أثر، وكان أهله أنفسهم ينكرون وجوده. كما شهد ثقات المؤرخين أن الحسن العسكري لم يعقب كما سيأتي -.

ثم إن غيبة هؤلاء الأنبياء محدودة الزمان والمكان، ما لبثوا أن عادوا إلى قومهم وأهلهم.

أما منتظرهم فقد مضت القرون ولم يعرف له أثر ولم يعلم له مكان.

كذلك رسل الله الذين غابوا قد أقاموا الحجة على قومهم، وبلغوا رسالات الله في جيلهم، أما غائبهم فقد مرت الأجيال ولم نسمع منه شيئًا.

يضاف إلى ذلك أن الغيبة للأنبياء كانت طبيعية في جملتها، فغيبة يوسف هي مفارقة لأبيه وظهوره عند قوم آخرين، كما يسافر المرء من بلد إلى بلد. وهي موقوته بزمن محدود، وهي حوادث استثنائية حتى بالنسبة للأنبياء عليهم السلام، فإنهم جم غفير، ولم ينقل أن هذا حدث لغير المذكورين.

أما احتجاج الاثني عشرية باختفاء النبي صلى الله عليه وسلم في الغار "فإن هذا الاستدلال واقع في غير موقعه، لأن استتار النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لإخفاء دعوى النبوة، بل كانت من جنس التورية في الحرب، حتى لا يسد الكفار عليه الطريق، ثم هذا الاختفاء كان ثلاث أيام، فقياس ذلك على غيبة مهديهم في غاية الحماقة، فرق واضح بين الاختفاء الذي كان مقدمة عاجلة لظهور الدين وبين الاختفاء المتطاول الذي لازمه الخذلان وترك الدعوة وانتشار الطغيان" [مختصر التحفة: ص119.].

دفاعهم عن طول أمد الغيبة:

إن مما يعرف به كذب دعوى الشيعة وجود إمامها، هو استبعاد بقائه حيًا طول هذه المدة التي تجاوزت الآن ألف ومائة سنة. فإن تعمير واحد من المسلمين هذه المدة هو كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية أمر يعرف كذبه بالعادة المطردة في أمة محمد، فلا يعرف أحد ولد في زمن الإسلام عاش مائة وعشرين سنة فضلاً عن هذا العمر، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في آخر عمره "أريأتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى على وجه الأرض ممن هو اليوم عليها أحد" [منهاج السنة: 2/65، وانظر الحديث في: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب السمر في العلم: 1/37، ومسند أحمد: 2/121، 131.]. فمن كان في ذاك الوقت له سنة ونحوها لم يعش أكثر من مائة سنة قطعًا، وإذا كانت الأعمار في ذلك العصر لا تتجاوز هذا الحد فما بعده من الأعصار أولى بذلك في العادة الغالبة العامة... ثم أعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين، وقليل ممن يجوز ذلك [منهاج السنة: 2/165.

وانظر الحديث في سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في فناء أعمال هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين: 4/566 (2331)، وكتاب الدعوات، باب في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: 5/553 (3550)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، قال ابن حجر: وهو عجيب منه فقد رواه في الزهد أيضًا من طريق أخرى عن أبي هريرة (فيض القدير: 2/11). ورواه ابن ماجه في كتاب الزهد، باب الأمل والأجل: 2/1415 (4236). ورواه ابن حبان (انظر: فيض القدير: 2/11)، والحاكم (المستدرك: 2/427)، والخطيب (تاريخ بغداد: 6/397، 12/48)، وأورده السيوطي في الجامع ورمز له بالحسن (الجامع الصغير ص48)، وقال ابن حجر في الفتح: سنده حسن (انظر: فيض القدير: 2/11)، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي (المستدرك 2/427)، وتعقب ذلك الألباني وقال: الصواب أنه حسن لذاته وصحيح لغيره. سلسلة الأحاديث الصحيحة: 2/397 (757)، وانظر: صحيح الجامع (للألباني) 1/354 (1084).] كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح [منهاج السنة: 2/165.].

هذا الاعتراض يأخذ بخناق الإمامية، ويجتث جذور اعتقادهم من أساسه.. وقد حاول شيوخ الشيعة دفعه بإجراء مقارنات بين مهديهم وبعض الأنبياء عليهم السلام الذي زادت أعمارهم عن المعدل الطبيعي المألوف للبشر، فالمهدي عندهم شبيه بنوح عليه السلام الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا [انظر: الغيبة للطوسي: ص79.].

وأسندوا هذه المقارنة إلى بعض آل البيت لتحظى بالقبول عند أتباعهم، فروى ابن بابويه بسنده أن علي بن الحسين قال: "في القائم سنة من نوح عليه السلام وهو طول العمر" [إكمال الدين: ص488.]. وكذلك يقولون إن بقاء مهديهم هو كبقاء عيسى بن مريم عليه السلام [عقائد الإمامية: ص108.]. والخضر وإلياس، ويعقدون المقارنة حتى بإبليس [الحائري/ إلزام الناصب: 1/283.]. ويسندون جملة من هذه المقارنات إلى بعض آل البيت لتكسب صفة القطع عن أتباعهم؛ لأنها من قول المعصوم [انظر هذه الروايات في: أصول الكافي: 1/336-337، الغيبة للنعماني: ص108 وما بعدها، إكمال الدين: ص134 وما بعدها، إلزام الناصب: 1/285.]، وكذلك يحتجون بأخبار المعمرين من البشر [انظر: الغيبة للطوسي: ص79 وما بعدها.]، وفاتهم أن يعقدوا المقارنة مع جبرائيل وملك الموت، والملائكة عمومًا وبالسماوات والأرض.

وهذا الدفاع قد أبطله الشيعة أنفسهم؛ لأنهم يقولون بأن مهديهم هو الحاكم الشرعي للأمة منذ أحد عشر قرنًا أو يزيد، وهو القيم على القرآن ولا يحتج بالقرآن إلا به، ولا هداة للبشر إلا بواسطته.. وهو الذي معه القرآن الكامل ومصحف فاطمة والجفر والجامعة، وما يحتاجه الناس في دينهم ودنياهم، فمهديهم مسؤول عن الأمة، ومعه وسائل هدايتهم وسعادتها في الدنيا والآخرة.

أما غيره ممن يعقدون المقارنة به فيختلفون عنه اختلافًا كثيرًا، فإن نوحًا عليه السلام قد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى الله سبحانه حتى أوحى الله إليه {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ} [هود، آية: 36.] ولم يكن غائبًا في سردابه أو في مخبئه لا يعلم مستقره ومكانه، يرى الناس في ضلالهم وكفرهم ويتوارى عن الأنظار فلا يرونه مع تعاقب الأجيال وكر القرون. على أن عمر المهدي الآن قد زاد عن هذه المدة.

وكذلك عيسى عليه السلام قد بلغ رسالة ربه، وأقام الحجة وأدى الأمانة قبل رفعه إلى السماء فلم يكن يضير أتباعه أن يغيب عنهم بخلاف منتظرهم الذي غاب منذ طفولته وترك شيعته يختلفون في وجوده وبابيته، وتعميهم التقية عن معرفة حقيقة مذهبه، ويختلفون ويتنازعون حتى يكفر بعضهم بعضًا ويلعن بعضهم بعضًا.

أما الخضر وإلياس فإن الذي عليه المحققون من أهل العلم أنهما قد ماتا [انظر: المنتقى ص26، ويرى ابن حزم أن القول بحياة إلياس والخضر.. فكرة مأخوذة عن اليهودية، فاليهود هم الذين قالوا بحياة إلياس وحياة فنحاس بن العازار ابن هارون عليه السلام، وسار في سبيلهما بعض الصوفية فادعى أنه يلقى إلياس في الفلوات (الفصل: 5/37)، وكذلك قال الصوفية بحياة الخضر، ولهم حكايات في الاجتماع به والأخذ عنه (انظر: ابن عربي/ الفتوحات المكية: 1/241، ابن عطاء الله السكندري/ لطائف المنن: ص52-53، وطبقات الشعراني: 1/97، 2/5، وانظر: الفصل: 5/37-38، ابن حجر/ تهذيب التهذيب: 7/477، وقد اعتبر ابن حزم دعاوى الصوفية الأخذ عن الخضر خروجًا عن عقيدة ختم النبوة (انظر: الفصل: 5/38).

ودعوى بقاء الخضر إلى اليوم مخالف للدليل، وما عليه أهل التحقيق، انظر في ذلك: منهاج السنة: 1/28، ابن القيم/ المنار المنيف: ص67-76، وانظر عن الخضر: ابن كثير/ البداية والنهاية: 1/325-337، ابن حجر/ فتح الباري: 6/309-312 الإصابة: 2/286-335. ولابن حجر رسالة في تحقيق أمر الخضر، قال في خاتمتها: والذي تميل إليه النفس من حيث الأدلة القوية خلاف ما يعتقده العوام من استمرار حياته (الزهر النضر في نبأ الخضر، ضمن مجموعة الرسائل المنيرية: 2/234).]، وعلى تقدير حياتها فلا تسلم لهما المقارنة، لأنهما ليسا بمكلفين في هداية هذه الأمة وقيادتها بخلاف إمامهم الذي هو مسؤول في اعتقادهم عن المسلمين جميعًا في كل أمورهم.

أما إبليس فالخبر في بقائه ورد به القرآن بخلاف مهديهم الذي أنكره حتى أهله وطوائف من شيعته، ثم إن إبليس يمارس مهمته في إضلال الخلق عن سبيل الله، ولا شك أن ضلال الشيعة باتباع هذا "المعدوم" من أعماله، أما منتظرهم فليس له أثر ولا خبر. كما أن إبليس ليس من جنس الناس.. فلا تسلم لهم المقارنة في كل الأحوال.

أما بقية المعمرين من البشر فإنهم مهما بلغوا من العمر فلا يصلوا إلى بعض ما يدعونه في غائبهم، وكل الأمثلة التي ضربها شيوخهم في القرن الرابع ليس لها قيمة اليوم لتجاوز عمر منتظرهم أضعافها، كما أن هؤلاء ليس لهم مهمة غائبهم ومسؤولياته.

ويحاول بعض المعاصرين من شيوخهم أن يستنجد بلغة العلم الحديث في التدليل على إمكانية بقاء منتظرهم، فيقول المظفر: "وطول الحياة أكثر من العمل الطبيعي أو الذي يتخيل أنه العمر الطبيعي لا يمنع منها الطب ولا يحيلها، غير أن الطب بعد لم يتوصل إلى ما يمكنه من تعميرة حياة الإنسان وإذا عجز عنه الطب فإن الله قادر على كل شيء" [عقائد الإمامية: ص108.].

ويقول محمد حسين آل كاشف الغطا: "بأن أكابر فلاسفة الغرب قالوا بإمكان الخلود في الدنيا للإنسان" [أصل الشيعة: ص70.]. ثم قال: "قال بعض كبار علماء أوروبا: لولا سيف ابن ملجم [هذه مقالة شيعية اعتزالية مبنية على مذهب المعتزلة الذين يقولون بأن القاتل قد قطع على المقتول أجله، وهي مقالة مخالفة لما ثبت في الكتاب والسنة بأن كل من مات فقد استكمل أجله (انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام 8/516، شرح الطحاوية.] لكان علي بن أبي طالب من الخالدين، لأنه قد جمع جميع صفات الكمال والاعتدال" [أصل الشيعة: ص70.].

هذا ما تقوله نظريات بعض الكفار إن صدق هؤلاء في نقلهم ولكن الله سبحانه يقول لنبيه: {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء، آية: 34.]، ويقول: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [آل عمران، آية: 185، الأنبياء، آية: 35، العنكبوت، آية: 57.]، ويقول سبحانه: {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} [الواقعة، آية: 60.]. وهو سبحانه أعلم بمن خلق، وأصدق القائلين، فلا عبرة بعد ذلك بقول كافر يحاول أن يتشبث بالبقاء في هذه الحياة ولو بالأوهام.

ولعلي الرضا كما تنقل كتب الشيعة كلمة صادقة قالها في الرد على الفرق الشيعية الكثيرة التي تقول بحياة بعض آل البيت ولا تصدق بموتهم وتدعي أنها غيبة وسيرجعون، وهي من أقوى الردود على الاثني عشرية من كلامهم أنفسهم، فقد جاء في رجال الكشي أن عليًا الرضا قيل له: إن قومًا وقفوا على أبيك ويزعمون أنه لم يمت، قال: "كذبوا وهم كفار بما أنزل الله عز وجل على محمد صلى الله عليه وسلم، ولو كان الله يمد في أجل أحد لمدّ الله في أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم" [رجال الكشي: ص458.].

ولكنهم يخالفون قول إمامهم ويزعمون أن الله مدّ في عمره لحاجة البشر إليه؛ بل لحاجة الكون وكل شيء في الحياة إليه؛ إذ لولاه كما يفترون لساخت الأرض، وماجت بأهلها [انظر: أصول الكافي: 1/179.].

 المهدي بعد عودته المزعومة

أ ـ  شريعة مهديهم المنتظر:

يشير ابن بابويه في الاعتقادات التي تسمى دين الإمامية إلى أن المهدي إذا رجع من غيبته ينسخ شريعة الإسلام فيما يتعلق بأحكام الميراث، فيذكر عن الصادق أنه يقول: "إن الله آخى بين الأرواح في الأظلة قبل أن يخلق الأبدان بألفي عام، فلو قد قام قائمنا أهل البيت أورث الأخ الذي آخى بينهما في الأظلة ولم يرث الأخ من الولادة" [الاعتقادات: ص83.].

لعل هذه الرواية تكشف عما يختلج في نفوس أرباب تلك العصابة من رغبة في إحلال العلاقة الحزبية والتنظيمية بين أفرادها محل القرابة والولادة في الميراث، ونهب أموال الناس باسم هذه العلاقة والأخوة! وما تحلم به عند قيام دولتها الموعودة من تطبيق هذه التطلعات والتي أرادت إعطائها صيغة مقبولة بنسبها لآل البيت.

كما تفصح هذه الرواية عن موقف واضعي هذه الروايات من تطبيق الشريعة الإسلامية ورغبتهم في تعطيلها.. ثم هي تعكس مضمونًا إلحاديًا يسعى لهدم الشريعة، والخروج على عقيدة ختم النبوة.

وهذه الدعوى فضلاً عن أنها خروج عن شريعة الإسلام فهي مخالفة لمنطق العقل، فالتوارث منوط بالعلاقة الظاهرة من الولادة والقرابة، أما المؤاخاة الأزلية المزعومة فلا يدركها البشر، فكيف تكون أساسًا لقسمة الميراث؟.

وكذلك يغير منتظرهم شريعة الإسلام فيما يتعلق بأخذ الجزيرة من أهل الكتاب، وتنص رواياتهم أن منتظرهم بهذا المنهج يخالف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقول: "ولا يقبل صاحب هذا الأمر الجزية كما قبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم" [بحار الأنوار: 52/349.]. ويكفي هذا الاعتراف في تأكيد خروجه عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبديله لها عمدًا.. فهل أراد واضع هذه الروايات أن يهون من شأن التشريع الإسلامي في نفوس الأتباع ويغري بالخروج عليه؟!

بل إن الحكم والقضاء في دولة المنتظر يقام على غير شريعة المصطفى صلى الله عليه وسلم. جاء في الكافي وغيره، قال أبو عبد الله: "إذا قام قائم آل محمد حكم بحكم داود وسليمان ولا يسأل بينة" [أصول الكافي: 1/397.]، وفي لفظ آخر: "إذا قام قائم آل محمد حكم بين الناس بحكم داود عليه السلام ولا يحتاج إلى بينة" [المفيد/ الإرشاد: ص413، الطبرسي/ أعلام الورى: ص433.].

وقد تبنى ثقة إسلامهم الكليني هذه العقيدة وبوب لها بابًا خاصًا بعنوان: "باب في الأئمة عليهم السلام أنهم إذا ظهر أمرهم حكموا بحكم داود وآل داود ولا يسألون البينة" [أصول الكافي: 1/397.]. ولا يخفى ما في هذا الاتجاه من عنصر يهودي. ولهذا علق بعضهم على هذا العنوان بقوله: "أي ينسخون الدين المحمدي ويرجعون إلى دين اليهود" [محب الدين الخطيب/ في تعليقه على المنتقى: ص302 (هامش4).].

وانظر كيف يحلم واضعو هذه الروايات الذين لبسوا ثوب التشيع زورًا وبهتانًا بدولة تحكم بغير شريعة الإسلام.

وتشير بعض رواياتهم إلى أنه أيضًا يحكم بحكم آدم مرة، ومرة بحكم داود، ومرة بقضاء إبراهيم. ولكن يعارضه في هذا الاتجاه للحكم بغير شريعة الإسلام بعض أتباعه، إلا أنه يواجه هذه المعارضة بشدة حيث يأمر بهم فتضرب أعناقهم [انظر: بحار الأنوار: 52/389.].

وتقدم رواياتهم بعض أحكامه وأقضيته فتقول: إنه يحكم بثلاث لم يحكم بها أحد قبله؛ يقتل الشيخ الزاني، ويقتل مانع الزكاة، ويورث الأخ أخاه في الأظلة [ابن بابويه/ الخصال: ص169، بحار الأنوار: 52/359، الكاظمي/ بشارة الإسلام: ص275.]، وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين [الطبرسي/ أعلام الورى: ص431، بحار الأنوار: 52/152.].. إلخ.

وتقوم دولة المنتظر على الحكم لأهل كل دين بكتابهم، مع أن الإسلام لم يجز لأحد أن يحكم بغير شريعة القرآن باتفاق المسلمين [انظر: ابن تيمية/ منهاج السنة النبوية: 3/127، المنتقى: ص343.].

جاء في أخبارهم "إذا قام القائم قسم بالسوية، وعدل في الرعية، واستخرج التوراة وسائر كتب الله تعالى من غار بأنطاكية، حتى يحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل القرآن بالقرآن" [الغيبة للنعماني: ص157، وانظر: بحار الأنوار: 52/351.].

وهذا القانون الذي يطمح إلى تطبيقه واضعو هذه الروايات ويعدون بتنفيذه على يد المنتظر هو شبيه إلى حد كبير بفكرة الديانة العالمية التي ترفع شعارها الماسونية.. وهي فكرة إلحادية تقوم أساسًا على إنكار الأديان السماوية تحت دعوى حرية الفكر والعقيدة.

وفي حومة هذه الأفكار التي تسعى لنسخ شريعة القرآن وابتداع أحكام جديدة لم يأذن بها الله، والرجوع إلى حكم داود لا شريعة محمد صلى الله عليه وسلم.. وتطبيق شرائع الأديان لا حكم القرآن نلتقي بعد ذلك بفكرة مسمومة تعد نتيجة لهذه المقدمات والتغييرات التي سبقتها، وفحوى هذه الفكرة هو إلغاء المهدي الحكم بالقرآن وإحلال كتاب آخر محله، وهذا ما تشير إليه رواية النعماني عن أبي بصير قال: قال أبو جعفر رضي الله عنه: "يقوم القائم بأمر جديد، وكتاب جديد، وقضاء جديد" [الغيبة للنعماني: ص154، بحار الأنوار: 52/354، إلزام الناصب: 2/283.]، "لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام يبايع الناس على كتاب جديد" [الغيبة للنعماني: ص176، بحار الأنوار: 52/135.].

وتصف روايات أخرى عندهم ما يقوم به منتظرهم من محاولة لصرف الناس عن القرآن بدعوى أنه محرف وإخراج كتاب آخر مخالف له، وسعيه لتضليل الناس بدعوى أن كتابه هو الكتاب الكامل الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيام "العجم" بالسعي لنشره بين الناس، وتعليمهم إياه، ومواجهتهم صعوبة بالغة لتغيير ما في أفئدة الناس وأذهانهم من كتاب الله [وقد مضى نقل نص ذلك بحروفه ص: (257-258).].

هذه هي الروايات التي كانت موضع التداول السري [ولذلك نرى شيخهم النعماني يصدر روايات الغيبة بما روي عندهم في صون سر آل محمد عمن ليس من أهله، كما أشار إلى ذلك في بداية كتابه (انظر: الغيبة ص17).] في إبان قوة الدولة الإسلامية عن حكومة المهدي بعد رجعته، وقد يقول من لم يسلم بأمر منتظرهم إنه خيالات لا حقيقة لها، لأن القائم المنتظر لا وجود له، فلا تحقق لهذه الدولة الموعودة.. فالحديث عنها قد يكون حديثًا خياليًا.

وهذا حق؛ لكن القيمة الواقعية لهذه الروايات أنها تفصح عن مكنون نفوس واضعيها، وأهدافها ضد شريعة الإسلام، فهي "إسقاطات" نفسية تنطوي على مدلولات خطيرة تحدد رغبات واضعي تلك الأخبار وتطلعاتهم إلى نوعية الحكم الذي ينشدونه، وهي أحلام قد تكشف عن خطط تلك العناصر التي اندست في صفوف الدولة الإسلامية مكتسبة مسوح التشيع لتغيير شريعة القرآن، وإن منازعتهم لحكم ولاة المسلمين تحت ستار (لا حكم إلا للأئمة) يرمي إلى إزالة الحكومة الإسلامية لإقامة دولة أخرى في مكانها تحكم بحكم القائم الموعود.

ب ـ  سيرة القائم المنتظر:

أما سيرته فتحمل سمات من شريعته الجديدة، حيث يتولى مضايقة المسلمين في مقدساتهم ومساجدهم، فيقوم بعملية هدم وتخريب في الحرمين الشريفين، حيث تنص أخبارهم "أن القائم يهدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أساسه، ويرد البيت إلى موضعه وإقامته على أساسه" [الطوسي/ الغيبة ص282، بحار الأنوار: 52/338.].

كذلك يتجه إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ويبدأ كما تقول أخبارهم – "بكسر الحائط الذي على القبر... ثم يخرجهما (يعني صاحبي رسول الله) غضين رطبين فيلعنهما ويتبرأ منهما ويصلبهما ثم ينزلهما ويحرّقهما ثم يذريهما في الريح" [بحار الأنوار: 52/386.]. وفي رواية أخرى "أول ما يبدأ به القائم.. يخرج هذين رطبين غضين فيحرّقهما ويذريهما في الريح، ويكسر المسجد" [بحار الأنوار: 52/386.].

ونسبوا إلى الله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون أنه قال لنبيه حينما أسرى به -: "وهذا القائم... هو الذي يشفي قلوب شيعتك من الظالمين والجاحدين والكافرين، فيخرج اللات والعزى (يعنون خليفتي رسول الله) طريين فيحرقهما" [ابن بابويه/ عيون أخبار الرضا: 1/58، بحار الأنوار: 52/379.].

وتشير بعض رواياتهم إلى أن هذا العمل يثير المسلمين، حيث تقول: ".. ثم يحدث حدثًا فإذا فعل ذلك قالت قريش: اخرجوا بنا إلى هذا الطاغية، فوالله لو كان محمديًا ما فعل، ولو كان علويًا ما فعل، ولو كان فاطميًا ما فعل.." [تفسير العياشي: 2/58، بحار الأنوار: 52/342.].

قال شيخهم وفخرهم [لأن من ألقابه عندهم "فخر الأمة" كما تجد ذلك في صدور كتبه.] المجلسي: "لعل المراد بإحداث الحدث إحراق الشيخين الملعونين فلذا يسمونه عليه السلام بالطاغية" [بحار الأنوار: 52/346.].

ولا يخفى أن هذه "الوعود" بصنائع المنتظر التي تطفح بها رواياتهم إنما تنم عن دخائل نفوسهم وما تكنه صدورهم من مناوأة لدين الإسلام وسعي في الكيد له حتى يتمنوا أن تتاح لهم فرصة لهدم الحرمين، ونبش القبرين الطاهرين، وحينما يحسون بعجزهم عن تحقيق ذلك لقوة الدولة الإسلامية آنذاك يعزون أنفسهم ويعللونها، ويشفون غيظ قلوبهم على الإسلام ورواده الذين فتحوا ديارهم، وأزالوا ملكهم، ونشروا الإسلام بينهم.. بهذه الأحلام والآمال.. فهي تكشف في الحقيقة ماذا يتمنون تحقيقه لو واتتهم فرصة الحكم والتسلط.

ولذلك فإن المعاصرين منهم يتمنون فتح مكة والمدينة، كما جاء على ألسنة آياتهم، ليحققوا أحلامهم التي أفصحت عنها أخبارهم كما سيأتي [في باب الشيعة المعاصرين وصلتهم بأسلافهم.]- ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.

ولم يكتف منتظرهم بهذا؛ بل إنه يقوم بقتل عام شامل للجنس العربي واستئصال وجوده، ولذلك فإن أخبارهم تعد العرب بملحمة على يد غائبهم إذا رجع لا تبقي ولا تذر على رجل أو امرأة ولا صغير ولا كبير بل تأخذهم جميعًا فلا تغادر منهم أحدًا. فيروي النعماني: ".. عن الحارث بن المغيرة وذريح المحاربي قالا: قال أبو عبد الله عليه السلام: ما بقي بيننا وبين العرب إلا الذبح" [الغيبة للنعماني: ص155، بحار الأنوار: 52/349.].

وكأن روايتهم هذه لا تفرق بين من يتشيع وغيره: لكن تؤكد أخبارهم أنه لن يتشيع أحد من العرب للقائم، ولهذا تحذر منهم فتقول: "اتق العرب فإن لهم خبر سوء أما إنه لم يخرج مع القائم منهم واحد" [الغيبة للطوسي: ص284، بحار الأنوار: 52/333.].

ولكن في الشيعة من العرب كثير غير أن أخبارهم تقول بأنهم سيمحصون فلا يبقى منهم إلا النزر اليسير [انظر: الغيبة للنعماني: ص137، بحار الأنوار: 52/114.].

وتقول رواياتهم بأن القائم "يبهرج سبعين قبيلة من قبائل العرب" [بهرج الدماء: أهدرها، وفي الطبعة الأخرى للبحار يهرج، ومعنى الهرج: الفتنة والاختلاط والقتل (انظر: بحار الأنوار: 52/333، هامش1).].

ويخصون قبيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم: قريش التي منها صفوة أصحابه بالذكر التفصيلي لعمليات القتل التي يجريها عليها القائم، ففي الإرشاد للمفيد "عن عبد الله بن المغيرة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا قام القائم من آل محمد عليه السلام أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى حتى يفعل ذلك ست مرات. قلت: ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ قال: نعم منهم ومن مواليهم" [الإرشاد: ص411، بحار الأنوار: 52/338.].

ولا يخفى أن تخصيص العرب بالقتل يدل على تغلغل الاتجاه الشعوبي لدى واضعي هذه الروايات.. وهي تبين مدى العداوة للجنس العربي لدى مؤسسي "الرفض" والرغبة في التشفي منهم بقتلهم، وذلك في حقيقة الأمر لا يعود لجنسيتهم بل للدين الذي يحملونه.

ولا تنسى رواياتهم أن تخص البيت النبوي الطاهر ببائقة من بوائق منتظرهم حيث يزعمون أن أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعث من قبرها قبل يوم القيامة [وذلك حسب عقيدتهم في الرجعة التي سنتحدث عنها بعد هذا المبحث إن شاء الله.]، وذلك لأنها ارتكبت كما يفترون حدًا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن رسول الله لم يقم عليها الحد كما يزعمون -.

وهو الذي يقول: "وأيم الله لو أن فاطمة ابنة محمد سرقت لقطعت يدها" [جزء من حديث رواه البخاري، كتاب الأنبياء: 4/151، كتاب فضائل الأصحاب، باب ذكر أسامة بن زيد: 4/214، كتاب الحدود، باب كراهية الشفاعة في الحد: 8/16، ومسلم، كتاب الحدود، باب قطع يد السارق: 2/1315 (1688)، وأبو داود، كتاب الحدود، باب في الحد يشفع فيه: 4/537 (4373)، والترمذي، كتاب الحدود، باب ما جاء في كراهية أن يشفع في الحدود: 4/37-38 (1430)، والنسائي، كتاب قطع السارق، باب ذكر المخزومية التي سرقت 8/72، وابن ماجه، كتاب الحدود، باب الشفاعة والحدود: 2/851 (2547) والدارمي، كتاب الحدود، باب الشفاعة في الحدود دون السلطان: 1/569، وغيرهم]، وقد أخذته الرحمة بها، مع أن الله سبحانه يقول: {وَلا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [النور، آية: 2.] فلم يقم عليها الحد ولكن قائمهم يتولى تنفيذ ما عجز أفضل الخليقة عن تنفيذه وذلك في عصر الرجعة المزعوم [ونص الأسطورة (المنسوبة لأبي جعفر) يقول: أما لو قام قائمنا لقد ردّت إليه الحميراء (تصغير حمراء وهو لقب لعائشة رضي الله عنها) حتى يجلدها الحد، وحتى ينتقم لابنة محمد فاطمة عليها السلام منها.

قلت: جعلت فداك ولم يجلدها الحدّ؟ قال: لفريتها على أم إبراهيم صلى الله عليه وسلم.

قلت: فكيف أخره الله للقائم عليه السلام؟ فقال له: إن الله تبارك وتعالى بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة، وبعث القائم عليه السلام نقمة (علل الشرائع: ص579-580، بحار الأنوار: 52/314، 315). ثم علق على ذلك شيخهم المعاصر بنص يبين الفرية المزعومة وأن عائشة قالت كما يفترون -: "إن إبراهيم ليس منك وإنه ابن فلان القبطي" وأن الرسول صلى الله عليه وسلم كلف عليًا برجمها ولكن عليًا اكتشف براءتها. (بحار الأنوار: 52/315 الهامش -).] كما يفترون -.

وهذا يعني أن القائم أكمل من خاتم النبيين، وأقدر على تحقيق دين الله ممن أرسل قدوة للعالمين.

وهو ما صرحت به أخبارهم حيث روى شيخهم ابن بابويه: ".. عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام في قوله عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة، آية: 33.].

فقال: والله ما نزل تأويلها بعد ولا ينزل تأويلها حتى يخرج القائم عليه السلام.." [إكمال الدين: ص628، بحار الأنوار: 52/324.] أي أن القائم سيحقق ما عجز عنه الأنبياء.

وهذا ما صرح به بعض شيوخهم الكبار عندهم [وهو "الخميني".] في هذا العصر واستنكره العالم الإسلامي كما سيأتي [في باب: الشيعة المعاصرون وصلتهم بأسلافهم.].

ذلك أنهم يزعمون أن ما عند القائم أضعاف ما عند الأنبياء من العلم، حتى جاء في بحار الأنوار وغيره "عن أبان عن أبي عبد الله قال: العلم سبعة وعشرون حرفًا فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فإذا قام قائمنا أخرج الخمسة والعشرين حرفًا فبثها في الناس، وضم إليها الحرفين حتى يبثها سبعة وعشرين حرفًا" [بحار الأنوار: 52/336، وهي مروية في الخرائج للراوندي كما أشار إلى ذلك المجلسي (نفس الموضع من المصدر السابق).].

وعملية الاجتياح الدموي الرهيب التي تحلم بها الشيعة الاثنا عشرية على يد مهديهم تكاد تتناول كل الفئات والأجناس البشرية باستثناء طائفتهم، حيث يخرج قائمهم "موتورًا غضبان أسفًا.. يجرد السيف على عاتقه" [بحار الأنوار: 52/361.] ويبدأ القتل، فيحصد أهل السنة الذين تلقبهم أخبار الشيعة أحيانًا بالمرجئة [قال شيخهم الطريحي: "وسماهم مرجئة لأنهم زعموا أن الله تعالى أخر نصب الإمام، ليكون نصبه باختيار الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم" (مجمع البحرين: 1/177-178، وانظر: مرآة العقول: 4/371).] حتى قال إمامهم: "ويح هذه المرجئة، إلى من يلجؤون غدًا إذا قام قائمنا" [الغيبة للنعماني: ص190، بحار الأنوار: 52/357.] ولم يستثن من ذلك إلا من تاب، أي دخل بمذهبهم فقال: "من تاب تاب الله عليه، ومن أسر نفاقًا فلا يبعد الله غيره، ومن أظهر شيئًا أحرق الله دمه. ثم قال: يذبحهم والذي نفسي بيده كما يذبح القصاب شاته وأومأ بيده إلى حلقه –" [بحار الأنوار: 52/357، الغيبة للنعماني: ص190-191.].

وتسميهم أحيانًا بالنواصب وتقول: "فإذا قام القائم عرضوا كل ناصب عليه فإن أقر بالإسلام وهي الولاية وإلا ضربت عنقه أو أقر بالجزية فأداها كما يؤدي أهل الذمة" [تفسير فرات: ص100، بحار الأنوار: 52/373، وقوله: "أو أقر بالجزية"، يناقض رواياتهم التي تقول بأنه لا يقبل الجزية كما سبق ذكر بعضها في بيان "شرعته".].

لكن بعض رواياتهم تقول بأن الجزية لا تقبل منهم كما تقبل من أهل الذمة، فقد سئل إمامهم عن وضع أهل الذمة في دولة القائم فقال: "يسالمهم كما سالمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤدون الجزية عن يد وهم صاغرون" [بحار الأنوار: 52/376.]. أما غيرهم من المخالفين للرافضة فقال فيه: "ما لمن خالفنا في دولتنا من نصيب، إن الله قد أحل لنا دماءهم عند قيام قائمنا" [بحار النوار: 52/376.]. حتى إن قائمنا يتتبع الشيعة الزيدية غير الغلاة، فيقتلهم. تقول أخبارهم: "إذا قام القائم عليه السلام سار إلى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس كذا يدعون البترية [البترية: هم أصحاب الحسن بن صالح بن حي، وأصحاب كثير النوى، وكان كثير يلقب بالأبتر، وقد يسمون "الصالحية" نسبة للحسن بن صالح، ومن مذهبهم كما يقول الأشعري أنهم ينكرون رجعة الأموات قبل يوم القيامة، ولا يرون لعلي إمامة إلا حين بويع، وهي فرقة من الزيدية. (انظر: مقالات الإسلاميين: 1/144، الملل والنحل: 1/161، الخطط: 2/352).] عليهم السلاح فيقولون له: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم" [الإرشاد: ص411-412، بحار الأنوار: 52/338).].. بل إنه يقتل من لا ذنب له. تقول رواياتهم: "إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين بفعل آبائها" [علل الشرائع: ص229، عيون أخبار الرضا: 1/273، بحار الأنوار: 52/313.]. وهكذا فإن قائمهم "ليس شأنه إلا القتل لا يستبقي أحدًا" [بحار الأنوار: 52/231.] "ولا يستتيب أحدًا" [بحار الأنوار: 52/349، وفي لفظ: "ولا يستنيب أحدًا" أي يتولى ذلك بنفسه (انظر: نفس الموضع من المصدر السابق).].

وتصور بعض رواياتهم مبلغ ما يصل إليه من سفك دماء الناس (من غير طائفته) حتى تقول: "لو يعلم الناس ما يصنع القائم إذا خرج لأحب أكثرهم ألا يروه مما يقتل من الناس.. حتى يقول كثير من الناس: ليس هذا من آل محمد، لو كان من آل محمد لرحم" [الغيبة للنعماني: ص154، بحار الأنوار: 52/354.].

وهذا قول يدين القائم بالخروج عن سنن الرحمة والعدل التي عرف بها أهل البيت. بل إنه خرج عن سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهذا ما يصرحون به؛ فقد سئل الباقر على حد زعمهم أيسير القائم بسيرة محمد؟ فقال: "هيهات! إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار في أمته باللين وكان يتألف الناس، والقائم أمر أن يسير بالقتل وألا يستتيب أحدًا، فويل لمن ناوأه" [الغيبة للنعماني: ص153، بحار الأنوار: 52/353.].

فالشيعة تزعم أنه أمر بسيرة تخالف سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أجمع المسلمون أن كل ما خالف سيرته صلى الله عليه وسلم؟ فهو ليس من الإسلام، فهل بعث برسالة غير رسالة الإسلام؟!

وكيف يؤمر بخلاف سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فهل هو نبي أوحي إليه من جديد؟ ولا نبي بعد خاتم الأنبياء، ولا وحي بعد وفاته، وكل من ادعى خلاف ذلك فهو مفتر دجال؛ لمعارضته للنصوص القطعية وإجماع الأمة على ختم الوحي والنبوة بوفاة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.

ولكن هذه الروايات تصور ما في قلوب واضعيها من حقد على الناس ولاسيما أمة الإسلام التي تخالفهم في نهجهم، وأنهم يتمنون يومًا قريبًا آتيًا يحققون فيه هذه "الأحلام" التي تكشف حقيقتها هذه الروايات ويترجمها واقع الشيعة في العهد الصفوي وفي دولة الآيات القائمة، وفي منظماتهم في لبنان كما سيأتي [في باب أثر الشيعة في العالم الإسلامي.].

ومعلوم أن أمير المؤمنين عليًا الذي يزعمون التشيع له لم يكفر مخالفيه، ولم يقاتل إلا من بغى عليه، فقائمهم الذي يفعل هذه الأفاعيل ومن تبعه في نهجه، ليس من شيعة علي، وقد اعترفوا في رواياتهم أن قائمهم لا يأخذ بسيرة علي، فقد سئل الصادق كما يزعمون – "أيسير القائم بخلاف سيرة علي؟ فقال: نعم، وذاك أن عليًا سار بالمن والكف لعلمه أن شيعته سيظهر عليهم من بعده، أما القائم فيسير بالسيف والسبي، لأنه يعلم أن شيعته لن يظهر عليهم من بعده أبدًا" [الغيبة للنعماني: ص153، بحار الأنوار: 52/353.].

وقال صادقهم يخاطب بعض الشيعة: "كيف أنت إذا رأيت أصحاب القائم قد ضربوا فساطيطهم في مسجد الكوفة، ثم أخرج المثال الجديد، على العرب شديد.

قال (الراوي): قلت: جعلت فداك ما هو؟ قال: الذّبح، قال: قلت بأي شيء يسير فيهم؛ بما سار علي بن أبي طالب في أهل السواد؟ قال: لا، إن عليًا سار بما في الجفر الأبيض، وهو الكف، وهو يعلم أنه سيظهر على شيعته من بعده، وأن القائم يسير بما في الجفر الأحمر وهو الذبح، وهو يعلم أنه لا يظهر على شيعته" [بحار الأنوار: 52/318، وهذه الرواية في بصائر الدرجات كما أشار إلى ذلك المجلسي (نفس الموضع من المصدر السابق).].

وهكذا "يقوم المزعوم بأمر جديد، وكتاب جديد، وسنة جديدة، وقضاء جديد" [بحار الأنوار: 52/231.].

وهذا كاف في إيضاح أن ما تحلم به الشيعة ليس له أصل في كتاب الله وسنة نبيه، بل هي بدعة جديدة يخرج بها قائمهم.

وبينما الناس في عصر القائم يعيشون بين الدماء والأشلاء، وفي خوف ورعب من قائم الشيعة الذي كان بعثه نقمة عليهم، كما أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم رحمة [روى الكليني في الكافي: "إن الله بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمة ويبعث القائم نقمة". (بحار الأنوار: 52/376، حيث عزاه إلى الكافي، كتاب الروضة: ص233).]، فإن عسكر القائم وأصحابه يعيشون في حياة أخرى حافلة بألوان النعيم وأنواع المسرات، فهو يأمرهم في ميسرهم ألا يحملوا "طعامًا ولا شرابًا ولا علفًا، فيقول أصحابه: إنه يريد أن يقتلنا يقتل دوابنا من الجوع والعطش [وهذا يدل على شكهم في أمر القائم فكيف يكونون من أصحابه؟!.] فيسير ويسيرون معه؛ فأول منزل ينزله يضرب الحجر فينبع منه طعام وشراب وعلف فيأكلون ويشربون ودوابهم حتى ينزلوا النجف من ظهر الكوفة" [الغيبة للنعماني: ص158.]، وهكذا "لا ينزل منزلاً إلا انبعث منه عيون، فمن كان جائعًا شبع ومن كان ظمآن روي" [الغيبة للنعماني: ص158.]، وإنه إذا قام اجتمعت إليه أموال الدنيا من بطن الأرض وظهرها، فيعطي أصحابه ما لم يعطه أحد كان قبله، ويتضاعف الرزق على يديه فيرزق في الشهر رزقين ويعطي في السنة عطاءين [الغيبة للنعماني: ص158.]، حتى إن أحدًا من الشيعة لا يجد لديناره ودرهمه موضعًا يصرفه فيه [الغيبة للنعماني: ص76.].

وهذه روايات تصور التطلعات والأماني التي كانت تفيض بها قلوب الشيعة انتظارًا لهذا الغد المأمول، ويصور النزعة المادية التي يشتركون فيها مع اليهود! وهو حلم النظام الشيوعي في العالم حسب رأي ماركس.

أما عن جند القائم وأصحابه الذين يشاركونه في مجازره، ويرفلون في نعيمه ويتبوءون جنته فهذا ما سيتبين في الفقرة التالية.

ج‍ ـ  جند القائم:

تشير بعض رواياتهم إلى أن جند القائم من الموالي والعجم ويبلغ عددهم اثني عشر ألفًا، وأنه يمنحهم القائم سلاحًا من عنده عبارة عن سيف وبيضة ذات وجهين، ثم يقول لهم: "من لم يكن عليه مثل ما عليكم فاقتلوه" [بحار الأنوار: 52/377.]. وتذكر رواية للنعماني أن "أصحاب القائم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً أولاد العجم" [الغيبة للنعماني: ص214.].

بينما تقول رواية في البحارك "إذا قام قائم آل محمد استخرج من ظهر الكعبة سبعة وعشرين رجلاً، خمسة وعشرين من قوم موسى الذين يقضون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أصحاب الكف، ويوشع وصي موسى، ومؤمن آل فرعون، وسلمان الفارسي، وأبا دجانة الأنصاري ومالك الأشتر" [هكذا ورد النص في بحار الأنوار: 52/346، ولم تتعقبه لجنة التصحيح بشيء، مع أنه ذكر أن مجموع العدد (27) ولما فصّل زاد العدد إلى (37)، وفي تفسير العياشي: 1/32، قال: "وخمسة عشر من قوم موسى" فيتوافق بهذا مع المجموع الكلي (27)، أما في تفسير البرهان 2/41 فقد زاد واوًا لتلتئم العبارة فقال: "سبعة وعشرين رجلاً وخمسة وعشرين من قوم موسى.. إلخ" وواضح أن الواو مقحمة.].

وواضح في هذا النص تغلغل العنصر اليهودي في المجموعة التي وضعت دين التشيع.

كما يظهر أن التشيع استوعب مجموعة من العنصر المختلفة، كل يصنع ما يشاء له هواه، وما تملي عليه عنصريته.. فالعجم يضعون روايات في صالحهم، واليهود كذلك.. وهكذا، وموسوعات الاثني عشرية استوعبت الجميع بلا تمييز.

وجاء في بعض أخبارهم البيان التفصيلي لأسماء جنده واحدًا واحدًا وموطن كل جندي أو قبيلته أو حرفته في رواية طويلة. منها قوله: "ومن أهل الشام رجلين يقال لهما إبراهيم بن الصباح، ويوسف بن جريا" (صريا) [هكذا وردت في الأصل، فيما يبدو أنه اهتمام من المحقق المعاصر في الثبيت من الاسم بإثباته في الأصل حسب ما جاء في اختلاف النسختين.].

فيوسف عطار من أهل دمشق، وإبراهيم قصاب من قرية صويقان "ومضى في ذكرهم على هذا النسق حتى ذكر (313) رجلاً ليبلغ بهم عدة أهل بدر" [انظر: البحراني/ الحجة: ص46، وأحال المحقق أيضًا على دلائل الإمامة ص314.].

كما يقول: "ونسي موقفهم المخزي من أهل بدر وسائر الصحابة".

ولا تملك نفسك وأنت تقرأ تلك الأسماء من ابتسامة تغالبك، وأنت تلمح بوضوح التكلف في الكذب، والمحاولات الغبية لستره، ولا ينقضي العجب من تلك الجرأة على الكذب، وخفة العقل، والأغرب كيف لا يستحي شيعة هذا العصر من إخراج هذا "العار" للناس، وطبعه وتحقيقه ؟!، أو أن الله سبحانه أراد أن يكشف أمرهم ويفضح زيفهم.

الشيعة وغيبة مهديهم:

في ظل الغيبة التي دانت بها الشيعة، وعاشت في حكمها منذ أكثر من ألف ومائة سنة أوقف شيوخ الشيعة بحكم نيابتهم عن المنتظر العمل بجملة من أحكام الدين، كما استحدثوا عقائد وأحكامًا لم يأذن بها الله سبحانه. لقد أوقف الشيعة بسبب الغيبة للمنتظر إقامة صلاة الجمعة، كما منعوا إقامة إمام للمسلمين وقالوا: "الجمعة والحكومة لإمام المسلمين" [مفتاح الكرامة/ كتاب الصلاة: 2/69.] والإمام هو هذا المنتظر.

ولهذا فإن معظم الشيعة إلى اليوم لا يصلون الجمعة [يقول كاظم الكفائي وهو من شيوخهم المعاصرين -: "في العراق الآن: الشيعة لا يصلون الجمعة إلا الشيخ الخالصي في المسجد الصفوي في الصحن الكاظمي (كتب هذا القول بخطه للدكتور علي السالوس، ونشره الأخير في كتابه فقه الشيعة ص264)، وفي الكويت لا يقيم الجمعة إلا الشيخ إبراهيم جمال الدين مرجع الإخباريين هناك" (انظر: السالوس فقه الشيعة ص203).

وحينما سأل بعض أفراد الشيعة كبير شيوخهم وهو محسن الحكيم عن دليلهم في شرطية وجوب الإمام لصلاة الجمعة، كان جوابه بأن لا يسأل هذا السؤال، كما أن بعض شيوخهم يقول بوجوب صلاة الجمعة ولا يقيمها (انظر: محمد عبد الرضا الأسدي/ نص الكتاب ومتواتر الأخبار عن وجوب الجمعة في جميع الأعصار: ص24/27، 28).]، حتى قال بعض المتأخرين: "إن الشيعة من زمان الأئمة كانوا تاركين للجمعة" [البهباني في تعليقه على المدارك، كما نقل ذلك عنه شيخهم الخالصي في كتابه الجمعة: ص131.].

كما أن الشيعة لا ترى بيعة شرعية إلا للقائم المنتظر، ولذلك فإنهم يجددون البيعة له كل يوم، ففي دعاء لهم يسمونه "دعاء العهد" وفيه: "اللهم إني أجدد له في صبيحة يومي هذا، وما عشت من أيامي عهدًا أو عقدًا أو بيعة له في عنقي لا أحول عنها ولا أزول أبدًا" [عباس القمي/ مفتاح الجنان: ص538.].

وفي دعاء يومي آخر للغائب المنتظر يتضمن الإقرار له بالبيعة فيقول: "اللهم هذه بيعة له في عنقي إلى يوم القيامة" [عباس القمي/ مفتاح الجنان: ص538.].

قال المجلسي: ".. ويصفق بيده اليمنى على اليسرى كتصفيق البيعة" [بحار الأنوار: 102/111، وانظر: مفتاح الجنان: ص538-539.].

كذلك منع الشيعة الجهاد مع ولي أمر المسلمين، لأنه لا جهاد إلا مع الإمام، فقد جاء في الكافي وغيره عن أبي عبد الله قال: "القتال مع غير الإمام المفترض طاعته حرام مثل الميتة والدم ولحم الخنزير" [فروع الكافي: 1/334، تهذيب الأحكام: 2/45، وسائل الشيعة: 11/32.].

والإمام المفترض الطاعة على المسلمين منذ سنة 260ه‍ إلى اليوم هو منتظرهم الغائب في السرداب. وما قبل سنة 260ه‍ هم بقية الأئمة الاثني عشر، فالجهاد مع أبي بكر وعمر وعثمان وبقية خلفاء المسلمين إلى اليوم هو حرام كحرمة الميتة والدم.

وجنود الإسلام الذين يرابطون على الثغور، ويجاهدون في سبيل الله، ولا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والذين فتحوا بلاد الفرس وغيرها! ما هم في اعتقاد الشيعة إلا قتلة، الويل لهم، يتعجلون مصيرهم. روى شيخهم الطوسي في التهذيب: ".. عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك ما تقول في هؤلاء الذين يقتلون في هذه الثغور؟ قال: فقال: الويل يتعجلون قتلة في الدنيا، وقتلة في الآخرة، والله ما الشهيد إلا شيعتنا ولو ماتوا على فرشهم" [التهذيب: 2/42، وسائل الشيعة: 11/21.].

فأنت ترى أن الشيعة ترى أن جهاد المسلمين على مرور التاريخ جهاد باطل لا أجر فيه ولا ثواب، حتى يصفون المجاهدين المسلمين "بالقتلة" ويجردونهم من الأسماء التي شرفهم الله بها "كالمجاهد" و"الشهيد".

فهل يشك عاقل متجرد من الهوى والتعصب أن واضع هذا المبدأ عدو موتور، وزنديق حاقد.. يتربص بالأمة الدوائر ويبغي فيها الفشل، ولا يريد لها أن تبقى مجاهدة في سبيل الله، رافعة راية الله، ليحتفظ بدينه ودياره، وقد بلغ به التآمر لإشاعة هذا المبدأ أن نسبه لجعفر الصادق وغيره من أهل البيت حتى يجد الرواج بين الأتباع الجهلة من جانب، وحتى يسيء لأهل بيت رسول الله من جانب آخر.

كذلك صرح الشيعة أيضًا بمنع إقامة حدود الله سبحانه في دولة الإسلام بسبب غيبة إمامهم، لأن أمر الحدود موكول كما يقولون إلى الإمام المنصوص عليه، ولم ينص الله سبحانه بزعمهم إلا على اثني عشر إمامًا آخرهم قد غاب منذ منتصف القرن الثالث تقريبًا ولابد من انتظار عودته، حتى يقيم الحدود، إلا أنه بحكم التفويض الذي أجراه لشيوخ الشيعة بعد قرابة سبعين سنة من غيبته يحق للشيخ الشيعي فقط من دون سائر قضاة المسلمين أن يتولى إقامة الحدود، وإذا لم يوجد في قطر من أقطار الإسلام أحد من شيوخهم فلا يجوز إقامة الحدود، لأنه لا يتولاها إلا المنتظر أو نائبه من مراجع الشيعة وآياتهم.

روى شيخهم ابن بابويه وغيره: ".. عن حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: من يقيم الحدود: السلطان أو القاضي؟ فقال: إقامة الحدود من إليه الحكم" [ابن بابويه/ من لا يحضره الفقيه: 4/51، تهذيب الأحكام: 10/155، وسائل الشيعة: 18/338.] كذا -.

وقال المفيد: "فأما إقامة الحدود فهو إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل الله، وهم أئمة الهدى من آل محمد عليهم السلام، ومن نصبوه لذلك من الأمراء والحكام، وقد فوضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان" [المقنعة: ص130، وسائل الشيعة: 18/338.].

وتحذر روايات الشيعة من الرجوع إلى محاكم المسلمين وقضاتهم حتى تقول: "من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى طاغوت، وما يحكم له فإنما يأخذ سحتًا، وإن كان حقه ثابتًا، لأنه أخذه بحكم الطاغوت" [فروع الكافي: 7/412، التهذيب: 6/218، وسائل الشيعة: 18/4.].

هذه جملة من شرائع الإسلام حرمتها الشيعة بسبب غيبة مهديهم، وأوقفت العمل بها حتى خروجه من غيبته.

كما أنهم شرعوا لأنفسهم أحكامًا في فترة اختفاء هذا المنتظر لم يأذن بها الله سبحانه، ومن ذلك: مسألة التقية والتي هي في الإسلام رخصة عارضة عند الضرورة جعلوها فرضًا لازمًا ودائمًا في فترة الغيبة لا يجوز الخروج عنها حتى يعود المنتظر الذي لن يعود أبدًا، لأنه لم يولد كما يؤكد ذلك المؤرخون، وأهل العلم بالأنساب، وفرق كثيرة من الشيعة نفسها، ومن ترك التقية قبل عودة المنتظر كان كمن ترك الصلاة [انظر: فصل التقية.].

كذلك جعلوا الاستشهاد في سبيل الله يحصل بمجرد اعتناق التشيع، وانتظار عودة الغائب، لا في الجهاد في سبيل الله، فالشيعي شهيد ولو مات على فراشه.

قال إمامهم: "إذا مات منكم ميت قبل أن يخرج قائمنا كان شهيدًا، ومن أدرك قائمنا فقتل معه، كان له أجر شهيدين.." [بحار الأنوار: 52/123، وهو مروي في أمالي الطوسي (انظر: المصدر السابق: 52/122-123).].

وعقد شيخهم البحراني في المعالم الزلفى بابًا بعنوان: "الباب 59 في أن شيعة آل محمد شهداء وإن ماتوا على فرشهم" [المعالم الزلفى في بيان أحوال النشأة الأولى والأخرى: ص101.] وأورد فيه جملة من أخبارهم.

ثم زادت مبالغاتهم كالعادة إلى أكثر من هذا القدر حتى روى ابن بابويه بسنده إلى علي بن الحسين قال: "من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه الله عز وجل أجر ألف شهيد من شهداء بدر وأحد" [إكمال الدين: ص315، بحار الأنوار: 52/125.].

ومن أحكامهم فرضية البيعة للغائب المنتظر، حتى شرع عندهم تجديد البيعة مرات وكرات عبر الأدعية في الزيارات لمشاهد الأئمة كما مر -، لأن "من أصبح من هذه الأمة لا إمام له من الله جل وعز ظاهرًا [هذه الكلمة تؤكد أن إمامهم المختفي ليس بإمام، لأنه ليس بظاهر.] عادلاً أصبح ضالاً تائهًا، وإن مات على هذه الحال مات ميتة كفر ونفاق" [أصول الكافي: 1/375.].

أما المبدأ الأكبر الذي اخترعوه في ظل الغيبة فهو مبدأ نيابة الفقيه الشيعي عن الغائب المنتظر.

وقد استحل الفقيه الشيعي باسم النيابة أمورًا كثيرة.

واختلف شيوخ الشيعة في حدود النيابة بين مقل ومستكثر، حتى بلغت النيابة الحد الأقصى لوظائف الإمام الغائب وهو رئاسة الدولة، والاستفتاء على تشكيل الحكومة في دولة "الآيات" الحاضرة، وهم الذين لا يؤمنون إلا بالإمام المنصوص عليه.. ولخطورة عقيدة النيابة، ولأنها في اعتقادي تمثل الخروج المقنع للمهدي، على يد مجموعة كبيرة من شيوخهم كل يزعم أحقيته في النيابة سنخصها بالحديث التالي.

النيابة عن المنتظر:

أرسيت دعائم فكرة الغيبة لولد للحسن العسكري كما سلف وكان لابد من وجود وكيل مفوض يتولى شئون الأتباع في أثناء فترة الاحتجاب، ويكون الواسطة والباب للغائب في السرداب، أو في جبال رضوى، أو وديان مكة.

فكان أول زعيم تولى شئون الشيعة كما كشفت ذلك أوراق الاثني عشرية هي امرأة.. وما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم [البخاري، كتاب المغازي، باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر: 5/136، وكتاب الفتن: 8/97، والترمذي، كتاب الفتن: 4/527-528 (2262)، والنسائي/ باب النهي عن استعمال النساء في الحكم: 8/227، وأحمد: 5/43، 51.]، إذ بعد وفاة الحسن العسكري، وإشاعة وجود الولد المختفي، وبقاء الشيعة بدون إمام ظاهر، بدأ الشيعة يتساءلون إلى من يرجعون؟

ففي سنة (262ه‍) أي بعد وفاة الحسن العسكري بسنتين،، توجه بعض الشيعة [وهو كما تقول الرواية: أحمد بن إبراهيم، وانظر: رجال الحلي: ص16.] إلى بيت الحسن العسكري وسأل كما تقول الرواية خديجة بنت محمد بن علي الرضا عن ولد الحسن العسكري المزعوم، فسمته له [يلحظ أنهم يحرمون تسميته حتى قالوا: من سماه باسمه فهو كافر كما سلف -.]، يقول راوي الخبر: "قلت لها: فأين الولد؟ قالت: مستور، فقلت: إلى من تفزع الشيعة؟ قالت: إلى الجدة أم أبي محمد عليه السلام" [الغيبة للطوسي: ص138.].

ويبدو أن رجال الشيعة أرادوا أن تبقى النيابة عن الغائب في بيت الحسن العسكري، فأشاعوا بين أتباعهم في بداية الأمر أن أم الحسن العسكري هي الوكيلة عن المنتظر، فهي الرئيسة العامة للمسلمين (بالنيابة). ويظهر أن هذا "التعيين" كان القصد منه إيجاد الجو المناسب لنمو هذه الفكرة بين الأتباع لأن أم الحسن هي الوصية للحسن بعد وفاته كما تذكر أخبار الشيعة، فكان من الطبيعي أن تتولى عن ابنه، إلا أن محاربة بيت الحسن العسكري لفكرة الولد كما سيأتي قد وجه رجال الشيعة إلى اختيار رجل من خارج أهل البيت، ولهذا جاء في الغيبة للطوسي "ولد الخلف المهدي صلوات الله عليه سنة ست وخمسين ومائتين، ووكيله عثمان بن سعيد، فلما مات عثمان بن سعيد، أوصى إلى أبي جعفر محمد بن عثمان، وأوصى أبو جعفر إلى أبي القاسم الحسين بن روح، وأوصى أبو القاسم إلى أبي الحسن علي بن محمد السمري.." [الغيبة للطوسي: ص241-242.].

فهؤلاء النواب الأربعة، ويزاحمهم على مسألة النيابة آخرون، هم من خارج بيت الحسن، وتمثل نيابتهم صلة شخصية مباشرة بالمهدي المنتظر. ولذلك تسمى فترة نيابتهم في عرف الشيعة بالغيبة الصغرى.

وهؤلاء النواب الأربعة لهم ما للإمام من حق الطاعة، وثقة الرواية، جاء في الغيبة للطوسي أن الحسن العسكري قال: "هذا إمامكم من بعدي (وأشار إلى ابنه) وخليفتي عليكم، أطيعوه، ولا تتفرقوا من بعدي فتهلكوا في أديانكم، ألا وإنكم لا ترونه من بعد يومكم هذا حتى يتم له عمر فاقبلوا من عثمان (الباب الأول) ما يقوله، وانتهوا إلى أمره فهو خليفة إمامكم والأمر إليه [الغيبة للطوسي: ص217.]، فما قاله لكم فعنّي يقوله، ما أدى إليكم فعني يؤديه" [الغيبة للطوسي: ص15.].

وهكذا أصبح للباب حق النيابة عن الإمام والأمر إليه، لقوله صفة القداسة والعصمة، لأنه ينطق عن الإمام، ويؤدي عنه، ولذلك فإن من خالف هؤلاء الأبواب حلت به اللعنة، واستحق النار. كما جاء في التواقيع التي خرجت من المتنظر في حق من خالف هؤلاء الأبواب [انظر: الغيبة للطوسي: ص244.].

إذن مسألة النيابة لهؤلاء الأربعة تخولهم التشريع، لأنهم ينطقون عن المعصوم، وللمعصوم حق تخصيص، أو تقييد، أو نسخ نصوص الشريعة كما مر ولذلك كان للتوقيعات الصادرة منهم نفس المنزلة التي لكلام الإمام أو أقوى كما سلف [انظر: ص(338).].

وكذلك تخولهم إصدار صكوك الغفران أو الحرمان، وأخذ أموال الوقف والزكاة والخمس باسم الإمام. ولكن هذه النيابة انتهت إذ "لما حضرت السمري الوفاة سئل أن يوصي فقال: لله أمر هو بالغه. فالغيبة التامة هي التي وقعت بعد السمري" [الغيبة للطوسي: ص241-242.].

وقد يكون من أهداف موافقة القواعد الشيعية لإغلاق السمري للبابية وإشاعة ذلك بين الأتباع هو المحافظة على فكرة غيبة المهدي من افتضاح حقيقتها وانكشاف أمرها؛ حيث كثر الراغبون فيها من شيوخ الشيعة ولا سيما في عهد سلفه أبي القاسم بن روح، وعظم النزاع بينهم ووصل الأمر إلى التلاعن والتكفير والتبري، كما يلحظ ذلك في التوقيعات التي خرجت على يد الأبواب منسوبة للمنتظر [انظر: الغيبة للطوسي: ص244، وما بعدها.].

فأغلق السمري حكاية البابية.

وهنا حصل تطور آخر في مسألة النيابة، وفي المذهب الشيعي عمومًا، حيث جعلت النيابة حقًا مطلقًا للشيوخ، فقد أصدرت الدوائر الاثنا عشرية "توقيعًا" منسوبًا للمنتظر الموهوم. وخرج بعد إعلان انتهاء البابية على يد السمري. يقول التوقيع: "أما الوقائع الحادثة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله" [الكافي مع شرحه مرآة العقول -: 4/55، إكمال الدين: ص451، الغيبة للطوسي: ص177، الاحتجاج للطبرسي: ص163، وسائل الشيعة: 18/101، محمد مكي العاملي/ الدرة الطاهرة: ص47.] فأعلن انقطاع الصلة المباشرة بالمهدي وفوض أمر النيابة عن المنتظر إلى رواة حديثهم وواضعي أخبارهم.

ولقد حقق هذا الإعلان مجموعة من الأهداف، فقد أصبحت دعوى البابية غير مقصورة على واحد، والذي قد تكشف حقيقة أمره بسهولة، وبمجرد مراقبة مجموعة له، ولذلك يلاحظ كثرة الشك والتكذيب في فترات الغيبة الأولى.

كما أن ذلك خفف التنافس على البابية التي كان لها آثارها، فبقيت مشاعة بين شيوخ الشيعة، وأطلق على انقطاع البابية الخاصة وتحولها إلى نيابة عامة «الغيبة الكبرى» فصار للإمام غيبتان صغرى وكبرى رغم أن لهم روايات لا تتحدث إلا عن غيبة واحدة [جاءت عندهم روايات صنعت فيما يبدو في الفترة الأولى من موت الحسن العسكري تحكي غيبة الابن المزعوم للحسن العسكري، يقول بعضها: "إن بلغكم عن صاحبكم غيبة فلا تنكروها" (أصول الكافي: 1/340).

فكأن هذه الرواية تلقي فكرة الغيبة على الأتباع بدون تأكيد لتتحسس ردة الفعل وتحسب لها حسابها، وهي تذكر بأن له غيبة واحدة.

وتؤكد بعض رواياتهم بأنه بعد هذه الغيبة سيظهر. جاء في الكافي « عن أم هاني قالت: سألت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام عن قول الله تعالى: {فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ، الْجَوَارِ الْكُنَّسِ} [التكوير: آية: 16،17] قالت: فقال: إمام يخنس سنة ستين ومائتين ثم يظهر، فما بعد غيبته إلا الظهور". (أصول الكافي: 1/341).

فإعلان السمري البابية قد يراد منه إشعارهم بقرب الظهور.. ولكن مرت الأيام والسنون ولم يظهر.].

ولكن وضعت روايات تناسب هذا الوضع وتتحدث عن غيبتين، يقول بعضها: "قال أبو عبد الله عليه السلام: للقائم غيبتان أحدهما قصيرة والأخرى طويلة، الأولى لا يعلم بمكانه إلا خاصة شيعته، والأخرى لا يعلم إلا خاصة مواليه في دينه" [الغيبة للنعماني: ص113.].

فأنت ترى أن هذه الرواية أثبتت له غيبتين الأولى يتصل به خاصة شيعته، وهذا قد يكون إشارة إلى السفراء الذين تناوبوا على دعوى البابية، والأخرى يتصل به خاصة مواليه، وقد أشارت رواية في الكافي إلى أن عددهم ثلاثون [انظر: أصول الكافي: 1/340.]، فلم تنف رواياتهم الصلة المباشرة بالمنتظر في الحالتين، رغم أن السمري حينما حل وظيفة البابية أصدر توقيعًا على لسان المنتظر يقول فيه: "من ادعى المشاهدة للمنتظر فهو كاذب" [مضى ذكره بنصه ص(340).].

وإن شيوخهم يقولون بأنه وقعت في الغيبة الكبرى المحرومية العظمى من الإمام. يقول شيخهم النعماني بعد ذكره لأخبارهم في الغيبتين: "هذه الأحاديث التي يذكر فيها أن للقائم غيبتين أحاديث قد صحت عندنا.. فأما الغيبة الأولى فهي الغيبة التي كانت السفراء فيها بين الإمام عليه السلام وبين الخلق منصوبين ظاهرين موجودي الأشخاص والأعيان يخرج على أيديهم الشفاء من العلم وعويص الحكمة والأجوبة [تقدم في فصل السنة ذكر نماذج من هذه الأجوبة الصادرة عن الإمام المزعوم، وقد تبين لنا ما فيها من جهل وسطحية، ولولا ضيق المجال وخشية الخروج عن المقصود لعرضناها بأكملها ودرسناها دراسة نقدية فاحصة، وأرجو أن ييسر الله سبحانه دراسة مستقلة لمسألة الغيبة يراعى فيها هذا الجانب.] عن كل ما كان يسأل عنه من المعضلات والمشكلات وهي الغيبة القصيرة التي انقضت أيامها وتصرمت مدتها.

والغيبة الثانية هي التي ارتفع فيها أشخاص السفراء والوسائط" [الغيبة للنعماني: ص115.].

ولكن شيوخ الشيعة يدعون في فترة الغيبة الثانية النيابة عن الإمام المنتظر ويستندون في ذلك على التوقيع الذي أظهره السمري عن منتظرهم، والذي يحيلهم إلى رواة حديثهم في كل الحوادث الواقعة الجديدة.

فيلحظ أنه لم يحلهم على الكتاب والسنة، وإنما أرجعهم إلى الشيوخ.

وقد تبوأ شيوخ الشيعة بذلك منصب البابية عن الغائب واستمدوا القداسة بين الأتباع بفضل هذه النيابة عن الإمام الذي أضفوا عليه تلك الصفات الخارقة، والفضائل الكاملة.. ولذلك يطلقون على شيوخهم الذين وصلوا إلى منصب "النيابة عن الإمام" اسم "المراجع وآيات الله" فهم مظاهر للإمام المعصوم، ولذلك يقرر أحد شيوخهم المعاصرين بأن الراد على النائب كالراد على الله تعالى وهو على حد الشرك بالله وذلك بمقتضى عقيدة النيابة.

يقول شيخهم المظفر: "عقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط، أنه نائب للإمام عليه السلام في حال غيبته، وهو الحاكم والرئيس الملطق، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الإمام، والراد على الإمام راد على الله تعالى، وهو على حد الشرك بالله كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت عليهم السلام -. فليس المجتهد الجامع للشرائط مرجعًا في الفتيا فقط، بل له الولاية العامة، فيرجع إليه في الحكم والفصل والقضايا، وذلك من مختصاته لا يجوز لأحد أن يتولاها دونه إلا بإذنه، كما لا تجوز إقامة الحدود والتعزيرات إلا بأمره وحكمه. ويرجع إليه في الأموال التي هي من حقوق الإمام ومختصاته.

وهذه المنزلة أو الرئاسة أعطاها الإمام عليه السلام للمجتهد الجامع للشرائط ليكون نائبًا عنه في حال الغيبة ولذلك يسمى (نائب الإمام)" [عقائد الإمامية: ص57.].

فأنت ترى أن شيوخ الشيعة تخلوا عن آل البيت رأسًا، وتعلقوا بهذا المعدوم، ووضعوا أنفسهم مكان الإمام من أهل البيت باسم هذا المعدوم، وهذه غنيمة كبيرة، لذلك ما إن اتفقوا عليها بعد إخفاق فكرة البابية المباشرة، حتى اختفت الخلافات على منصب البابية، ورجعت فرق شيعية كثيرة، ودانت بهذه الفكرة، لأنها تجعل من كل واحد من تلك الرموز الشيعية "إمامًا" "ومهديًا" "وحاكمًا مطلقًا مطاعًا" "وجابيًا للأموال" ولا يقاسمهم في ذلك أحد من أهل البيت، ولا يفضحهم ويكشف أوراقهم رجل من أهل البيت.

ويبدو من التوقيع المنسوب للمنتظر أنه يجعل لشيوخ الشيعة حق النيابة في الفتوى حول المسائل الجديدة، إذ هو يقول: فأما المسائل الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا كما سلف ولا يخلوهم النيابة العامة، ولكن الشيوخ توسعوا في مفهوم النيابة حتى وصلت إلى قمة غلوها في هذا العصر على يد الخميني [انظر: فصل "دولة الآيات" من الباب الرابع.].

كما نلحظ شيئًا من هذا في تقرير شيخهم المظفر لعقيدتهم في هذا الشأن، وكما تراه في دولتهم الحاضرة.

وقد كان لهؤلاء الشيوخ دعاوى عريضة حول الصلة بالمهدي بعد غيبته الكبرى كما سلف [ص340 وما بعدها.].

نقد عقيدة الغيبة والمهدية عند الاثني عشرية:

إن فرق المسلمين تخالف الاثني عشرية في خلق المهدي ووجوده فكيف ببلوغه، فكيف برشده، فكيف بإمامته، فكيف بعصمته، فكيف بمهديته؟! والشيعة لا يقدرون ببرهان واضح على إثبات واحدة من هذه الأمور [أبو المحاسن الواسطي/ المناظرة بين أهل السنة والرافضة، الورقة (59).] كما سلف أثناء استعراضنا لعقيدتهم وأدلتهم -.

فأهل السنة يقررون بمقتضى النصوص الشرعية، والحقائق التاريخية.. والدلائل العقلية أن مسألة غيبة المهدي عند الاثني عشرية لا تعدو أن تكون وهمًا من الأوهام، إذ "ليس له عين ولا أثر، ولا يعرف له حس ولا خبر، لم ينتفع به أحد لا في الدنيا ولا في الدين، بل حصل باعتقاد وجوده من الشر والفساد ما لا يحصيه إلا رب العباد" [منهاج السنة: 4/213.].

وقد ذكر أهل العلم بالأنساب والتواريخ أن الحسن بن علي العسكري لم يكن له نسل ولا عقب [انظر: منهاج السنة: 2/164.].

ثم إنهم يقولون: إن المهدي دخل السرداب بعد موت أبيه، وعمره سنتان أو ثلاث أو خمس على اختلاف رواياتهم، وأصبح من ذلك الوقت هو الإمام على المسلمين رغم طفولته واختفائه، مع أن الواجب في حكم الله الثابت بنص القرآن والسنة والإجماع أن يكون هذا اليتيم على فرض وجوده عند من يستحق حضانته من قرابته، وأن يكون ماله عند من يحفظه حتى يؤنس منه الرشد، فكيف يكون من يستحق الحجر عليه في بدنه وماله إمامًا لجميع المسلمين معصومًا لا يكون أحد مؤمنًا إلا بالإيمان به؟! [منهاج السنة: 2/164.]. "فكيف إذا كان معدومًا أو مفقودًا مع طول هذه الغيبة؟! والمرأة إذا غاب وليها، زوجها الحاكم أو الولي الحاضر لئلا تضيع مصلحة المرأة بغيبة الولي الموجود، فكيف تضيع مصلحة الأمة مع هذا الإمام المفقود على طول الدهور" [منهاج السنة: 1/30، المنتقى: ص31، رسالة رأس الحسين: ص6.].

وبغض النظر عن موقف أهل السنة من مهدي الاثني عشرية وغيبته.. فإن المتأمل لنصوص المهدية والغيبة في كتب الاثني عشرية المعتمدة، يلاحظ ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي أن هذه الدعوى لم تلق قبولاً لدى الشيعة أنفسهم إلا في العصور المتأخرة نسبيًا، وذلك حين جدت الدعاية الشيعية في ترويج هذه العقدية، وألغت فكرة البابية التي انكشف بواسطتها أمر الغيبة، ولذلك فإن شيخهم النعماني وهو من معاصري الغيبة الصغرى يقرر أن جميع الشيعة في شك من أمر الغيبة إلا قليلاً منهم.

ذلك أن أمارات الشك واضحة بيّنة لهم، حيث إن الحسن العسكري كما يعترفون توفي ولم ير له أثر، ولم يعرف له ولد ظاهر فاقتسم أخوه جعفر وأمه ما ظهر من ميراثه [انظر: ص(828).].

وقد ورد في الكافي أصح كتب الحديث عندهم وغيره عن أحمد بن عبد الله بن خاقان [كان أميرًا على الضياع والخراج بقم في خلافة المعتمد على الله أحمد بن المتوكل. (انظر: أصول الكافي: 1/503، إكمال الدين ص39).] قال:... لما مات الحسن العسكري سنة ستين ومائتين ضجت سر من رأى ضجة واحدة مات ابن الرضا، وبعث السلطان إلى داره من يفتشها ويفتش حجرها وختم على جميع ما فيها، وطلبوا أثر ولده، وجاءوا بنساء يعرفن الحمل، فدخلن إلى جواريه ينظرن إليهن فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حمل، فوضعت تلك الجارية في حجرة ووكل بها بعض النسوة، ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته... فلما فرغوا من ذلك بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل للصلاة عليه، فلما دنا أبو عيسى منه كشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد والكتاب... ثم قال: هذا الحسن بن علي بن محمد الرضا، مات حتف أنفه على فراشه، حضره من حضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته.. ثم صلى عليه.. وبعد دفنه أخذ السلطان والناس في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور، وتوقفوا عن قسمة ميراثه، ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي وهم عليها الحمل ملازمين لها حتى تبين بطلان الحمل، فلما بطل الحمل عنهن قسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر [أصول الكافي: 1/505، إكمال الدين: ص41-42.].

فأنت تلاحظ أن الاثني عشرية ساقوا هذه الرواية للدلالة عن بطلان قول من قال من الشيعة بالوقف على الحسن العسكري في إنكار وفاته، ولكن تبين من خلالها بطلان دعوى الولد، لأن أسرة الحسن، ونقابة أهل البيت، والسلطان حققوا علنيًا في حقيقة الأمر وذلك لإبطال ما يزعمه الشيعة في هذا المجال، ولهذا قرر القمي والنوبختي وغيرهما بأن الشيعة افترقوا بعد وفاة الحسن العسكري إلى فرق عديدة أنكر أكثرها وجود الولد أصلاً [المقالات والفرق: ص102-116، فرق الشيعة: ص96-112.] حتى قال بعضهم: إنا قد طلبنا الولد بكل وجه فلم نجده، ولو جاز لنا دعوى أن للحسن ولدًا خفيًا لجاز مثل هذه الدعوى في كل ميت من غير خلف، ولجاز أن يقال في النبي صلى الله عليه وسلم أنه خلف ابنًا نبيًا رسولاً، لأن مجيء الخبر بوفاة الحسن بلا عقب كمجيء الخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخلف ولدًا من صلبه، فالولد قد بطل لا محالة [المقالات والفرق: ص114-115، فرق الشيعة: ص103-104.].

وهذا الواقع في نظري هو الذي حدًا بشيوخ الشيعة إلى وضع روايات تجعل من لوزام منتظرهم اختفاء حمله، وولادته، والشك فيه.. كمحاولة من شيوخهم لتجاوز هذه المرحلة التي كاد أن ينكشف فيها أمر التشيع.

وعلاوة على إنكار جل الشيعة لذلك، فإن لأهل البيت موقفًا صريحًا حاسمًا في هذا الأمر. وهو من البراهين الواضحة على بطلان هذه الدعوى، حيث جاء في تاريخ الطبري في حوادث سنة 302ه‍ أن رجلاً ادعى في زمن الخليفة المقتدر أنه محمد بن الحسن بن علي بن موسى بن جعفر، فأمر الخليفة بإحضار مشايخ آل أبي طالب وعلى رأسهم نقيب الطالبيين أحمد بن عبد الصمد المعروف بان طومار.

فقال له ابن طومار: لم يعقب الحسن. وقد ضج بنو هاشم من دعوى هذا المدعي وقالوا: يجب أن يشهر هذا بين الناس، ويعاقب أشد عقوبة. فحمل على جمل وشهر يوم التروية ويوم عرفة، ثم حبس في حبس المصريين بالجانب الغربي [تاريخ الطبري: 13/26-27، المطبعة الحسينية ط: الأولى، أو ج‍11 ص49-50 من طبعة دار المعارف، تحقيق: أبو الفضل إبراهيم.].

وهذه الشهادة من بني هاشم، وعلى رأسهم نقيب الطالبيين مهمة لأنها من نقيب العلويين الذي كان عظيم العناية بتسجيل أسماء مواليد هذه الأسرة في سجل رسمي [محب الدين الخطيب في تعليقه على المنتقى: ص173.]، ولقدم فترتها الزمنية حيث إنها واقع في زمن الغيبة الصغرى التي كثر فيها ادعاء هذا الولد وادعاء بابيته من العديد من الرموز الشيعية.

وعلاوة على شهادة نقيب الطالبيين وبني هاشم، فإن أقرب الناس إلى الحسن العسكري وهو أخوه جعفر يؤكد أن أخاه مات ولا نسل له ولا عقب [انظر: الصواعق المحرقة: ص168.].

والشيعة يعترفون بذلك، بل ينقلون أنه حبس جواري أخيه وحلائله حتى ثبت له براءتهن من الحمل [انظر: الغيبة للطوسي: ص75.]، وأنه شنع على من ادعى ذلك وأبلغ دولة الخلافة الإسلامية [سفينة البحار: ص162.] بتآمره، ولكن الطوسي يقول: إن هذا الإنكار من جعفر "ليس بشبهة يعتمد على مثلها أحد من المحصلين لاتفاق الكل على أن جعفرًا لم يكن له عصمة كعصمة الأنبياء فيمتنع عليه لذلك إنكار حق ودعوى باطل، والغلط غير ممتنع منه" [الغيبة: ص75.].

فالطوسي لا يقبل الإنكار من جعفر، لأنه غير معصوم، ولكن الطوسي ومعه طائفة الاثني عشرية يقبلون دعوى عثمان بن سعيد في إثبات الولد ودعوى بابيته وهو غير معصوم، أليس هذا تناقضًا؟!.

كيف يكذب جعفر وهو أخو الحسن العسكري ومن سلالة أهل البيت، وعميد الأسرة بعد وفاة الحسن، ويصدق رجل أجنبي عن أهل البيت، وهو متهم في دعواه، لأنه يجر المصلحة لنفسه من المال والجاه باسم البابية، ومن هذا شأنه ألا يشك في قوله وترد شهادته؟!

ولموقف جعفر المتميز ضد محاولات الرموز الشيعية اختراع ولد لأخيه، ضاق الشيعة ذرعًا بأمره، حتى لقبوه "بجعفر الكذاب" [انظر: ابن بابويه/ إكمال الدين: ص312، سفينة البحار: 1/162، أصول الكافي: 1/504 (هامش2)، مقتبس الأثر: 14/314، قالوا: إنه يلقب جعفر بن محمد بالصادق في مقابل جعفر هذا الذي يلقبونه بالكاذب أو الكذاب (مقتبس الأثر: 14/314) فقد يكون شيوع إطلاق لقب «الصادق» على جعفر، وتمييزه بذلك بين آبائه وأقرانه مصدره الشيعة، نكاية بحفيدة جعفر.] ووضعوا روايات نسبوها لأوائل أهل البيت تتنبأ بالغيب فتتحدث بما سيقع من جعفر، وتندد به.

فنسبوا للسجاد أنه قال: "كأني بجعفر الكذاب قد حمل طاغية زمانه، على تفتيش أمر ولي الله المغيب في حفظ الله جهلاً منه بولادته، وحرصًا على قتله إن ظفر به طمعًا في ميراث أبيه حتى يأخذه بغير حقه" [إكمال الدين: ص312، سفينة البحار: 1/162.].

نلاحظ في هذه الرواية أنهم اتهموا جعفرًا بأنه أنكر ولادته طمعًا في الميراث، على حد المثل القائل: رمتني بدائها وانسلت، ذلك أن صانعي هذه الروايات هم الذين ادعوا الولد وقالوا ببابيته حرصًا على الأموال كما سلف كذلك فإن الرواية تتناقض حينما تقول بأن جعفرًا يجهل ولادته، ثم تقول بأنه يحرص على قتله، فإذا كان يجهل أنه ولد له ولد فكيف يحرص على قتل مجهول وجوده؟! ثم انظر كيف يدافعون عن عثمان بن سعيد، ويتهمون جعفرًا وهم يدعون التشيع للآل.

وليس جعفر هو وحده من أسرة الرضا الذي ينكر هذه الدعوى. بل يظهر من روايات الشيعة أن الإنكار كان من بيت الولد المزعوم ومن بني عمه، يدل على ذلك ما جاء في كتب الشيعة "عن إسحاق بن يعقوب [لاحظ الأسماء يهودية.] قال: سألت محمد بن عثمان العمري [الباب الثاني لمهدي الاثني عشرية.] أن يوصل لي كتابًا قد سألت فيه مسائل أشكلت علي، فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان [وما يدريهم أنه خط صاحب الزمان على فرض وجوده والخطوط تتشابه، والرجل الذي خرجت على يده "الرقعة" غير معصوم، ومشكوك في أمره لأنه يجر المصلحة لنفسه، وناقل هذا التوقيع عن محمد بن عثمان أحد الأسماء اليهودية.] صلى الله عليه: أما ما سألت عنه أرشدك الله من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا. فاعلم أنه ليس بين الله عز وجل وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني وسبيله سبيل ابن نوح، وأما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل أخوة يوسف.." [إكمال الدين: ص451، الاحتجاج: 2/283 ط: النجف 1386ه‍، وص 469-470 ط: بيروت 1401ه‍، سفينة البحار: 1/163، مقتبس الأثر: 14/316.].

فيدل هذا على أن إنكار وجود الولد صدر من أهل بيته وعمومته، والدعوى جاءت من الخارج.. فأيهما أقرب للتصديق؛ أيكذب أشراف أهل البيت، ويصدق سمان لا يعرف له شأن في دين ولا علم ولا نسب ولا مقام ولا أصل؟!.

وقد يقال بأن أهل بيته وعمومته يتسترون عليه صيانة له، لكن التوقيع الصادر عن المنتظر المزعوم يدل على أن الإنكار حقيقي لأنه يحكم عليهم بأنهم كابن نوح في الكفر، إذ ليس بين الله وبين أحد قرابة، مع أن مذهبهم قائم على أن قرابة أئمتهم من الرسول صلى الله عليه وسلم هي التي خولتهم تلك المكانة..

كذلك حملتهم على جعفر ووصفه "بالكذاب" ورميه بكل عيب ونقيصة [انظر: مراجع هذه المسألة في ص(903) هامش رقم (1).] يدل على أن الإنكار من أسرة الحسن حقيقي، ولذلك صنع أصحاب هذه الدعوة تلك الروايات التي تهاجم جعفرًا، وأهل بيت المنتظر وبني عمه وتندد بإنكارهم وتفيض بالحقد عليهم. وقد كان لموقفهم أثره في ذلك الوقت، حيث شك جميع الشيعة في هذه الدعوى إلا القليل، كما شهد بذلك شيخهم النعماني وغيره.

وعلاوة على ذلك كله فإن الحسن العسكري نفسه المنسوب له هذا الولد قد نفى ذلك وأنكره حيث أسند وصيته في مرضه الذي توفي فيه إلى والدته، وأوكل لها النظر في أوقافه وصدقاته وأشهد على ذلك وجوه الدولة وشهود القضاء، كما يروي ذلك الكليني في الكافي [أصول الكافي: 1/505.]، وابن بابويه في إكمال الدين [إكمال الدين: ص42.] وغيرهما [انظر: الغيبة للطوسي: ص75.]، ولو كان له ولد هو إمام المسلمين، يحمل تلك الأوصاف الكاملة والخارقة لما وسعه إلا توكيله، فمن هو وكيل ورئيس على الأمة، ومن هو أمان للكون والناس لا يعجزه مع غيبته أن يقوم بأعباء النظر على أوقاف أبيه وصدقاته.. فلمّا لم يفعل دل على أنه لا ولد له أصلاً.

وليس ينال من هذه الشهادة العملية للحسن العسكري قول الطوسي: إن الحسن فعل ذلك قصدًا إلى إخفاء ولادة ابنه وسترًا له عن سلطان الوقت [الغيبة: ص75.]، لأن هذا القول دعوى بلا برهان.

وبهذا يثبت بطلان وجوده، وبطلان ما ترتب على ذلك.

فهذه شهادة أهل السنة، وأكثر فرق الشيعة، ونقابة آل أبي طالب، وأسرة آل أبي طالب وأخيه جعفر، والحسن العسكري، وكل هذه الشهادات والبينات تنفي دعوى الولد، وهي ترد دعوى الأجانب البعداء في نواياهم مم ادعى البابية والمشاهدة. فكيف إذا أضيف إلى ذلك استبعاد بقائه على فرض وجوده مئات السنين ولو مدّ الله في عمر أحد من خلقه لحاجة الناس إليه لمد في عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قال أبو الحسن الرضا، وهو مع طول هذه المدة لا يعرف أحد مكانه، ولا يعلم مستقره ومقامه، ولا يأتي بخبره من يوثق بقوله.

وكل من اتفق له الاستتار عن ظالم لخوف منه على نفسه أو لغير ذلك من الأغراض يكون مدة استتاره قريبة، ولا يخفى على الكل.

وكيف يغيب المسؤول الأول عن الأمة هذه الغيبة الطويلة؟ أليس هذا كله دليلاً واضحًا جليًا على أن حكاية الغيبة أسطورة من الأساطير التي صنعها المرتزقة والزنادقة والحاقدون؟!.

ويبدو أن هذه المقالة كان الدافع وراءها ماديًا وسياسيًا، فالرغبة في الاستئثار بالأموال، ومحاولة الإطاحة بدولة الخلافة كانا هدفين أساسيين في اختراع هذه الفكرة، والدليل على ذلك أن لغة المال تسود توجيهات الفرق الشيعية، وهي مصدر نزاعهم واختلافهم، كما حفظت نصوص ذلك كتب الاثني عشرية كما مر -.

كذلك فإن قضية "الإمامة والخلافة" هي حديث هذه الخلايا الشيعية وهم في فلكها يسيرون.. وابتداع فكرة الإمام الخفي يخلصهم من أهل البيت، ويجعل الزعامة في أيديهم.

ولم يتكلفوا شيئًا من عناء التفكير والبحث والتأمل للوصول إلى هذه الغاية، إذ إنهم وجدوا هذه الفكرة في الديانة المجوسية، ذلك أن "المجوس" تدعي أن لهم منتظرًا حيًا باقيًا مهديًا.. كما مر -. 


فرضية المهدي ( محمد بن الحسن العسكري )

بسم الله الرحمن الرحيم : قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ .. إن تتبعون إلا الظن ، وان انتم إلا تخرصون ! ( يونس 36)

إن هي إلا أسماء سميتموها انتم وآباؤكم ، ما أنزل الله بها من سلطان، إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس، ولقد جاءهم من ربهم الهدى .( النجم 23)

وما لهم به من علم .. إن يتبعون إلا الظن .. وان الظن لا يغني من الحق شيئا .. ( النجم 28)

المقدمة

عرف الشيعة الإمامة الاثناعشرية قيام عدة دول شيعية في التاريخ ، ولكن (الجمهورية الإسلامية) التي قامت في إيران ، في نهاية القرن الرابع عشر الهجري ، كانت أول دولة عقائدية لهم منذ اكثر من ألف عام . ولم تكن لتقوم إلا بعد حدوث عدة تطورات جذرية في الفكر السياسي الشيعي ، الذي سادته منذ وفاة الإمام العسكري في منتصف القرن الثالث ، بعض النظريات السلبية المخدرة و وأبعدته عن مسرح الحياة قرونا من الزمن . ولكنه ناضل من اجل الخروج من تلك الأغلال السلبية التي شلت حركته واستطاع أخيرا النهوض بنجاح كبير - والحمد لله - عبر أبواب نظرية (ولاية الفقيه) .

ونتيجة الرواسب التاريخية المؤسفة لم تكن الصورة الدستورية لنظرية ولاية الفقيه واضحة تماما أو مبلورة بصورة كاملة ، حيث كانت تتعرض للشد والجذب بين نظريتين هما : (النيابة العامة للفقهاء) و (الشورى ) أو لديموقراطية . ونتيجة لذلك فقد تفجرت عدة صراعات داخل النظام الإسلامي الوليد ، كان أهمها الصراع بين رئيس الجمهورية الأول أبو الحسن بني صدر والإمام الخميني ، والصراع بين مجلس الشورى ورئيس الوزراء حسين موسوي ، والازمة الطويلة بين مجلس الشورى ومجلس صيانة الدستور حول قانون العمل .. تلك الازمة التي فجرت عام 1988 خلافا بين الإمام الخميني ورئيس الجمهورية يوماك السيد علي الخامنائي ، وآدت إلى طرح الإمام لنظرية الولاية المطلقة التي أعلن فيها قدرة الفقيه الحاكم على تجاوز الدستور والامة واعتبار الولاية شعبة من ولاية الإمام المعصوم والنبي والله ، وأنها تضاهي في صلاحياتها صلاحيات الرسول الأعظم ..

وهذا ما دفعني لإجراء مراجعة فقهية استدلالية لنظرية (ولاية الفقيه) التي كنت أؤمن بها من قبل ، ودراستها من جديد ، وقد قمت بهذه الدراسة في عام 1989 وحصلت لدي بعض التفاصيل الجزئية التي اختلفت فيها مع الإمام من حيث تحديد الصلاحيات والفصل بين السلطات واستناد نظرية ولاية الفقيه على الشورى و إرادة الأمة .

وقبل إن اكتب الدراسة بشكلها النهائي ارتأيت إن اعمل لها مقدمة تاريخية تغطي تاريخ المرجعية منذ بداية (الغيبة الكبرى) وذلك من خلال دراسة كتب الفقه القديمة وتاريخ العلماء ، لكي أرى مَ ن من العلماء كان يؤمن بنظرية (ولاية الفقيه) وكيف انعكست على موقفه السياسي وماذا قام به من أعمال؟

وبحمد الله عثرت على مكتبة فقهية شاملة خاصة في مدينة مشهد (خرا سان) تضم اكثر من مائة موسوعة فقهية شيعية منذ بداية (الغيبة الكبرى) إلى الآن ، فانكببت على مراجعتها والتحقيق فيها ..فاكتشفت فجأة إن العلماء السابقين لم يكونوا يؤمنون بنظرية ولاية الفقيه ، أو بالأحرى لا يعرفونها مطلقا.. وان بعضهم كتب في الرد عليها عندما طرحها الشيعة الزيدية كمخرج لأزمة (الغيبة ) ، كالشيخ عبد الرحمن بن قبة والشيخ الصدوق والعلامة الحلي .. وان أول من كتب فيها هو الشيخ النراقي في (عوائد الأيام) قبل نحو مائة وخمسين عاما ، وان العلماء السابقين كانوا يؤمنون بنظرية (الانتظار للإمام المهدي الغائب) ويحرمون العمل السياسي أو الثورة أو إقامة الحكومة وممارسة مهامها في عصر الغيبة. وذلك لفقد شرطَي العصمة والنص في الإمام .

لقد كنت فيما مضى اصطدم في الحوزة ببعض العلماء الذين يحرمون العمل السياسي أو الاقتراب منه.. وكنت اسمع بعض المشايخ وهو يردد الحديث المعروف :( كل راية تخرج قبل ظهور المهدي فهي راية ضلالة وصاحبها طاغوت ) ولكني كنت اعتبر هذا الحديث ضعيفا وغير مهم ، ولم اكن أدرك عمق الفكر السلبي الذي كان يخيم على الحوزة ويضرب بجذوره إلى أعماق التاريخ ، ويتمتع بفلسفة كلامية عريضة !

وهنا تساءلت في نفسي: إذا كانت نظرية ولاية الفقيه حادثة مؤخرا وغير معروفة من العلماء السابقين ، فماذا يا ترى ترك (النواب الأربعة الخاصون ) من فكر سياسي لعصر (الغيبة الكبرى)؟..

وقررت تبعا لذلك إن ادرس مرحلة (الغيبة الصغرى) وفكر ومواقف (النواب الأربعة) فوجدتهم يؤمنون كذلك بنظرية (الانتظار) ويبتعدون عن العمل السياسي ، وهذا ما زاد من حيرتي.. واكتشفت أثناء البحث شبهات تاريخية وعلامات استفهام تدور حول صدق ادعاء (النواب الأربعة) بالنيابة الخاصة عن الإمام المهدي الغائب ، ضمن دعاوى اكثر من عشرين (نائبا) كان يدعي ذلك ، وان الشك كان يحوم حولهم جميعا .

وحاولت بكل جهدي إن افهم ماذا خلف (الإمام المهدي ) للشيعة من نظام سياسي في غيبته؟ وهل أشار إلى ذلك ؟ أم تركهم سدى؟ ولماذا لم ينص على (المرجعية) أو (النيابة العامة ) أو (ولاية الفقيه) أو (الشورى) ؟ ولماذا لم يتحدث عن ضرورة قيام دولة شيعية في ظل الغيبة؟ ولماذا لم يفهم العلماء السابقون القريبون منه ذلك ؟ ولماذا التزموا بنظرية (الانتظار)؟

 وقد جرني بحث موضوع (الغيبة الصغرى) إلى بحث موضوع · وجود الإمام المهدي ( محمد بن الحسن العسكري) بعد إن وجدت لأول مرة في حياتي أجواء من الحيرة والغموض تلف القضية تلك الأيام وعدم وضوح الصورة لدى الشيعة الإمامة الموسوية الذين تفرقوا بعد وفاة الإمام الحسن العسكري دون ولد ظاهر إلى اكثر من أربعة عشر فرقة ، وتشتتوا ذات اليمين وذات الشمال .. مما ولّد لدي صدمة أكبر ودفعني لاستقصاء البحث حول الموضوع ، مع الإصرار على ضرورة التوصل إلى نتيجة حاسمة وواضحة ، والخروج من الحيرة .

وقد تعجبت من نفسي جدا لجهلي بتاريخ الشيعة إلى الحد الذي لم أقرأ ولم اسمع عن تفاصيل الحيرة ووجود الشك التاريخي حول ولادة الإمام الثاني عشر ، مع أني كنت أتصدى للدعوة والتبشير بالمذهب الامامي الاثني عشري منذ طفولتي ، وقد نشأت في الحوزة وكتبت عدة كتب حول أئمة أهل البيت وقرأت اكثر.. وانتبهت حينها إلى غياب درس مادة التاريخ بالمرة من برامج الحوزة العلمية التي تقتصر على اللغة العربية والفقه والأصول والفلسفة والمنطق..

ولا يوجد لديها حصة واحدة حول التاريخ الإسلامي أو الشيعي!

وعلى أي حال .. فقد كان البحث في موضوع (وجود الإمام المهدي ) حساسا جدا ويحمل خطورة اجتماعية وسياسية وفكرية ، ويمكن إن يقلب كثيرا من الأمور رأسا على عقب ، ويشكل منعطفا استراتيجيا في حياتي وحياة المجتمع.

ولم استطع إن اترك الأسئلة التي ارتسمت أمامي معلقة في الهواء.. إذ لا بد إن أجيب عليها بنعم أو ..لا ، ووجدت الأمانة العلمية والمسئولية الرسالية تفرض عليّ إن أواصل البحث حتى النهاية.

وحمدت الله تعالى مرة أخرى ..على آني كنت في إيران معقل الفكر الشيعي الامامي ، فذهبت إلى مكتبات طهران وقم ومشهد ، ولم ادع كتابا قديما أو حديثا حول الموضوع إلا ودرسته بدقة وعمق.. وبدلا من إن ينقشع الغموض ويزول الشك والحيرة، ازدادت الصورة سلبية وغموضا.. ووجدت بعض العلماء السابقين يصرح بعدم وجود أدلة تاريخية كافية وقاطعة أو معتبرة حول ولادة الإمام المهدي ، وانه يقول بذلك عن طريق الاجتهاد والافتراض الفلسفي والظن والتخمين!!!

وهمست إلى بعض الأساتذة في الحوزة بما توصلت إليه من نتائج مذهلة ، وسألته فيما إذا كان يمتلك أدلة علمية أخرى أقوي على ولادة الإمام المهدي ، فنفى الحاجة إلى ذلك ، وقال: إن الأيمان بوجود الإمام المهدي ليس بحاجة إلى استدلال علمي أو تاريخي ، وانما يتم عن طريق الغيب ، وانه يشكل جزءا من الأيمان بالغيب! .. فقلت له: نحن نؤمن بالقرآن الكريم كوحي منزل من الله على رسوله الكريم ، وكلما يتضمن القرآن من إشارات إلى موضوعات غائبة عن حسنا كاليوم الآخر والملائكة والجن والشياطين والأنبياء السابقين ، فنحن نؤمن بها ، ولا يمكن إن نؤمن بعد ذلك بشيء لم يصرّح به القرآن الكريم ولا الرسول الأعظم ولا أهل البيت ونعتبره جزءا من الغيب الذي يجب إن نؤمن به. وعموما نحن نؤمن بالإسلام وبكل ما جاء به الرسول الأعظم ، ولا بد إن نمتلك الأدلة والبراهين العلمية ، خاصة في موضوع العقيدة ، ولا يجوز إن نؤمن بشيء عن طريق الظن والافتراض ودعوى الغيب ، وبكلمة أخرى : لا يمكن إن نؤمن بشيء عن طريق غيبي .

 ونظرا لخطورة الموضوع فقد طلب مني ذلك الأستاذ الكبير إن أؤجل الكتابة في الموضوع لمدة سنة ، وان أواصل البحث ، وان أكتمه بشدة، ثم اقدم الدراسة بعد الانتهاء منها مكتوبة إلى العلماء لكي يناقشوها بدقة.. فوعدته بذلك ..

وعندما أنهيت البحث أرسلت رسالة إلى عدد كبير من العلماء في قم والنجف وطهران ومشهد والبحرين والكويت ولبنان ..اعرض عليهم ما توصلت إليه من نتائج ، واطلب منهم مناقشة البحث قبل نشره . ومع آني كنت متيقنا من النتائج التي توصلت إليها ، فقد احتملت إن يكون قد غاب عني بعض الأدلة والبراهين التي قد لم اطلع عليها والتي تثبت ولادة ووجود الإمام المهدي (محمد بن الحسن العسكري) أعلنت استعدادي للتراجع إذا ما أقنعني أحد بخطأ ما توصلت إليه ، واستعدادي لنشر ما يردني من ردود حتى إذا لم اقتنع بها.

وقد استجاب بعض العلماء الأفاضل في قم لدعوتي ، وطلبوا الكتاب لمناقشته ، بينما رد البعض الآخر بصورة عنيفة ومتشنجة وقرروا المقاطعة والإهمال ، واستنكر قسم ثالث إن أقوم بمراجعة المسلمات الثابتة ، واستغرب قسم رابع من مطالبتي بالأدلة على وجود الإمام المهدي واعتبر التشكيك في (وجود الإمام الثاني عشر) مقدمة للتشكيك في النبوة ووجود الله تعالى!

لقد اكتشفت وجود علاقة وثيقة بين موضوع الإمام المهدي ونظرية (الانتظار) السلبية التي كان يلتزم بها العلماء السابقون ، والتي كانت تحرم أي نشاط سياسي في عصر (الغيبة) والتي تفسر سر انهيار الشيعة وانعزالهم عبر التاريخ وخروجهم من مسيرة الحياة.

و إن الفكر السياسي الشيعي في (عصر الغيبة) كان ولا يزال يرتكز على نظرية وجود الإمام الثاني عشر (المهدي المنتظر) وولادته من قبل ، وقد التزم مرة - ولفترة طويلة - بنظرية الانتظار ، التي لم يتخلَّ عنها تماما ، ولا تزال تفعل فعلها في كثير من جوانب الحياة ، وعندما تخلى عن نظرية الانتظار وقع في مطب نظرية (النيابة العامة) و (ولاية الفقيه) التي تعطي للمرجع الديني أو الحاكم صلاحيات مطلقة تشابه صلاحيات الإمام المعصوم أو الرسول الأعظم (ص) وتقضي على إمكانيات مشاركة الأمة في السلطة وإقامة نظام سياسي معتدل .

لذا فاني اشعر بأن المسئولية الكبرى عن تخلف الشيعة وانحطاطهم في التاريخ تقع على عاتق الأفكار الخاطئة والنظريات الدخيلة التي تسربت عبر المتكلمين إلينا .. وان إصلاح أوضاعنا العامة في الحاضر والمستقبل يتوقف على مراجعة ثقافتنا وتصحيحها وتنقيتها ومطابقتها مع روح الإسلام وتراث أهل البيت (ع) .

وقد قمت في هذه الكتاب ببحث جميع الأدلة التي قدمها و يقدمها المتكلمون والمؤرخون حول (ميلاد ووجود الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري ) وكانت تنقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي : الدليل العقلي الفلسفي والدليل التاريخي والدليل الروائي النقلي ، ثم قمت بعد ذلك بدراسة هذه الأدلة وتقييمها والتأكد من صحتها .. ودرست بعد ذلك الآثار السلبية التي ألحقتها هذه النظرية بالشيعة الإمامة الاثني عشرية على مدى التاريخ ، وسجلت بعد ذلك عمليات الخروج الشيعية من تلك الأزمة المستعصية ، ومحاولات الثورة الفقهية والسياسية ضد الفكر السلبي القديم ، وتوقفت أخيرا عند المرحلة الأخيرة من تطور الفكر السياسي الشيعي وهي مرحلة (ولاية الفقيه) وتأملت في إيجابياتها وسلبياتها وقدمت في النهاية الصورة المستقبلية التي أرى أتمنى إن يتقدم إليها الفكر السياسي الشيعي ، وهي صورة (الشورى) أو الديموقراطية ، وولاية الأمة على نفسها .

المطلب الثاني:

شهادة (النواب الأربعة)

 لعل أهم دليل تاريخي على ولادة ووجود (الإمام محمد بن الحسن العسكري) هو شهادة (النواب الأربعة) الخاصين الذين ادعوا (النيابة ) عنه ، في فترة (الغيبة الصغرى) من سنة 260 إلى سنة 329 هجرية . حيث كان هؤلاء (النواب) يدعون مشاهدته واللقاء به وإيصال الأموال إليه و نقل الرسائل و (التواقيع) منه إلى المؤمنين به.

وكان الجيل الأول من (النواب ) أو (السفراء) أو (الوكلاء) رجال من أصحاب الإمامين علي بن محمد الهادي (ع) والحسن بن علي العسكري (ع) ، وكان على رأسهم عثمان بن سعيد العمري ، الذي كان وكيلا للإمامين في قبض الأموال من الشيعة وإيصالها اليهما في حياتهما ، والذي يصفه الشيخ الطوسي بأنه :· الشيخ الموثوق به ومن السفراء الممدوحين للأئمة . 41

ويقال : انه كان محل ثقة الإمامين العسكريين ، ولم يكن وكيلا لهما في جمع الأموال فقط ، وانما كان يقوم بأدوار أكبر في إيصال رسائل الإمامين إلى الشيعة ، وكان يحتل مرتبة عظيمة عندهما . وينقل الشيخ الطوسي في :(الغيبة) رواية عن احمد بن اسحق القمي ، قال: دخلت على أبى الحسن علي بن محمد ، في يوم من الأيام ، فقلت: يا سيدي أنا اغيب واشهد ولا يتهيأ لي الوصول إليك إذا شهدت في كل وقت ، فقول من نقبل ، وأمر من نمتثل؟ فقال لي: · هذا أبو عمرو الثقة الامين ، ما قاله لكم فعني يقوله ، وما أداه اليكم فعني يؤديه . فلما مضى أبو الحسن وصلت إلى أبى محمد الحسن العسكري ، ذات يوم ، فقلت له مثل قولي لأبيه ، فقال لي: · هذا أبو عمرو الثقة الأمين ثقة الماضي وثقتي في المحيا والممات ، فما قاله لكم فعني يقوله ، وما ادى إليكم فعني يؤديه . 42

وهذه الرواية تكشف عن إن العمري لم يكن وكيلا في جمع المال فقط ، وانما كان يقوم بأدوار اكبر في إيصال رسائل الإمامين الهادي والعسكري إلى الشيعة ، ويحتل مرتبة عظيمة عندهما.

وينقل الطوسي أيضا عن احمد بن علي بن نوح أبو العباس السيرافي ، قال : اخبرنا أبو نصر عبد الله بن محمد بن احمد المعروف بابن برنية الكاتب ، قال : حدثني بعض الشراف من الشيعة الإمامة أصحاب الحديث ، قال : حدثني أبو محمد العباس بن احمد الصائغ ، قال : حدثني الحسين بن احمد الخصيبي ، قال : حدثني محمد بن إسماعيل وعلي بن عبد الله الحسنيان ، قالا: دخلنا على أبى محمد الحسن بسرمن رأى وبين يديه جماعة من أوليائه وشيعته حتى دخل عليه بدر خادمه ، فقال: يا مولاي بالباب قوم شعث غبر ، فقال لهم: هؤلاء نفر من شيعتنا باليمن (في حديث طويل يسوقه ) إلى إن ينتهي إلى إن قال الحسن لبدر : فامض إئتنا بعثمان بن سعيد العمري ، فما لبثنا إلا يسيرا حتى دخل عثمان ، فقال له سيدنا أبو محمد : · امض يا عثمان فانك الوكيل والثقة المأمون على مال الله واقبض من هؤلاء النفر اليمنيين ما حملوه من المال ( ثم ساق الحديث إلى إن قال ) ثم قلنا بأجمعنا : يا سيدنا والله إن عثمان لمن خيار شيعتك ، ولقد زدتنا علما بموضعه من خدمتك وانه وكيلك وثقتك على مال الله ، قال: · نعم ، واشهدوا على إن عثمان بن سعيد العمري وكيلي ، وان ابنه محمد وكيل ابني مهديكم . 43

 ويلاحظ إن هذه الرواية تشتمل ، إضافة إلى وثاقته ووكالته ، على وثاقة ابنه ووكالته .

ويروي الطوسي عن أبى محمد هارون بن موسى قال وقال جعفر بن محمد بن مالك الفزاري عن جماعة من الشيعة منهم علي بن بلال واحمد بن هلال ومحمد بن معاوية بن حكيم والحسن بن أيوب بن نوح (في خبر طويل مشهور) قالوا جميعا: اجتمعنا إلى أبى محمد الحسن بن علي نسأله عن الحجة من بعده ، وفي مجلسه أربعون رجلا ، فقام إليه عثمان بن سعيد العمري ، فقال له : يا ابن رسول الله أريد إن أسألك عن أمر آنت اعلم به مني ، فقال له: اجلس يا عثمان ، فقام مغضبا ليخرج ، فقال: لا يخرجن أحد ، فلم يخرج منا أحد إلى إن كان بعد ساعة ، فصاح (ع) بعثمان ، فقام على قدميه ، فقال: أخبركم بما جئتم ؟.. جئتم تسألوني عن الحجة من بعدي ، قالوا: نعم ، فإذا غلام كأنه قطع قمر أشبه الناس بأبي محمد ، فقال: · هذا إمامكم من بعدي وخليفتي عليكم.. اقبلوا من عثمان ما يقوله وانتهوا إلى أمره واقبلوا قوله فهو خليفة إمامكم ، والأمر إليه . 44

ويقول الطوسي - نقلا عن حفيد العمري ، هبة الله - : إن الحسن بن علي لما مات حضر غسله عثمان بن سعيد وتولى جميع أمره في تكفينه وتحنيطه وتقبيره مأمورا بذلك للظاهر من الحال... وكانت توقيعات صاحب الأمر تخرج على يدي عثمان بن سعيد وابنه أبى جعفر ، إلى شيعته وخواص أبيه بالأمر والنهي ، والأجوبة عما يسأل الشيعة عنه إذا احتاجت إلى السؤال فيه ، بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن ، فلم تزل الشيعة مقيمة على عدالتهما إلى إن توفي عثمان بن سعيد. 45

وهكذا اصبح العمري (نائبا خاصا) عن (الإمام المهدي) بعد إن ادعى وجوده وولادته والنيابة له . وقد سأله احمد بن اسحاق ، فقال له: أنت الآن ممن لا يشك في قوله وصدقه ، فأسألك بحق الله وبحق الإمامين اللذين وثقاك ، هل رأيت ابن أبى محمد الذي هو صاحب الزمان ؟ .. فبكى ثم قال: على إن لا تخبر بذلك أحدا وآنا حي ، قال: نعم ، قال: قد رايته ، وعنقه هكذا ( يريد: أنها اغلظ الرقاب حسنا وتماما ) قال: فالاسم ؟ .. قال: نهيتم عن هذا . 46

وقد توفي عثمان بن سعيد العمري بعد وفاة الإمام العسكري بسنتين وخلف ابنه محمد (سفيرا) بين الإمام المهدي والشيعة.

وينقل الكليني والطوسي ( تواقيع ) واردة من الإمام بتوثيقه وتزكيته وتنصيبه في منصب (النائب الخاص) . 47

ويقول عبد الله بن جعفر الحميري القمي ، زعيم الشيعة في قم : إن المهدي قد أرسل إلى العمري الابن ( توقيعا ) جاء فيه : · أنا لله وانا إليه راجعون ، تسليما لأمره ورضاء بقضائه.. عاش أبوك سعيدا ومات حميدا ، فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه ، فلم يزل مجتهدا في أمرهم ساعيا في ما يقربه إلى الله عز وجل ، نضّر الله وجهه وأقاله عثرته.. . وكان من كمال سعادته إن رزقه الله تعالى ولدا مثلك يخلفه من بعده ويقوم مقامه بأمره ويترحم عليه ، واقول : الحمد لله ، فان الأنفس طيبة بمكانك وما جعله الله عز وجل فيك وعندك ، أعانك الله وقواك وعضدك ووفقك وكان لك وليا وحافظا وراعيا وكافيا . 48

وقال الحميري : لما مضى أبو عمرو (عثمان بن سعيد ) أتتنا الكتب بالخط الذي كنا نكاتب به بإقامة أبى جعفر مقامه. 49

وقال محمد بن ابراهيم بن مهزيار الاهوازي : انه خرج إليه بعد وفاة أبى عمرو · والابن وقاه الله لم يزل ثقتنا في حياة الأب رضي الله عنه وأرضاه ونضّر وجهه ، يجري عندنا مجراه ، ويسد مسده ، وعن أمرنا يأمر الابن وبه يعمل ، تولاه الله ، فانتهِ إلى قوله وعرّف معاملتنا ذلك . 50

وروى الطوسي عن اسحاق بن يعقوب : قال سألت محمد بن عثمان العمري إن يوصل لي كتابا قد سألت فيه مسائل اشكلت علي فوقع (التوقيع) بخط مولانا صاحب الدار :·وما محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه وعن أبيه من قبل ، فانه ثقتي وكتابه كتابي . 51

وكان العمري إذا سُئل : هل رأيت المهدي ؟ يقول · نعم ، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام ، وهو يقول : · اللهم انجز لي ما وعدتني ورايته متعلقا بأستار الكعبة في المستجار وهو يقول : ·اللهم انتقم لي من أعدائي .. والله إن صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كل سنة يرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه . 52

ويقول الطوسي: إن التوقيعات كانت تخرج على يد العمري طول حياته بالخط الذي كانت تخرج في حياة أبيه ، لا يعرف الشيعة في هذا الأمر غيره. 53

واستمر العمري (الابن) في هذا المنصب حوالي خمسين عاما حيث توفي في مطلع القرن الرابع الهجري سنة 305ه ، وأوصى إلى (الحسين بن روح النوبختي) الذي كان واحدا من عشرة وكلاء له في بغداد . وهكذا أوصى النوبختي الذي توفي سنة 325 هجرية إلى النائب الرابع علي بن محمد السمري (الصيمري) كخليفة من بعده بالوكالة عن الإمام المهدي الغائب . 54

 والى جانب هؤلاء (النواب الأربعة) ادعى النيابة حوالي أربعة وعشرين رجلا آخر من أصحاب الإمامين الهادي والعسكري ، أو من أتباعهم كالحسن الشريعي ومحمد بن نصير النميري وابي هاشم داود بن القاسم الجعفري واحمد بن هلال العبرتائي ومحمد بن علي بن بلال واسحاق الأحمر وحاجز بن يزيد ومحمد بن صالح الهمداني ومحمد بن جعفر بن عون الاسدي الرازي ومحمد بن ابراهيم بن مهزيار والحسين بن منصور الحلاج وجعفر بن سهيل الصيقل ومحمد بن غالب الاصفهاني ، واحمد بن اسحاق ألا شعري القمي والقاسم بن محمد بن علي بن ابراهيم الهمداني ومحمد بن صالح القمي والقاسم بن العلاء وابنه الحسن ومحمد بن علي الشلمغاني ابن أبى العزاقر ، وابو دلف الكاتب .

وكان الكثير من هؤلاء يدعي وجود علاقة خاصة بينه وبين الإمامين الهادي والعسكري ومن ثم (الإمام المهدي) كما يدعي القدرة على اجتراح المعاجز و العلم بالغيب ، ويخرج رسائل سرية يقول أنها وردته من الإمام الغائب ، ويقوم باستلام الاموال والحقوق الشرعية . وقد اختلف الشيعة الإمامة القائلون بوجود الإمام الثاني عشر فيما بينهم حول صدق أولئك النواب وصحة ادعائهم بالنيابة ، فذهب فريق إلى تصديق (النواب الأربعة ) الأوائل ، وذهب فريق آخر كالنصيرية إلى تصديق الشريعي والنميري ، كما ذهب آخرون إلى تصديق مجموعة أخرى.

وعلى أي حال فان البعض يعتبر وجود (النواب الأربعة) وغيرهم ، شهادة تاريخية على وجود ابن للإمام الحسن العسكري هو ( الإمام المهدي) إضافة إلى تلك الروايات التاريخية التي تحدثت عن ولادته ومشاهدته في حياة أبيه واللقاء به بعد ذلك .

يقول السيد محمد باقر الصدر في كتابه :(بحث حول المهدي) انه ليس من المعقول إن يكذب أولئك النواب الثقاة العدول في دعواهم النيابة أو في وجود الإمام المهدي . بعد إناجمع الشيعة على صدقهم وورعهم وتقواهم.

وقد اعتبر بعض المحدثين السابقين كالنعماني محمد بن أبى زينب : إن وجود اولئك النواب الخاصين الأربعة في فترة (الغيبة الصغرى) وانقطاعهم في فترة (الغيبة الكبرى ) الممتدة منذ ذلك الحين إلى يوم الظهور ، وانسجام الفترتين مع الروايات التي تتحدث عن وجود غيبتينصغرى وكبرى للإمام المهدي ، دليلا على وجود (محمد بن الحسن العسكري) وصحة غيبته .

المطلب الثالث:

رسائل المهدي

ذكر الصدوق والطوسي وابن شهرآشوب والطبرسي عددا من الرسائل التي قالوا إن (الإمام محمد بن الحسن العسكري) قد بعث بها إلى عدد من (وكلائه) في عصر (الغيبة الصغرى) . منها ما رواه الطوسي في :(الغيبة)

عن احمد بن اسحاق ألا شعري القمي الذي يقول انه كتب إلى (ابن الحسن) رسالة حول دعوة جعفر بن علي الهادي لأهل قم لأتباعه بعد وفاة أخيه . ويقول فيها : إن (صاحب الزمان) كتب إليه كتابا يتضمن اتهام جعفر بالجهل بالدين وبالفسق وشرب الخمر والعصيان لله ، وبعدم امتلاكه لأية حجة ، ودعوة لامتحانه ، وتأكيدا على عدم جواز اجتماع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين. 55

كما ينقل الطوسي رواية ثانية عن ابن أبى غانم القزويني انه وجماعة من الشيعة اختلفوا حول وجود (الخلف) وتشاجروا ، ثم انهم كتبوا في ذلك كتابا انفذوه إلى ( الناحية) وأعلموه بما تشاجروا فيه ، فورد جواب كتبهم بخطه (ع) وكان يتضمن أسفا وحرقة عليهم ، ودعوة للتسليم وعدم محاولة الكشف عن استار الغيبة. 56

وتوجد رسالة ثالثة يرويها الصدوق في (إكمال الدين) عن اسحاق بن يعقوب ، قال: سألت محمد بن عثمان العمري إن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل اشكلت عليّ ، فورد التوقيع (الجواب) بخط مولانا صاحب الدار ، وكان فيه:· واما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا ، فانهم حجتي عليكم ، وأنا حجة الله عليهم كما كان يتضمن تزكية وتوثيقا للعمري ، وإباحة للخمس في عصر الغيبة ، ونهيا عن السؤال عن سبب الغيبة . 57

وينقل الصدوق في (إكمال الدين) رسالة أخرى من (الإمام المهدي) إلى (النائب الأول): عثمان بن سعيد العمري وابنه محمد (النائب الثاني) يذكر فيها اخبار الخلاف بين الشيعة حول (الخلف) وقول بعضهم بعدم وجود غير جعفر بن علي ، ويطالب الشيعة بعدم البحث عما ستر عنهم لكي لا يأثموا ، وعدم كشف ستر الله لكي لا يندموا ، والاقتصار على الاجمال والتعريض دون التفسير والتصريح . 58

وقد ذكر ابن شهر آشوب في (المناقب) والطبرسي في (الاحتجاج) : إن المفيد اخرج نسخا من رسائل قال إن الإمام المهدي قد بعثها إليه بيد اعرابي وبخط رجل آخر ، وكان المهدي يخاطب فيها المفيد بالاخ السديد والمولى الرشيد والمخلص الناصر ، وملهم الحق ودليله والعبد الصالح الناصر للحق والداعي إليه بكلمة الصدق. 59

 هذه أهم القصص التي تروى عن مشاهدة (الإمام محمد بن الحسن العسكري) عند ولادته وفي حياة أبيه وعند وفاته وبُعيد ذلك.. وهناك قصص أخرى كثيرة تروى عن مشاهدته في البيت الحرام في الطواف أو في شعب من شعاب الطائف أو في المدنية أو هنا وهناك ، وهي أقل دلالة من هذه القصص وأضعف سنداً..

 وربما كانت قصة حكيمة وابي الاديان البصري هما اشهر القصص التي تروى عن ولادة ووجود (الإمام الثاني عشر) .


مدى الموضوعية التاريخية في تحقيق السيد مرتضى العسكري

لقد أنفق محقق كبير مثل السيد مرتضى العسكري سنوات طويلة من عمره، لكي يثبت في مجلدين أو ثلاثة أن عبد الله ابن سبأ اسطورة وهمية اختلقها بعض المؤرخين لكي يتهموا الشيعة بأخذ نظرية الوصية في الإمامة من الإسرائيليين، وبذل السيد العسكري جهودا مضنية ودرس عشرات الكتب التاريخية لكي ينفي قصة وجود عبد الله بن سبأ ودوره في الفكر الشيعي، ولكنه لم يبذل واحدا بالمائة أو بالألف من تلك الجهود ليبحث حقيقة (وجود الإمام الثاني عشر) أو يدرس تلك الروايات التي تتحدث عن ولادته، ولم يتوقف عندها في كتاب من كتبه، وهو الذي اكتشف وجود (مائة وخمسين صحابي مختلق)

أحمد الكاتب «تطور الفكر الشيعي السياسي: من الشورى إلى ولاية الفقيه».  ص 205


الاعتقاد بوجود الامام الثاني عشر فرضية فلسفية حادثة وليست من التشيع

أحمد الكاتب
التشيع حركة تاريخية عريضة تطورت مع الزمن وتشعبت وانتقلت من مرحلة الى اخرى ، وكان في البداية يعني الولاء لأهل البيت ومناصرتهم سياسيا في مقابل الأمويين ، ثم تطور في القرن الثاني الهجري الى عدة حركات سياسية عباسية وفاطمية وحسنية وحسينية وزيدية وجعفرية وإسماعيلية وموسوية وواقفية ، وكانت الامامية فرقة من الفرق الشيعة المختلفة ، ولكنها توقفت عند وفاة الامام الحسن العسكري في منتصف القرن الثالث الهجري دون ان يخلف ولدا ظاهرا ، فانقسمت الى عدة فرق قالت إحداها بوجود ولد للامام العسكري في السر هو الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري ، الغائب المنتظر ، وتطورت الفرقة الامامية الى (اثني عشرية) في القرن الرابع الهجري بعد ان تم استيراد أحاديث من اهل السنة وإضافة أحاديث اخرى مختلقة تحدد الامامة في اثني عشر اماما فقط.
وكما هو واضح من السير التاريخي لتطور النظريات الشيعية ، فان رفض النظرية الاثني عشرية لا يعني بالضرورة رفض النظرية الامامية ، إذ ان ثمة فرق شيعية عديدة تؤمن بالنظرية الامامية ولا تؤمن بالاثني عشرية كالواقفية والفطحية والإسماعيلية ، وكذلك فان رفض النظرية الامامية لا يعني الخروج من دائرة الشيعة والتشيع كما يرفض الزيدية والجعفرية النظرية الامامية مع انهم في صلب الحركة الشيعية.
واذا كان التشيع باختصار هو الولاء لأهل البيت وأخذ الفقه عن الأئمة وبالخصوص الامام جعفر الصادق (ع) فان رفض النظرية الامامية والنظرية الاثني عشرية لا يعني الخروج من التشيع.
ومن هنا فاني استغرب من إصرار البعض على نفي الصفة الشيعية عني بالرغم من اني أعلن تمسكي بأهل البيت واتباعي للمذهب الجعفري ، كما استغرب قيام البعض بالربط بين الايمان بالنظرية الاثني عشرية او الامامية والالتزام بالتشيع او الاسلام بالرغم من ان النظرية الامامية ولدت في القرن الثاني الهجري بصورة سرية ولدى قسم صغير من الشيعة وبعيدا عن أئمة اهل البيت عليهم السلام ،وبالرغم من ان النظرية الاثني عشرية ولدت في القرن الرابع الهجري ولم يكن لها أي أثر في تاريخ الشيعة في القرون الثلاثة الأولى.
كما استغرب إصرار البعض على التمسك بالنظرية الاثني عشرية والايمان بوجود الامام الثاني عشر وولادته في منتصف القرن الثالث الهجري واستمرار حياته الى اليوم ، واعتبار ذلك أساسا من اسس المذهب الشيعي وضرورة من ضروريات الدين بالرغم من ان هذه النظرية بنيت على فرضية فلسفية وروايات باطنية ضعيفة مخالفة للظاهر وتأويلات لأحاديث اخرى ، ولم تدعم بأدلة علمية شرعية ثابتة ، ولم يظهر للامام الثاني عشر المفترض أي أثر منذ اكثر من ألف عام ، وهو ما دفع الشيعة منذ قرون الى التخلي عن انتظاره والتخلي عن النظرية الامامية التي كانت تعلق الاجتهاد في المسائل الحادثة وتطبيق الأحكام الشرعية على الامام المعصوم المعين من قبل الله من السلالة العلوية الحسينية ، ولذا فقد فتح الشيعة باب الاجتهاد في القرن الخامس الهجري (منذ أيام الشيخ المفيد والسيد المرتضى والشيخ الطوسي) ثم قاموا بعد ذلك في القرون الأخيرة بالسماح للملوك الشيعة بالحكم كالصفويين والقاجاريين ، وقالوا بولاية الفقيه وحلوله محل الامام في التشريع والقضاء والتنفيذ .
وهذا ما يؤكد انقراض النظرية الامامية عمليا ووصولها الى طريق مسدود بغيبة او عدم وجود الامام المعصوم المعين من قبل الله لقيادة الامة الاسلامية ، وان الشيعة اليوم في غالبيتهم شيعة جعفرية وليسوا بامامية ولا اثني عشرية ، وان كان البعض يتوهم ذلك.
لقد ولدت النظرية الاثني عشرية المرتكزة على الايمان بوجود وولادة الامام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري في أحضان الفلاسفة والمتكلمين والغلاة والأخبارية والحشوية والصوفية بعد وفاة آخر إمام من أئمة أهل البيت وهو الحسن العسكري ولم يعرف بها الشيعة قبل ذلك التاريخ ولا أئمة اهل البيت ، وكانت تبتني على افتراضات فلسفية تحتم على الله ان يجعل في الأرض اماما معصوما معينا من قبله وان يكون ذلك الامام من نسل الحسن العسكري ، بالرغم من ان الامام العسكري نفسه لم يشر الى وجود ولد له في حياته وأوصى عند وفاته بأمواله الى أمه ولم يتحدث عن وجود ولد له في السر او العلن ، ولكن الباطنية فسروا صمته بالتقية وادعوا وجود ولد له في السر والخفاء وقالوا انه الامام من بعده وبشروا بقرب ظهوره ومضت قرون وقرون ولم يظهر أي أثر له كما لم يقم بأي دور تشريعي او سياسي في هذه الفترة الطويلة .

العوامل الفلسفية
لنشوء الفرضية (المهدوية الاثني عشرية)
إذا قمنا بقراءة الرواية التاريخية لما حدث للشيعة الإمامية بعد وفاة الإمام الحسن العسكري سنة 260 هجرية ، والقينا نظرة على الدليل العقلي الذي قدمه ذلك الفريق الذي قال بـ : وجود ولد مخفي للإمام ، هو الإمام من بعده وهو المهدي المنتظر ، فأننا سنكتشف أزمة نظرية مرّ بها ذلك الفريق من الإمامية ممن يشترط توارث الإمامة بصورة عمودية ، وعدم جواز انتقالها إلى أخ أو ابن عم ، واضطراره إما إلى التنازل عن هذا الشرط ، أو التسليم بانقطاع الإمامة بعد وفاة العسكري دون خلف ، كما هو الظاهر من حياته ، أو افتراض وجود ولد له في السر ، بالرغم من عدم التصريح به ، أو الإعلان عنه ، وتفسير هذا الغموض والكتمان بالتقية والخوف من السلطة ، بالرغم من عدم وجود مؤشرات تستدعي ذلك .
تقول الرواية التاريخية التي يعترف بها وينقلها المؤرخون والمتكلمون (الاثناعشريون): إن الإمام العسكري توفي دون إن يخلف ولدا ظاهرا ، وأوصى بأمواله إلى أمه المسماة بـ :"حديث" ، وهذا ما سمح لأخيه جعفر بن علي الهادي بأن يدعي الإمامة من بعده ويدعو الشيعة الإمامية إلى إتباعه كخليفة له ، كما اتبعوا الإمام موسى بن جعفر بعد وفاة أخيه الأكبر (عبد الله الأفطح) الذي اصبح إماما لفترة من الوقت بعد الإمام الصادق ، ولم ينجب ولدا تستمر الإمامة في عقبه .
ويقول النوبختي والأشعري القمي والمفيد : إن كثيرا من الشيعة الامامية لبوا نداء جعفر وكادوا يجمعون على القول بإمامته . وذلك لأن عامة الشيعة لم يكونوا يعرفون أحدا غير جعفر من أبناء الامام الهادي ، ولم يكونوا شاهدوا أي ولد للامام العسكري ، وهذا ما تؤكده رواية (أبى الأديان البصري) : رسول الإمام العسكري الى اهل المدائن ، الذي كان آخر شخص يودع الإمام ، والذي يقول : ان العسكري لم يخبره باسم خليفته ، وانما أعطاه بعض العلامات للتعرف عليه ، ويقول: انه عاد الى سامراء يوم وفاة الإمام العسكري فرأى جعفرا وحوله عامة الشيعة وعلى رأسهم عثمان بن سعيد العمري ، وهم يعزونه ويهنئونه ، وانه ذهب وعزاه وهنأه كواحد منهم، كما يقول: ان وفدا من شيعة قم قدموا في ذلك اليوم الى سامراء وسألوا عن الإمام الحسن وعرفوا موته ، فقالوا : من نعزي؟ فأشار الناس الى جعفر ، فسلموا عليه وعزوه وهنئوه.
وهو ما تؤكده أيضا رواية (سنان الموصلي) التي تتحدث عن قدوم وفد بقيادة أبى العباس محمد بن جعفر ال****ي القمي ، الى سامراء ، بعد وفاة الإمام العسكري ، وسؤالهم عنه وعن وارثه ، وقول الناس لهم: ان وارثه جعفر بن علي . وعدم وجود مانع يحول دون القول بإمامته سوى عدم معرفته بعلم الغيب.
وبناء على ذلك فقد أرسل جعفر الى أهل قم - التي كانت مركزا للشيعة يوم ذاك - يدعوهم الى نفسه ، ويُعلمهم : انه القيّم بعد أخيه . وقد اجتمع أهل قم عند شيخهم (احمد بن إسحاق) وتداولوا في الموضوع ، وقرروا إرسال وفد اليه لمناقشته و سؤاله بعض المسائل التي كانوا يسألون آباءه عنها من قبل والتأكد من دعواه . كما يقول الخصيبي في الهداية الكبرى) (4) والصدوق في إكمال الدين ) (5) والطبرسي في الاحتجاج) (6) والصدر في الغيبة الصغرى). (7)
مما يعني ان اهل قم لم يكونوا يعرفون بوجود ولد للامام العسكري ، ولم يكونوا يعرفون هوية الإمام الجديد من قبل ، ولم يكن يوجد لديهم أي مانع لقبول إمامة جعفر بن علي ، أي انهم لم يكونوا يلتزمون بقانون الوراثة العمودية في الإمامة ، ويجيزون إمامة الأخوين .

وكانت العقبة الرئيسية التي حالت دون إيمان بعض الشيعة بإمامة جعفر هو المبدأ القديم المشكوك فيه الرافض لاجتماع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين ، وقد طرحه وفد قم على جعفر بن علي أثناء الحوار ، فأجابهم بـ : ( ان الله قد بدا له في ذلك) ، كما يقول الخصيبي في (الهداية الكبرى)
وتقول بعض الروايات التي ينقلها الصدوق والطوسي : ان وفد قم طالب جعفر بالكشف عن كمية الأموال التي كان يحملها معه واسماء أصحابها ، غيبيا ، كما كان يفعل أخوه العسكري ، وان جعفر رفض ذلك الطلب و الادعاء ، واتهم الوفد بالكذب على أخيه ، وأنكر نسبة علم الغيب اليه.
كما تحاول بعض الروايات ان تتهم جعفر بالفسق وشرب الخمر والجهل وإهمال الصلاة (10) وذلك في محاولة لإبطال دعواه في الامامة ، ولكن عامة الشيعة لم يأخذوا بتلك الاتهامات ، ولم يطرحوا مسألة علم الغيب ، وقد عزوه وهنئوه بالإمامة ، وكانت المشكلة الرئيسية لدى البعض منهم هي مسألة الجمع بين الأخوين في الامامة ). وقد ارتكز الطوسي عليها في عملية الاستدلال على نفي إمامة جعفر و افتراض جود ابن الحسن ، وادعى عدم الخلاف حولها بين الامامية .
وكانت هذه المشكلة قد تفجرت في صفوف الشيعة الامامية - لأول مرة - بعد وفاة الإمام عبد الله الأفطح بن جعفر الصادق ، الذي اجمع فقهاء الشيعة ومشايخهم على القول بإمامته بعد أبيه ، ولكنه توفي دون عقب ، مما أوقع الشيعة الامامية في أزمة وفرقهم الى ثلاث فرق ، فمنهم من تمسك بمبدأ  عدم جواز الجمع بين الأخوين في الامامة) واضطر الى افتراض وجود ولد موهوم لعبد الله قال ان اسمه (محمد) وهو مخفي ، وانه سيظهر في المستقبل ، ومنهم من تجاوز هذا المبدأ وأجاز لنفسه الانتقال الى الأخ إذا لم يكن للامام السابق ولد ، وقال نتيجة لذلك بإمامة موسى بن جعفر بعد أخيه عبد الله ألا فطح ، ومنهم من تراجع عن القول بإمامة الأفطح ، واستنتج من عدم وجود عقب له : انه لم يكن إماما وشطب اسمه من قائمة الأئمة .
وقد تكررت هذه المشكلة مرة أخرى عند وفاة الإمام الحسن العسكري دون ولد ، مما أدى الى اختلاف الشيعة الامامية حول مسألة الخلف الى عدة فرق : فمنهم من جمع بين الأخوين وقال بإمامة جعفر بن علي بعد أخيه الحسن ، ومنهم من تراجع عن القول بإمامة العسكري وقال: ( ان القول بإمامة الحسن كان غلطا وخطأ ، وجب علينا الرجوع عنه الى إمامة جعفر ، وان الحسن قد توفي ولا عقب له فقد صح عندنا انه ادعى باطلا ، لأن الإمام بإجماعنا جميعا لا يموت الا عن خلف ظاهر معروف يوصي اليه ويقيمه مقامه بالإمامة ، والإمامة لا ترجع في أخوين بعد الحسن والحسين .. فالإمام لا محالة جعفر بوصية أبيه إليه) كما يقول النوبختي في فرق الشيعة) (12) والأشعري القمي في المقالات والفرق)
ومنهم من أصرّ على إمامة الحسن والتمسك الشديد بذلك المبدأ أو الشعار الرافض للجمع بين الأخوين في الإمامة . وانقسم هؤلاء إلى عدة أقسام : فمنهم من قال بمهدوية العسكري وغيبته ، ومنهم من قال برجوعه إلى الحياة بعد الموت ، ومنهم من قال بالفترة ، ومنهم من احتار وتوقف ، وقال: ( لم يصح عندنا إن للحسن خلفا ، وخفي علينا أمره ، ونحن نتوقف ونتمسك بالأول حتى يتبين لنا الآخر ، كما أمرنا : انه إذا هلك الإمام ولم يعرف الذي بعده فتمسكوا بالأول حتى يتبين لكم الآخر. فنحن نأخذ بهذا ونلزمه ، ولا ننكر إمامة أبى محمد ولا موته ، ولا نقول انه رجع بعد الموت ، ولا نقطع على إمامة أحد من ولد غيره ، فانه لا خلاف بين الشيعة  انه لا تثبت إمامة إمام إلا بوصية أبيه إليه وصية ظاهرة ) .
ومنهم من وجد نفسه مضطرا لافتراض وجود ولد مخفي للإمام العسكري ، وقال انه الإمام من بعده ، وانه المهدي المنتظر ، وفسر عدم إشارة أبيه إليه في حياته وعدم وصيته إليه ، وعدم ظهوره من بعده ، وغيبته .. فسر كل ذلك بالتقية والخوف من الأعداء .
وكان الدافع الرئيسي لهذا القول هو التمسك الشديد بقانون الوراثة العمودية ، وعدم جواز انتقال الإمامة إلى أخوين بعد الحسن والحسين . وبالرغم من انه كان قولا ضعيفا ولم يجمع الشيعة الإمامية عليه في ذلك الوقت ، خلافا لما ادعى الطوسي بعد ذلك بمائتي عام ، فان المتكلمين
الذين التزموا به ، جعلوا منه حجر الزاوية في عملية الاستدلال على وجود (ابن ) للإمام الحسن العسكري . وقد نسجوا منه ومن بقية القضايا الفلسفية التي توجب العصمة في الإمام أو توجب النص في أهل البيت دليلا ً أسموه بـ : "الدليل العقلي ، أو الفلسفي ".
وقد استعرضنا في الفصل الأول أقوال المتكلمين والمؤرخين الذين استدلوا بالعقل على وجود وولادة محمد بن الحسن العسكري) وكان دليلهم يعتمد على نظرية العصمة والنص والوراثة العمودية في الإمامة . ولكن دليلهم في الحقيقة كان يعتمد فقط على المبدأ الأخير الوراثة العمودية ( ، وذلك لأن كثيرا من الشيعة الإمامية (الفطحية) الذين كانوا يتفقون معهم في الإيمان بالعصمة والنص ويؤمنون بإمامة الحسن العسكري أيضا ، لم يجدوا أنفسهم مضطرين للأيمان بوجود ولد له في السر ، خلافا للظاهر ، وآمنوا بدلا من ذلك بإمامة أخيه جعفر بن علي الهادي ، لأنهم لم يكونوا يؤمنون بقوة بضرورة الوراثة العمودية وعدم جواز إمامة الأخوين .
إذن .. فان " الدليل العقلي " كان أشبه بالافتراض الفلسفي العاري عن الإثبات التاريخي . وكان ذلك يتجلى في استناد بعض المتكلمين على الحديث الرضوي القائل  إن صاحب هذا الأمر لا يموت حتى يرى ولده من بعده ) لإثبات وجود الولد للإمام العسكري ، كما ينقل الشيخ الطوسي في الغيبة) .
بالرغم من إمكانية الاستدلال بنفس الحديث لنقض إمامة العسكري ، كما فعل قسم من الشيعة الذين تراجعوا عن القول بإمامة العسكري ، واتخذوا من عدم إنجابه ولدا تستمر الإمامة فيه دليلا على عدم صحة إمامته ، كما تراجع الشيعة الموسوية ، في منتصف القرن الثاني ، عن القول بإمامة عبد الله ألا فطح ، لأنه لم ينجب ، وشطبوا اسمه من قائمة الأئمة .
واعتبر ذلك الفريق من الشيعة التراجع عن إمامة العسكري والقول بإمامة جعفر بعد أبيه الهادي مباشرة ، أهون من افتراض ولد موهوم للعسكري .
والغريب ان السيد المرتضى علم الهدى يتهم الذين قالوا بوجود ولد للإمام عبد الله الأفطح ، باللجوء إلى اختراع شخصية وهمية اضطرارا من اجل الخروج من الحيرة والطريق المسدود (17) ، ولكنه يمارس نفس الشيء في عملية افتراض وجود ابن للحسن العسكري ، وذلك اضطرارا من اجل الخروج من الحيرة التي عصفت بالشيعة الإمامية في منتصف القرن الثالث الهجري.
ولا بد بعد ذلك من الإشارة إلى إن تسمية عملية الاستدلال النظري على وجود ابن للحسن العسكري ، بالدليل (العقلي) هو من باب التسامح والاستعارة ، وإلا فانه ابعد ما يكون عن الاستدلال العقلي ، إذ يعتمد على مجموعة مقولات نقلية ، وبعضها أخبار آحاد بحاجة إلى إثبات الدلالة والسند كمقولة (الوراثة العمودية وعدم جواز انتقال الإمامة إلى أخوين بعد الحسن والحسين) .. ومن هنا فقد اعترف الشيخ الصدوق في إكمال الدين) وقال  إن القول بغيبة صاحب الزمان مبني على القول بإمامة آبائه ... وان هذا باب شرعي وليس بعقلي محض ) .
وهذا يعني إن المناقشة في أية مقدمة من مقدمات الدليل (العقلي) الطويلة كضرورة العصمة في الإمام ، وضرورة النص عليه من الله ، وثبوت الإمامة في أهل البيت وانحصارها في البيت الحسيني ، وكيفية انتقالها من إمام إلى إمام ، ودعاوى بقية الأئمة الذين ادعوا الإمامة والمهدوية كمحمد بن الحنفية وابنه أبى هاشم وزيد بن علي ومحمد بن عبد الله ذي النفس الزكية وإسماعيل بن جعفر وأبنائه ، وعبد الله ألا فطح ومحمد بن علي الهادي .. وما إلى ذلك من التفاصيل الجزئية في نظرية الإمامة الإلهية ، من البداية إلى النهاية ، حتى وفاة الإمام الحسن العسكري .. إن المناقشة في اية مقدمة من تلك المقدمات تسد الطريق على الوصول إلى فرضية ( وجود ابن الحسن العسكري)..
ومن هنا كان إثبات وجود (الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري) بصورة عقلية لسائر الناس أو سائر المسلمين ، أو سائر الفرق الشيعية ، أو حتى لسائر الفرق الإمامية التي لم توافق على مبدأ  الوراثة العمودية) صعبا أو مستحيلا .. ولذلك كان علماء الكلام (الاثناعشريون) يمتنعون عن خوض النقاش مع سائر الناس حول إثبات وجود (ابن الحسن) إلا بعد التسليم بالمقدمات النقلية الطويلة السابقة ، والإيمان بكل واحدة واحدة منها .

وقد قال عبد الرحمن بن قبة الرازي في الرد على علي بن احمد بن بشار  لا نتكلم في فرع لم يثبت اصله ، وهذا الرجل (ابن الحسن) الذي تجحدون وجوده ، فإنما يثبت له الحق بعد أبيه .. فلا معنى لترك النظر في حق أبيه والاشتغال بالنظر معكم في وجوده ، فإذا ثبت الحق لأبيه ، فهذا ثابت ضرورة عند ذلك بإقراركم ، وان بطل إن يكون الحق لأبيه فقد آل الأمر إلى ما تقولون ، وقد أبطلنا ) .
وقال السيد المرتضى  إن الغيبة فرع لأصول إن صحت فالكلام في الغيبة اسهل شيء وأوضحه ، إذ هي متوقفة عليها ، وان كانت غير صحيحة فالكلام في الغيبة صعب غير ممكن ) .
ومع إن التسليم بإمامة الحسن العسكري لا يؤدي بالضرورة إلى التسليم بوجود ولد له ، فان القول بذلك مبني على ضرورة استمرار الإمامة الإلهية إلى يوم القيامة وبوجوب توارثها بصورة عمودية . وهو ليس إلا افتراض وهمي ، وظن بغير علم .
ولذا يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه المهدي : الثورة الكبرى) : ان الاستدلال الفلسفي يمكن إن يثبت قضايا كلية عامة، ولكنه لا يستطيع إن يضع إصبعه على إنسان في الخارج ، ويثبت وجوده .


الفقهاء المتأخرون: الامام الغائب لا يقوم بمهام الامامة ولا بد لنا في عصر الغيبة من إمام

على العكس من المتكلمين القدماء الذين كانوا يبررون الغيبة بأن الامام موجود كالشمس وراء السحاب ، شعر العلماء المتأخرون بحاجة الامة الى امام حي ظاهر متفاعل يقود الشيعة ويطبق أحكام الدين ، ولذلك قاموا بثورة كبرى في التخلي عن الشروط المثالية المستحيلة وقالوا بولاية الفقيه العادل ، تلك النظرية التي أدت الى قيام الجمهورية الاسلامية في ايران وتغيير التاريخ الشيعي


كيف ولماذا قال الفقهاء بنظرية ولاية الفقيه؟
بعد تطوير المحقق الشيخ علي عبد العالي الكركي لنظرية (النيابة العامة) إلى مرحلة سياسية متقدمة في القرن العاشر الهجري ، واعطائه الشاه طهماسب بن اسماعيل الصفوي وكالة للحكم باسم (نائب الإمام : الفقيه العادل). استمرت نظرية (نيابة الفقهاء العامة) في أداء دورها السياسي إلى جانب الملوك الصفويين ، ونظريتهم الخاصة (النيابة الملكية) بصورة عامة.. وان كانت في بعض الاحيان تشهد تراجعا لدى العلماء الذين ينكفئون إلى نظرية (التقية والانتظار) أو الملوك الذين يتمردون على هيمنة العلماء.. وانتقلت إلى العهد القاجاري..
ومع ان انهيار الدولة الصفوية في القرن الثاني عشر الهجري أدى إلى استفحال المد الاخباري ، وانتشار القول بنظرية الانتظار وحرمة الاجتهاد والتقليد وإقامة صلاة الجمعة ، فان القرن الثالث عشر الهجري شهد انتعاش المد الأصولي وقيام العلماء هنا وهناك بتطبيق الحدود وممارسة القضاء والإفتاء وتولي أمور الرعية والتصرف في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء وتقسيم الخمس والزكوات وممارسة مهمات الحكومة الأخرى. 1
وهذا ما دل على تطور نظرية (النيابة العامة) من إجازة الملوك إلى تصدي الفقهاء بأنفسهم للحكم ، وتجاوز نظرية (الانتظار) والتخلي عنها تماما.. الأمر الذي دفع الشيخ احمد بن محمد مهدي النراقي (توفي 1245ه ) إلى تأليف كتاب عوائد الأيام في بيان قواعد الأحكام) وطرح النظرية في إطار جديد وشامل اكثر تطورا ، تحت عنوان ولاية الفقيه) وليس تحت العنوان السابق النيابة العامة) القائمة على قاعدة نظرية (الغيبة والانتظار) ، حيث نظر النراقي إلى واقع قيام الفقهاء بتشكيل حكومات لا مركزية في بلاد شيعية واسعة مما ينفي أدنى مبرر لاستمرار نظرية (التقية والانتظار) أو القول المحدود الاستثنائي بقيام الفقهاء بتغطية بعض الجوانب الجزئية من الحياة ، وبحث مشكلة الإمامة أو السلطة و الولاية العامة وضرورتها في (عصر الغيبة) وذلك على نفس الأسس الفلسفية والمبادئ التي توجب (الإمامة ) للأئمة المعصومين . 2
ولم يتوقف النراقي وهو يؤسس لشرعية (ولاية الفقيه الكبرى) التي تضاهي الإمامة العامة الكبرى ، عند شروط العصمة والنص والسلالة العلوية الحسينية) التي أدت بالأجيال الشيعية الامامية الأولى ، وخاصة بعد الحيرة التي أعقبت وفاة الإمام الحسن العسكري دون ولد ظاهر ، إلى القول بفرضية وجود (الإمام محمد بن الحسن العسكري) ثم أدت بهم إلى القول بنظرية (التقية والانتظار) التي كانت تحرم الثورة والإمامة والجهاد والحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وصلاة الجمعة وتبيح الخمس والزكاة والأنفال وما إلى ذلك في (عصر الغيبة) .
وقام النراقي بإعطاء الفقهاء منصب (الإمامة الكبرى) ومسئولياتها العامة ، وقال بصراحة :· كلما كان للنبي والإمام فيه الولاية ، وكان لهم ، فللفقيه أيضا ذلك ، إلا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما وقال:· ان كل فعل متعلق بأمور العباد في دينهم أو دنياهم ولا بد من الإتيان به ولا مفر منه ، اما عقلا أو عادة من جهة توقف أمور العباد والمعاش لواحد أو جماعة عليه ، وإناطة انتظام أمور الدين أو الدنيا به ، أو شرعا من جهة ورود أمر به أو إجماع أو نفي ضرر أو إضرار أو عسر أو حرج أو فساد على مسلم ، أو دليل آخر.. أو ورود الإذن فيه من الشارع ولم يجعل وظيفة لمعينٍ واحد أو جماعة ولا لغير معين ، أي واحد لا بعينه ، بل عُلمَ لا بدية الإتيان به أو الإذن فيه ، ولم يُعلم المأمور ولا المأذون فيه .. فهو وظيفة الفقيه وله التصرف فيه والإتيان به . 3
وقال:· انه مما لا شك فيه: ان كل أمر كان كذلك لا بد وان ينصب الشارع الرءوف الحكيم عليه والياً وقيّماً ومتولياً.. والمفروض عدم دليل على نصب معين أو واحد لا بعينه أو جماعة غير الفقيه ، واما الفقيه فقد ورد في حقه ما ورد من الأوصاف الجميلة والمزايا الجليلة وهي كافية في دلالتها على كونه منصوبا منه .
وان بعد ثبوت جواز التولي منه وعدم إمكان القول بأنه يمكن ان لا يكون لهذا الأمر من يقوم له ولا متولٍ له نقول: ان كل من يمكن ان يكون وليا متوليا لذلك ويحتمل ثبوت الولاية له يدخل فيه الفقيه قطعا من المسلمين أو العدول أو الثقاة ، ولا عكس .
وأيضا.. كل من يجوز ان يقال بولايته يتضمن الفقيه ، وليس القول بثبوت الولاية للفقيه متضمنا لثبوت ولاية الغير سيما بعد كونه خير خلق الله بعد النبيين وافضلهم والأمين والخليفة والمرجع فيكون جواز توليته يقينيا والباقون مشكوك فيهم ، فينفي ولايتهم وجواز تصرفهم . 4
واستدل النراقي على جواز الولاية للفقهاء وحصرها فيهم بالأخبار والإجماع والضرورة والعقل ، وقدم أولا شطرا من الأخبار الواردة في حق العلماء من قبيل  العلماء ورثة الأنبياء) و ( اللهم ارحم خلفائي... الذين يأتون بعدي ويروون حديثي وسنتي) وحديث الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا الذي ذكره الصدوق في (علل الشرائع) حول أهمية الإمامة (الرئاسة) وضرورتها ، وان الإمام هو القيّم والأمين والرئيس وولي الأمر . 5
كما ذكر الأحاديث التي تؤكد على عدم ترك الله للأرض خالية إلا وفيها عالم يعرف الناس حلالهم وحرامهم ولئلا يلتبس عليهم أمورهم . ونفى ان يكون المقصود منها (الإمام المهدي) وقال:· ان الحجة والعالم الواردة في الروايات لا يحملان على الإمام المعصوم الغائب ، لأنه لا يعرّف الناس مسائلهم ولا يدعوهم إلى سبيل الله ولا يبيّن لهم أمورهم . 6
واستنبط النراقي من تلك الأخبار: بديهة أن للفقيه كل ما كان للنبي في أمور الرعية وما يتعلق بأمته ، وقال: ان اكثر النصوص الواردة في حق الأوصياء المعصومين المستدل بها في مقام إثبات الولاية والإمامة المتضمنين لولاية جميع ما للنبي فيه الولاية ، ليس متضمنا لأكثر من ذلك.. . 7
وذكر اختلاف الفقهاء حول ثبوت ولاية الحدود والتعزيرات للفقيه في زمن الغيبة ، وقال : ·ان الحق ثبوتها .. وان الفقهاء هم الحكام في زمان الغيبة والنواب من الأئمة (المصدر)
واستدل على ذلك بما مضى من الروايات والقواعد ، وأضاف إليها الاطلاقات المستفادة من مثل قوله تعالى (فاقطعوا) أو قوله  فاجلدوا) ونحوها ، مع إمكانية الخدشة فيها بعدم معلومية شمول تلك الخطابات لمثل الفقهاء .
وكذلك استدل بـ : (الإجماع المركب) : من عدم جواز ترك الحدود وإهمالها ، ومسئولية الأمة في تنفيذها ، على ثبوت هذه الولاية للفقهاء أيضا.
وادعى النراقي ثبوت ولاية الفقيه على أموال اليتامى بالضرورة والإجماع والأخبار المستفيضة الدالة على ان الشارع لم يدع شيئا مما يحتاج إليه الأمة إلا بينه لهم ، ومنه الولاية على أموال الأيتام. 8
تطوير نظرية الإمامة
لقد كانت نظرية الشيخ النراقي تتألف من قسمين هما: أولا : ضرورة الإمامة في عصر الغيبة ، وثانيا: حصر الإمامة في الفقهاء.. وبغض النظر عن مناقشة القسم الثاني ، فان القسم الأول من نظريته يرفض القبول بنظرية (الغيبة) وفائدة الإمام الغائب كإمام ، ويحتم استمرار الإمامة .. ويؤكد الحاجة الملحة لوجود الإمام الحجة العالم المعلم الهادي والداعي إلى سبيل الله بصورة ظاهرةٍ حيويةٍ متفاعلة مع الأمة .
ولما كانت نظرية (الإمامة) أو (وجود الإمام الثاني عشر الغائب) تعجز عن تلبية حاجة الأمة المستمرة للإمام فان النراقي يتخلى مضطرا عن اشتراط العصمة والنص والسلالة العلوية في الإمام ، ويأتي بكل أدلة ضرورة الإمامة التي كان يستخدمها المتكلمون الاماميون الأوائل ومن ضمنها حديث الفضل بن شاذان عن الإمام الرضا ، الذي يتحدث عن ضرورة الإمامة والعصمة ، فيأخذ النراقي الشطر الأول ويلغي (العصمة) ويكتفي بشرط الفقاهة والعدالة.
ويعتمد النراقي كثيرا على الأدلة العقلية و الاطلاقات العامة التي تحتم إقامة الدولة بصورة مستقلة ، وليس بالضرورة : بالنيابة العامة عن الإمام المهدي.. إذ ان قيام الفقهاء بمهام الإمامة الكبرى - ولو بالنيابة - يتناقض مع اشتراط العصمة والنص في الإمام ، خاصة مع انتفاء ظروف التقية والخوف التي تجبر الإمام على الاختباء .
ومن هنا تعتبر نظرية النراقي حول (ولاية الفقيه) تطورا جذريا في الفكر الشيعي السياسي نحو التحرر من نظرية (الإمامة الإلهية ) اكثر من التحرر من نظرية التقية والانتظار) .. وإذا كانت نظرية ولاية الفقيه) قد تعرضت منذ ذلك الحين إلى مناقشات حامية من قبل عدد من العلماء والمحققين ، فأنها نجحت في طرح موضوع (الإمامة ) على بساط البحث ، وجاء العلماء من بعد ذلك ليبحثوا المسألة في ضوء الحاجة الماسة والمستمرة إلى الإمامة والقيادة العامة في (عصر غيبة الإمام الذي لا يقوم بمهام الإمامة ) . ومع ان الشيخ محمد حسن النجفي ( توفي سنة 1266ه ) ، صاحب (جواهر الكلام) لم يقل بنظرية (ولاية الفقيه) إلى حد تأسيس الدولة وتجييش الجيوش ، إلا انه اعترف بحاجة الشيعة في هذا العصر إلى (ولي للأمر ) وقال: · ان المراد من قولهم  اني قد جعلته عليكم حاكما) ونحو ذلك مما يظهر منه إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأمور الراجعة إليهم ، ولذا جزم فيما سمعته من (المراسم) بتفويضهم (ع) لهم في ذلك وقال بصراحة:· ان إطلاق أدلة حكومته خصوصا رواية النصب التي وردت عن صاحب الأمر (ع) يصيره (الفقيه) من أولي الأمر الذين أوجب الله علينا طاعتهم ... . 9
وقال الشيخ رضا الهمداني ( - 1310) في مصباح الفقيه) في معرض تأييده لنظرية ولاية الفقيه التي أسماها بـ القائمقامية ) :· ان الذي يظهر بالتدبر في (التوقيع) المروي عن امام العصر (عج) الذي هو عمدة دليل النصب: إنما هو إقامة الفقيه المتمسك برواياتهم مقامه بإرجاع عوام الشيعة إليه في كل ما يكون مرجعا فيه كي لا يبقى شيعته متحيرين في أزمنة الغيبة . ومن تدبر في هذا (التوقيع) الشريف يرى انه (ع) قد أراد بهذا التوقيع إتمام الحجة على شيعته في زمان غيبته بجعل الرواة حجة عليهم لا يسع لأحد ان يتخطى عما فرضه إليه معتذرا بغيبة الإمام ، لا مجرد حجية قولهم في نقل الرواية أو الفتوى ... وملخص الكلام : دلالة هذا التوقيع على ثبوت منصب الرياسة والولاية للفقيه ، وكون الفقيه في زمان الغيبة بمنزلة الولاة المنصوبين من قبل السلاطين على رعاياهم في الرجوع إليه ، وإطاعته فيما شأنه الرجوع فيه إلى الرئيس ... . 10
وهكذا بنى الشيخ محمد حسن النائيني نظريته في (المشروطية ) على أساس استحالة التفاف الأمة حول الإمام المهدي المنتظر الغائب و عدم وجود الأئمة المعصومين ، وحاجة الأمة إلى قيادة مشروطة بمجلس منتخب منها .
اما الإمام الخميني فقد مهد للقول بنظرية ولاية الفقيه) بضرورة الإمامة في عصر الغيبة ، وقال :· ان ما هو دليل الإمامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الأمر (ع) سيما مع هذه السنين المتمادية ، ولعلها تطول - والعياذ بالله - إلى آلاف السنين، والعلم عنده تعالى وقال : · أية حاجة كالحاجة إلى تعيين من يدبر أمر الأمة ويحفظ نظام بلاد المسلمين طيلة الزمان ومدى الدهر في (عصر الغيبة)مع بقاء أحكام الإسلام التي لا يمكن بسطها إلا بيد والي المسلمين وسائس الأمة والعباد؟
الخميني ينقد نظرية الانتظار
لقد رفض الإمام الخميني في البداية نظرية (الانتظار للإمام المهدي ) التي كانت تهيمن على الفكر السياسي الشيعي حتى وقت قريب ، رفضا مطلقا ، واسقط بالأدلة العقلية الأحاديث التي كانت تعتبر · متواترة والتي كانت توصي بذلك ، ولم يعبأ بها ، وكتب يقول :· بديهي .. ان ضرورة تنفيذ الأحكام لم تكن خاصة بعصر النبي (ص) بل الضرورة مستمرة.. واعتقاد: ان الإسلام قد جاء لفترة محدودة أو لمكان محدود يخالف ضروريات العقائد الإسلامية ، وبما ان تنفيذ الأحكام بعد الرسول (ص) والى الأبد من ضروريات الحياة ، لذا كان وجود حكومة فيها مزايا السلطة المنفذة المدبرة ضروريا ، إذ لولا ذلك لساد الهرج والمرج... فقد ثبت بضرورة الشرع والعقل: ان ما كان ضروريا أيام الرسول (ص) وفي عهد الإمام أمير المؤمنين (ع) من وجود الحكومة لا يزال ضروريا إلى يومنا هذا.
ولتوضيح ذلك أتوجه إليكم بالسؤال التالي: قد مر على الغيبة الكبرى لإمامنا المهدي اكثر من ألف عام ، وقد تمر عليه ألوف السنين قبل ان تقتضي المصلحة قدوم الإمام المنتظر ، وفي طول هذه المدة المديدة هل تبقى أحكام الإسلام معطلة يعمل الناس خلالها ما يشاءون؟.. ألا يلزم من ذلك الهرج والمرج؟ وهل حدد الله عمر الشريعة بمائتي عام ؟ هل ينبغي ان يخسر الإسلام من بعد الغيبة الصغرى كل شيء ؟
ان الذهاب إلى هذا الرأي اسوء في نظري من الاعتقاد بان الإسلام منسوخ ، فلا يستطيع أحد يؤمن بالله واليوم الآخر ان يقول: انه لا يجب الدفاع عن ثغور الإسلام والوطن ، أو انه يجوز الامتناع عن دفع الزكاة والخمس وغيرهما ، أو يقول بتعطيل القانون الجزائي في الإسلام وتجميد الأخذ بالقصاص والديات ، إذن فان كل من يتظاهر بالرأي القائل بعدم ضرورة تشكيل الحكومة الإسلامية فهو ينكر ضرورة تنفيذ الإسلام ، ويدعو إلى تعطيل أحكامه وتجميدها ، وهو بالتالي ينكر شمول وخلود الدين الإسلامي الحنيف . وخاطب الإمام الخميني الملتزمين بنظرية (الانتظار) قائلا :· لا تقولوا ندع إقامة الحدود والدفاع عن الثغور وجمع حقوق الفقراء حتى ظهور الحجة (الإمام المهدي) فهلا تركتم الصلاة بانتظار الحجة؟! . 1
ضرورة الإمامة في عصر الغيبة
وقال أيضا:· ان ما هو دليل الإمامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الأمر (ع) سيما مع هذه السنين المتمادية ، ولعلها تطول - والعياذ بالله - إلى آلاف السنين ، والعلم عنده تعالى . 2
وقال : · وما ذكرناه وان كان من واضحات العقل...ومع ذلك فقد دل الدليل الشرعي أيضا عليه ... وأية حاجة كالحاجة إلى تعيين من يدبر أمر الأمة ويحفظ نظام بلاد المسلمين طيلة الزمان ومدى الدهر في (عصر الغيبة) مع بقاء أحكام الإسلام التي لا يمكن بسطها إلا بيد والي المسلمين وسائس الأمة والعباد؟ . 3
واستشهد بقول السيدة فاطمة الزهراء (ع) في خطبتها المعروفة  والطاعة نظاما للملة والإمامة لماً من الفرقة) كدليل على لزوم بقاء الولاية والرياسة العامة ، وقال : · أما في زمان الغيبة فالولاية والحكومة ، وان لم تجعل لشخص خاص ، لكن يجب بحسب العقل والنقل ان تبقيا بنحوٍ آخر، لما تقدم من عدم إمكان إهمال ذلك ، لأنها مما يحتاج إليه المجتمع الإسلامي,.. والعلة متحققة في زمن الغيبة ، ومطلوبية النظام وحفظ الإسلام معلومة لا ينبغي لذي مسكة (عقل) إنكارها . 4

وقد انطلق السيد محمد رضا ال***ايكاني في إرساء قواعد (ولاية الفقيه) من الأدلة الفلسفية التي تحتم وجوب
الإمامة ) ، والواردة في رواية الفضل بن شاذان المنسوبة إلى الإمام علي بن موسى الرضا (ع) والتي تقول:· انا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل عاشوا وبقوا إلا بقيّم ورئيس لما لا بد منه في أمر الدين والدنيا .. وقال: · الظاهر منها ان عدة من الأمور مما لا بد منها في قوام الملة ونظم الرعية ، بحيث لولاها لاختل النظام وفسدت معيشة الأنام وكثرت الفتنة وازدادت الحيرة وانجذم حبل الدين والدنيا ، إذ ليست تلك الأمور مما يمكن صدوره من أي شخص وفرد ، بل لا بد في إجرائها من وجود الزعيم وحكم القيّم الذي له الولاية على الرعية والزعامة للامة ، ولهذا نرى في كل مجتمع ان طبقات الناس في منازعاتهم يرجعون في بدو الأمر إلى زعيمهم . 12
ولما كانت تلك الرواية تتحدث بعد ذلك عن ضرورة النص والتعيين من قبل الله تعالى للإمام ، فقد قال ال***ايكاني :· الرواية وان كانت وردت في علل الاحتياج إلى الإمام المنصوب من الله تعالى ، لكنه يستفاد منها حكم عام بملاك واحد ومناط جامع وهو ان الطبيعة البشرية والغرائز الحيوانية تقتضي وقوع الاختلاف والتزاحم والجدال والتنازع والتشاح ، وكذا تقتضي سلسلة من الأمور ، وتحققها في بقاء نظمهم وصيانتهم وحفظهم من النفاق والافتراق والشقاق وإلا لفسدت عيشتهم وضاقت معيشتهم . ولما كانت تلك الأمور مما لا يمكن تحققها ولا يصح صدورها من أي شخص وأي فرد فلا بد لهم من زعيم ورئيس وقيّم وحاكم وان لم يكن نبيا أو وصيا . 13
ومع تشكيك السيد ال***ايكاني بشمول (ولاية الفقيه) للحدود وقوله بعدم الولاية التامة المطلقة ، إلا انه قال في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود والتعزيرات :· ان ذلك مما لا ينبغي صدوره من كل شخص وفرد ولا يصح وقوعه من كل آمر وناهٍ ، ولا يصلح كل فرد من المسلمين ان يتصداه ويقدم عليه ، وإلا يزداد الفساد ويكثر النفاق والعناد ، فحينئذ لو قلنا بعدم الوجوب في تلك الأمور لاضمحلت آثار الدين واختلت أمور المسلمين واندرست الشريعة وضاقت المعيشة ، وان قلنا بجواز التصدي لكل فرد يلزم منه الفساد ، بل لا يوجد مرتدع ولا مزدجر ، فلا مناص من القول بأن المجتمع في هذا القسم من الأمور يحتاج إلى زعيم وقيّم له العظمة بين الناس والمهابة عندهم والشهامة لديهم . 14
وقد رفض ال***ايكاني بذلك نظرية (التقية والانتظار) وتخلى أيضا عن الشروط المثالية في الإمامة كالعصمة والنص ، وأكد ضرورة إقامة الدولة في ( عصر الغيبة ) . ومع انه حصر الحق في إقامة الدولة في (الفقهاء ) فقط ، إلا انه طرح نظرية (ولاية الفقيه) بصورة مستقلة واعتمادا على الأدلة العقلية العامة التي توجب إقامة الدولة وتطبيق أحكام الدين والأدلة النقلية التي تعتبر العلماء ورثة الأنبياء ، ولم يلتزم بنظرية (النيابة العامة) التي بنى كثير من الفقهاء نظريتهم السياسية عليها .

أحمد الكاتب


ظاهرة المهدوية في التاريخ الإسلامي

ومما يؤكد غموض هوية المهدي عند أهل البيت ، ولدى جماهير الشيعة والمسلمين في القرون الثلاثة الأولى ، هو تكرر دعوات المهدوية هنا وهناك .. حتى جاوزت العشرات ، وحتى اصبح لكل فرقة وطائفة اكثر من مهدي واحد.. حيث تدلنا هذه الظاهرة على تماهي مصطلح (الإمام المهدي) مع معنى الثورة والحرية والعدالة وانبثاقه كرد فعل على الواقع الفاسد الذي كان يتدهور إليه المجتمع الإسلامي مرة بعد أخرى.

لقد كانت معظم قصص المهدوية في القرون الإسلامية الأولى، مرتبطة ومنبثقة من حركات سياسية ثورية تتصدى لرفع الظلم والاضطهاد وتلتف حول زعيم من الزعماء ، وعادة ما يكون إماما من أهل البيت (ع) وعندما تفشل الحركة ويموت الإمام دون إن يظهر ، أو يقتل في المعركة ، أو يختفي في ظروف غامضة.. كان أصحابه يختلفون ، فمنهم من يسلّم بالآمر الواقع ويذهب للبحث عن أمام جديد ومناسبة جديدة للثورة.. ومنهم من كان يرفض التسليم بالأمر الواقع فيرفض الاعتراف بالهزيمة ويسارع لتصديق الإشاعات التي تتحدث عن هروب الإمام الثائر واختفائه وغيبته. وعادةً ما يكون هؤلاء من بسطاء الناس الذين يعلقون آمالاً كبيرة على شخص أو يضخمون مواصفات ذلك الزعيم فيصعب عليهم التراجع ، لأنه كان يعني لديهم الانهيار والانسحاق النفسي.

مهدوية الإمام علي

كان شيعة الإمام علي بن أبى طالب (ع) الذين ثاروا على الحكم الاموي وقاتلوا في معركة الجمل وحاربوا معاوية في صفين ، واشتبكوا مع الخوارج في النهروان يأملون إن يستمر حكم الإمام العادل إلى فترة اطول ينعمون خلالها بالعدل والمساواة.. وكان أملهم في الإمام كبيرا.. ولذلك فان البعض منهم صدم بخبر اغتياله ولم يكد يصدق نبأ وفاة الإمام .

يقول مؤرخو الشيعة كالنوبختي والاشعري القمي والكشي : إن جماعة من الشيعة رفضوا التصديق بوفاة الإمام ، وقالوا: إن عليا لم يقتل ولم يمت ولا يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا . 9

يمكن إن نفسر هذا القول بمهدوية الإمام علي وغيبته: بالصدمة والمفاجأة والأمل الكبير.. حيث لم يتحمل اولئك النفر الذين كانوا بعيدين عن الكوفة خبر استشهاد الإمام ، بعد إن كانوا يأملون إن يحقق الإمام العدالة الكونية على الأرض ، فأدى بهم ذلك إلى تصورات بعيدة عن الواقع.

مهدوية ابن الحنفية

وبعد مجزرة كربلاء تجمع الغضب الشيعي حول قيادة محمد بن الحنفية اخي الإمام الحسين ، من اجل الثأر والانتقام لشهداء كربلاء.. وعندما توفي محمد في ظروف غامضة عام 81 ه قالت جماعة من أنصاره (الكيسانية) : انه لم يمت وانه مقيم بجبال رضوى بين مكة والمدينة ، واعتقدوا انه (الإمام المهدي المنتظر) الذي بشّر به النبي (ص) انه يملأ الأرض قسطا وعدلا .

 ويفسر السيد المرتضى علم الهدى دعوى الكيسانية بمهدوية ابن الحنفية بالحيرة التي ألجأتهم إلى القول بها .

 وربما كانت الحيرة قد اصابتهم نتيجة عقدهم الأمل على ابن الحنفية لكي يسترجع السلطة من ايدي الامويين ، وقد أصيبوا بالخيبة بعد موته قبل تحقيق الهدف المنشود ، فاضطر أتباعه من الشيعة الكيسانية إلى اختراع القول بمهديته واستمرار حياته وغيبته في محاولة منهم للمحافظة على الأمل متقداً في صدورهم ، خاصة وان الشيعة يوماك لم يكونوا يعرفون شخصية معينة محددة من قبل على أنها (المهدي المنتظر) .

مهدوية أبى هاشم

وقد تراجع هذا القول بمهدوية ابن الحنفية عندما برز أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ، كقائد جديد للشيعة في نهاية القرن الأول الهجري ، وتعلق الأمل الكبير به لتحقيق ما عجز أبوه عن تحقيقه.. وتكررت الأزمة من جديد عندما توفي أبو هاشم دون إن يظهر.. وهذا ما أدى إلى اعتقاد قسم من شيعته باختبائه وغيبته والقول انه (المهدي المنتظر) وانه حي لم يمت .

أما الذين اعترفوا بوفاة أبى هاشم فقد حافظوا على الأمل في نفوسهم أيضا وذلك بانتظار قيام أحد أبناء محمد بن الحنفية في المستقبل ، ولم يحددوا شخصا معينا. 

مهدوية الطيار

 سرعان ما التف الشيعة الذين كانوا يشكلون المعارضة الرئيسية للحكم الاموي حول قائد جديد من أبناء أهل البيت هو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار ، الذي نجح في إقامة دولة شيعية في اصفهان في أواخر العهد الاموي ، ولكنه انهزم بعد ذلك وقتل في ظروف غامضة.. ولم يتحمل بعض الشيعة نبأ انهيار الدولة الشيعية ، فقالوا إن الطيار حي لم يمت وانه مقيم في جبال اصفهان لا يموت أبدا حتى يقود نواصيها إلى رجل من بني هاشم من ولد علي وفاطمة.

 انحصار المهدوية في البيت الفاطمي

 لم تكن النظرية المهدوية عند الشيعة قبل هذه الحركة محصورة في البيت الفاطمي ، حيث كان (الكيسانية) - الذين يمثلون مرحلة تاريخية من تطور الشيعة - يحصرونها في البيت العلوي ويجيزونها في محمد بن الحنفية وأولاده ، أو يحصرونها فيهم ، ثم امتدت إلى خارج البيت العلوي ، إلى عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار ، ثم تطورت لتنحصر في البيت الفاطمي من أبناء الحسن والحسين.. ولم تكن محصورة في ذلك الوقت في أي واحد من البيتين . لذلك اعتقد قسم من الشيعة بمهدوية زيد بن علي ، كما اعتقد قسم آخر بمهدوية محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن (ذي النفس الزكية) ، وإذا كان زيد قد قتل بسرعة ..فان أتباعه انظموا إلى النفس الزكية . وكان عبد الله بن الحسن أبوه قد سمّى ابنه (محمدا) وتنبأ عند ولادته بأن يكون (المهدي الموعود) الذي بشّر به النبي وقال عنه إن:(اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبى ) حسبما كان مشهورا في تلك الفترة.

مهدوية ذي النفس الزكية

كان (النفس الزكية) يأمل إن يثور ضد الحكم الاموي حيث بايعه في الابواء بنو هاشم ، وكان فيهم ابراهيم الإمام والسفاح والمنصور ، ولكن سرعان ما قامت الدولة العباسية فانتفض عليه من بايعه والتف حوله قسم من الشيعة فخرج في المدينة سنة 145 وسيطر على مكة واليمن ، وقتل بعد شهور . وهنا اصيب قسم من شيعته بالصدمة ولم يتحملوا نبأ الهزيمة ولم يصدقوا بمقتل (المهدي ) الذي كانوا ينتظرون خروجه منذ فترة طويلة ، فقالوا: انه حي لم يمت ولم يقتل وانه مقيم بجبل العلمية - بين مكة ونجد - حتى يخرج . وتشبثوا بالحديث النبوي الذي يقول:(القائم اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبى ).

و لما لم تكن هناك أحاديث صريحة ومحددة ومعروفة توضح هوية المهدي ، فقد طبّق أتباع النفس الزكية أحاديث المهدوية عليه وتأوّلوا الأحاديث الواردة به ، وربما اختلقوا بعض الروايات أو نسبوها إلى النبي لتعزيز نظريتهم وتأييد زعيمهم المنتظر.

مهدوية الباقر

وتقول بعض الروايات: إن قسما من الشيعة اعتقد بمهدوية الإمام محمد بن علي الباقر (ع) اعتمادا على رواية تقول : إن النبي (ص) قال لجابر بن عبد الله الانصاري: (انك تلقاه فاقرأه مني السلام) .

ويقول الكليني في :(الكافي): إن الإمام الباقر كان يسرّ إلى اصحابه بقرب القيام والخروج ويوصيهم بالكتمان ، وان بعضهم قد ترك أعماله انتظارا لساعة الصفر .

مهدوية الصادق

وبعد وفاة الإمام الباقر وهزيمة محمد بن عبد الله ذي النفس الزكية وانتصار العباسيين ، وتألق الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) شاعت روايات كثيرة حول مهدويته (18) وينقل النوبختي : إن بعض الشيعة روى عن الإمام الصادق انه قال :( إن رأيتم رأسي قد أهوى عليكم من جبل فلا تصدقوه فاني انا صاحبكم) وانه قال:( إن جاءكم من يخبركم عني انه مرضني وغسلني وكفنني فلا تصدقوه فاني انا صاحبكم صاحب السيف).

 من هنا رفض قسم من شيعة الإمام الصادق الاعتراف بموته وقالوا:( انه المهدي المنتظر وانه حي لم يمت ) وعرفت هذه الفرقة ب :(الناووسية) نسبة إلى عجلان بن ناووس (20) وكان منهم أبان بن عثمان الاحمر الذي يعده الكشي من (أصحاب الإجماع) أي من اقرب المقربين إلى الإمام الصادق .

مهدوية إسماعيل

من هذا يبدو إن النظريات المهدوية المختلفة كانت تولد مع الزمن وفي الظروف المختلفة.. وكانت اقرب إلى الأمل منها والرجاء إلى الاستناد إلى أحاديث قاطعة وصريحة ، وكان القول ب :(الغيبة) يبرز عند وفاة الإمام المنتظر دون إن يظهر .. ولم يكن الشيعة يجمعون دائما وابدا ومنذ البداية على مهدوية أمام معين من قبل.. ففي الوقت الذي كان بعضهم يؤمن بمهدوية الإمام الصادق كان البعض الآخر يذهب ليعلق الأمل على مهدوية ابنه إسماعيل ، وعندما توفي إسماعيل في حياة أبيه الإمام الصادق رفض اصحابه التسليم بوفاته واخترعوا القول بغيبته وفسروا تشييع الإمام له ودفنه أمام أعين الناس بأنه مسرحية تستهدف التغطية على هروب إسماعيل واختفائه والإعداد لظهوره في المستقبل !.

ومن المعروف إن الشيعة اختلفوا بعد وفاة الإمام الصادق إلى ست فرق ، فذهب الإسماعيلية إلى القول بحياة إسماعيل وإمامته ومهدويته وغيبته ، ثم قال فريق منهم بعد إن يئسوا منه بمهدوية ابنه محمد .. ثم نقلوا المهدوية في أبناء إسماعيل إلى إن ظهر واحد منهم في نهاية القرن الثالث واقام الدولة الفاطمية في شمال افريقيا.

 مهدوية الديباج

وادعى محمد بن جعفر الصادق (الديباج) الذي خرج في مكة عام 200 انه المهدي المنتظر ، واعلن نفسه خليفة للمسلمين واخذ البيعة وتسمى بأميرالمؤمنين.

إذن.. نستطيع إن نقول إن النظرية المهدوية كانت تعني الثورة والقيام والخروج ولم تكن محددة في شخص معين.. وان نظرية الغيبة كانت تبرز عندما يفشل أي أمام منتظر أو يموت دون تحقيق اهدافه.

مهدوية محمد بن عبد الله ألا فطح

 الحالة الاستثنائية الوحيدة التي نجدها خلاف تلك القاعدة في ذلك الوقت هي نظرية :( مهدوية محمد بن عبد الله بن جعفر الصادق ) .. وهذا الشخص لم يولد أساسا ولم يكن له وجود ، وقد اختلق بعض الشيعة الفطحية قصة وجوده في السر بعد وفاة أبيه عبد الله ألا فطح الذي آمن أولئك الشيعة انه الإمام بعد أبيه الصادق ، أصيبوا بأزمة عندما توفي ألا فطح دون عقب يرثه في الإمامة ، وكانوا يعتقدون بضرورة استمرار الإمامة في الأعقاب العقاب الأعقاب ، أي بتوارثها بصورة عمودية ، ولذا لم يستطيعوا بسبب هذه الأزمة الفكرية إن ينتقلوا إلى القول بإمامة اخي عبد الله : موسى بن جعفر ، فاخترعوا قصة وجود ولد له في السر! ، وقالوا : إن اسمه يطابق الحديث النبوي المشهور :(اسمه اسمي واسم أبيه اسم أبى) .

ولا يستبعد إن يكون بعض المصلحيين والمنافقين من أصحاب الأئمة قد اخترع هذه القصة الوهمية (أسطورة المهدي المنتظر محمد بن عبد الله بن الصادق) لكي يتاجر بها ويدعي الوكالة له ويقبض الأموال باسمه ، حيث كان يروّج الإشاعات عن وجود ذلك المهدي الموهوم في اليمن ، وانه سوف يظهر ويملأ الأرض قسطا وعدلا بعد إن تملأ ظلما وجورا.

 مهدوية الكاظم

ومع انقلاب الدولة العباسية على أهدافها الإصلاحية وانتشار الظلم والفساد كان من الطبيعي إن يلتف المعارضون لها حول شخصية عظيمة من زعماء أهل البيت هو الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) الذي كان رمز التقوى والعلم والعبادة.. وان يعظم الأمل بخروجه وقيامه.. وهكذا فقد انتشرت روايات جدا حول مهدوية الإمام الكاظم وانه (قائم آل محمد) .. وراح البعض من الشيعة ينقل روايات عن الصادق :( إن من المحتوم إن ابني هذا قائم هذه الأمة وصاحب السيف) ( وان موسى هو القائم وهذا حتم من الله) ( وان يدهده رأسه عليكم من جبل فلا تصدقوا فانه القائم) ( وان القائم اسمه حديدة الحلاق) ( وكأني بالراية السوداء صاحبة الرقعة الخضراء تخفق فوق رأس هذا الجالس ) وما إلى ذلك من الروايات التي فاقت حد (التواتر)!

وعندما اعتقل الرشيد الإمام الكاظم احتسب معظم الشيعة الموسوية ذلك غيبة أولي أو صغرى ، ولما قتله ورمى بجسده الطاهر على الجسر ببغداد رفضوا التصديق بذلك وقالوا أنها مسرحية عباسية وقالوا: إن الإمام الكاظم قد غاب غيبته الثانية وهرب من السجن وانه حي لم يمت ولا يموت حتى يملك شرق الأرض وغربها ويملأها كلها عدلا كما ملئت جورا وانه القائم المهدي. 25

وقد قال معظم أولاد الإمام بذلك ، وكذلك معظم اصحابه المقربين كالمفضل بن عمر وداود الرقي وضريس الكناني وابوبصير واعين بن عبدالرحمن بن اعين وحديد الساباطي والحسن بن قياما الصيرفي وكتب علي بن أبى حمزة كتابا حول (الغيبة) كما كتب علي بن عمر الأعرج كتابا حول ذلك أيضا.

وقد عُرف أولئك الشيعة بالواقفية ، أي الذين وقفوا على الإمام الكاظم ورفضوا الأيمان بابنه علي بن موسى الرضا . و تردد داود الرقي في الاعتراف بإمامة الرضا بناء على تلك الروايات (المتواترة) التي تحدد المهدوية بالكاظم وتقول :(إن سابعنا قائمنا) فقال له الإمام الرضا: إن الأمل بقيام الكاظم كان معلقا على مشيئة الله ولم يكن من المحتوم .

و ظل الواقفية يؤمنون بمهدوية وغيبة الإمام الكاظم إلى وقت طويل .. ولكنهم تقلصوا شيئا فشيئا حتى ماتت النظرية وانقرضوا ، خاصة عندما أكد الإمام الرضا وفاة أبيه وقال لهم: · إن الحجة لله على خلقه لا تقوم إلا بإمام حي يعرف..سبحان الله!.. مات رسول الله ولم يمت موسى بن جعفر؟! بلى والله لقد مات وقُسمت أمواله ونكحت جواريه واتهم من قال بعدم وفاته بالكذب وقال:· انهم كفار بما انزل الله عز وجل على محمد (ص) ولو كان الله يمدّ في اجل أحد من بني آدم لحاجة الخلق إليه لمدّ الله في اجل رسول الله (ص) .

 مهدوية محمد بن القاسم

وفي مطلع القرن الثالث الهجري في سنة 219 وفي أيام خلافة المعتصم ، حدثت ثورة علوية في الطالقان بقيادة محمد بن القاسم ، ولكن المعتصم هزمه واعتقله وحمله إلى بغداد فحبسه في قصره ، ولكن الثائر العلوي استطاع الهرب . واختلف الناس في أمره ، وقال بعضهم: مات أو هرب ، وقال بعض الشيعة : انه حي وانه سيخرج وانه مهدي هذه الأمة .

مهدوية يحيى بن عمر

 وخرج أمام علوي آخر هو يحيى بن عمر ، في الكوفة أيام المستعين ، فوجه إليه الحسين بن إسماعيل فقتله ، إلا إن بعض أصحابه رفض الاعتراف بالهزيمة وقال انه لم يقتل وانما اختفى وغاب وانه المهدي القائم وسوف يخرج مرة أخرى.

 مهدوية محمد بن علي الهادي والعسكري

واختلف الشيعة الإمامة في منتصف القرن الثالث الهجري في هوية الإمام المهدي المنتظر فقال قسم منهم : بأنه محمد بن علي الهادي ، الذي توفي فجأة في الدجيل ، وقالوا بغيبته كغيبة إسماعيل بن جعفر ، ورفضوا التصديق بوفاته.. وذهب قسم آخر إلى القول بمهدوية الإمام الحسن العسكري ، بينما قال قسم ثالث بوجود ومهدوية ولد له في السر هو الإمام (محمد بن الحسن العسكري) .. وقال آخرون : انه غير محدد وانه سوف يكون واحدا من أهل البيت لا على التعيين وانه سوف يولد ويظهر في المستقبل .

مهدوية القائم المجهول

واخيرا يذكر المؤرخان الشيعيان المعاصران لوفاة الإمام العسكري: إن فرقة من أتباع الإمام قالت: ( إن الحسن بن علي قد مات وصح موته ، وانقطعت الإمامة إلى وقت يبعث الله فيه قائما من آل محمد ممن قد مضى ، إن شاء بعث الحسن بن علي وان شاء بعث غيره من آبائه . ولا بد من ذلك .. لأن قيام القائم وخروج المهدي حتم من الله ، وبذلك وردت الأخبار وصحت الآثار واجمع عليه الأمة فلا يجوز بطلان ذلك ، ولأن وفاة الحسن بن علي قد صحت وصح أنه لا خلف له ، فقد انقطعت الإمامة ولا عقب له ، وإذ لا يجوز إلا إن يكون في الأعقاب ، ولا يجوز إن ينصرف إلى عم ولا ابن عم ولا أخ بعد الحسن والحسين ، فهي :(الإمامة) منقطعة إلى القائم منهم ، فإذا ظهر وقام اتصلت إلى قيام الساعة.

كل ذلك التعدد والتنوع في الحركات المهدوية يعبر عن غموض مفهوم (الإمام المهدي) واحتمال كونه أي واحد من أئمة أهل البيت ، وهو من يقوم بالسيف ويخرج ويقيم دولة الحق.. وقد كانت كل فرقة شيعية تعتقد انه من هذا البيت الهاشمي أو ذاك البيت العلوي أو الفاطمي أو الحسني أو الحسيني أو الموسوي.. وانه هذا أو ذاك .. ولو كانت هوية المهدي قد حددت من قبل ، منذ زمان رسول الله (ص) أو الأئمة الأحد عشر السابقين لما اختلف المسلمون ولا الشيعة ولا الإمامة ولا شيعة الإمام الحسن العسكري في تحديد هوية المهدي ، ولما اعتقد بعضهم بكونه :(الإمام الحسن العسكري) نفسه .

نستنتج من كل ذلك : إن هوية المهدي كانت غامضة وغير محددة في حياة أهل البيت ، وان القول بأنه (ابن الحسن العسكري) نشأ بعد افتراض وجوده في السر ، وفي محاولة لتفسير (غيبته) عن الأنظار وعدم إعلان أبيه عن ولادته ، باعتبار (الغيبة) صفة من صفات (المهدي).

 العوامل الفلسفية لنشوء الفرضية (المهدوية)

 إذا قمنا بقراءة الرواية التاريخية لما حدث للشيعة الإمامة بعد وفاة الإمام الحسن العسكري سنة 260 هجرية ، والقينا نظرة على · الدليل العقلي الذي قدمه ذلك الفريق الذي قال ب : · وجود ولد مخفي للإمام ، هو الإمام من بعده وهو المهدي المنتظر ، فأننا سنكتشف أزمة نظرية مرّ بها ذلك الفريق من الإمامة ممن يشترط توارث الإمامة بصورة عمودية ، وعدم جواز انتقالها إلى أخ أو ابن عم ، واضطراره إما إلى التنازل عن هذا الشرط ، أو التسليم بانقطاع الإمامة بعد وفاة العسكري دون خلف ، كما هو الظاهر من حياته ، أو افتراض وجود ولد له في السر ، بالرغم من عدم التصريح به ، أو الإعلان عنه ، وتفسير هذا الغموض والكتمان بالتقية والخوف من السلطة ، بالرغم من عدم وجود مؤشرات تستدعي ذلك .

تقول الرواية التاريخية التي يعترف بها وينقلها المؤرخون والمتكلمون (الاثناعشريون): إن الإمام العسكري توفي دون إن يخلف ولدا ظاهرا ، وأوصى بأمواله إلى أمه المسماة ب :·حديث ، وهذا ما سمح لأخيه جعفر بن علي بأن يدعي الإمامة من بعده ويدعو الشيعة الإمامة إلى أتباعه كخليفة له ، كما اتبعوا الإمام موسى بن جعفر بعد وفاة أخيه الأكبر (عبد الله ألا فطح) الذي اصبح إماما لفترة من الوقت بعد الإمام الصادق ، ولم ينجب ولدا تستمر الإمامة في عقبه .

ويقول النوبختي والاشعري القمي والمفيد : إن كثيرا من الشيعة الامامية لبوا نداء جعفر وكادوا يجمعون على القول بإمامته . 1

وذلك لأن عامة الشيعة لم يكونوا يعرفون أحدا غير جعفر من أبناء الامام الهادي ، ولم يكونوا شاهدوا أي ولد للامام العسكري ، وهذا ما تؤكده رواية (أبى الأديان البصري) : رسول الإمام العسكري الى اهل المدائن ، الذي كان آخر شخص يودع الإمام ، والذي يقول : ان العسكري لم يخبره باسم خليفته ، وانما أعطاه بعض العلامات للتعرف عليه ، ويقول: انه عاد الى سامراء يوم وفاة الإمام العسكري فرأى جعفر وحوله عامة الشيعة وعلى رأسهم عثمان بن سعيد العمري ، وهم يعزونه ويهنئونه ، وانه ذهب وعزاه وهنأه كواحد منهم، كما يقول: ان وفدا من شيعة قم قدموا في ذلك اليوم الى سامراء وسألوا عن الإمام الحسن وعرفوا موته ، فقالوا : من نعزي؟ فأشار الناس الى جعفر ، فسلموا عليه وعزوه وهنئوه.

وهو ما تؤكده أيضا رواية (سنان الموصلي) التي تتحدث عن قدوم وفد بقيادة أبى العباس محمد بن جعفر الحميري القمي ، الى سامراء ، بعد وفاة الإمام العسكري ، وسؤالهم عنه وعن وارثه ، وقول الناس لهم: ان وارثه جعفر بن علي ، وعدم وجود مانع يحول دون القول بإمامته سوى عدم معرفته بعلم الغيب.

وبناء على ذلك فقد أرسل جعفر الى أهل قم - التي كانت مركزا للشيعة يومذاك - يدعوهم الى نفسه ، ويُعلمهم : انه القيّم بعد أخيه . وقد اجتمع أهل قم عند شيخهم (احمد بن اسحاق) وتداولوا في الموضوع ، وقرروا إرسال وفد اليه لمناقشته و · سؤاله بعض المسائل التي كانوا يسألون آباءه عنها من قبل والتأكد من دعواه . كما يقول الخصيبي في :(الهداية الكبرى) (4) والصدوق في :(إكمال الدين ) (5) والطبرسي في :(الاحتجاج) (6) والصدر في :(الغيبة الصغرى). (7)

مما يعني ان اهل قم لم يكونوا يعرفون بوجود ولد للامام العسكري ، ولم يكونوا يعرفون هوية الإمام الجديد من قبل ، ولم يكن يوجد لديهم أي مانع لقبول إمامة جعفر بن علي ، أي انهم لم يكونوا يلتزمون بقانون الوراثة العمودية في الإمامة ، ويجيزون إمامة الاخوين .

وكانت العقبة الرئيسية التي حالت دون إيمان بعض الشيعة بإمامة جعفر هو المبدأ القديم المشكوك فيه الرافض لاجتماع الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين ، وقد طرحه وفد قم على جعفر بن علي أثناء الحوار ، فأجابهم ب : ( ان الله قد بدا له في ذلك) ، كما يقول الخصيبي في (الهداية الكبرى)

وتقول بعض الروايات التي ينقلها الصدوق والطوسي : ان وفد قم طالب جعفر بالكشف عن كمية الأموال التي كان يحملها معه واسماء اصحابها ، غيبيا ، كما كان يفعل اخوه العسكري ، وان جعفر رفض ذلك الطلب و الادعاء واتهم الوفد بالكذب على أخيه ، أنكر نسبة علم الغيب اليه.

 كما تحاول بعض الروايات ان تتهم جعفر بالفسق وشرب الخمر والجهل واهمال الصلاة (10) وذلك في محاولة لإبطال دعواه في الامامة ، ولكن عامة الشيعة لم يأخذوا بتلك الاتهامات ، ولم يطرحوا مسألة علم الغيب ، وقد عزوه وهنئوه بالإمامة ، وكانت المشكلة الرئيسية لدى البعض منهم هي مسألة :(الجمع بين الاخوين في الامامة ). وقد ارتكز الطوسي عليها في عملية الاستدلال على نفي إمامة جعفر و افتراض جود ابن الحسن ، وادعى عدم الخلاف حولها بين الامامية .

وكانت هذه المشكلة قد تفجرت في صفوف الشيعة الامامية - لأول مرة - بعد وفاة الإمام عبدالله الأفطح بن جعفر الصادق ، الذي اجمع فقهاء الشيعة ومشايخهم على القول بامامته ، ولكنه توفي دون عقب ، مما أوقع الامامية في أزمة وفرقهم الى ثلاث فرق ، فمنهم من تمسك بمبدأ:( عدم جواز الجمع بين الاخوين في الامامة) واضطر الى افتراض وجود ولد موهوم لعبدالله قال ان اسمه (محمد) وهو مخفي ، وانه سيظهر في المستقبل ، ومنهم من تجاوز هذا المبدأ وأجاز لنفسه الانتقال الى الأخ إذا لم يكن للامام السابق ولد ، وقال نتيجة لذلك بإمامة موسى بن جعفر بعد أخيه عبدالله ألا فطح ، ومنهم من تراجع عن القول بإمامة ألا فطح ، واستنتج من عدم وجود عقب له : انه لم يكن إماما وشطب اسمه من قائمة الأئمة .

وقد تكررت هذه المشكلة مرة أخرى عند وفاة الإمام الحسن العسكري دون ولد ، مما أدى الى اختلاف الشيعة الامامية حول مسألة الخلف الى عدة فرق : فمنهم من جمع بين الأخوين وقال بإمامة جعفر بن علي بعد أخيه الحسن ، ومنهم من تراجع عن القول بإمامة العسكري وقال: ( ان القول بإمامة الحسن كان غلطا وخطأ ، وجب علينا الرجوع عنه الى إمامة جعفر ، وان الحسن قد توفي ولا عقب له فقد صح عندنا انه ادعى باطلا ، لأن الإمام بإجماعنا جميعا لا يموت الا عن خلف ظاهر معروف يوصي اليه ويقيمه مقامه بالامامة ، والإمامة لا ترجع في أخوين بعد الحسن والحسين .. فالامام لا محالة جعفر بوصية أبيه إليه) كما يقول النوبختي في :(فرق الشيعة) (12) والاشعري القمي في :(المقالات والفرق)

ومنهم من أصرّ على إمامة الحسن والتمسك الشديد بذلك المبدأ أو الشعار الرافض للجمع بين الأخوين في الإمامة . وانقسم هؤلاء إلى عدة أقسام : فمنهم من قال بمهدوية العسكري وغيبته ، ومنهم من قال برجوعه إلى الحياة بعد الموت ، ومنهم من قال بالفترة ، ومنهم من احتار وتوقف ، وقال: ( لم يصح عندنا إن للحسن خلفا ، وخفي علينا أمره ، ونحن نتوقف ونتمسك بالأول حتى يتبين لنا الآخر ، كما أمرنا ،· انه إذا هلك الإمام ولم يعرف الذي بعده فتمسكوا بالأول حتى يتبين لكم الآخر فنحن نأخذ بهذا ونلزمه ، ولا ننكر إمامة أبى محمد ولا موته ، ولا نقول انه رجع بعد الموت ، ولا نقطع على إمامة أحد من ولد غيره ، فانه لا خلاف بين الشيعة :( انه لا تثبت إمامة أمام إلا بوصية أبيه إليه وصية ظاهرة ) .

ومنهم من وجد نفسه مضطرا لافتراض وجود ولد مخفي للإمام العسكري ، وقال انه الإمام من بعده ، وانه المهدي المنتظر ، وفسر عدم إشارة أبيه إليه في حياته وعدم وصيته إليه ، وعدم ظهوره من بعده ، وغيبته .. فسر كل ذلك بالتقية والخوف من الأعداء .

وكان الدافع الرئيسي لهذا القول هو التمسك الشديد بقانون الوراثة العمودية ، وعدم جواز انتقال الإمامة إلى أخوين بعد الحسن والحسين . وبالرغم من انه كان قولا ضعيفا ولم يجمع الشيعة الإمامة عليه في ذلك الوقت ، خلافا لما ادعى الطوسي بعد ذلك بمائتي عام ، فان المتكلمين

الذين التزموا به ، جعلوا منه حجر الزاوية في عملية الاستدلال على وجود (ابن ) للإمام الحسن العسكري . وقد نسجوا منه ومن بقية القضايا الفلسفية التي توجب العصمة في الإمام أو توجب النص في أهل البيت دليلا ً أسموه ب : ·الدليل العقلي ، أو الفلسفي .

وقد استعرضنا في الفصل الأول أقوال المتكلمين والمؤرخين الذين استدلوا بالعقل على وجود وولادة :(محمد بن الحسن العسكري) وكان دليلهم يعتمد على نظرية العصمة والنص والوراثة العمودية في الإمامة . ولكن دليلهم في الحقيقة كان يعتمد فقط على المبدأ الأخير :(الوراثة العمودية ( ، وذلك لأن كثيرا من الشيعة الإمامة (الفطحية) الذين كانوا يتفقون معهم في الأيمان بالعصمة والنص ويؤمنون بإمامة الحسن العسكري أيضا ، لم يجدوا أنفسهم مضطرين للأيمان بوجود ولد له في السر ، خلافا للظاهر ، وآمنوا بدلا من ذلك بإمامة أخيه جعفر بن علي الهادي ، لأنهم لم يكونوا يؤمنون بقوة بضرورة الوراثة العمودية وعدم جواز إمامة الأخوين .

إذن .. فان · الدليل العقلي كان أشبه بالافتراض الفلسفي العاري عن الإثبات التاريخي . وكان ذلك يتجلى في استناد بعض المتكلمين على الحديث الرضوي القائل :( إن صاحب هذا الأمر لا يموت حتى يرى ولده من بعده ) لإثبات وجود الولد للإمام العسكري ، كما ينقل الشيخ الطوسي في :(الغيبة) .

بالرغم من إمكانية الاستدلال بنفس الحديث لنقض إمامة العسكري ، كما فعل قسم من الشيعة الذين تراجعوا عن القول بإمامة العسكري ، واتخذوا من عدم إنجابه ولدا تستمر الإمامة فيه دليلا على عدم صحة إمامته ، كما تراجع الشيعة الموسوية ، في منتصف القرن الثاني ، عن القول بإمامة عبد الله ألا فطح ، لأنه لم ينجب ، وشطبوا اسمه من قائمة الأئمة .

واعتبر ذلك الفريق من الشيعة التراجع عن إمامة العسكري والقول بإمامة جعفر بعد أبيه الهادي مباشرة ، أهون من افتراض ولد موهوم للعسكري .

والغريب إن السيد المرتضى علم الهدى يتهم الذين قالوا بوجود ولد للإمام عبد الله ألافطح ، باللجوء إلى اختراع شخصية وهمية اضطرارا من اجل الخروج من الحيرة والطريق المسدود (17) ، ولكنه يمارس نفس الشيء في عملية افتراض وجود ابن للحسن العسكري ، وذلك اضطرارا من اجل الخروج من الحيرة التي عصفت بالشيعة الإمامة في منتصف القرن الثالث الهجري.

ولا بد بعد ذلك من الإشارة إلى إن تسمية عملية الاستدلال النظري على وجود ابن للحسن العسكري ، بالدليل (العقلي) هو من باب التسامح والاستعارة ، وإلا فانه ابعد ما يكون عن الاستدلال العقلي ، إذ يعتمد على مجموعة مقولات نقلية ، وبعضها اخبار آحاد بحاجة إلى إثبات الدلالة والسند كمقولة (الوراثة العمودية وعدم جواز انتقال الإمامة إلى أخوين بعد الحسن والحسين) .. ومن هنا فقد اعترف الشيخ الصدوق في :(إكمال الدين) وقال:( إن القول بغيبة صاحب الزمان مبني على القول بإمامة آبائه ... وان هذا باب شرعي وليس بعقلي محض ) .

وهذا يعني إن المناقشة في أية مقدمة من مقدمات الدليل (العقلي) الطويلة كضرورة العصمة في الإمام ، وضرورة النص عليه من الله ، وثبوت الإمامة في أهل البيت وانحصارها في البيت الحسيني ، وكيفية انتقالها من أمام إلى أمام ، ودعاوى بقية الأئمة الذين ادعوا الإمامة والمهدوية كمحمد بن الحنفية وابنه أبى هاشم وزيد بن علي ومحمد بن عبد الله ذي النفس الزكية واسماعيل بن جعفر وأبنائه ، وعبدالله ألا فطح ومحمد بن علي الهادي .. وما إلى ذلك من التفاصيل الجزئية في نظرية الإمامة الإلهية ، من البداية إلى النهاية ، حتى وفاة الإمام الحسن العسكري .. إن المناقشة في اية مقدمة من تلك المقدمات تسد الطريق على الوصول إلى فرضية ( وجود ابن الحسن العسكري)..

ومن هنا كان إثبات وجود (الإمام المهدي محمد بن الحسن العسكري) بصورة عقلية لسائر الناس أو سائر المسلمين ، أو سائر الفرق الشيعية ، أو حتى لسائر الفرق الإمامة التي لم توافق على مبدأ :( الوراثة العمودية) صعبا أو مستحيلا .. ولذلك كان علماء الكلام (الاثناعشريون) يمتنعون عن خوض النقاش مع سائر الناس حول إثبات شخصية (ابن الحسن) إلا بعد التسليم بالمقدمات النقلية الطويلة السابقة ، والإيمان بكل واحدة واحدة منها .

وقد قال عبدالرحمن بن قبة الرازي في الرد على علي بن احمد بن بشار :( لا نتكلم في فرع لم يثبت اصله ، وهذا الرجل (ابن الحسن) الذي تجحدون وجوده ، فانما يثبت له الحق بعد أبيه .. فلا معنى لترك النظر في حق أبيه والاشتغال بالنظر معكم في وجوده ، فإذا ثبت الحق لأبيه ، فهذا ثابت ضرورة عند ذلك بإقراركم ، وان بطل إن يكون الحق لأبيه فقد آل الأمر إلى ما تقولون ، وقد ابطلنا ) .

وقال السيد المرتضى :( إن الغيبة فرع لأصول إن صحت فالكلام في الغيبة اسهل شيء وأوضحه ، إذ هي متوقفة عليها ، وان كانت غير صحيحة فالكلام في الغيبة صعب غير ممكن ) .

ومع إن التسليم بإمامة الحسن العسكري لا يؤدي بالضرورة إلى التسليم بوجود ولد له ، فان القول بذلك مبني على ضرورة استمرار الإمامة الإلهية إلى يوم القيامة وبوجوب توارثها بصورة عمودية . وهو ليس إلا افتراض وهمي ، وظن بغير علم .

ولذا يقول الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في كتابه :(المهدي : الثورة الكبرى) :·ان الاستدلال الفلسفي يمكن إن يثبت قضايا كلية عامة، ولكنه لا يستطيع إن يضع اصبعه على إنسان في الخارج ، ويثبت وجوده .

نقد الدليل الروائي   (النقلي)

لسنا بحاجة لمناقشة الاستدلال بالقرآن الكريم أو الأحاديث العامة التي تتحدث عن (المهدي) أو (القائم) من دون تحديد هوية ذلك الشخص.. فان هدف دراستنا ليس نفي مبدأ خروج المهدي في المستقبل من الأساس .. وانما نهدف إلى القول إن شخصاً باسم (محمد بن الحسن العسكري) لم يولد ولم يوجد بعد ، وبالتالي فان تلك الآيات أو الأحاديث العامة لا تثبت ولادة ذلك الانسان أو وجوده ، بالرغم من إمكانية المناقشة في دلالة الآيات الكريمة على الموضوع.

أما الروايات الواردة حول (الغيبة) و(الغائب) فهي أيضا لا تتحدث عن (غائبٍ) بالتحديد.. ولا تذكر اسم (محمد بن الحسن العسكري) ولا تشير إلى غيبته بالخصوص.. وبالتالي فانها لا يمكن إن تشكل دليلا على (غيبة الحجة بن الحسن) لأنه لم يولد بعد .. ولم يغب .. وهي لا تتحدث عن أمر قبل وقوعه حتى يكون ذلك إعجازاً ودليلا على صحة الغيبة ، كما قال الشيخ الصدوق.

ولا توجد في تلك الروايات اية دلالة على ما ذهب إليه المتكلمون ، لأنها لم تتضمن الإخبار بالشيء قبل كونه ، كما قال الشيخ الطوسي ، ولم يحصل أي إخبار مسبق من جهة علام الغيوب.. وذلك لأن تلك الروايات كانت موجودة من قبل وتتحدث عن أشخاص آخرين كانوا موجودين فعلا ، وادعيت لهم المهدوية وغابوا في الشعاب والجبال والسجون كمحمد بن الحنفية ومحمد بن عبد الله بن الحسن (ذي النفس الزكية) والإمام موسى الكاظم (ع).. وقد حدث في ظل غيبتهم إن تفرق شيعتهم واختلفوا واحتاروا.. وقد صنع اصحابهم تلك الروايات من وحي الواقع ولأهداف خاصة ، وبالذات الشيعة الواقفية الذين كانوا يؤمنون بقوة بمهدوية الإمام الكاظم ، ولما اعتقله الرشيد قالوا بغيبته ، ولما توفي الإمام رفضوا الاعتراف بوفاته وادعوا هروبه من السجن وغيبته غيبة كبرى لا يُرى فيها، واعتبروا مرحلة السجن غيبة صغرى. وقد كانت الغيبة الكبرى اطول من الغيبة الصغرى ، لأنها امتدت وامتدت بلا حدود .

وكان الواقفية قد استعاروا أحاديث الغيبة ممن سبقهم من الحركات المهدوية ، وطبقوها على الإمام الكاظم .

وإذا توقفنا عند الرواية التي يذكرها النعماني حول الغيبة ، والتي يقول عنها :· لو لم يكن يروى في الغيبة إلا هذا الحديث لكان فيها كفاية لمن تأملها لوجدنا أنها تتحدث عن الوفاة والقتل والذهاب لإمام موجود ومعروف سابقا.. بينما يحتاج هو (أي النعماني) إن يثبت وجود (الإمام محمد بن الحسن العسكري) أولا حتى يستطيع إن ينسب إليه تلك الأفعال لاحقاً.

 لقد كان المتكلمون في البداية ( في القرن الثالث الهجري) يحاولون إثبات صحة فرضية ( وجود الإمام الثاني عشر ابن الحسن ) ولم يكونوا يتحدثون عن (المهدي والمهدوية) إذ انهم كانوا بحاجة إلى إثبات وجود العرش قبل إثبات النقش.. ولكن الأزمة التي وقعوا فيها بعد القول بوجود (ابن الحسن) وهي :(عدم ظهور الإمام للقيام بمهمات الإمامة ) دفعتهم إلى البحث والتنقيب في تراث الفرق الشيعية القديمة كالكيسانية والواقفية ، والتفتيش عن مخرج للأزمة والحيرة ، ووجدوا في أحاديث المهدوية القديمة أفضل حل للخروج من أزمة عدم الظهور ، ودليلاً جديداً على إثبات فرضية (وجود ابن الحسن) في نفس الوقت.

ومن هنا فقد تطورت الفرضية التي كانت مهتمة بإثبات (وجود الإمام الثاني عشر) إلى الحديث عن (مهدويته) واصبح الحديث يدور حول (وجود الإمام المهدي الحجة ابن الحسن العسكري) وذلك انطلاقا من حالة الفراغ والغيبة وعدم المشاهدة ، والاستنتاج منها: إن الشخص المفترض انه الإمام والذي لا يُشاهد : هو المهدي صاحب الغيبة ، وان سبب عدم مشاهدته هو : الغيبة!

وإذا كان يصح الاستدلال بتلك الروايات على مهدوية الأئمة السابقين المعروفين الذين غابوا في السجون أو الشعاب أو في سائر انحاء الأرض ، فانه لا يمكن الاستدلال بها على صحة فرضية (وجود ابن الحسن) .. وذلك لأن وجوده كان موضع شك واختلاف بين أصحاب الإمام الحسن العسكري، وان عملية الاستدلال بها على (مهدوية ابن الحسن) بحاجة أولا إلى الاستدلال على وجوده واثبات ذلك قبل الحديث عن إمامته ومهدويته وغيبته وما إلى ذلك.

وان الاستدلال بالغيبة على الوجود ، بدون إثبات ذلك من قبل ، يشبه عملية الاستدلال على وجود ماء في إناء ، بالقول :· إن الماء لا رائحة له ولا لون.. ونحن لا نشم رائحة ولا نرى لونا في هذا الإناء.. إذن فان فيه ماء !

إذا كان ذلك لا يجوز إلا بعد إثبات وجود شيء سائل في الإناء ثم القول : إن هذا السائل ليس له لون ولا رائحة..فإذن هو ماء ، فان عملية إثبات وجود (ابن الحسن) كذلك تحتاج أولا إلى إثبات وجوده وإمامته ومهدويته.. ثم إثبات غيبته ، لا إن يتم عكس الاستدلال ، فيُتخذ من المجهول والعدم و ( الغيبة ) دليلا على إثبات الوجود والإمامة والمهدوية لشخص لا يزال موضع بحث ونقاش!.

إذن فلا يمكن في الحقيقة الاستدلال بأحاديث ( الغيبة ) العامة والغامضة والضعيفة على إثبات وجود (الإمام محمد بن الحسن العسكري) .

وقد حاول بعض المنظرين لموضوع (الغيبة) إن يستشهدوا بحديث الغيبتين الصغرى والكبرى ليثبتوا صحة (نظرية وجود ابن الحسن) ولكن حكاية (الغيبتين) نفسها لم تثبت في التاريخ ، ولا يوجد عليها دليل سوى موضوع (النيابة الخاصة ) التي ادعاها بعض الأشخاص ، وهي لم تثبت لهم في ذلك الزمان ، وكان الشيعة القائلون بوجود (ابن الحسن) يختلفون فيما بينهم حول صحة ادعاء هذا الشخص او ذاك بالنيابة الخاصة التي كان قد ادعاها حوالي عشرين شخصا أكثرهم من الغلاة . ومن هنا فان الحد الفاصل بين الغيبتين : الصغرى والكبرى كان حداً وهمياً لم يثبت في التاريخ . ويلاحظ ان الاستشهاد ب :(الغيبتين ) قد ابتدأه النعماني في منتصف القرن الرابع الهجري ، بعد انتهاء عهد (النواب الخاصين) ولم يشر اليه من سبقه من المؤلفين حول (الغيبة) الذين اكتفوا بالإشارة الى الغيبة الواحدة .

 وقد اعترف السيد المرتضى علم الهدى والشيخ الطوسي لدى الحديث عن أسباب الغيبة: ان من الضروري أولا بحث موضوع الوجود والإمامة ل : ( ابن الحسن العسكري) قبل الحديث عن الغيبة واسبابها.

وقالا:· ان من شك في إمامة ابن الحسن يجب ان يكون الكلام معه في نص إمامته ، والتشاغل بالدلالة عليها ، ولا يجوز مع الشك فيها ان نتكلم في سبب الغيبة ، لأن الكلام في الفرع لا يسوغ إلا بعد إحكام الأصول .

دليل (الاثني عشرية )

وهذا دليل متأخر .. بدأ المتكلمون يستخدمونه بعد اكثر من نصف قرن من الحيرة ، اي في القرن الرابع الهجري ، ولم يكن له أثر في القرن الثالث عند الشيعة الامامية ، حيث لم يشر اليه الشيخ علي بن بابويه الصدوق في كتابه:( الامامة والتبصرة من الحيرة) كما لم يشر اليه النوبختي

في كتابه:(فرق الشيعة) ولا سعد بن عبد الله الاشعري القمي في :(المقالات والفرق).. وذلك لأن النظرية (الاثني عشرية) طرأت على الامامية في القرن الرابع ، بعد ان كانت النظرية الامامية ممتدة الى آخر الزمان بلا حدود ولا حصر في عدد معين ، كما هو الحال عند الاسماعيليين والزيدية.. لأنها كانت موازية لنظرية الشورى وبديلا عنها.. فمادام في الأرض مسلمون ويحتاجون الى دولة وامام ، وكان محرماً عليهم اللجوء الى الشورى والانتخاب - كما تقول النظرية الامامية - كان لا بد ان يعين الله لهم إماما معصوما منصوصا عليه .. فلماذا إذن يحصر عدد الأئمة في اثني عشر واحدا فقط؟

 من هنا لم يكن الاماميون يقولون بالعدد المحدود في الأئمة ، ولم يكن حتى الذين قالوا بوجود (الامام محمد بن الحسن العسكري) يعتقدون في البداية انه خاتم الأئمة ، وهذا هو النوبختي يقول في كتابه (فرق الشيعة):· ان الامامة ستستمر في أعقاب الامام الثاني عشر الى يوم القيامة ( انظر : المصدر: الفرقة التي قالت بوجود ولد للعسكري).

تشير روايات كثيرة يذكرها الصفار في :(بصائر الدرجات) والكليني في (الكافي) والحميري في (قرب الاسناد) والعياشي في (تفسيره) والمفيد في (الارشاد) والحر العاملي في (إثبات الهداة) وغيرهم وغيرهم .. الى ان الأئمة انفسهم لم يكونوا يعرفون بحكاية القائمة المسبقة المعدة منذ زمان رسول الله (ص) وعدم معرفتهم بامامتهم او بإمامة الامام اللاحق من بعدهم الا قرب وفاتهم ، فضلا عن الشيعة او الامامية انفسهم الذين كانوا يقعون في حيرة واختلاف بعد وفاة كل أمام ، وكانوا يتوسلون لكل أمام ان يعين اللاحق بعده ويسميه بوضوح لكي لا يموتوا وهم لا يعرفون الامام الجديد.

 يروي الصفار في (بصائر الدرجات) (3) باب (ان الأئمة يعلمون الى من يوصون قبل وفاتهم مما يعلمهم الله) : حديثا عن الامام الصادق يقول فيه:· ما مات عالم حتى يعلمه الله الى من يوصي ، كما يرويه الكليني في (الكافي) (4) ، ويروي ايضا عنه (ع) :· لا يموت الامام حتى يعلم من بعده فيوصي اليه وهو ما يدل على عدم معرفة الأئمة من قبل باسماء خلفائهم ، او بوجود قائمة مسبقة بهم . وقد ذهب الصفار والصدوق والكليني ابعد من ذلك فرووا عن أبى عبدالله انه قال:· ان الامام اللاحق يعرف إمامته وينتهي اليه الأمر في آخر دقيقة من حياة الأول.

 ونتيجة لذلك فقد طرحت عدة اسئلة في حياة اهل البيت ، وهي : كيف يعرف الامام إمامته اذا مات ابوه بعيدا عنه في مدينة اخرى؟ وكيف يعرف انه أمام اذا كان قد اوصى الى جماعة؟ او لم يوصِ ابدا؟ وكيف يعرف الناس انه اصبح إماما؟ خاصة اذا تنازع الاخوة الامامة وادعى كل واحد منهم الوصية؟ كما حدث لعدد من الأئمة في التاريخ؟

 روى الكليني حديثا عن احد العلويين هو عيسى بن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبى طالب ، قال قلت لأبي عبدالله: - ان كان كونٌ - ولا أراني الله ذلك - فبمن أأتم؟ ..قال فأومأ الى ابنه موسى ، قلت: - فان حدث بموسى حدث فبمن أأتم؟ قال : - بولده، قلت:  - فان حدث بولده حدث وترك أخا كبيرا وابنا صغيرافبمن أأتم؟ قال: - بولده، ثم قال: هكذا ابدا . قلت: فان لم اعرفه ولا اعرف موضعه؟ قال: - تقول: اللهم اني اتولى من بقي من حججك من ولد الامام الماضي ، فان ذلك يجزيك ان شاء الله .

 وهذا الحديث يدل على عدم وجود قائمة مسبقة باسماء الأئمة من قبل، وعدم معرفة علوي امامي مثل عيسى بن عبدالله بها ، وامكانية وقوعه في الحيرة والجهل ، ولو كانت القائمة موجودة من قبل لأشار الامام اليها

وبسبب غموض هوية الأئمة اللاحقين لجماهير الشيعة والامامية ، فقد كانوا يسألون الأئمة دائما عن الموقف الواجب اتخاذه عند وفاة احد الأئمة. ينقل الكليني وابن بابويه والعياشي حديثا عن يعقوب بن شعيب عن أبى عبدالله ، قال قلت له: - اذا حدث للامام حدث كيف يصنع الناس؟ قال: - يكونوا كما قال الله تعالى ( فلولا نفر من كل فرقةمنهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون) قلت : - فما حالهم ؟ قال:  - هم في عذر ما داموا في الطلب ، وهؤلاء الذين ينتظرونهم في عذر حتى يرجع اليهم اصحابهم .

 وهناك رواية اخرى مشابهة عن زرارة بن اعين الذي ابتلي بهذه المشكلة ومات بُعَيد وفاة الامام الصادق ، ولم يكن يعرف الامام الجديد فوضع القرآن على صدره وقال: اللهم اشهد اني اثبت من يقول بامامته هذا الكتاب .

وقد كان زرارة من اعظم تلاميذ الامامين الباقر والصادق ، ولكنه لم يعرف خليفة الامام الصادق فأرسل ابنه عبيدالله الى المدينة لكي يستطلع له الامام الجديد ، فمات قبل ان يعود اليه ابنه ومن دون ان يعرف من هو الامام ؟

وتقول روايات عديدة يذكرها الكليني في (الكافي)

(10) والمفيد في (الارشاد) (11) والطوسي في (الغيبة) (12) : ان الامام الهادي اوصى في البداية الى ابنه السيد محمد ، ولكنه توفي في حياة أبيه ، فأوصى للامام الحسن وقال له:· لقد بدا لله في محمد كما بدا في إسماعيل.. يابني أحدث لله شكراً فقد احدث فيك أمراً ، او نعمة .

وإذا كانت روايات القائمة المسبقة باسماء الأئمة الاثني عشر صحيحة وموجودة من قبل ، فلماذا لم يعرفها الشيعة الامامية الذين اختلفوا واحتاروا بعد وفاة الامام الحسن العسكري ، ولم يشر اليها المحدثون او المؤرخون الامامية في القرن الثالث الهجري؟

ان نظرية (الاثناعشرية) لم تكن مستقرة في العقل الامامي حتى منتصف القرن الرابع الهجري .. حيث أبدى الشيخ محمد بن علي الصدوق شكه بتحديد الأئمة في اثني عشر اماماً فقط ، وقال:· لسنا مستعبدين في ذلك الا بالاقرار باثني عشر إماما ، واعتقاد كون ما يذكره الثاني عشر بعده .

ونقل الكفعمي في (المصباح) عن الامام الرضا (ع) الدعاء التالي حول (صاحب الزمان) :· ... اللهم صل على ولاة عهده والأئمة من بعده .

وروى الصدوق عدة روايات حول احتمال امتداد الامامة بعد الثاني عشر وعدم الاقتصار عليه ، وكان منها رواية عن الامام أمير المؤمنين (ع) حول غموض الأمر بعد القائم ، وان رسول الله (ص) قد عهد اليه : ان لا يخبر احدا بذلك الا الحسن والحسين ، وانه قال: لا تسألوني عما يكون بعد هذا ، فقد عهد اليّ حبيبي ان لا اخبر به غير عترتي .

وروى الطوسي في (الغيبة): ان رسول الله (ص) قال لعلي:· يا علي انه سيكون بعدي اثنا عشر إماما ومن بعدهم اثنا عشر مهديا ، فأنت ياعلي اول الاثني عشر الامام ... ثم يكون من بعده اثنا عشر مهديا .

وعندما نشأت فكرة تحديد عدد الأئمة ، بعد القول بوجود وغيبة ( محمد بن الحسن العسكري) ، كاد الشيعة الامامية يختلفون فيما بينهم حول تحديد عددهم باثني عشر او ثلاثة عشر ، اذ برزت في ذلك الوقت روايات تقول : بأن عدد الأئمة ثلاثة عشر ، وقد نقلها الكليني في (الكافي) (17) و وُجدت في الكتاب الذي ظهر في تلك الفترة ونُسِبَ الى سليم بن قيس الهلالي ، حيث تقول احدى الروايات : ان النبي قال لأميرالمؤمنين :( انت واثنا عشر من ولدك أئمة الحق) . وهذا ما دفع هبة الله بن احمد بن محمد الكاتب ، حفيد أبى جعفر محمد بن عثمان العمري ، الذي كان يتعاطى (الكلام) لأن يؤلف كتابا في الامامة ، يقول فيه : ان الأئمة ثلاثة عشر ، ويضيف الى القائمة المعروفة (زيد بن علي) كما يقول النجاشي في (رجاله) .

وقد ذكر المؤرخ الشيعي المسعودي (توفي سنة 345ه ) في ( التنبيه والاشراف):· ان أصل القول في حصر عدد الأئمة باثني عشر ما ذكره سليم بن قيس الهلالي في كتابه .

وكان كتاب سليم قد ظهر في بداية القرن الرابع الهجري ، وتضمن قائمة باسماء الأئمة الاثني عشر ، التي يقول عنها : أنها كانت معروفة منذ عهد رسول الله وانه هو الذي قد أعلنها من قبل . وأدى ظهور هذا الكتاب الى تكون الفرقة (الاثني عشرية) في القرن الرابع الهجري.. ثم بدأ الرواة يختلقون الروايات شيئا فشيئا ، ولم يذكر الكليني في (الكافي) سوى سبع عشرة رواية ، ثم جاء الصدوق بعده بخمسين عاما ليزيدها الى بضع وثلاثين رواية.. ثم يأتي تلميذه الخزاز ليجعلها مائتي رواية!

المفيد يضعف كتاب سليم

وكان اعتماد الكليني والنعماني والصدوق في قولهم بالنظرية (الاثني عشرية) على كتاب سليم الذي وصفه النعماني : بأنه من الأصول التي يرجع اليها الشيعة ويعولون عليها ، ولكن عامة الشيعة في ذلك الزمان كانوا يشكون في وضع واختلاق كتاب سليم ، وذلك لروايته عن طريق (محمد بن علي الصيرفي ابو سمينة ) الكذاب المشهور ، و (احمد بن هلال العبرتائي) الغالي الملعون ، وقد قال ابن الغضائري :· كان اصحابنا يقولون : ان سليما لا يُعرف ولا ذكر له... والكتاب موضوع لا مرية فيه وعلى ذلك علامات تدل على ما ذكرنا ... .

وقد ضعّف الشيخ المفيد (كتاب سليم) وقال:· انه غير موثوق به ولا يجوز العمل على اكثره ، وقد حصل فيه تخليط وتدليس ، فينبغي للمتدين ان يتجنب العمل بكل ما فيه ولا يعوّل على جملته والتقليد لروايته ، وليفزع الى العلماء فيما تضمنه من الأحاديث ليوقفوه على الصحيح منها والفاسد ( المفيد: اوائل المقالات وشرح اعتقادات الصدوق).

وانتقد المفيدُ : الصدوقَ على نقله الكتاب واعتماده عليه وعزى ذلك الى منهج الصدوق الاخباري ، وقال عنه: · انه على مذهب أصحاب الحديث في العمل على ظواهر الالفاظ والعدول عن طرق الاعتبار ، وهذا رأي يضر صاحبه في دينه ويمنعه المقام عليه عن الاستبصار .

ومن هنا فقد اعترض الزيدية على الامامية وقالوا:· ان الرواية التي دلّت على ان الأئمة اثناعشر قولٌ أحدثه الامامية قريباً وولّدوا فيه أحاديث كاذبة واستشهدوا على ذلك بتفرق الشيعة بعد وفاة كل أمام الى عدة فرق وعدم معرفتهم للامام بعد الامام ، وحدوث البداء في إسماعيل ومحمد بن علي ، وجلوس عبدالله ألا فطح للامامة واقبال الشيعة اليه وحيرتهم بعد امتحانه ، وعدم معرفتهم الكاظم حتى دعاهم الى نفسه ، وموت الفقيه زرارة بن اعين دون معرفته بالامام .

وقد نقل الصدوق اتهاماتهم للامامية باحداث النظرية (الاثني عشرية) في وقت متأخر ، ولم ينفِ التهمة ولم يرد عليها ، وانما برر ذلك بالقول: · ان الامامية لم يقولوا : ان جميع الشيعة بما فيهم زرارة كانوا يعرفون الأئمة الاثني عشر ثم انتبه الصدوق الى منزلة زرارة وعدم إمكانية جهله بأي حديث من هذا القبيل ، وهو اعظم تلامذة الامامين الباقر والصادق ، فتراجع عن كلامه وقال باحتمال علم زرارة بالحديث وإخفاءه للتقية ، ثم عاد فتراجع عن هذا الاحتمال وقال:· ان الكاظم قد استوهبه من ربه لجهله بالامام ، لأن الشاك فيه على غير دين الله .

وهذا ما يناقض دعوى الخزاز في (كفاية الأثر) والطوسي في (الغيبة) بتواتر أحاديث (الاثني عشرية) عن طريق الشيعة ، ويثبت ان لا أساس لها من الصحة في الاجيال الأولى وخاصة في عهود الأئمة من آل البيت (ع) حيث لم يكن يوجد لها اي أثر ، خاصة وان الطوسي لم يذكر الكتب الشيعية القديمة التي زعم أنها تتحدث عن (الاثني عشرية) وقد تهرب الخزاز من مناقشة تهمة الوضع المتأخر ، وحاول ان ينفي تهمة الوضع من قبل الصحابة والتابعين واهل البيت (24) في حين ان التهمة لم تكن موجهة الى الصحابة واهل البيت ، وانما الى بعض الرواة المتأخرين الذين اختلقوا كتاب سليم في عصر الحيرة . من امثال (ابو سمينة) و (العبرتائي ) و (علي بن ابراهيم القمي).

أين الدلالة؟

هذا وان معظم الأحاديث التي تتحدث عن حصر الأئمة في اثني عشر ، وكذلك جميع الأحاديث الواردة عن طريق السنة لا تذكر اسماء الأئمة او الخلفاء او الامراء بالتفصيل.. وان الأحاديث السنية بالذات لا تحصرهم في اثني عشر ، وانما تشير الى وقوع الهرج بعد الثاني عشر من الخلفاء ، كما في رواية الطوسي عن جابر بن سمرة (25) او تتحدث عن النصر للدين او لأهل الدين حتى مضي اثني عشر خليفة .

ولو اخذنا بنظرية الشيعة الامامية الفطحية الذين لا يشترطون الوراثة العمودية في الامامة ، لأصبح الامام الحسن العسكري هو الامام الثاني عشر ، بعد الاقرار بإمامة عبدالله ألا فطح بن الصادق ، او الاعتراف بإمامة زيد بن علي ، الذي اعترف به قسم من الامامية .

إذن .. فان الاستدلال بأحاديث (الاثني عشرية) العامة والغامضة والضعيفة دون وجود دليل علمي على ولادة (محمد بن الحسن العسكري) هو نوع من الافتراض والظن والتخمين .. وليس استدلالا علميا قاطعا..

(لا بد من أمام حي ظاهر يُعرف!)

اما الدليل النقلي الأخير القائل بضرورة وجود الامام في كل عصر ، وعدم جواز خلو الأرض من حجة.. فهو دليل ينقض نفسه بنفسه ، اذ ما معنى الامام والحجة ؟ وما الفائدة منهما ؟ أليس لهداية الناس وادارة المجتمع وتنفيذ الاحكام الشرعية؟ فكيف يمكن للامام الغائب - على فرض وجوده - ان يقوم بكل ذلك؟ .. وإذا كان الامام الغائب يقوم بمهمة الامامة والحجية ، فلماذا شعر الفقهاء بالحاجة الى الامام والحجة في عصر الغيبة ؟

وإذا كان الهدف من وجوده هو ادارة الكون كما يقول بعض الغلاة ، فان الله سبحانه وتعالى لديه ملائكة كثيرون يقومون بذلك..

وقد رد الامام علي بن موسى الرضا (ع) على الواقفية الذين قالوا بغيبة أبيه (الامام الكاظم) : بأنه لا بد من أمام حي ظاهر يعرفه الناس ويرجعون اليه ! وقال:· ان الحجة لا تقوم لله على خلقه الا بامام حي يُعرف و · من مات بغير أمام مات ميتة جاهلية.. أمام حي يعرفه.. وقد قال رسول الله (ص): من مات وليس له أمام يسمع له ويطيع مات ميتة جاهلية . 27

وقال الامام الرضا لأحد الواقفية:· من مات وليس عليه أمام حي ظاهر مات ميتة جاهلية ، فسأله مستوضحا ومركزا على كلمة (أمام حي) فأكد له مرة اخرى ( أمام حي ) .

ان منشأ هذه الفكرة هي المقدمة الأولى العقلية لنظرية الامامة ، والمقصود منها : ضرورة وجود عموم الامام (اي الرئيس) في الأرض ، وعدم جواز بقاء المجتمع بلا حكومة ، اية حكومة واي أمام .. وإذا كانت قد تطورت الى ضرورة وجود (الامام المعصوم المعين من قبل الله) فان الاصرار عليها والاستنتاج منها : وجود (الامام محمد بن الحسن العسكري) واستمرار حياته الى اليوم ، هو ايضا نوع من الافتراض والظن والتخمين . فاين هو الامام المعلم الهادي والمطبق لأحكام الله الذي يحافظ على الشريعة من الزيادة والنقصان؟

 وحتى لو صحت تلك الأحاديث فقد يكون الامام شخصا آخر .. اذا لم يكن